الجانب الاجتماعي والإنساني للمالية الإسلامية

14:30 01 أبريل 2017 الكاتب :   الإمام محمد محمود

قامت إحدى الوحدات الخاصة بالبنك الإسلامي للتنمية بجدة  والمعروفة بـالمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بإطلاق برنامج عرف بـ"Islamic Social Finance"،  يهدف إلى إظهار الدور البارز الذي تقوم به المالية الإسلامية على المستوى الاجتماعي والإنساني، ويسعى البرنامج - الذي صمم بناء على دراسات قامت بها هذه الوحدة - إلى الاستفادة من آليات المالية الإسلامية وتصميمها بطرق مختلفة تمنح المجتمع الاستفادة منها بشكل أكبر، وتحقيق منافع اقتصادية للطبقات الفقيرة والمحدودة الدخل، وتشمل هذه الآليات: الزكاة، الوقف، الصدقات وغيرها حيث يعمل هذا البرنامج على تقديم تصورات جديدة لتطوير المؤسسات المسؤولة عن الزكاة والوقف وتحسين عمل هذه المؤسسات بما يمنح فرص أكبر لاستفادة المجتمع منها.

تطوير مؤسسات الزكاة

حسب تقرير للبنك الإسلامي للتنمية عام 2015م، فإن القيمة التقديرية للزكاة في كل من السودان ونيجيريا وجنوب أفريقيا على التوالي 1.843.51 مليون دولار، 8.776.45 مليون دولار، 178.87 مليون دولار، بينما وصلت المبالغ المحصلة سنوياً من الزكاة في السودان 220 مليوناً، و3 ملايين دولار في نيجيريا، و100 مليون دولار في جنوب أفريقيا.

تشير هذه الإحصائيات إلى أهمية تطوير وتنويع أساليب جمع وتوزيع الزكاة، وذلك من خلال خلق إطار قانوني ينظم عمل هذه المؤسسات ويشرف على أدائها، في الكثير من الدول هناك ضعف في الاستفادة من الزكاة كوسيلة لمحاربة الفقر وتحسين وضعية الفقراء، ويشمل هذا الضعف غياب مؤسسات التحصيل والتوزيع وضعف  أداء الموجود منها وبدائية الوسائل المستخدمة في ذلك.

في هذا الإطار، هناك حاجة ماسة لتطوير منظومة الزكاة، ومن أجل المزيد من الاحترافية والكفاءة لهذه المنظومة لا بد من التحول من النظام الفردي إلى النظام المؤسسي.

تشمل إستراتيجية تطوير الزكاة اعتماد أساليب جديدة في الجمع والتوزيع، وتكون هذه الأساليب ذات مرونة وكفاءة عالية بحيث تستفيد الطبقات المستهدفة بشكل مباشر، في بعض الدول الإسلامية تقوم المراكز المشرفة على توزيع الزكاة بتمويل مشاريع تنموية صغيرة تساعد الفقراء على العمل وتعينهم على رسم مستقبلهم بالاعتماد على أنفسهم.

تطوير وتفعيل الوقف

ظل الوقف عبر التاريخ الإسلامي جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الإسلامية، وفي غالبية المجتمعات الإسلامية انتشر الوقف وازدهر وشملت الخدمات التي يقدمها الوقف التعليم، الرعاية الصحية، الماء الصالح للشرب وغيرها من الأمور التي يحتاجها عامة الناس وخاصة الفقراء والطبقات المعدمة، وبلغ هذا الوقف أوجه ازدهاره حين شملت خدمة الأوقاف رعاية الحيوانات، تناقصت مؤسسات الوقف وانهارت مع سقوط الدولة الإسلامية إلا أن قوانين الوقف وتجاربه السابقة ما تزال قائمة ويمكن الاستفادة منها لإحياء هذا العمل الخيري العظيم الذي يسهم في التخفيف من معاناة الفقراء والتحسين من أوضاعهم.

من التجارب الحديثة في إندونيسيا وبروناي دار السلام وماليزيا توجد مؤسسات وقفية حديثة تسهم بشكل كبير في تقديم خدمات اجتماعية جليلة للطبقات الفقيرة، وتشمل هذه المشاريع مؤسسات طبية وتعليمية ومصانع وطرق وغيرها، يذهب ريع هذه المشاريع إلى الطبقات الفقيرة لمساعدتها على إقامة مشاريع مدرة للدخل،  رغم غياب البيانات الرسمية حول الوقف في الدول الإسلامية فإن هناك دولاً تشهد تطورات متسارعة في إنشاء الأوقاف وتسييرها؛ حيث تشكل قيمة الأوقاف المسجلة في الهند 24 مليار دولار، وفي إندونيسيا 60 مليار دولار.

تجربة دول جنوب شرق آسيا

من خلال التقارير المهتمة بتطوير المالية الإسلامية، والدور الذي تمارسه في العمل الاجتماعي والإنساني، ما تزال دول الشرق الآسيوي تحقق نجاحات كبيرة ومميزة في هذ الإطار، ففي تقرير مؤسسة Thomson Reuters الذي شمل عدة دول آسيوية منها: الهند، باكستان، إندونيسيا، ماليزيا، بنجلاديش، سنغافورة، بروناي دار السلام؛ اهتم تقرير المؤسسة بمدى الدور الذي تؤديه المالية الإسلامية في العمل الاجتماعي والإنساني في هذه الدول عن طريق الزكاة والوقف.

تعتبر هذه الدول الأكثر من حيث عدد السكان في العالم الإسلامي؛ حيث يبلغ عدد المسلمين فيها 720 مليون مسلم؛ أي ما يقارب 45% من المسلمين في العالم، ينتشر الفقر في أربع من هذه الدول، وذلك على النحو التالي:  76.5% بنجلاديش،  69% الهند، 60% باكستان و46% إندونيسيا (إحصائيات عام 2014م)، تعرف الصناديق الاجتماعية والهيئات الخاصة بجمع الزكاة ومؤسسات الوقف درجة عالية من القبول والمصداقية لدى طبقات واسعة من المسلمين في هذه البلدان، وذلك بعد النجاحات التي حققتها حكومات هذه الدول فيما يتعلق بالنزاهة والشفافية والكفاءة المهنية في إدارة هذه الأموال.

الشفافية والحوكمة الرشيدة

وجود شبكة مؤسسات كبيرة ومنظمة لجمع وتحصيل الزكاة يعتبر أكثر جدوى ومردودية من وجود شبكة مؤسسات خاصة غير منظمة، لذلك لجأت الدول الآسيوية إلى خلق إطار قانوني وإداري لعمل هذه المؤسسات، وقد أدى ذلك إلى نتائج إيجابية كبيرة؛ حيث وصلت قيمة الأموال المجمعة من الزكاة في بنجلاديش 1.4 مليار دولار، وقد ساهم على النجاح في التخفيف من وطأة الفقر بين البنجاليين، وبدأت كل من باكستان وإندونيسيا العمل في هذا الإطار أيضاً.

هناك الكثير من النقد يوجه إلى الاقتصاد الإسلامي اليوم خاصة فيما يتعلق بالجانب الاجتماعي والإنساني للمالية الإسلامية، حيث إن هناك إمكانيات كبيرة يتيحها هذا القطاع لممارسة دور مهم في خدمة المجتمع في مجال التعليم والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويتم ذلك من خلال دعم مؤسسات الزكاة وتطوير عملها وتحسين آليات تدخلها إضافة إلى تنمية وعي الناس حول أهمية دفع الزكاة، وإبراز دورها في خدمة المجتمع، فضلاً عن كونها شعيرة من شعائر الإسلام العظيمة.

المصدر: "إسلام أون لاين".

عدد المشاهدات 845

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top