طباعة

    الرزق الخفي

18:11 19 أبريل 2014 الكاتب :   سمية رمضان أحمد
الرضا، هذا رزق من المولى يتفضل به على من يشاء؛ فتتيسر الحياة ويسعد الإنسان،

الرضا، هذا رزق من المولى يتفضل به على من يشاء؛ فتتيسر الحياة ويسعد الإنسان، وكذلك الصحة وما أعظمها من رزق تقوم عليه الحياة، وحسن الظن بالله يتزين به الإيمان في القلوب، واليقين بالله يقيناً من هول الخطوب وهو رزق لو نعلم عظيم، وكذلك رزق الدعاء الذي يحسن عرضه على الله ويتحين المرء فيها لحظات يتنعم بها علينا الخالق بالسخاء، والعمل الصالح المقبول من الله، يرزقه لمن يحب من العباد.. هذه معانٍ احتضنت فكري وأنا أسمعها تتكلم.

 احتوانا وإياها بنك يضم الكثير من الرواد، حركته دائبة لا تكاد تهدأ لتبدأ من جديد، الأقدام ترسم على الأرض أجمل لوحة حية متجددة، ولفتت نظري امرأة في العقد الخامس من عمرها تتحرك شفتاها بتسبيح صامت خاشع عجيب، وهذا التسبيح من عباد الله يسرني ويأخذ بنفسي بعيداً إلى حيث ملائكة الرحمن الحافِّين حول العرش بتسبيح الخالق الواحد الموجد من العدم، ابتسمت لها وبادلتني الابتسام، وأنا أتوق إلى التعرف عليها، فهي تشاركني في حب الواحد القهار، وسبحان الله هذا الحب يفرغ على كل المحبين حباً فتتآلف به قلوبهم، وتتحاب به نفوسهم، انتهت معاملتها فخرجت محيية وقد أخذت معها لُبي، وشيَّعتها بدعاء خالص من القلب أن يثبتها المولى، انشغلت بإنهاء معاملتي.

فرصة للصحبة

وعند خروجي بعد فترة ليست بالقليلة، وجدتها مازالت تبحث عن وسيلة تقلّها إلى منزلها، فبادرت أسألها بشكل تلقائي عن وجهتها، ولم أتردد في تقديم عرض بإيصالها إلى حيث وجهتها، فمدمنو التسبيح لا ينبغي أن نفوت أبداً فرصة لصحبتهم، وسعدت بموافقتها، واحتوتنا السيارة المسبحة لله المسخرة لنا بأمره سبحانه، وقالت ضيفتنا: سبحان الله على الرزق الذي لا نعلمه ولا نكاد أن نشعر به، فقد رزقني الله برحمة وضعها في قلبك، ورزقني بيسر وسهولة تنقلي كما رزق السائق من قبل، نظرت لها نظرة تشجعها على مواصلة حديثها، فواصلت قائلة: كنت في شرم الشيخ، ومرض أحد مرافقينا؛ فذهبت وزوجي لعيادته، وركبنا سيارة أجرة (تاكسي)، وقريباً من المستشفى تذكرت أني لم أصلِّ العصر، فطلبت من زوجي أن نذهب لمسجد قريب، بالطبع كان زوجي في حرج شديد من السائق، فقد اقتربنا من المستشفى وسمعني السائق وأنا ألح عليه، فقال: أتريدين الذهاب للصلاة في المسجد? فكان ردي بالإيجاب، فأقسم بالله أن يوصلني، ولكن مجاناً ليشاركني الأجر، وعندما فعل ذلك قررت أن أزيد له الأجر لشهامته وكرمه، ووصلنا إلى المسجد فأبى الرجل (السائق) أن يأخذ أي أجر على الإطلاق قائلاً لزوجي: لا تحرمْني من الأجر، واختفى الرجل على الفور.

رد الجميل

كنت مشدوهة لتصرفه، وبعد الصلاة رأيت صندوقاً موضوعاً للصدقات، فأخرجت بدون تردد ما كنت أنوي إعطاءه للسائق، ووضعته بالصندوق وأنا أناجي الودود اللطيف: يا رب هذا الرجل أكرمني وطلب منك الأجر وما سأضعه بالصندوق بنيَّة إكرامي البشري له وسبحانك تضاعف لمن تشاء، فضاعِفْه له أضعافاً كثيرة، وأَفِض عليه من جود كرمك، ووضعت المال في الصندوق باسم السائق، وذهبنا إلى حيث عيادة مريضنا، وكان عنده كثير من الزوار وقصصت للجميع ما حدث لي وأدهشني، فوجدت إحدى الزائرات تبتسم لي براحة رائعة قد بدت على محياها، وأسرت لي أن والدتها مريضة وأنها لم يكن لديها المال الكافي لزيارتها، ولكن بعد سماعها لقصة هذا السائق الذي سخر له المولى من يتصدق باسمه لعل الله أن يضاعف له بها الأجر ويرحمه يوم يكون في أمسِّ الحاجة إلى هذه الرحمة والسائق لا يعلم بذلك أصلاً، لهذا فإنني سوف أزور أمي، ولعل الله أن يمنحني من الكرم مثل السائق الذي هداه ربه ليعين مسلمة على إقامة صلاتها في موعدها دون أجر ولا منّ، ولعله أن يخلف على ما سأنفقه على هذه الزيارة ويزيد في رزقي ورزق أولادي، وشكرتني الزائرة بشدة أن أرسلني الله لها برسالة وجعلها تفهم مغزاها، وكل ذلك رزق حسن من إله وهَّاب.

هنالك تبادَرَ إلى ذهني كل النعم وكل أنواع الرزق الذي لا نستطيع حصره ولا حتى التعرف على حدوده، هذا هو الخالق سبحانه، أردت أن أكرم المرأة فأكرمني خالقي بمعانٍ وأسس ورزق ممدود في أبعاده، رزق التعرف على الخالق عن قرب من خلال أفعاله مع عباده، قلت لها وأنا معجبة: لقد رزقك الله بالقدرة على الربط بين الأحداث بصورة رائعة، تصلك إلى الله بتلقائية وفطرة مريحة، قالت: إن فضله عليَّ عظيم، ولابد أن أتحدث عن نعمائه شكراً له، وإليك بعض قدراته التي حباني بها.

كان معي مبلغ كبير من المال، مستحقاتي من عملي، ولم أحب أن أودعها بنكاً ربوياً، فوضعتها كما رأيتني في بنك إسلامي، ومكثت نقودي عدة سنوات، وذهبت لمعرفة رصيدي وكانت الصدمة، زيادات طفيفة جداً بشكل مربك، وهنا تحدثت مع نفسي بوجود الله في قلبي، يا نفس، إن هذا ربح قليل، والنفس تنزع إلى الربح الوفير، فماذا لو أودعت هذا المبلغ عند الله سبحانه كقرض حسن، ولكن أنّى لي هذا؟ وكيف؟ وهنا تذكرت المدرسة الإسلامية التي يريد المسلمون افتتاحها في دولة أوروبية لأولادهم ويطلبون قرضاً حسناً من الناس حتى لا يقعوا في مستنقع الربا، لم أتردد لحظة واحدة فسحبت كل ما أملك.

قرض حسن

وطلبت أصحاب المشروع وأقرضتهم المال، وأنا في خاطري أنني أقرضته لله سبحانه لزيادة الربح وليس لضياع المال، وكنت على يقين من عطاء الله وأنه سيتقبله مني، ولم يكن وارداً على ذهني أصلاً إمكانية ضياع المال، فكيف يضيع وأنا أقرضته لله القائل: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}(البقرة:245).

وسبحان الملك! بعد المدة المتفق عليها أرجعوا لي المال كاملاً، وكان بالدولار الذي زادت قيمته أضعافاً مضاعفة في هذه الفترة، قلت لها: ممتاز رائع، قالت: ويسَّر الله لي أمر شقة في أرقى منطقة لم أكن أحلم بها ولم أطلبها لعلمي بعجزي عن تدبير تكلفتها، ولكن وجدت من عرضها عليَّ بالمبلغ المتاح معي وقتها بعد تضاعفه بزيادة قيمة الدولار، وأخذ سعر الشقة بعد أن ملَّكها لي ربي يتضاعف حتى وقتنا الحالي.

سجود بخشوع

سرحت بخيالي ولم أعد أسمعها، يا الله لا تخذلُ أبداً من وثق بك وأحسن ظنه فيك، وخرجت من إطار السيارة والمكان والزمان ولم أعد أستشعر سوى وجود الرحمن، وسجدتْ كل ذراتي لعظمته، والعجيب أني كنت قابعة مكاني، ولكن باليقين كنت ساجدة بخشوع.

كان الزحام شديداً والسيارات تكاد لا تتحرك، وقد دهشت بعد أن أنهت حديثها أني بنفس المنطقة قابعة، ولكن سبحان الله هذا الأمر أسعدني، فالطريق مازال أمامنا طويلاً، وأريد سماع المزيد مما يبهج نفسي ويقربني إلى ربي، فقصص الناس الواقعية تتجلى فيها قدرة المولى، وتثبت بيقين تحكّمه في كل شيء بلا حول ولا قوة لأحد، أفقت على كلمتها: والله يا أختاه حينما أروي لك لمحة من لمحات حياتي، تعلمين أن المصادفة تلك قانون معطّل لا يصلح لكون له إله، أخذت منها بداية الخيط وأنا أريد البكرة برمتها، قلت لها بسرعة: ليتك حبيبتي تسعديني بذلك، ثم أرهفت سمعي، حتى صوت تنفسها كان يصلني، نظرت إلى الناس في الطريق وقالت: سبحان الله لكل شخص من هؤلاء قصة تقول لله: إنك أنت الواحد.

شريط ذكريات

ثم نظرت هي إليَّ عازمة على إخراج شريط من ذاكرتها لأطلع عليه بإذنها، وقالت تواصل حديثها: إني من بلد عربي، وقد هاجرت من بلادي إلى دولة أوروبية مع والدي وأسرتي، وعمل والدي بها وبدأت دراستي الأولى بتلك البلدة، وترعرعت فيها ولا أعلم لي وطناً سواها، وأخذنا جنسية ذاك البلد، وعشنا فيها كأهلها، وتشربنا من عاداتها وتقاليدها، وتعرفت على أحد الشباب، والحمد لله تم زواجي، وقد كنت أحبه حباً ملك عليَّ وجداني، وغلف قلبي بزينة معطرة بالود، ولم يعد لي هدف في الحياة سوى إسعاده، ولو على حساب راحتي، ولكن وبحاسة المرأة التي لا يعلم الرجل عنها شيئاً، شعرت أنه لا يبادلني حبي ووفائي، وقد أقنعني ألا أحاول الحمل؛ حيث إنه يخاف أن يفقدني أثناء الولادة، وقد صور لي أن الحمل والولادة أمران شاقان جداً، ومن الممكن أن أفقد فيهما حياتي، فكانت النتيجة خوفي المرضي من الحمل، وكنت أكثر منه حرصاً على البحث عن الوسائل التي تمنع هذا الحمل الذي أصبح يمثل لي مصدر قلق ورعب.

فراق مدبر

ومرت الأيام بحلوها ومرها، وتعاقبت السنوات تدق على شباب عمري، فقد آن أوان رحيله، وأخيراً تمكن زوجي من حصوله على الجنسية بسبب زواجه مني، فإذ به يصارحني أنه ما تزوجني إلا من أجل ذلك، وقد آن أوان الفراق، في حقيقة الأمر لم أجعل رسالته تصل إلى عقلي ليترجمها، بأي شيء، صراخ، انفعال، أي شيء، الرسالة حقيقة لم تصل، ومكثت أنظر إليه لا أستطيع استيعاب ما يقول، ثم فقدت صوابي، وأفقت على صديقتي وهي تربتْ على وجهي وتدعوني للصبر، رباه أي صبر هذا! وهنا دخل الخبر على قلبي بلا تمهيد من عقلي، فأصبت بصدمة محطمة، وبدأت بالفعل إجراءات طلاقي، وأنا صامتة لا أستطيع الحديث، فماذا يمكنني أن أعلق على عمري، ومالي، وأحلامي، وآمالي، وأصبحت مصدر شفقة لكل من حولي.

إلحاح شديد

وذات يوم، جاءتني صديقتي تلح عليّ بالخروج معهم، وبعد محاولات عديدة وصدّ ورفض مني، أردت في إحدى المرات أن أجاملها وأنزل معها بعد إلحاحها الشديد المتكرر، ووصلنا إلى إحدى الحدائق وأنا لا أرى سوى صورته، وآخر حديث له معي، فكانت دموعي تتناثر، وأحاول بعثرتها حتى لا يراها أحد، وقد كنت أتصور أن هذه هي نهايتي وسأظل في عش الدبابير هذا إلى أن أموت، ومن ركام الأسى أحيا الله الأمل، برعم ينمو فيبث الفرحة بالقلوب، فقد رآني أحد المتواجدين وقد هجرته زوجته الأجنبية منذ أربع سنوات تاركة له أطفالاً صغاراً، وتم الزواج بسرعة لم أستشعر الوقت فيها، وأصبح يضمني منزل رائع ورجل عطوف حنون رزقه الله حبي فعوضني عن سنوات الشقاء والقلق، والأكثر من ذلك أني قد علمت أني أصبت بالعقم بسبب كثرة ما استخدمت من موانع الحمل، فرزقني الله العظيم بطفل رائع وطفلة جميلة لا يعلمان لهما أماً سواي، ويملآن البيت الآن عليَّ أحفاداً صغاراً، وقد أحالا دنياي إلى نعيم، وقد تعلمت من زوجي الذي وهبه الله حبي، كيفية صلاتي وصيامي وتجددت علاقتي بالله، وقد عرفني زوجي بأسماء الله الحسنى، وجعلني أحب الله حباً ملأ عليَّ وجداني وفؤادي، وأصبح رضاه هو ما أطمح أن أصل إليه، وأنار الله الدنيا أمام عيني، ومن يومها علمت أن ما يفعله الله هو الخير، المهم ألا نيأس، ولا نقنط، وأن نحسن الظن به.

عطاء رباني

رددت: حقاً أن نحسن الظن به، فمن كان يتصور هذا العطاء الرباني لك أختاه وأنت منغمسة في بلاء يطيح بلب أولي الألباب، قالت بابتسامة: والله حياتي كلها عجائب ونفحات كثيرة من رحمات الرحمن، نظرت إلى الفضاء وأنا أتمتم، كل شيء عجيب، والمهم أن نربط الأحداث الحية بآيات القرآن وأحاديث الرسول [ لنفهمها، انتبهت إليها وقد كانت تكمل حديثها وتريد أن تمرر خاطرة لديها خوفاً من نفاد الوقت، ومن ناحيتي كنت حريصة على ما حباني الله من رزق، أقصد ما رزقني الله به من عبر من خلال حديثها الشيق، قالت: هل تعلمين عزيزتي أني قد تجهزت في عام للحج، وقد كنت حججت في العام السابق أيضاً، وأثناء استماعي لإذاعة القرآن الكريم بالقاهرة، سمعت أحد الشيوخ يقول: من حجّ مرة ولديه مال فليساعد به محتاجاً، أو مريضاً مثلاً، أو شاباً يريد أن يعف نفسه بالزواج، أو مديوناً قد أثقل كاهله الدين وعنده عيال، في حقيقة الأمر عندما استمعت له، اعتبرت أن هذا أمر غريب، وهل ثواب الحج يعدله ثواب، وكلمات الشيخ ترنّ في أذني، فناجيت الله في صلاتي وقلت: يا رب، إن كان هذا هو ما يرضيك فيسِّر لي أمر المساعدة، وأنا في بلد غريب لا أعرف فيه المحتاجين.

التصدق بأموال الحج

وجاءت أخت زوجي لزيارتنا والسلام علينا قبل السفر للحج، فزوجي بالمناسبة مصري، قالت كلاماً اعتبرته عجيباً: إن ابنة البواب الخاص بعمارتهم فائقة الجمال، ومنذ وفاة والدها والشباب دوماً يتسمرون وقوفاً أمام عمارتهم من أجل رؤيتها، فقلت لها: سبحان الله، أليس لديها أخ يحميها، فذكرت أنها الابنة الكبرى، فقلت لها: لم لا تزوِّجها أمها للمحافظة عليها وليصبح لديها رجل يحميهم؟ فقالت: من أين وهم فقراء جداً بالكاد يجدون ما يأكلونه؟! فقلت لها بعفوية وتلقائية: سأزوجها، وأدفع لها كل متطلبات الزواج، وقمت من فوري لإحضار النقود التي أعددناها للحج، ودفعتها لها من غير أن أبقي منها شيئاً، وكأن هذا كان رداً من الكريم على مناجاتي، رداً سريعاً من رب عطوف يسمع ويرى ويرحم ويلطف وييسر، وبعد ذلك علمت أن الفتاة تزوجت، بل وكانت أمها لا تملك أي فرش بمنزلهم فأصبح لديهم ما يسترهم بين الناس، شعرت بروعة إحساس هذه المرأة، وحسن توكلها على الله، وتعجبت أنها ظلت فترة من حياتها لا تتصل بربها وحتى لا تقيم الصلاة، وعندما عرفت الله عرفته بما يسعدها ويفرحها، وروعة أن ييسر الله أمرها هذا التيسير ويهبها هذا اليقين.. وبالفعل الهداية فضل من الله يؤتيه من يشاء، ونسأله سبحانه أن يهبنا إياها، كنت سعيدة بحديثها، وأملي لو أن الطريق كان طال بنا وطال، لأستمع إلى المزيد من هذه الروح التي افتقدناها إلا النذر اليسير.

عدد المشاهدات 121826