من معاني الإسلام

11:02 10 ديسمبر 2015 الكاتب :   د. عبدالرحمن بن معلا اللويحق

إن الإسلام بمعناه العام: هو الدين الذي جاء به الأنبياء كلهم وهو توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة.

وهو بمعناه الخاص: الدين الذي جاء به النبي محمداً صلى الله عليه وسلم من ربه، متضمناً التوحيد والشريعة، والقيم، والأخلاق.

وهذا الدين واحد: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ (آل عمران:19) لا يتعدد، ولا يكون نسبياً مختلفاً باختلاف الناس، وإنما تختلف مواقف الناس منه قبولاً وانقياداً لأحكامه.

فهو دين واحد، يختلف الناس فيه: فمنهم من يدينُ به، ومن يرفضه.

ومن يدين به مختلفون في مقدار تدينهم والتزامهم بأحكامه.

والذين دانوا بهذا الدين جاؤوا بأفكارهم وطبائعهم، واختلاف عقولهم، وخلطوا ما هم فيه بالدين الحق، ولوثوا نصاعته ووضوحه بلوثات أفكارهم.

ولكن من نعمة الله على هذه الأمة أن تركها الرسول صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء الواضحة.

فمن أراد الإسلام الحق السالم من اللوثات، فليرجع إلى المنبع الصافي الذي يظهر في النص من الكتاب والسُّنة، وطُبِّقَ عملياً في العهد النبوي، ثم العهد الراشدي.

إن الإسلام أشبه بالنهر الجاري أوله صافٍ قليل الماء، ومصبه كثيرٌ كدر الماء؛ وذلك لما يرمي به الناس فيه من الأكدار، وما يمر به من الأراضي ذات الطبائع المختلفة، فيجلب غثها وسمينها.

فمن أراد الصفاء والنقاء، فليرجع إلى المنبع، فكذلك الدين صفاؤه، ونقاؤه في منبعه ومورده.

إن الإسلام في الحقيقة الذي نراه في الواقع وتطبيق الناس لا يخرج عن ثلاثة معانٍ:

الأول: الإسلام المنزل:

وهو الذي نراه مطبقاً ممن لزم النص من كتاب وسُنة، ولزم الحق، فاعتقد ما اعتقده النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو حج كما حج صلى الله عليه وسلم، فقد طبق الإسلام المنزل.

والناسُ في ذلك ما بين مقل، ومستكثر، وأهداهم هو ألزمهم للتنزيل.

والثاني: الإسلام في دائرة الاجتهاد:

فمن رحمة الله بالأمة أن فتح لها باب الاجتهاد، ومن ذلك تنوع الناس في الأعمال، فمن الناس من فتح له في العلم، ومنهم من فتح له في التعبد، وآخرون في الجهاد.

وتنوع الناس في هذا ليس تنوعاً في الدين ذاته، وإنما هو تنوع فيما فُتح لهم من أنواع التدين، وليسوا بذلك خارجين عن الحق.

وتلاومهم وتجريح بعضهم لبعض؛ لترك ما عمله الآخرون ليس له وجه.

ومن الاجتهاد: الاجتهاد في النظر إلى النصوص الظنية وموارد الاجتهاد، فهذا لا يُخرج أحداً منهم عن الإسلام، وإنما منهم المخطئ، والمصيب، ولكلٍ أجره، وإن فاز المصيب بالأجرين.

الثالث: الإسلام المبدل:

وهو الذي ينسب إلى الدين وليس منه، ويزعم نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس في النصوص ما يدل عليه، بل فيها ما يرفضه ويدفعه.

فيعارض الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بأقوال الرجال، ومذاهبهم وآرائهم، وهذا التبديل قد يكون تبديلاً بالكلية، ومفارقة للإسلام من كل وجه، أو مفارقة في أصل يرتفع به وصف الإسلام، فهذه المفارقة تنتفي بها الصلة بالإسلام.

وقد يكون التبديل في مسألة أو مسائل، فبقدر ما يكون التبديل تكون المفارقة.

إذا علم هذا علم أن الناس يحاكمون إلى الدين: الإسلام، ويعرفون بلزومهم له، لا أن الدين يحاكم إلى الناس، أو يعرف الدين بصلة الناس به.

وبهذا يعلم أن القول بإسلام صوفي، أو شيعي، أو إسلام سياسي، وإسلام رجعي، أو إسلام ماليزي، أو إسلام خليجي.. إلخ في جملة أخرى من الألقاب لا يصح إطلاقها.

ولقد انتقلت إلينا هذه المقولات من المستشرقين في القديم، ثم من الأطروحات الغربية في الوسائل الإعلامية، وتناقلها بعض الناس بحسن قصد أو سوئه.

فالإسلام واحد لا يصح تعدد نسبه، وإنما المختلف هو مواقف الناس منه.

إن القول بإسلام صوفي – مثلاً - لا يصح البتة؛ ذلك أن الإسلام الحق يعتني بالجوانب الروحية عناية متوازنة مع جوانب الدين الأخرى، وما كان عند المتصوفة من رقة، أو عناية بالأذكار الصحيحة فهو من صميم الدين.

وما كان عندهم من أذكار مبتدعة مفارق للدين بقدر ما تحتويه تلك العبارات من ابتداع.

فأعمالهم وأعمال غيرهم تُرجع إلى الإسلام وتحاكم إليه، فليس لهم دين وإسلام يخصهم.

وقل مثل ذلك عن كل نسبة من النسب، فالإسلام ليس منه خليجي، وماليزي، بل في كل بيئة، وبلد من الخير ما فيها، كما أن فيها من التقصير ومخالفة الأمر ما فيها.

وإن وقع بين البلدان شيء من التفاوت في بعض التطبيقات، فما كان منه في دائرة الاجتهاد، أو مما يتنوع، أو تختلف فيه الفتوى باختلاف الزمان والمكان، فإن الإسلام يسعه.

إن جملة القول: إن الإسلام طريق مستقيم، يسع البشر كلهم، فهم مدعوون إلى سلوكه، ورحمة على الخلق كلهم، فليس الدين خاصاً بأحد دون أحد.

وتقييده بنسبة إلى مذهب، أو بلد، أو ثقافة، أو فكر إنما هو تضييق لسعته.

أما صلة الإسلام بالسُّنة، فإن من علم طبيعة هذا الدين علم أن الإسلام هو السُّنة، وأن السُّنة هي الإسلام.

والسُّنة هنا: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من اعتقاد، وعمل، وسلوك، وتعامل.

وهذا لأن الذي أوحي إليه الدين هو النبي صلى الله عليه وسلم ولزوم سُنته لا ينفك أبداً عن لزوم الإسلام الذي هو الدين الحق.

 

المصدر: موقع "الألوكة"

عدد المشاهدات 4536

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top