الإباحية.. سلاح الدمار الشامل

12:56 14 فبراير 2015 الكاتب :   عمر طاهيري
اكتسحت العالم منذ ما يزيد على ستة قرون من الزمن ظاهرة مرضية خطيرة تدمر الأخضر واليابس، ظاهرة تهلك الحرث والنسل، وتدفن معالم الإنسانية تحت التراب، لتنقل البشر إلى عالم البهيمية أو ما دون ذلك.. إنها تأخذ الإنسان من جانبه الأضعف، الجانب الذي تقل فيه قدر

اكتسحت العالم منذ ما يزيد على ستة قرون من الزمن ظاهرة مرضية خطيرة تدمر الأخضر واليابس، ظاهرة تهلك الحرث والنسل، وتدفن معالم الإنسانية تحت التراب، لتنقل البشر إلى عالم البهيمية أو ما دون ذلك.. إنها تأخذ الإنسان من جانبه الأضعف، الجانب الذي تقل فيه قدرته على المقاومة، ذلك هو عالم العواطف والغرائز، والمرض هو ما اصطلح عليه بـ"الإباحية".

في هذا السياق، تأتي الوثيقة التاريخية التي أصدرها الصحفي المتألق حسن السرات "الإباحية.. سلاح الدمار الشامل"، مسجلاً فيها ميلاد هذه الجرثومة المهلكة، ومحطاتها التاريخية التي مرت منها، وخلفياتها وأهدافها وتجارها وعلاقتها بحركة اللوطيين الجدد، كما يؤرخ في هذا الكتاب لتاريخ طويل من التدافع في مواجهة أباطرة الجنس ودعاة الإباحية داخل المغرب وخارجه، وما يسندهم من دروع إعلامية ثقيلة.

ثورة جنسية

يذكر الكاتب أن حكاية هذه الظاهرة تبدأ عام 1964م مع ظهور ما أطلق عليه بـ"الثورة الجنسية"، التي ادعت في البداية أن البشرية مكبلة بالتقاليد البالية الجامدة، والأخلاق الكاذبة التي تستخدمها البرجوازية للتحكم في المستضعفين، ولابد من تكسير هذه القيود، فعمت أوروبا بذلك موجة من التمرد على القيم الأخلاقية المرتبطة بالغريزة الجنسية.

وابتداء من نهاية القرن العشرين، يقول الكاتب: برز اسم المحلل النفساني النمساوي "وليام رايخ"، واحتل مكان الصدارة في نشر الإباحية؛ حتى أصبح رمزاً من رموزها؛ بعدما ألَّف عدة كتب تدعو إلى الإباحية مثل "الثورة الجنسية"، و"الكفاح الجنسي للشباب".

الجنس بضاعة

بعد ثلاثين عاماً على ذلك؛ سقط المعسكر الشرقي، وتحولت البرجوازية عن شكلها القديم لتأخذ شكلاً جديداً بظهور الاقتصاد الحر والسوق الحرة، يضيف صاحب الكتاب، ومن ثم الاستهلاك إلى الحر، وتحول الجنس إلى بضاعة تروج في السوق وتخضع لقوانين العرض والطلب، فمن البورنوغرافيا إلى الدعارة الاحترافية أو المومسية، ومن الإشباع المقسط بالدقائق إلى المقاولات المتخصصة في الخدمات، ومن أشهر الأسماء التي راكمت ثروات ضخمة من نخاسة الجسد؛ الملياردير الأمريكي الذي تربع على عرش تجارة "البورنو" "لارت فنايت"، والألمانية "بيت أوهس".

من الدعارة إلى الشذوذ

يذكر المؤلف أن الثورة الرقمية كسرت كل الحدود، ونقلت الدعارة المنظمة والمقنعة إلى الشذوذ الجنسي والاستغلال الجنسي للأطفال والسياحة الجنسية، والسياحة الجنسية شكل من الأشكال المعاصرة، يرى الكاتب، لنهب البلدان الضعيفة، لأنه يوفر لرجال الدول الغنية سوقاً رائجة بالنساء والأطفال، فتصبح الأجساد من جديد أرضاً قابلة للاستعمار، وفوق ذلك تمثل السياحة الجنسية تجارة مربحة للمنظمات الإجرامية: ويتعلق الأمر بصناعة حقيقة تزن حوالي 5 مليارات دولار، وقد عرفت بهذا النوع من السياحة في البداية التايلاند والفلبين، لكنها توسعت شبكاتها لتعم مختلف دول العالم.

ما بعد الإباحية

غير أنه في منتصف العقد الماضي، يقول الكاتب: ظهرت صحوة دينية مسيحية تدعو إلى إعادة الاعتبار للأسرة والطفولة، وانطلقت من ألمانيا، بعد الكتاب الذي أصدرته أشهر مقدمة برامج "إيفا هيرمان" يحمل عنوان "مبدأ حواء"، وكان قنبلة غير متوقعة يؤكد السرات، وما جاء فيه: "إن الحركة النسوانية سلبت النساء أنوثتهن، وإن ما دعت إليه لم يكن في صالح النساء، وإنه ينبغي أن يعاد الاعتبار إلى الأم  وربة البيت، وأن يخرج المجتمع من تلك المعارك الوهمية بين النساء والرجال".

اللوطيون الجدد

أما اللوطيون، فقد سعوا جهدهم حتى حققوا الاعتراف الدولي بهم، ثم قادوا عبر فروع تنظيماتهم الدولية، يضيف الكاتب، حملة كبيرة للاعتراف القانوني بزواج المثليين، واستطاعوا تحقيقه في عدد من الدول، ثم سعوا إلى اختراق تنظيمات الأديان السماوية؛ فتحقق لهم ذلك في اليهودية والمسيحية، واستعصى الإسلام عليهم.

وقد استطاعوا عن طريق الضغط فرض وجودهم حتى وصلوا إلى تنظيم مؤتمر دولي للشواذ والسحاقيات في قاعة المؤتمرات بالأمم المتحدة بجنيف عام 2006م، وشارك في اليوم الأول من الندوة المخصصة لـ"الدين والشذوذ"، و"كيف تكون شاذاً ومتديناً"؛ رجال دين يهود ومسيحيون مثل الحبر اليهودي السويسري "فرنسوا غاري".

الشواذ في العالم الإسلام

أما العالم الإسلامي، يقول السرات: فقد بذلوا جهوداً كبيرة لاقتحامه، خصوصاً عن طريق  الجمعيات؛ وفي كلمة يفتضح أمر بعض الخلايا الشاذة يقيم التنظيم الدولي ضجة كبيرة ضد البلد الإسلامي الذي يطارد إخوان لوط؛ تتدخل فيها شخصياً دول غربية كبيرة، ومن الأساليب المتبعة في غزو العالم العربي والإسلامي التمويل واللجوء السياسي، فضلاً عن الاختراق القانوني والدبلوماسي والثقافي والديني والإعلامي؛ ومن ذلك منح اللجوء السياسي للشاذ الباكستاني عام 2006م.

الشواذ في مناصب حساسة

وقد تولوا مناصب حساسة مثل رئاسة الحكومة البلجيكية عام 2010، وفي إيرلندا كاد مرشح شاذ عام 2011م أن يعتلي كرسي الرئاسة، لولا فضيحة استغلال جنسي للأطفال واغتصاب طفل رفقة زميله اليهودي هَوَت بشعبيته في ظرف وجيز، وفي عام 2012م ترشح كذلك شاذ جنسياً للرئاسة فاستطاع المرور إلى الدور الثاني، بالرغم من فشله، وفي الولايات المتحدة الأمريكية عين "أوباما" رجلاً شاذاً لا يخفي ميوله الجنسي وتفضيله لجنس الرجال؛ ليكون على رأس البروتكول بالبيت الأبيض.

سياسية هاربة من سجن الدعارة

وفي القسم الثالث من الكتاب؛ يحدثنا المؤلف عن سياسية مرت من حياة الدعارة وسوق النخاسة، فاستطاعت بعد نضال طويل تحكي عنها مغادرة هذا المستنقع الكئيب، والنجاح في عالم السياسة ابتداء من عام 1995م، هي السويسرية "نيكولا كاستيوني"، وقد اختارت نشر حكايتها في كتاب حمل عنوان "الشمس على حافة الليل"، ثم حولته إلى عمل فني مسرحي وشريط وسينمائي تجولت به صاحبته بأنحاء بلدها وقارتها، وقد خاضت معارك لتحرير النساء من الاسترقاق الجديد وعالم الجواري الجديد، في قرن الحداثة والعلمانية والحرية والتقدم.

تسونامي والشذوذ

وفي ذات الكتاب، يحدثنا السرات عن معركته التي انتهت باستقالته من يومية "التجديد" بعد مقاله المثير للجدل "إنذار مبكر للمغرب قبل فوات الأوان: السياحة الجنسية وزلزال تسونامي" عام 2005م، ويقول المؤلف عن هذه المحطة التاريخية: لم أكن أتصور أن يتطور السجال الإعلامي إلى سجال سياسي حاد وأنا أكتب مقالي، توقعت أن يقوم سجال وجدال إعلامي في الصحافة المكتوبة بيني وبين الأقلية اللادينية ذات الأصول اليسارية المنكرة للدين والألوهية، ولكن ما إن دخلت على الخط القناة الثانية "دوزيم" لتخبرني برغبتها في إنجاز استطلاع للرأي حول مقالي حتى عرفت أن القضية ستأخذ منطقاً حاداً، وكذلك كان.

تائب يفضحهم

وفي النهاية، ختم الكتاب بمراسلات بينه وبين شاب قضى أكثر من 13 عاماً في مستنقع الشذوذ، وانتهى الحوار إلى توبة الشاب وشفائه من مرضه، خلال هذه المراسلات كشف الشاب عن هذا العالم الغريب، وعن شبكاته وضحاياه، كما كشف له عن عدد من المعطيات الخطيرة حول حراس الشذوذ في المغرب وخارجه.

 

عدد المشاهدات 5983

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top