معاً للنجاح

10:34 13 يناير 2015 الكاتب :   د. إيمان الشوبكي
نريد أن يكون عنوان حياتنا ومشوارنا فيها هو النجاح، والنجاح مع من نحب نجاح آخر أكيد

دخلا عليَّ المكتب يطلبان التوجيه والإرشاد في حياتهما العملية والنجاح في حياتهما الزوجية المقبلة.

سألتهما: لماذا لجأتما لطريق يجهله الكثيرون ولا يعبأ بقيمته إلا قليلون؟

قال: أنا وخطيبتي قررنا أن نقدم نموذجاً حديثاً للحياة الأسرية والعملية الناجحة على أسس علمية.

أكملت هي قائلة: فاتفقنا أن نأخذ الطريق من أوله ونسميه.

قاطعتها قائلةً: معاً للنجاح؟

قال: بالفعل، نريد أن يكون عنوان حياتنا ومشوارنا فيها هو النجاح، والنجاح مع من نحب نجاح آخر أكيد.

قلت: أي نجاح تقصدان؟

قالت: في كل شيء.

قال: نريد مهارات تساعدنا على الإنجاز في الحياة بشكل يجنبنا الأخطاء والصدمات، فتعلمين كم أن كثيراً من الآباء يهتمون بتعليمنا العبادات والسلوكيات، لكن هناك ما هو دون ذلك لم يُلقوا له بالاً من مثل كسب الخيرات والمهارات عن طريق العلم، لا بأنفسنا بطريقة التجربة والخطأ، أو بإملاء سلطوي من تجارب أبوية قديمة، وهناك من العلوم التي تجعلنا نكسب الآخرين دون مشكلات وعقبات.

قالت: لكن لماذا لم يحتَج أجدادنا لمثل هذه المهارات والعلوم الحديثة؟

أجبت: لأن مدخلات الحياة على الناس أصبحت كثيرة ومتعددة الجهات والمنافذ؛ نتيجة تطور «الميديا» والثورة التكنولوجية المتصارعة، والتي تتسبب في نقل ثقافات أخرى من بلاد أخرى فأدخلت على الحياة؛ لسهولة التواصل مع العالم بضغطة زر يعرف كل ما يدور حوله في أي مجال تشاء، ومعطيات كل منها قد تكون شبه متجمدة غير مستحدثة فلا تواكب المدخلات والمعطيات.

أهداف وخطط

قلت: من أي المداخل والمهارات تريدان؟

قال: نحن حددنا أهدافنا مع بعض في اتجاهات عدة وخططنا لها.

قالت: وقرار مجيئنا لك ضمن خططنا وأهدافنا التي نريد الوصول إليها بنجاح وتميز.

قلت: نعم أنتما تريدان لغة للتفاهم مع بعضكما ومع من حولكما لتختصرا طريق التجربة والخطأ مع بعضكما ومع الآخرين.

قال: وأيضاً أن نحقق أحلامنا دون أن نخسر أحداً في طريقنا إلى الأهداف.

أومأت قائلة: جيد، هذا ما أتمنى أن نراه في زيجات المستقبل، وأن يستفيدوا من ماضي آبائهم لغد أحسن منه وتجنب سلبياته.

ونحن سنعمد لذلك كثيراً في «معاً للنجاح» من خلال بوابات للتفاهم، ومن خلال برامج عقلية وأنظمة فكرية وتوجهات عاطفية مختلفة تؤثر على أخذ القرارات في الحياة، وكذلك درجة التفاعل مع الآخرين وغيرها الكثير.

تطبيق المعلومة

قال: سنتواصل معك حتى نصل إلى كل ما يجب أن نفعله لنصل إلى النجاح.

ضحكت: أنت طموح جداً لدرجة الطمع، سقف المعرفة لديك لا نهاية له، فالأهم هو التطبيق على أرض الواقع، إن كثيراً من الناس لا ينقصهم المعلومة، وإن أزمة 50% مَنْ لديهم مشكلات؛ مشكلاتهم مع التنفيذ والتطبيق للمعلومة وليس معرفة المعلومة أو إدراكها.

قالت: ولماذا؟ إذا كان الإنسان «يعلم»؛ فلماذا لا «يعمل»؟

قلت: إما عن عدم قناعة بما عرف وعلم، أو كسل في التنفيذ، أو أخطأ في التطبيق فتركه بالكلية، وغيرها من الأسباب التي لا تبرر عدم التطبيق.

قال: وما الذي ستبدئين به؟

قلت: دائماً أنت عجول ومتسرع، فقد تبدو الحياة جميلة عندما تجمع أي طرفين اهتمامات مشتركة أو حوارات هادئة أو طباع متجانسة، وهذا أمر تسوقه مشاعر القبول والراحة النفسية بداية لأي طرف سواء كان شريك حياة أو زميلاً أو زميلة عمل أو حتى من الإخوة وغيرهم.

ومن نعم الله علينا ونواميسه فكرة التكامل فيما بيننا كل يعطي كل واحد منا ويتميز في الجزء الخاص به.

قاطعني: أكيد لأن الكمال لله وحده، لكن هذه الأمور مكتسبة أم فطرية؟

قلت: هناك أشياء جينية وراثية وأشياء أخرى مكتسبة، لكن علينا ألا نستسلم لأي طبع أو صفات تحت بند الوراثة أو العجز عن تغييرها.

الشخصية البشرية

قالت: كيف إذا كانت وراثية؟

قلت: إن قوة الإرادة عند الشخص قد تعدل الكثير في شخصيته، وإن الشخصية البشرية تتكون من مكونات ثلاثة: الجينات الوراثية، ثم المناخ والبيئة التي تربى فيها هذا الشخص، وأخيراً الظروف التي قد تعتري حياته.. فذلك يؤثر في المكون الأساسي وهو الجينات.

قالت: هل يعني ذلك أنه يغيرها؟

قلت: ليس بالكامل، لكن إما أن يقويها لدرجة التفريط، وإما أن يضعف منها لدرجة الإفراط، لكن لا يلغيها تماماً.

قال: إذاً فإن الإنسان بعزيمته يستطيع أن يكون مؤثراً ثالثاً للمكون الأول؛ وهو الجينات الوراثية؟

قلت: سؤالك ذكي.. لا.. المكونان الثاني والثالث يعتبران مكوناً ومؤثراً في الوقت نفسه؛ لأنه أثناء عمله تتكون الشخصية وتظهر السمات والصفات الشخصية، أما العزيمة فهي بعد مرحلة التكوين والنشأة وظهور سمات شخصية كل واحد، فالعزيمة تستطيع تغيير الكثير في حياتك، قد تحول المستحيل أحياناً إلى مستطاع ومتاح.

الإرادة والعزيمة

وها هي قصة ذلك الشاب لتؤكد ذلك:

كانت هناك مدرسة في البلدة الصغيرة ويتم تدفئتها باستخدام موقد صغير يعتمد على حرق الفحم، وكان هناك صبي صغير يأتي مبكراً إلى المدرسة كل يوم لإشعال النار لتدفئة الحجرة قبل وصول المعلم وزملائه.

وذات صباح وصلوا إلى المدرسة ليجدوها تحترق، فقاموا بسحب الصبي الصغير فاقداً للوعي والذي كان أقرب إلى الموت منه إلى الحياة؛ فقد أصيب بحروق شديدة في نصف جسده السفلي؛ فقاموا باصطحابه إلى مستشفى، بينما هو راقد على السرير مصاباً بحروق شديدة وفي نصف وعيه سمع الصبي الصغير الطبيب وهو يقول لأمه: إن طفلها ميت لا محالة، وهو الأفضل بالنسبة له، فقد شوهت النار الجزء الأسفل من جسده، ولكن الصبي لم يكن يريد أن يموت وصمم على النجاة.

وبطريقة ما أذهلت الطبيب تمكن من النجاة، وعندما زال الخطر المميت، سمع الطبيب ووالدته يتحدثان بصوت منخفض حيث قال لها الطبيب: إن الموت أفضل بالنسبة له؛ حيث دمرت النار اللحم الموجود في الجزء الأسفل من جسده، وإنه سيقضي بقية حياته معاقاً، وغير قادر على تحريك أطرافه.

ومرة أخرى صمم الصبي الصغير على أنه لن يكون معاقاً أبداً، ولسوف يمشي، ولكن لـسوء الحظ لم تكن هناك أي قوة دافعة لتحريك نصفه السفلي، فقدماه النحيلتان موجودتان ولكن بلا حياة.

وأخيراً خرج من المستشفى، وكانت والدته تقوم بتدليك رجليه كل يوم، ولكن لم يكن بهما أي إحساس وتحكم أو أي شيء، لكن تصميمه على المشي كان أقوى من ذي قبل، فعندما لا يكون على السرير كان يجلس على كرسي متحرك، وفي أحد الأيام المشرقة دفعته أمه إلى ساحة المنزل ليستنشق بعض الهواء المنعش، وفي هذا اليوم وبدلاً من الجلوس على المقعد المتحرك ألقى بنفسه على الأرض وأخذ يسحب جسده على الحشائش جارّاً رجليه خلفه.

وظل كذلك حتى وصل إلى السور الذي يحيط بحديقتهم، وبعد جهد كبير استطاع رفع نفسه على السور، واستند إلى السور، وبدأ في سحب نفسه بطول السور مقتنعاً بأنه سوف يمشي، وبدأ في القيام بهذا كل يوم حتى تمكن من السير بسهولة حول السور، فلم يرغب الصبي الصغير في أي شيء أكثر من إعادة الحياة إلى رجليه.

ومن خلال التدليك اليومي، وبإرادة جديدة وعزم قوي (وقبل كل ذلك إرادة المولى عز وجل)، تمكن من الوقوف أخيراً، ثم بدأ يمشي متكئاً على أي شيء، ثم استطاع المشي بنفسه، وأخيراً تمكن من الجري، ولاحقاً كوَّن فريقاً للجري في الجامعة.

ومؤخراً وفي أحد الميادين، ما زال يوجد ذلك الصبي الصغير الذي لم يكن من المتوقع أن يعيش، والذي لم يكن ليمشي، ولم يكن لديه أمل في الجري؛ بتصميم وعزيمة استطاع الطبيب «جلين كنجهام» إحراز لقب أسرع عدَّاء في العالم.

ومن هذه الإرادة القوية التي قرأناها في هذا الشاب نستطيع أن نبدأ معاً من المرة القادمة خطوات النجاح في «معاً للنجاح» العملي والزوجي والاجتماعي الإنساني، وبداية جديدة في كل شيء.

عدد المشاهدات 3874

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top