مقام العبودية في رحلة الإسراء

18:04 22 أبريل 2017 الكاتب :   خميس النقيب

لأهمية مقام العبودية قال ربنا في كتابه الكريم ودستوره الحكيم القامات الدالة على اصطفاء الله - سبحانه وتعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في منزلته ومكانته، وفي خصائصه وفضائله، وفي شمائله وصفاته، واليوم نقف مع أعلى تلك المقامات وأرفعها، وهو مقام عبوديته - صلى الله عليه وسلم - لله - جل وعلا - وهذه من صفات علماء الآخرة الذين علومهم زاخرة، ونفوسهم طاهرة، ومقام العبودية اختاره المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لنفسه على مقام الملك، وهو مقام عظيم، وصف الله - سبحانه - نبيه به في أشرف مقاماته كمقام التنزيل في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف: 1].

ومقام الدعوة في قوله: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن: 19]، وفي مقام التحدي في قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23]، وفي مقام الإنذار: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1]، وفي مقام الإسراء في قوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1]، وفي مقام الهداية من الظلمات إلى النور: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 9]، وقال: {رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36]، {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10]، {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} [الإسراء: 5].

وقام بين يديه - صلى الله عليه وسلم - رجل يوم الفتح، فارتعد، فقال له: هوِّن عليك، إني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد، وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله".

وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: جلس جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى السماء، فإذا ملك مهول، فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد، أرسلنا إليك ربك أملكًا نبيًّا يجعلك، أم عبدًا رسولاً؟ قال جبريل: فتواضع لربك يا محمد، قال: بل عبدًا رسولاً.

ومن مراسيل يحيى بن أبي كثير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، فإنما أنا عبد"؛ خرجه ابن سعد في طبقاته.

وخرج أيضًا من رواية أبي معشر عن المقبريعن عائشة- رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أتاني ملك، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت نبيًّا ملكًا، وإن شئت نبيًّا عبدًا، فأشار إلى جبريل - عليه السلام - ضع نفسك، فقلت: نبيًّا عبدًا، قالت: فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك لا يأكل متكئًا، ويقول: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد؛ ص 474.

قلت: ورواه النسائي عن ابن عباس- رضي الله عنه - ما ولفظه: أن الله - تبارك وتعالى - أرسل إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ملكًا من الملائكة ومعه جبريل، فقال الملك: إن الله - تبارك وتعالى - يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا، وبين أن تكون ملكًا، فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا بل أكون عبدًا نبيَّا، فما أكل بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا.

ومن مراسيل الزهري قال: بلغنا أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ملك لم يأته قبلها ومعه جبريل، فقال الملك وجبريل صامت: إن ربك يخيرك بين أن تكون نبيًّا ملكًا، أو نبيًّا عبدًا، فنظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جبريل كالمستأمر، فأشار إليه أن تواضع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بل نبيًّا عبدًا؛ قال الزهري: فزعموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأكل منذ قالها متكئًا، وتقدم بعض ذلك في آداب الأكل والكلام عليه بما فيه غنية.

قال بعض العارفين: من ادعى العبودية وله مراد باق، فهو كاذب في دعواه، إنما تصح العبودية لمن أفنى مراداته، وقام بمراد سيده يكون اسمه ما يسمى به، ونعته ما حلي به، إذا دعي باسمه أجاب عن العبودية، فلا اسم له ولا رسم، ولا يجيب إلا لمن يدعوه بعبودية سيده، وأنشأ يقول:

يا عمرو ثاري عند زهراء يعرفه السامع والرائي

لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أصدق أسمائي 

والعلماء أهل (التعبد) والخضوع، والذل والخشوع، ورفع الأيدي وسفح الدموع بين يدي عالم السر والنجوى، وكاشف الضر والبلوى.

وما رواه الترمذي من حديث عائشة - رضي الله عنها - وقولها له: يا نبي الله لو أكلت وأنت متكئ كان أهون عليك، فأصغى بجبهته إلى الأرض حتى كاد يمس بها الأرض وقال: بل آكل كما يأكل العبد وأنا جالس كما يجلس العبد؛ فإنما أنا عبد.

بل كانت عبوديته - عليه الصلاة والسلام - أكمل من عبودية من قبله من الأنبياء، فهو خير العابدين لله - سبحانه وتعالى - وسيرته العطرة، توضح ذلك وتبينه خير بيان، وبذلك استحق شرف الوسيلة والشفاعة يوم القيامة دون من سواه.

ورحلة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع العبودية بدأت مبكرًا حينما كان يمضي إلى غار حراء يتحنث فيها الليالي العديدة، مستجيبًا لكوامن النفس ودوافع الفطرة، في تعظيم الخالق - سبحانه وتعالى - ومناجاته، وقد أجاد الشاعر حين قال:

ولقد تفرّغ للعبادة قبل أن يُؤمر بها في شامخ الصخرات وغدا يناجي ربّه ويريد منه هداية للخير والحسنات حتى استجاب له الإله وجاءه جبريل بالبشرى وبالآيات 

وببعثته - صلى الله عليه وسلم - صارت عبوديته لربّه أكثر شمولاً وتنوعًا، فلم تقتصر على مجرَّد الشعائر التعبدية الظاهرة المعروفة، بل امتدَّت لتشمل كل ما يحبُّه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.

فصلاته بين يدي ربه هي العجب العجاب؛ إذ كانت صلاته تفيض بأنوار السكينة والطمأنينة، في مناجاة للخالق وتذللٍ بين يديه، على نحوٍ يجلُّ عن المثيل والنظير، حتى صارت الصلاة أنيسه وقرَّة عينه: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، وغدت دواءً لأحزانه وكربه: "كان إذا حزبه أمر صلى".

ولعل خير من يصوِّر لنا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عوف بن مالك - رضي الله عنه - حينما قال: "قمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبدأ واستاك وتوضأ، وقام فصلى، فاستفتح بالبقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ، ثم ركع فمكث راكعًا بقدر قيامه، يقول في ركوعه: سبحان ذى الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر ركوعه يقول في سجوده: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ آل عمران ثم سورة، ففعل مثل ذلك".

وهذا المغيرة بن شعبة يصف لنا اجتهاده في ذلك، فيقول: (قام النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ورمت قدماه)، وقد أُثر عنه قيامه الليل كله بآية من القرآن الكريم، ويطيل بالقراءة أحيانًا أخرى، فإذا سُئل عن ذلك كان يقول: (أفلا أكون عبدًا شكورًا؟).

وفيما يتعلّق بصيامه - عليه الصلاة والسلام - قالت زوجته أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان)؛ متفق عليه واللفظ للبخاري، وأشارت روايات أخرى أنه كان يُكثر من صيام الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من غرَّة كل شهر.

ومن العبادات التي كان يداوم عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - عبادة الاعتكاف في المسجد؛ إذ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، يمكث فيه للصلاة وقراءة القرآن وتقوية الصلة بالله - عز وجل - والتفرغ لذلك؛ فقد ذكرت عائشة - رضي الله عنها - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)؛ متفق عليه واللفظ للبخاري.

أما في مجال الصدقة، والمبادرة إليها، والمسارعة نحوها، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - صاحب عبادة عظيمة، ومسارعة عجيبة، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، يُرشد لذلك تلك الحادثة التي يرويها الصحابي الجليل عقبة بن الحارث - رضي الله عنه - حيث قال: (صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر، فلما سلم قام سريعًا، فدخل على بعض نسائه، ثم خرج ورأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته، فقال ذكرت وأنا في الصلاة تِبرًا - أي: ذهبًا - عندنا، فكرهت أن يمسي أو يبيت عندنا، فأمرت بقسمته)؛ رواه البخاري.

وفي ذكره لله - عز وجل - خير أسوة لنا، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - دائم الذكر لربّه في مختلف الأحوال وجميع الأوقات، فكان يذكره في قيامه وقعوده، وأفراحه وأحزانه، وطعامه وشرابه، وصباحه ومسائه، حتى إن العلماء قديمًا وحديثًا عَنوا بجمع ما كان يقوله - عليه الصلاة والسلام - من أوراد وأذكار مختلفة.

أما عبادته - صلى الله عليه وسلم - القلبية، والتي يقصد بها الأعمال التي ترتبط بالقلب ارتباطًا مباشرًا من محبةٍ لله وتوكُّل عليه، وخوف منه ورجاء له، ورضا بقضائه وقدره، وغيرها من أفعال القلوب، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ في تلك الأحوال أعلى الدرجات، شأنه في ذلك شأن من سبقه من الأنبياء، فنلمس توكُّله على الله - عز وجل - في قصة هجرته وقوله لأبي بكر: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟)، ونلمس بوضوح محبته لربه في قوله عن المطر: (إنه حديث عهد بربه).

وأما خشيته لله وخوفه منه، فتظهران من خلال ما نجده من رقّة قلبه وسرعة دمعته، وخشوع طرفه وانكسار قلبه عند ذكره لله - عز وجل - ووقوفه بين يدي مولاه، كما وصفه أبو مطرف قائلاً: "أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء"، فكان بذلك أنموذجًا تحتذي به نفوس الصالحين.

لقد كانت حياته - صلى الله عليه وسلم - كلها عبادة، وكذلك كانت وفاته، حتى كان أعظم وأكمل من حقَّق قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].

فهنيئًا لمن سلك سبيل العبودية، واقتدى فيه بأكمل الخلق - صلى الله عليه وسلم.

---

* المصدر: موقع الألوكة.

عدد المشاهدات 981

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top