أنا..وهي..ورمضان

15:59 17 يونيو 2015 الكاتب :   د.أحمد عيسى إيمان مغازي الشرقاوي

 

الثورة يمتد ظلال فعل التغيير منها ابتداءً من الفرد إلى الزوجين والأسرة والمجتمع والدولة والأمة والعالم

الصوم «فقر» إجباري تفرضه الشريعة ليتساوى الجميع في بواطنهم من مالك المليون إلى مالك القرش الواحد

شهر الصوم ثورة زوجية يسقط فيها كل ما علا من أشياء خسيسة ارتفعت على حساب الأخلاق الحميدة

الأزمة الأخلاقية بعد الثورة تكاد تعصف بنا وتهدد أوطاننا وأمتنا وتجعلنا فتنة للقوم الظالمين

أنا:

«الشعب يريد إسقاط النظام».. هل تحققت فأعطى للشعب ما أراد؛ عيش، حرية، عدالة اجتماعية؟

كلما أتذكر هذه الكلمات، في رمضان، أفرح ويملؤني الأمل والتفاؤل، وأجد في شهر رمضان شهراً للثورة الحقيقية، ثورة على الجوع والفساد والظلم.

تلك الثورة يمتد ظلال فعل التغيير منها ابتداء من الفرد إلى الزوجين والأسرة والمجتمع والدولة والأمة والعالم، فهي مبتغى كل الحركات والفلسفات والأيديولوجيات والمذاهب، ولكنها -للحق- فشلت جميعاً، إلا الإسلام في تغيير الإنسان عملاً لا وهماً على ساحات النضال الكلامي، والجدل العقيم، أو الفن العبثي.

انظري زوجتاه إلى «التغيير الثوري» الذي يحدث - أو نتمنى حدوثه - داخلنا، فنتحرر من أغلال المعاصي، وتسمو أرواحنا فلا تتجاوز حدودها، فلا تظلم نفسها أو الآخرين أثناء الصيام؛ «إذا أصبَحَ أحدُكُم يوماً صائماً، فلا يرفُثْ ولا يجهَلْ، فإنِ امرؤٌ شاتمَهُ أو قاتلَهُ، فليقُلْ: إنِّي صائمٌ، إنِّي صائمٌ» (رواه مسلم).

حتى الخبز والطعام - في الصيام الحقيقي - تكون ثورته في العدل فيه مع قليل الطعام وإسقاط الوجبة الثالثة ليأكل الفقراء، وتخرج لهم صدقة الفطر، لكن الثورة أكبر من ذلك؛ فهي تحقق العدالة والتكافل الاجتماعي الذي نادى به الإسلام؛ {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} (الحشر:7).

أعجبني قول مصطفى صادق الرافعي: «لو تدبر الاشتراكيون حكمة الصوم في الإسلام، لرأوا هذا الشهر نظاماً عملياً من أقوى وأبدع الأنظمة الاشتراكية الصحيحة؛ فهذا الصوم فقر إجباري تفرضه الشريعة ليتساوى الجميع في بواطنهم سواء منهم مَنْ ملك المليون ومَنْ ملك القرش الواحد ومَنْ لم يملك شيئاً، كما يتساوى الناس جميعاً في ذهاب كبريائهم بالصلاة، وفي ذهاب تفاوتهم الاجتماعي بالحج..».

وشهر الصوم ثورة زوجية يسقط فيها كل ما علا فيها من أشياء خسيسة ارتفعت على حساب الأخلاق الحميدة في غياب رقابة شرطة القلب!

ثورة أسرية

تعيد الثورة الحب إلى مكانه في الصدارة وترفع أخلاق التقوى بعدما انحطت، وتسمح للتسامح بالعودة بعد ما كان ممنوعاً من الدخول!

وشهر الصوم ثورة أسرية تفك فيها قيود الأثرة، وتصادر فيها بنوك الطمع، ويمنع التداول فيها بألفاظ وأفعال العقوق.

مع الحركة الجماعية للمجتمع في شهر الصيام قرباً إلى الله كأنها ثورة حركية وهجرة جماعية إلى المجتمع الفاضل، «المسلِمُ من سلمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ، والمؤمنُ من أمنَهُ النَّاسُ علَى دمائِهِم وأموالِهِم، والمجاهدُ مَن جاهدَ نفسَهُ في طاعةِ اللَّهِ والمُهاجِرُ مَن هجَر الخطايا والذُّنوبَ»، كما قال النبي "صلى الله عليه وسلم ". (الألباني، تخريج مشكاة الأحاديث).

وفي الطريق يتنازل الجميع عما يحرك شهوتي البطن والفرج وهما أساس الفساد، فيتطهرون بتلك الثورة، قال النبي "صلى الله عليه وسلم ": «مَن يَضْمَنْ لي ما بين لَحْيَيْهِ، وما بين رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ له الجنةَ» (رواه البخاري).

ولقد أعاننا الله في الثورة الرمضانية الكبرى، بفعل هائل معين ألا وهو حبس إبليس وكبار معاونيه كما جاء في الحديث عن النبي "صلى الله عليه وسلم ": «إذا دخَل رمضانُ فُتِّحَتْ أبوابُ الجنةِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ جهنَّمَ، وسُلسِلَتِ الشياطينُ» (رواه البخاري).

بذا لم يبقَ إلا أن نثور على أنفسنا.

الأزمة الأخلاقية والثورة

يحزنني أن مجتمع الثورة فقست من أخاديده القديمة العفنة من ينشر الأمراض القلبية التي تفتك بالمجتمع، وتعرّت شريحة من المجتمع فهمت الحرية فهماً منحرفاً، تعرت من أخلاق الدين والعرف والحياء والمنطق فظهرت سوءاتها قبيحة.

إن الأزمة الأخلاقية بعد الثورة تكاد تعصف بنا وتهدد أوطاننا وأمتنا، وتجعلنا فتنة للقوم الظالمين، فهل آن لنا أن نجعل من شهر الصيام هذا العام ثورة جديدة، ثورة أخلاقية؟!

إن الغالبية العظمى من شعوبنا تحب الإسلام وتصوم رمضان وتملأ ساحات المساجد وما حولها بمليونيات القيام، هؤلاء هم أقرب الناس تأثراً بما في شهر الصيام من حبس النفس عن كل ما يغضب الله في الأخلاق والمعاملات كذلك، وهم أقرب الناس للحفاظ على الوطن؛ أهله وماله وخدماته ومنشآته ومصالحه، وهم أبعد الناس أن يفهموا أن الثورة فوضى وتخريب، وأن الحرية همجية وفسق، وأن الديمقراطية تسلط الأقلية وتمردها!

إننا نحتاج إلى ثورة على الثورة، ثورة من داخلنا على ثورة الشهوات والشبهات تعود بنا إلى براءة الطفولة الصافية وتحررنا من سجن الأنانية إلى فضاء حب الآخرين ورحمتهم وبرهم والإحسان إليهم والقسط مهما كان دينهم.

وأرجع إلى الرافعي يرحمه الله في قوله: «أما والله لو عمّ هذا الصوم الإسلامي أهل الأرض جميعاً لآل معناه أن يكون إجماعاً من الإنسانية كلها على إعلان الثورة شهراً كاملاً في السنة، لتطهير العالم من رذائله وفساده، ومحق الأثرة والبخل فيه.. فيهبط كل رجل وكل امرأة إلى أعماق نفسه ومكامنها ليختبر في مصنع فكره معنى الحاجة ومعنى الفقر، وليفهم في طبيعة جسمه - لا في الكتب - معاني الصبر والثبات والإرادة، وليبلغ من ذلك وذلك درجات الإنسانية والمواساة والإحسان، فيحقق بهذه وتلك معاني الإخاء والحرية والمساواة».

عدد المشاهدات 6738

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top