مدرسة رمضان.. ونتائج الاختبار

14:34 11 يوليو 2016 الكاتب :   بقلم: د. عامر البوسلامة

مدرسة رمضان دخلناها بتلك الروح التي يجب أن نتحلى بها، وبمنظومة الأخلاق والقيم التي ينبغي أن نتمتع بها، وقد عرضنا طرفاً منها في مقال «رمضان وقضايا الأمة» الذي نشر في العدد السابق.

وهنا نتناولها باعتبارها أصلاً في الحديث، حتى نحصل على المراد في كل محاور التربية ونتائج «لعلكم تتقون».
فالمسلم يتهيأ ليلج هذه المدرسة، بهذا الاستعداد، حتى يتحقق النجاح المرجو، الذي يعطيه أصالة في المنهج، وصحة مسار في الخلق، وديمومة عطاء في الأداء، وقوة في مسار الحياة كافة، فإن «المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف» وهنا يكون التقويم، ويسجل الفارق، وتعرف مناسيب الارتفاع والانخفاض، في هذه الشعبة، أو تلك الحزمة، أو ذاك الملف، فردياً وجماعياً، حتى نطمئن إلى حسن السير والسلوك، وأن هذه المدرسة، تخرج فيها الذين يعدون لبناء الأمة، على قيم الرشد.

لا تكن موسمياً:

مدرسة رمضان نتعلم منها الديمومة على العمل، أما الانقطاع عنه كما يفعل «الموسميون» فهذا خلل في التربية، وضياع في القيم، وعلامة عدم القبول، وهو يشير إلى أن حالة التآكل في بناء التربية دليل خطر، ونذير تنبيه للغافلين أن يتوبوا ويعودوا ويراجعوا أمرهم.
قال القاسم بن محمد: «كانت عائشة رضي الله عنها إذا عملت عملاً لزمته» (رواه مسلم).
وسئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كيف كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل كان يخص شيئاً من الأيام؟ فقالت: «كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم» (رواه مسلم).
ومن هنا كره العلماء الانقطاع عن العمل أخذاً من حديث «لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل».
وقال النبيصلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، أكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دُوِم عليه وإن قل» (متفق عليه).
رمضان شهر التغيير، ولا بد أن تظهر آثار هذا التغيير على حياة الإنسان بعد رمضان، وهو مقياس دقيق، في نتائج ومخرجات هذا الأمر، فإذا استقام عود عمله، على منهاج النبوة بالديمومة، كان برهان بشر، وعلامة خير، وبرهان صدق في صحة الطريق.

معيار الإنجاز:

في عالم تقويم الفرد والأسرة والمجتمع، يلزمنا أن نطرح هذا السؤال: هل رمضان غيَّرنا، غيَّر الفرد، غيَّر الأسرة، غيَّر المجتمع؟ هل ترك بصماته الواضحة في حياة كل هؤلاء؟ فإذا كان ، فنحمد الله، ونبحث عن المزيد، في عالم الرقي الرباني، وإلا فعلينا أن نعاود الكَرّة، في قضية تطوير الذات، حتى نمتلك أدوات التغيير، من خلال رسم منهاج، يقودنا لتحقيق هذا الهدف؛ "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (الرعد:11).
من المشكلات التي نواجهها أن قسماً من المسلمين اتخذ من رمضان شهر طعام وشراب، وسهرات ومسامرات، ومناسبة ترفيه، وشهر عطلة، وأيام زينة، وساعات موائد، ونوم نهار، وبحثاً عن فرص الاستمتاع في المباحات في الليل، فهذا لا يمكن أن يخرج من هذه المدرسة المباركة بالفائدة المرجوة، التي لأجلها كانت المقاصد الشرعية، والحكم الجليلة من مشروعية الصيام والقيام، فيكون هذا المرء كمن دخل وخرج، وربما خرج صفر اليدين، إلا تحصيلاً من لمام خير هنا وهناك، والخيبة تحفه، والخسران يحيط به؛ «خاب وخسر من أدرك رمضان، ولم يغفر له».
أما أولئك الذين صاموا نهاره محتسبين، وقاموا ليله يلتمسون المغفرة من الله تعالى؛ فأولئك هم الفائزون حقاً، وهم الذين خرجوا – بفضل من الله ورحمة – وقد غسلت ذنوبهم، كما يغسل الثوب من الدنس، وصاروا يتمتعون بهذه الروحية العالية، كأثر عن هذا السلوك، وهذا بحد ذاته يقوم سلوكهم حتى تبقى آثار هذه البركة في حياتهم، وتستقيم جوارحهم على مبدأ الطاعة، ومناهج الربانيين، وآية ذلك بقاء هذا الناتج حياً في حياة الإنسان المسلم.
أما إذا رأيناه في اليوم الثاني من شوال، وقد تغير سلوكه، وانعطف منهاج حياته، بصورة تشي بالتراجع والانكسار، وعدم الاستقامة على منوال المرء الصالح، من إهمال للحضور في ربوع بيوت الله، وصلاة الجماعة، وكذا في تذوق طعم العبادة، والعيش في كنف الطاعة، والأنس بلذة الذكر والمناجاة، فهذا عليه أن يراجع حساباته، حتى يعيد المياه إلى مجاريها، والسيل إلى مسيله، ويتدارك الأمر بالعودة إلى الله تعالى على قيم الفطرة.

شهر التوبة والأوبة:

هذا الشهر المبارك، عند دخول الإنسان في مدرسته عليه أن يتذكر الموسم، ومرور العمر، وقد قطع مربعات تاريخه، ومفاصل حياته، وتغيرات أيامه وشهوره وسنيه، معلناً توبة مع الله تعالى خالصة من قلبه، وصادقة في تحقق شروطها، والالتزام بقواعدها، فيغفر الله ما تقدم من ذنبه، على تفصيل لأهل العلم في المسألة، تبحث في مظانها، ومن شروط هذا العزم على ألا يعود إلى معصيته، أما المتردد فلا يفيد منها، ومتلفت لا يصل.
لذا نعرف بعض الناس – أسأل الله لهم الهداية، وحسن الختام – إذا أقبل رمضان، أقبلوا بكليتهم نحو الطاعة، وربما تفانوا في العبادة، وإذا جاء العيد رأيت حالهم على غير حال، وعادوا من حيث أتوا، وانقلبوا على مشروع الخير الذي استأنفوه بدخول مدرسة رمضان، وهذا خلل كبير، ومنحنى وبيل، وشر مستطير.
التوبة تجبّ ما قبلها، وهي فرصة منحها الله لعباده الذين أسرفوا على أنفسهم ألا يقنطوا من رحمة الله، والله يغفر الذنوب جميعاً، وديمومة فعلها مؤشر خير، والتراجع عنها يحتاج إلى الرجوع إلى بوصلتها بشكل يحمل في طياته همة عالية، وعزيمة تكون سبباً في التغلب على النفس وشهواتها.
تجديد التوبة متاح ومفتوح، ما لم يغرغر المرء، أو تطلع الشمس من مغربها، كما جاء في الأحاديث الصحاح، عن الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، وهو أمر يحتاج إلى برنامج أمل مستمر، حتى لا يقع الإنسان بين مخالب الشيطان فيحبط، ويتراكم الران على قلبه، فينكسر بين يدي الشيطان، بل يعيش في فسحة الأمل، بين الرجاء والخوف، مقبلاً غير مدبر، وهذا سر من أسرار السعادة، حيث من عاش في ظلال طاعة الله تعالى يكون في باحة السرور لا يبرحها، وربما لو علم بها الملوك لجالدوا أصحابها عليها بالسيوف، فيا باغي الخير أقبل برمضان، ولا يجوز أن ينقطع هذا بعد رمضان، ويا باغي الشر أقصر في رمضان ليكون منهاج حياة لك بعد رمضان.

مفتاح التطوير: 

رمضان شهر التطوير؛ تطوير الفرد وكذا الأسرة، وينعكس كل ذلك على المجتمع والأمة، ومن رسائل تقويم النتائج لما بعد رمضان، أن يرى المراقب، ويلاحظ المتابع، ويقرر المحاسب، هذا في حياة من ذكرنا، أما إذا كان الأمر غير ذلك، فهذا دليل على فشل في التطوير، وهذا ما نحتاج إلى تعديله، من خلال استئناف الحياة على مناهج رمضان، واستدعاء منظومة العمل والسلوك والقيم التي بني عليها ذلك الشهر الكريم، وفي ظلال دوحته الميمونة تحقق ذلك المجد التالد، فهل من عودة تمثل حالة الرسوخ لهذا الذي نصبو إليه؟
تعلمنا من رمضان منهاج عالمية الأمة، فنصوم في شهر واحد، ونلتزم بأحكامه جميعاً، ومن حكم الصوم الشعور بآلام الآخرين من الجوعى والمنكوبين والمحرومين، ومن تراتيبه في إطار السياسة الشرعية أن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، وربما تبرعنا لقضايا الأمة العادلة، ووقفنا إلى جانب إخواننا في فلسطين وسورية والعراق واليمن وبورما، وأرسل بعضنا أثمان إفطار صائم، أو كسوة العيد، وعملنا بعض المناشط التي تخدم هذه القضايا، ومن علامات التوفيق أن يستمر هذا الخير في أشهر السنة كلها، وإلا صار من ناقضي غزل رمضان.

شبهة ورد:

وربما يقول قائل: لرمضان خصائص، لا تتوافر إلا فيه، كيف تطالبني أن أكون في غير رمضان كما أنا في رمضان؟ فهل هذا منطق شرعي صحيح؟
وتكون الإجابة، على هذا السؤال، بما يأتي:
1- رمضان له خصوصيته نعم، ولكنه مدرسة يجب أن تترك آثارها علينا بعده.
2- المطلوب أن نفهم منهج العبودية لله حق الفهم، فنعبد الله في كل السنة، ونستقبل رمضان بنصفها، ونودعه بالنصف الآخر، بمعنى: إن مدرسة رمضان بكل مفرداتها إنما هي مصدر تربية وتكوين وإعداد.
3- مما شاع على ألسن الوعاظ أن رب رمضان هو رب شوال ورب سائر الشهور، وهذه بدهية مفهومة معلومة، يشار من خلالها إلى معنى دقيق، في مفهوم الديمومة في الطاعة، حتى تكون حياة المسلم، بكل شهورها وأيامها، كلها لله تعالى، بمفهوم العبودية الشامل، الذي ينتظم شؤون الحياة جميعاً.◾

عدد المشاهدات 3963

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top