كعب بن مالك.. و الاعتذار!

11:25 02 يونيو 2014 الكاتب :   د. حمدي شعيبب
فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك؟! ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟!

يحدثنا كعب بن مالك رضي الله عنه أحد المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك «العسرة» عن قصته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:

«فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك؟! ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟! قال قلت: يا رسول الله ، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، قد أعطيت جدلاً، ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو عقبى الله عز وجل، والله ما كان لي من عذر!» (1)

هكذا أيها الحبيب صلوات الله عليك وسلامه - وأثناء مراجعتنا لإرثك العظيم الذي تركته لنا - قد وقفنا طويلاً أمام هذه الفقرة الرائعة من الاعترافات المؤثرة والمعبرة لكعب بن مالك رضي الله عنه! وكم كان شجاعاً؛ وهو يعلنها في جلسة التحقيق هذه التي أقيمت للذين تخلفوا عن غزوة العسرة! وكم كان صادقاً؛ فلم يسر وراء ركب المعتذرين، ولم ينسق خلف المنافقين؛ فلم يركن إلى حجة تنفي عنه خطأه! وكم أخجلنا هذا الموقف الراقي؛ فتساءلنا: ما هي الأسباب التي جعلت كعب وصاحبيه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع رضوان الله عليهم يأبون الاعتذار؟ أو ما هو سر هذا الشموخ أمام سقوط المنافقين المعتذرين؟ وكان البحث عن إجابة لهذا السؤال.. وكذلك الانحناء؛ إجلالاً وإكباراً لهذه الكلمات الراقية: «والله ماكان لي من عذر!».هما محور هذه الرسالة أيها الحبيب.

قراءة في أسرار الشموخ الكعبي

سيدي.. هذه بعض التأملات المتواضعة في الرسائل التربوية التي أرسلتها إلينا من خلال إقرارك لكلمات صاحبك الجليل كعب رضي الله عنه.. وهي محاولة اجتهادية لفك الأسرار وراء موقف هذا الجبل الشامخ؛ وذلك حتى نهتم بهذه الجوانب في عمليتنا التربوية مع أنفسنا ومع الآخرين، خاصة الأبناء:

1- غاياته النبيلة: لقد أشعرنا أن هناك اهتمامات راقية، وغايات نبيلة، وأهدافاً كبيرة كان يعيش لها وبها؛ فثبتته:

(1) شعوره اليقيني بأن الكذب لإرضاء الخلق؛ باب لسخط الحق سبحانه، وسخطك صلوات الله عليك وسلامه: «ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني؛ ليوشكن الله يسخطك علي».

(2)اليقين بأن صدقه حتى وإن وجدت عليه وأغضبك؛ ففيه إرضاء للحق سبحانه: «وإن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو عقبى الله عز وجل».

(3) ذكاؤه الإيماني؛ فلم يبع الآجل الخالد الرفيع والغيبي، بثمن بخس عاجل دنيء ظاهر وقريب. فرفض استبدال الأدنى بالذي هو خير. أقول هذا وأتأمل نفسي وأسألها: ما هي الأهداف الكبار؛ التي أعيش لها وتظلل علاقاتي مع الآخرين؟!

2- صدقه: لقد كان أهم ما يميز شخصيته هو الصدق:

(أ) لقد كان صادقاً مع نفسه ومعك أيها الحبيب؛ في إجاباته أثناء تحقيقك معه.

(ب) بل ظل كذلك مصمماً على صدقه وموقفه الرجولي؛ حتى عندما حاول البعض أن يراجعوه في موقفه.

(ج) لقد انطبع خُلُق الصدق بشخصيته فالتحم بها، وتميز بها: «فقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما لقيت. فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذباً وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت».

(د) ولهذا نال وسام التوبة الخالد وشهادة تقدير إلهية في الصدق «وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى:

(لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {117}‏ وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ {118} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ {119}) (التوبة)

فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأحد فقال تبارك وتعالى: (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ {96}) (التوبة).

هكذا ارتبط الصدق وتمثل بشخصيته؛ فإذا ذُكِرَ الصدق على مر الأجيال يًُذْكر معه. ترى مع أي الصفات يقرن الآخرين بينها وبين شخصياتنا؟!

3- رصيده العظيم:

لقد ورد أن كعب رضي الله عنه يحمل رصيداً عظيماً؛ جعله يفخر ويتيه به منذ أول يوم رآك فيه. فكانت لفتة تقديرية نفسية حفظتها ذاكرته لمتعة أول لقاء، وترجمتها مشاعره الفياضة: «فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ فَإِذَا الْعَبَّاسُ جَالِسٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَهُ جَالِسٌ فَسَلَّمْنَا ثُمَّ جَلَسْنَا إِلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ: هَلْ تَعْرِفُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يَا أَبَا الْفَضْلِ؟! قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ سَيِّدُ قَوْمِهِ وَهَذَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَى قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الشَّاعِرُ؟! قَالَ: نَعَمْ»(2). هكذا كنت أيها الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ تتعامل برقي تربوي مع أتباعك رضوان الله عليهم؛ فتفهم نفسية كل فرد؛ وتتعامل معه بناءً على هذا الفهم النفسي؛ خاصة عند اللقاء الأول. وهو ما يعرف بمهارة أو فن الانطباع الأول مع الآخر. فكيف بكعب رضي الله عنه - وهو من هو - أن يفرط في هذا الرصيد القدسي!؟ ترى هل نمتلك رصيداً نفخر به ويفخر به أبناؤنا ومن يحبنا؟! وهل نجتهد في دفع ضريبة المحافظة عليه؟!

4- شخصية زجاجية:

لقد كان من أبرز ما يميز شخصيته؛ هو أنه كان يحمل نفسية الشاعر!؟ وهذه الشخصية الرقيقة الشفافة؛ تصبح كالزجاجة أو القارورة الرقيقة؛ التي ترى باطنها من ظاهرها؛ فلا تنافق، ولا تداهن. وتتأثر جيداً بمن يتعامل معها برقي إنساني؛ فلا تنسى من يقدرها، وتعرف لذوي الفضل فضلهم. وذلك يتضح من خلال تدبر هذين الموقفين: الأول عند إسلامه: قَالَ: «فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَى قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الشَّاعِرُ؟!». الثاني: عند قبول توبته: «وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئنني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، فلا أنساها لطلحة». فكيف بهذه الشخصية الرقيقة أن تقع في النفاق والمداهنة؟! ترى أي الشخصيات نكون، وتكون سلوكياتنا ترجمة لها؟! 5- الصحبة الصالحة: ولعل من أهم أسرار ثباته؛ هو ثبات صاحبيه؛ الذين تعرضا لمثل محنته؛ فثبتا؛ فثبت بثباتهما.

كعب القدوة

وهكذا أعلنها رضوان الله عليه كلمة صادقة حاسمة، ومن سواه يعلنها صادقاً، ومتحملاً ثمنها أو ضريبتها: «والله ماكان لي من عذر»، وذهب ولم تذهب آثاره، ولم يذهب موقفه، ولم تزل كلماته، وبقي قدوة خالدة في الصدق. فليتنا أيها الحبيب نقتدي ونعتبر بتجربة صاحبك الجليل؛ ونجرب حلاوة هذا الصدق!

الهامشان:

(1) متفق عليه.

(2) (مسندالإمام أحمد, مسند المكيين 1523).

عدد المشاهدات 2095

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top