بين العمل الصالح والأماني

08:00 10 يونيو 2015 الكاتب :   عبدالباقي يوسف

عبدالباقي يوسف

مِن الناس مَن يكتفي بأنه مؤمن، وبذلك يقل عمله الصالح، فيكون على ظن بأن قول الإيمان يكون كافياً، وقد بيّن الله بأن القول الذي لا يتحوّل إلى فعل يبقى قولاً، في حين أن القول الذي يتبعه بالعمل الصالح، يُثبّت المؤمن في إيمانه. يقول عز من قائل: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً {123}) (النساء).

فالإسلام هو عمل، والعمل لا يستوي مع الأماني الواهية، فلا يجوز أن تقول: إنني مسلم، ولمجرّد أنني مسلم لن أدخل النار، فما الذي انتهيت منه، وجاهدتَ نفسك كي تنتهي منه حتى يُجنّبك الله النار؟ ثم ما الذي قدّمته من أعمال صالحة توّجتَ بها إيمانك، حتى يُدخلك الله الجنّة؟ فذلك لا يكون بالأماني، وقد نزلت هذه الآية  في الجدال الذي وقع  بين بعض المسلمين وبعض أهل الكتاب، حيث رأى كل طرف بأنه على طريق الجنة، وأن الآخر على طريق النار، وفي ذلك أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى، فقال اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقالت النصارى مثل ذلك، فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم؛ ونبينا صلى الله عليه وسلم بعد نبيكم، وديننا بعد دينكم وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم فنحن خير منكم نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا، فأنزل الله تعالى: (لَّيْسَ بأمانيكم).

فالأماني تبقى في دائرة الأماني، أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن موقوفاً: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظن بالله تعالى وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل"، وأخرج البخاري في تاريخه عن أنس مرفوعاً: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن هو ما وقر في القلب، فأما علم القلب فالعلم النافع وعلم اللسان حجة على بني آدم".

ثم قال جل ثناؤه: (مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ) يقابَل (بِهِ)، وليس بوسع أحد أن يقف حائلاً بينه وبين أن يُقابَل به (وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً)، بيد أنه يجد الله ولياً ونصيراً له، فهو القادر على المغفرة، وهو سبحانه وتعالى يشمل بعفوه ومغفرته مَن يشاء، وقد جعلت الآية بعض الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جزى الله كل مسيء، فمّن لم يفعل سوءاً، فالأمر هنا شمل الناس جميعاً دون استثناء، يقول الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، حدثنا إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زهير قال: أخْبرْتُ أن أبا بكر قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) فَكُل سوء عملناه جزينا به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "غَفَر اللَّهُ لكَ يا أبا بكر، ألستَ تَمْرضُ؟ ألستَ تَنْصَب؟ ألست تَحْزَن؟ ألست تُصيبك اللأواء؟"، قال: بلى، قال: "فهو ما تُجْزَوْنَ به".

وقد سألته السيدة عائشة أيضاً عن هذه الآية قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن بشير، حدثنا هُشَيْم، عن أبي عامر، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأعلم أشد آية في القرآن، فقال: "ما هي يا عائشة"؟ قلت: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)، فقال: "هو ما يصيب العبد المؤمن حتى النَّكْبَة يَنْكُبها".

وفي ذلك قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمية أنها سألت عائشة عن هذه الآية: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)، فقالت: ما سألني عن هذه الآية أحد منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عائشة، هذه مبايعة الله للعبد، مما يصيبه من الحمى والنَّكْبَة والشوكة، حتى البضاعة فيضعها في كُمِّه فيفزع لها، فيجدها في جيبه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التِّبْرُ الأحمر من الكِير".

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها، ابتلاه الله بالحَزَن ليُكَفِّرها عنه".

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن يزيد بن أبي حبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الصداع والمليلة بالمرء المسلم حتى يدعه مثل الفضة البيضاء".

وروى أحمد، عن سفيان بن عيينة، ومسلم والترمذي والنسائي، من حديث سفيان بن عيينة، به ورواه ابن مَردُويه من حديث روح ومعتمر كلاهما، عن إبراهيم بن يزيد عن عبدالله بن إبراهيم، سمعت أبا هريرة يقول: لما نـزلت هذه الآية: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) بكينا وحزنا وقلنا: يا رسول الله، ما أبقت هذه الآية من شيء، قال: "أما والذي نفسي بيده إنّها لكما نـزلت، ولكن أبشروا وقاربوا وسَدِّدوا؛ فإنه لا يصيب أحداً منكم في الدنيا إلا كفَّر الله بها خطيئته، حتى الشوكة يُشَاكها أحدكم في قدمه".

ثم قال الله في الآية التالية: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً {124}) (النساء).

استئناف لـ(مَن) في الآية السابقة فهناك (مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)، ثم استؤنفت الـ(مَن) الثانية بـ(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ)، كذلك لم يقتصر الكلام على أحد دون غيره فـ(مَن) مِن عامة الناس، ذكورهم وإناثهم، وفي أي زمان ومكان (يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ) (وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ)، العمل الصالح المنبثق من قاعدة الإيمان بوحدانية الله تعالى، هو الذي يؤهّل ذكور الناس وإناثهم جميعاً، وعلى مختلف مِللهم ونِحَلِهم دخول الجنة (وَمَن) - مَن هذه العمومية غير المستثناة -  يتحقق فيه ذلك، يعده الله بدخول (الْجَنَّةَ)، وهذا بيان للناس بـ(وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ {171}) (آل عمران)، ولا يصيب أحداً في عدالة الله مثقال نقير من ظلم.

 

عدد المشاهدات 3560

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top