الفتوى في المهجر.. تحديات وأخطار

08:51 18 نوفمبر 2015 الكاتب :   عبدالغني بلوط بن الطاهر

نحاول في هذا التحقيق ملامسة موضوع شديد الحساسية متعلق بالفتوى في المهجر، إذ طرحت مجلة «المجتمع» على عدد من الباحثين المتخصصين المغاربة مجموعة من القضايا للإجابة عن أسئلة راهنة وملحة تشغل بال الكثيرين.

كان من البديهي التطرق إلى تعريف مفهوم الفتوى بصفة عامة، قبل السؤال عن حاجة المسلمين المغتربين إلى الفتوى في المهجر، والتحديات التي تواجه الإمام أو الفقيه في إصدار فتاوى في مجتمع به أقلية مسلمة، ثم كيفية تحصين المواطنين المهاجرين تجاه تعدد مصادر الإفتاء خاصة العابرة للقارات، قبل أن نختتمها بسؤالين حول مدى مسايرة الفتوى الشرعية التحديات التي يطرحها التطور المتسارع في مجالات العلوم، ودور الفتوى في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان التي تطرحها المواثيق الدولية.

تعريف الفتوى:

يقول أ.د. محمد فرجي، المتخصص في «أصول فقه الاغتراب»: ينبغي البدء في تحديد المقصود بالفتوى؛ لأن كثيراً من المتصدين للشأن الديني عامة، وفي مجتمع المغتربين خاصة، يخلطون بين الحكم الشرعي والفتوى.

وأهم الفروق التي ينبغي استحضارها هنا ثلاثة:

أولها: أن الحكم الشرعي عام بأصله، يسترسل على الزمان والمكان والأعيان، والفتوى خاصة بزمن، أو مجتمع، أو مستفتٍ معين.

وثانيها: أن الحكم الشرعي ثابت لا تبديل فيه، والفتوى متغيرة بحسب خصوصيات محل الاستفتاء.

وثالثها: أن الحكم الشرعي مطلق لربانية مصدره، والفتوى نسبية؛ لأنها مبنية على اجتهاد بشري في اختيار أوفق الأدلة والقواعد بخواص النازلة المعروضة؛ فلو أخذنا قضايا العبادات من طهارة، وصلاة، وصيام، وحج، ونحوها، لكان أكثرها مندرجاً في باب الأحكام الشرعية؛ لأنها - في جملتها - أحكام عامة لا يعتريها انتساخ أو تغيير، عدا بعض العوارض الاستثنائية التي قد تُلحَظ فيها موجبات الترخص أو الاجتهاد، كمواقيت الصلوات في بعض البلاد التي يتأخر فيها مغيب الشفق بالنسبة لصلاة العشاء مثلاً، فهذا مما يكثر السؤال عنه، وبخاصة في شهر رمضان، حيث لا ينصرف الناس من التراويح إلا قبيل الفجر، مع ما يستتبع ذلك من عنت يجده المهاجرون الملتزمون بأوقات عمل مبكرة ومنضبطة.

 ولو تجاوزنا مجال العبادات إلى أحكام الأسرة والمعاملات المالية، وقضايا الاندماج الاجتماعي، لبدا أن أكثرها من باب الفتوى، وليس من باب الحكم الشرعي العام، وهذه الأبواب هي التي يكثر السؤال عنها من قبل المهاجرين؛ لأن المهاجر يجد نفسه بين تصورين مختلفين؛ بين أحكام شرعية عامة لها مقتضيات مخصوصة، وحيثيات واقعية تبدو في قيَمها منافيةً لتلك العزائم؛ فيحتاج إلى فقيهِ شَرْع، خبير بالواقع، يفتيه بما لا يخرق قطعيات الشريعة، ولا يُبديه خارجَ سياق الواقع الذي يَحيى فيه.

حاجة المغتربين إلى الفتوى

يوضح أ.د. محمد غلبان، المتخصص في فقه الجالية المسلمة ببلاد المهجر، أن الناس عموماً في حاجة إلى الفتوى الشرعية أكثر من حاجة الأرض إلى المطر؛ لأنه بها يعرف أحكام الإسلام، ويعرف الحلال من الحرام، ولكنهم في بلاد المهجر أشد حاجة إليها من غيرهم، ومن أي زمن مضى، وذلك لكثرة النوازل والمستجدات الفقهية والقانونية التي تحل بالمقيمين في هذه الديار، كمسألة الحجاب مثلاً في فرنسا، أو قضايا تعليم الأبناء وتربيتهم في المدارس في أوروبا وغيرها من المسائل التي تستجد وتحتاج إلى إجابات شافية عنها، بالإضافة إلى كون بيئة المهجر تختلف كثيراً عن البيئة الإسلامية، فتتغير تبعاً لذلك الفتاوى لتغير المكان، سواء في باب العبادات أو المعاملات.

ولهذا نجد أن أسئلة المغتربين تتزايد عاماً بعد عام، وتطلب فتاوى جادة عنها، وذلك لتعقد أمور الحياة، وسرعة التطور الذي لامس مختلف جوانبها، إضافة إلى اضطراب الفتاوى إزاء العديد من المسائل والإشكالات؛ مما يحتاج إلى فقه يعي تغير الظروف ويفهم الواقع للإجابة عن هذه القضايا.

أما الأمور التي تسأل عنها الجاليات المسلمة كثيراً، فترجع بالأساس إلى المشكلات التي تواجههم بحدة، ويمكن القول: إن أهمها ما يأتي:

أولاً: الإقامة في بلاد المهجر:

وهذا أول ما يفكر فيه المسلم الذي يريد العيش في بلاد المهجر؛ لأن إزالة الإشكال عنه من حيث حكم هذه الإقامة، هو السبيل لحياة لا تلفها الريبة من البداية.

ثانياً: الحصول على جنسية البلد المُضيف:

وذلك بغرض الحصول على الامتيازات والحقوق التي تخولها قوانين البلد المُضيف، فيجد المواطن المهاجر الغيور على دينه كمّاً هائلاً من الفتاوى بعضها يحرم التجنس وبعضها يحلّه، فيقع في الريبة والشك؛ مما يدفعه إلى البحث عن جهة يطمئن إليها تجيبه عن سؤاله وتريحه.

ثالثاً: حول حكم بعض الأعمال:

فكثير من المهاجرين الذين يرغبون في تحسين ظروف عيشهم فيسافرون إلى بلدان المهجر، يصطدمون بواقع وبيئة تغلب عليها أنماط من العمل تكتنفها العديد من الشبهات، من قبيل العمل في مطاعم تقدم فيها الخمور ولحوم الخنزير، وفنادق تروج للدعارة والفساد، ومؤسسات تتعامل بالربا، فيقع في حيرة من أمره، خاصة عندما يسمع بعض الفتاوى التي تجيز مثل هذه الأعمال في بلاد المهجر مع غير المسلمين!

رابعاً: أكل لحوم الذبائح وبعض الأطعمة:

وهو سؤال كثير التداول بين أفراد الجاليات المسلمة في بلاد المهجر، وذلك لانتشار طرائق كثيرة للذبح في هذه البلاد، بعضها يخالف أحكام الإسلام وتعاليمه في الزكاة، كما يكثر السؤال عن الأطعمة التي تخالطها دهون الخنازير أو مواد الكحول مما عمت به البلوى في هذه الديار.

تحديات إصدار الفتاوى

يشرح أ.د. محمد فرجي أن أهم تحدٍّ يعترض المنتصب للإفتاء بمجتمعات الأقليات المسلمة؛ هو التحدي الفقهي نفسه؛ أعني فقه الأدلة، وفقه الواقع الذي تُنَزَّل عليه، وغالب الخلل في الفتاوى التي تصدر في مجتمعات الأقليات؛ منشؤه من تغليب أحد ركني الفقه على حساب الآخر، فثَمة فتاوى غلّبت الاعتبار بخصوصيات الواقع، على نحو صَيَّر الأدلة خاضعةً لها، وفئة غلَّبت جانب الدليل، دون التفات إلى حيثيات تنزيله، فجاءت فتاويها غير قابلة للتطبيق، فعطلت الدليل، ولم تحقق مصلحة الالتزام به، والجمع بينهما هو «الفقه الحي» بعبارة بعض علمائنا القدامى أنفسهم.

أضف إلى هذا أن كثيراً من نوازل الأقليات المسلمة اليوم، لا يستبين وجه المصلحة أو المفسدة فيها إلا بمراجعة ذوي خبرات شتى، لأن مناطاتها مركبة، تتداخل فيها تخصصات معرفية كثيرة، تنوء بها قُدَر المنتصبين للإفتاء لو لم يستعينوا بأهلها، وهذا الاعتبارُ بقولِ أهل الخبرة بمناط التنزيل، من القواعد المؤصلة في تراثنا الفقهي، وبخاصة عند علمائنا المالكية؛ كالقرافي في «الفروق»، وكذلك «الذخيرة»، والشاطبي في تحقيق المناط الخاص من موافقاته، وغيرهما، وهو مقتضى مَأْسَسة الاجتهاد فيما يَعرض للجالية من نوازل تقتضي فتوى خاصة صادرة من أهلها بشرطها في محلها، وليس حكماً عاماً، فيبدو أن الوظيفة الفردية لإمام المغتربين اليوم موقوفة عند التعريف بالأحكام التي ستتحفظ بها الهوية الدينية في مبادئها الثابتة المطلقة.

أما الفتوى - بمعناها الدقيق - فهي التحدي نفسه؛ لأنها تتوقف على هيئات متكاملة المعارف، تنظر في النازلة من وجوهها المختلفة؛ لتصدر حكماً متسقاً وقواعد الشريعة، قابلاً للتنزيل في بلدان الإقامة، وما كان إنشاء المجلس العلمي الأوروبي إلا تحقيقاً لهذه المصلحة الدينية والعلمية والحضارية.

تحصين المهاجرين

يؤكد أ.د. ميمون باريش، أستاذ التعليم العالي، ورئيس فريق البحث في أحكام وقضايا المغاربة المقيمين بالخارج، ومدير مختبر الدراسات والبحوث الفقهية وقضايا الهجرة والأقليات؛ أن تحصين أفراد جاليتنا من الفتاوى الشاذة أمر متيسر وفي المتناول إذا صحت النوايا وقويت الهمم، فقد يتعذر إيجاد قدر كافٍ من الفقهاء المجتهدين الذين يملكون ناصية الاجتهاد والذين يستطيعون القيام بديار المهجر للإجابة عن أسئلة السائلين من أفراد جاليتنا، لكن لا يتعذر أن نمتِّع أئمة المساجد المقيمين هناك بتكوين شرعي وتربوي يؤهلهم للتواصل مع الشباب بلغاتهم، مثلما لا يتعذر تنظيم بعثات علمية وازنة مهمتها التقرب إلى الشباب وكسب ثقتهم، وفتح جسور التواصل معهم مباشرة وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، كل ذلك لصقل أذهانهم وفتح أعينهم على الفهم الصحيح لأصول الدين وأصول التشريع فهماً يناسب ثباتَ الإسلام ومرونتَه ويسرَه وسماحتَه ووسطيتَه وصلاحيتَه لكل زمان ومكان، مع البيان الراسخ وبالنصوص الناطقة لموقف الإسلام من الغلو والتطرف والتعصب، وإبراز نظرته المحايدة إلى الآخر، ودعوته إلى تفعيل مبدأ الإيمان بوحدة الأديان، واستثمار قيم الساكن والتعايش في إطار رؤية إسلامية تحترم حق الآخر في الرأي والعقيدة والفكر، من غير إخلال بمقومات الساكن، أو تجاهل لقيم الإسلام الثابتة، فتكوين الأئمة وتنظيم البعثات العلمية الوازنة من شأنها أن تساعد شباب المغتربين على معرفة حقيقة بعض المفاهيم التي شابها الكثير من الإبهام والغموض؛ كمفاهيم الخلافة العظمى، والجهاد، والتكفير، والولاء والبراء، والتقية، والتعايش، والاندماج، والمسالمة، والمهادنة، وحرية التدين، وغيرها من المفاهيم التي يركز عليها الفقه المتطرف لتحنيط شبابنا وتصديره إلى بؤر التوتر في العالم، بل تصديره إلى اللاعودة.

أما أ.د. محمد غلبان فيقول: إن هذا سؤال عويص؛ لأن مواجهة الفتاوى المحلية أمر صعب، فكيف بالعابرة للقارات! فالحديث عن حل سحري لهذه المعضلة في ظل هذا التطور الهائل لوسائل الاتصال غير موجود، إلا أنه يمكن القول: إن الحد من هذه الظاهرة قد يتأتى بأمرين:

الأول: تحصين المواطنين المهاجرين بنشر وعي يهدف إلى بيان خطر هذه الفتاوى غير الملمة بواقع الناس وظروف حياتهم ودورها السلبي في التشكيك بمعتقداتهم ومبادئهم، وأمن وطنهم، والعمل على إحساسهم وإقناعهم باعتماد مصدر وحيد للفتوى في بلادهم.

الثاني: الاعتناء بدراسة المفاهيم، وهذا يحتاج إلى تكوين عميق سواء على المستوى الديني أو الفلسفي أو الثقافي، فينبغي مثلاً دراسة مفهوم «الكفر»، وهو من المسائل العابرة للقارات، ويهدد سلامة وأمن الشباب والدول، ودراسة مفهومي «الحلال» و «الحرام» وهكذا، فتكون الفتوى في بدايتها تعتني بالمفاهيم ثم بعد ذلك يتم الحكم على المسألة، من أجل تجنب الخلط واللبس في المفاهيم.

 مسايرة الفتوى الشرعية للتطور المتسارع في مجالات العلوم الحقة:

يعود د. محمد فرجي ليقول: إن الفتوى هي اجتهاد بشري يبتغي توصيف نازلة معينة توصيفاً شرعياً، والفرض أن يعتريها ما يعتري النوازل تمدداً وتقلصاً، كثرة وقلة؛ لكنّ تَتَبُّع ما تجود به حوادث الواقع الذي نحياه، يتوقف على مؤسسات منتظمة، ذات كفاءات متكاملة المعارف، تحسن تصور المناط، ليصادف تنزيلُ الدليلِ مَحَلّه.

غيرَ أن هذا لا يعني أن الفتوى ينبغي أن ترقُب كل حادث يَستجِد؛ لأن كثيراً مما سميتموه تطورات علمية، هو مندرج في باب الإذن الشرعي بمفهومه العام، فإن بدا منه ما يقتضي تبيين الحكم فيه، انتصبت لذلك الهيئة المؤهلة، وفي هذا الباب جهود ليس من الإنصاف الغض من آثارها.

أما د. محمد غلبان فيؤكد أنه يجب على المفتي فهماً منه للواقع أن يجعل فتواه مسايرة للعصر وللتقدم العلمي في مختلف المجالات، ليس بإخضاعها للهوى والتشهي، وإنما وضعها في مسارها الشرعي اللائق بها، فإن الفتوى تستجيب للتطور وتتغير بسببه، وقد قال القرافي رحمه الله: «والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين».

وبحمد الله تعالى لنا في تاريخ الأمة ما يشهد لمسايرة الفتوى لتطور العلوم ومواكبتها لتقدمها، والأمثلة الآتية دالة على ذلك دلالة واضحة:

1- في مجال علم الفلك: استفاد كثير من العلماء من التطور السريع لهذا العلم واستقلاليته التامة عن علم الكهانة والتنجيم، وأفتوا بجواز إثبات ونفي رؤية الهلال، استناداً إلى علم الفلك القطعي الذي لا يتطرق إليه الشك، ومن هؤلاء العلماء القدامى تقي الدين السبكي، ومن المعاصرين الشيخ أحمد شاكر، والعلامة رشيد رضا، ود. يوسف القرضاوي.

2- في مجال تكنولوجيا الاتصال: فقد أفتى بعض العلماء بجواز طروق الرجل أهله ليلاً (وهو أن يأتي الرجل من السفر مفاجئا أهله ليلاً)، مع أن الأصل في المسألة النهي، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يلتمس عثراتهم، وذلك تفادياً لمباغتة الزوجة والتماس عثرتها، مما قد يكون سبباً في اتهامها وإساءة الظن بها، وكذلك من أجل إتاحة الفرصة لها بالاستعداد لاستقباله بالتجمل والتزين، ولكن مع تقنيات التواصل الحديثة، بالهاتف أو غيره، فإنه يمكن بسهولة إخبار الزوج زوجته بقدومه، فيزول بذلك المانع الذي جعل النهي لسببه، فتتغير الفتوى هنا بحسب تغير وسائل الاتصال.

3- في مجال الطب: هناك العديد من الفتاوى التي واكبت تطور الطب وتقدمه، فأفتي بجواز زرع بعض الأعضاء، والتبرع بها إنقاذاً للحياة البشرية، كما كان للفتوى دور مهم في تقنين بعض التطبيقات الطبية لعدة مسائل؛ كمسألة استعمال عظام الجثث، ومسألة أطفال الأنابيب، وتطبيقات علم الوراثة وغيرها.

4- في مجال العلوم الرياضية: المفتي في حاجة أيضاً لهذا العلم في فتواه، ونبغ في هذا المجال عدة علماء كبار مثل: الحافظ ابن حبان، والغزالي، وفخر الدين الرازي، وسيف الدين الآمدي، وابن رشد، وابن الصلاح، وابن البيطار، وبدر الدين بن جماعة، والتقي السبكي وغيرهم.

وقد كتب الشيخ جمال الدين القاسمي في كتابه «الفتوى في الإسلام» مبحثاً نفيساً سماه: حاجة المفتين إلى معرفة العلوم الرياضية، وبين مسيس الحاجة إليها ودورها في تحرير عدة مسائل، كتحرير أوقات الصلوات في البلدان، وكذلك في حسم المنازعات في المساحات والمقادير؛ مما يتوقف البت فيها على الهندسة والمقاييس.

الفتوى.. وحقوق الإنسان

يقول د. ميمون باريش: إن استثمار الخطاب الحقوقي العالمي في إصدار الفتاوى الشرعية هو أسُّ الفقه المعاصر ودعامة أساسية من دعاماته؛ فكم هي الفتاوى التي صدرت في الماضي وكانت في حكم المسلمات، لكنها مع صدور المواثيق الإقليمية والدولية والصكوك الملحقة، تغيرت النظرة الفقهية إلى كثير من الفتاوى وتغير الخطاب تجاهها، ولاسيما بعد أن تم التنصيص صراحة على مساواة الناس في الحقوق والواجبات، ومساواتهم أمام القيود والحريات بغض النظر عن جنسهم أو دينهم أو لونهم أو لغتهم أو أصلهم الوطني أو رأيهم السياسي، فضلاً عن تنصيصها على حرية التدين والاعتقاد وإظهار الشعائر الدينية وممارستها علناً، وتنصيصها أيضاً على حق الإنسان في حرية الفكر والوجدان، وتنصيصها على أن حرية الإنسان في إعلان ديانته أو عقيدته تخضع فقط للقيود المحددة في القانون والتي تكون ضرورية في مجتمع ديمقراطي لصالح أمن الجمهور وحماية النظام العام والصحة والآداب أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم، مثلما نصت على ضمان حرية الرأي والتعبير ونشر الأفكار بكل الوسائل والسبل شريطة ألا يصطدم ذلك مع السلامة العامة والنظام العام في بلد الإقامة.

فأمام هذه النصوص القانونية العالمية وجد الفقه الإسلامي نفسه مضطراً لإعادة النظر في بعض الفتاوى التراثية مع الاحتفاظ على الحكم الشرعي، فبِالأمس مثلاً كانت الفتوى السائدة تحريم الإقامة في البلدان غير الإسلامية، وهي الفتوى التي تلقفتها المواقع الإلكترونية في زماننا وروَّجت لها على نطاق واسع، مع أن الفقه المرن والمعتدل قد تراجع عنها بعد أن تغير مناط الفتوى وارتفاع علة التحريم بصدور هذه المواثيق والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان.. فاستثمار الخطاب الحقوقي مستند أساساً للفقيه لإصدار فتاوى تأخذ بناصية شبابنا في الغرب وتقيهم من الغلو والتطرف.

أما د. محمد فرجي، فيبرز أن شطر الفتوى قائم على حسن إدراك الواقع الذي يقيم فيه المهاجر المسلم، وهذا الواقع اليوم تُسَوّرُه نظم تستضمر في بنيتها التشريعية قِيَم حقوق الإنسان العالمية، من حرية، ومساواة، وعدالة، وإنسانية، ونحوها، وهي كليات شرعية مرعية في تضاعيف التشريع الإسلامي، لكن الاختلاف في ضبط هذه المفاهيم، وتقدير حدودها التي تحقق مقاصدها في المجتمع، على وجه تُتَّقى به مفاسدُ تَجاوُزِ ضوابطها الشرعية.

 ثم إن ملاحظة هذه المعاني الكونية في الفتوى، سبيل إلى استثمارها في تحصيل المصالح التعبدية والاندماجية للجاليات المسلمة في ظل قوانين تحمي ممارسة الشعائر، وتصون حق التصرف وحرية المبادرة؛ لكن الظاهر أن هذه المَلاحظ قلّما وجدت لها تأصيلاً سليماً مأخوذاً من تراثنا الفقهي، رغم أن في نصوصه - وخاصة نصوص أحكام الأمان الذي يمنحه غير المسلم للمسلم - ما يدحض القول بأن فقهَنا لم يكن ينظر إلى المجتمعات المخالفة، إلا باعتبارها مجتمعاتٍ مناوئةً ينبغي التربص بها؛ إنّ في هذا لظلماً بيّناً لفقه عظيم، عجزنا عن استيعاب مداركه، فتظاهَرْنا على وَسْمه بالقصور.

والحاصل أن الاعتبار بحقوق الإنسان في الفتوى، هو من باب حسن تصور الواقع الذي يُفتى فيه؛ فإن تحصيل جملة من المصالح موقوف على حسن استثمار تلك الحقوق بضوابطها المعتبرة.

بالنسبة لـ د. محمد غلبان، فإن دور الفتوى هنا هو بيان ما أتت به هذه المواثيق الدولية في قضايا حقوق الإنسان، خاصة وأنها تتجدد باستمرار، مع الإشارة إلى مواطن اتفاقها مع أحكام الإسلام، والتنبيه على ما يتنافى منها مع مبادئه وقيمه، مع التذكير إلى سبق الإسلام لإقراره بهذه الحقوق، وأنه لا يرفض أي شيء فيه مصلحة وخير للبشرية، وأنه ليس ثمة دين كالإسلام رعى جميع حقوق الإنسان، يشهد لذلك العديد من نصوص القرآن والسُّنة، وما تحتفي به سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مشاهد حية لرحمته بالعالمين.

عدد المشاهدات 4933

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top