المعبِّرون

18:50 14 سبتمبر 2015 الكاتب :   د. إيمان الشوبكي

حملا بين يديهما كيساً به شيء، ثم وضعوه على المكتب، وقدموا معه التحية والسلام، قائلين وبدون مقدمات ولا مناسبات: أردنا أن نعبر لك عن مشاعر الامتنان للجلسات الاستشارية والمعلومات الأسرية التي نتلقاها منك تأهيلاً لحياتنا الزوجية المقبلة كخطيبين.قلت: بل إنني سعيدة بوجود فكر شبابي لا يستكبر على الإعداد والتأهيل لمرحلة من أخطر المراحل في عُمْر الشاب والفتاة فقط..

قال متعجلاً: عُمْر مَنْ إذاً؟

قلت: بل أولاده وأحفاده والجيل من بعده.

قالت: ألهذه الدرجة؟!

قلت: نعم، إن قراءتك لكتالوج أي جهاز تشتريه قبل التشغيل حتماً سيجنبك احتمالية إفساده بشكل كبير، وتحول الشاب والفتاة من دور العزب إلى دور الزوج والأب والزوجة والأم أمر خطير جداً في الاستعداد له.

أفكار مغلوطة

قالت: لكنها الفطرة عند بعض الشباب كحجة في عدم الإقبال على هذا التأهيل.

قلت: نعم الفطرة هي الأساس، لكن أدخلت على المجتمعات بما فيها المجتمع الأسري مدخلات وقناعات وأفكار بعضها مشبوه والبعض الآخر مغلوط، وجزء منها لا يصلح مع كل مجتمع ليطبق كما يتلقونه أو يسمعونه.

قال: وما ألفينا عليه آباءنا هي إستراتيجية الشباب في عدم الإقبال أيضاً.

قالت: المهم أننا أسعدنا الحظ بهذه اللقاءات معك حتى تكون خطوات إيجابية، وسعياً نحو السعادة لبناء بيت الزوجية على بينة، وتربية أولاد تربية صحيحة وليس من معلومات مشوهة أو مشوبة بعجرفة أصحابها.

لغة المحبة

قال: لذا أردنا أن نعبر عن مشاعرنا تلك بهذه الهدية المتواضعة لك.. فهل تقبلينها؟

قلت: كيف لا وقد قبلها رسولنا الكريم صلوات ربي عليه وسلامه، بل وحثَّ المسلمين بالتعبير عن مشاعرهم بكل الوسائل؟ فلقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إني أحب فلاناً، قال: «هل أخبرته»، قال: لا، قال: «فاذهب وأخبره أنك تحبه».

قال: إذاً الحديث يحث على إعلام الشخص بمحبته له صراحة.

قلت: نعم، لكن كل بوسيلته ولغته، وإن كان اللفظ أسرع وصولاً مع العمل أيضاً.

قالت ضاحكة: لغته؟! وهل للحب لغات غير العربية والإنجليزية؟!

قال: نعم للحب لغة يفهمها المحبوبون.

قلت: ليس دائماً يفهمها المحبوب، وتلك هي المشكلة الكبرى وقلب الأزمات بين المخطوبين، ثم تخف نوعاً ما بعد الزواج، لكن تبقى باقية إن لم نستطع فك شفرة شريك الحياة ولغة محبته.

الهدية والخدمة

قالت: حدثينا أولاً عن أنواع اللغات.

قلت: نعم.. لغة الكلمة، الهدية، الخدمة، الاهتمام، الحنان.

قال: ننتظر التفاصيل.

قلت: هناك أناس يعبرون عن حبهم للآخرين بالهدية والحرص على إيجاد مناسبات لإعطاء الهدايا، بالإضافة للمناسبات المخصوصة والمعلومة عن الشخص، وكلما أراد أن يقول كلمة محبة أو شكر يأتي بهدية.

أما الخدمة؛ فهو يخدمك لأنه يحبك، تجده وقت الأزمة يساعدك بكل ما يملك، وهذا يكفي في مفهومه للتعبير عن حبه.

قالت: لكن كلنا نحب الهدايا، ومن منا لا يقف مع الآخرين وقت الأزمات؟

قلت: نعم في الأولى، ولا في الثانية؛ أي نعم جميعنا نحب الهدايا، لكن ليس جميعنا يفكر أن يهادي في أي وقت يشعر بالامتنان أو المحبة تجاه الآخرين.

أما الثانية؛ ليس كل الناس تقف مع بعضها في الأزمات، حتى مستوى تقديم خدماتك يختلف من شخص لآخر؛ منهم بالمادة، ومنهم بالكلمة.. وهكذا.

فنحن كبشر نتمنى أن يمنحنا الآخرون الحب بكل اللغات، لكن حينما نمنحها للآخرين نفترق كل ولغته الخاصة، وتغلب عليه طباعه في ذلك وقناعاته، بل تكن لها الأولوية في طرق المنح.

البشر والمحبة

قال: أكملي التفاصيل؛ ليتضح الفرق أكثر وأستطيع تحديد نفسي.

قلت: بالكلمة.. وصاحب هذه اللغة إنسان حسَّاس يهتم ويستقبل كل ما يقال له بمشاعر مرهفة، فهو يريد سماع كلمات الامتنان أو المديح، ولا يكفيه أن تقف معه وقت الأزمة صامتاً.

أما لغة الاهتمام فهو شخص يجعل شريكه ومحبوبه محل اهتمامه دائماً، قد لا يهتم بعيد ميلاده أكثر من السؤال عليه مثلاً أيام امتحاناته، فهو عموماً يهتم بأخبار الناس والسؤال عليهم وعلى أحوالهم.

قالت: إن التنوع بين الزوجين من التكامل.

قلت: ليس في كل شيء، التنوع من باب التكامل داخل الشخص نفسه.

قال: هل ممكن أن يصل هذا الأمر إلى مشكلات بهذا الحجم؟

قلت: نعم، كمن يتكلم لغة لا يعرفها مَنْ أمامه؛ فهل يصل إليه ما يقوله؟

قالا: لا.

قلت: هكذا.. فلو أن طرفاً أخذ يعطي ويمنح ولكن بطريقته التي يظن أن الناس جميعهم يستوعبونها ويقدرونها ويفهمونها كمن يكلم أصمّ؛ وبالتالي يشعر شريكك بانتقاص شديد وافتقار في الحب، ويظل طرف يمنح وطرف يشتكي؛ لأن اللغة غير مفهومة بينهما.

قال: لقد وصفت وصفاً جسَّد إشكاليتنا حتى مع أهلينا في المنزل وآبائنا وأصدقائنا أحياناً.

قلت: يظل بعضنا يشكو جفاف صاحبه أو غلظة شريك حياته أو قسوة قلبه، رغم عدم تقصيره، ولو علم كل منا لغة الآخر لفهمنا بعضنا وزال اللبس والألم.

الخطوبة.. وتجنب الخلافات

قال: علينا إذاً أن نسأل المخطوبة عن لغتها؟

قلت ضاحكة: بالفعل، المفروض في جلسة التعارف بين الخطيب وخطيبته يحاول كل منهما اكتشاف لغة الحب لدى الطرف الآخر اختصاراً للوقت واحتمالية وقوع خلافات.

وهذا ضمن برنامج خاص نمنحه للمقبلين على الخطبة في اللقاء الأول بين الشريكين وجلسة التعارف كيف يديرونها إدارة ناجحة.

ضحكا قائلين: على هذا نبدأ من جديد.

قلت: لا.. لا.. أنتما تجاوزتما هذا وتتأهلان الآن ببرنامج المقبلين على الزواج لكي تتجنبا الكثير من الصدمات نتيجة التجربة والخطأ وكسب الخبرة ودفع ثمنها من وقتكما وسعادتكما.

قالت: لكن هذه المرة أستاذتنا اتفقنا ولم نختلف الحمد لله على الفكرة نفسها ونوعها.

قال: نعم، لأول مرة نجتمع على شيء دون خلاف أو إقناع طرف للطرف الآخر بوجهة نظره.

قلت: هذا من فضل الله عليكما، وضمن التوافقات العاطفية في لغة الحب المشتركة بينكما، كتب الله لكما ولكل شبابنا وفتياتنا حياة سعيدة في ظل طاعة الله والقرب منه.

عدد المشاهدات 4342

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top