الدعاء ليس مجرد عبادة.. من دروس الإسراء والمعراج

13:53 25 أبريل 2017 الكاتب :   حامد العطار

لماذا فرض الله الصلاة في أول الأمر خمسين صلاة؟ ألم يكن يعلم الله أن هذا العدد سينتهي في آخر المطاف إلى خمس صلوات فقط؟ والإجابة : قطعا، كان الله يعلم أن الصلوات المفروضة  ستؤول إلى خمس صلوات فقط في اليوم والليلة.

فعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما حدث ليلة الإسراء والمعراج :” فرض الله علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب، خفف عن أمتي، فحط عني خمسا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عني خمسا، فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى، وبين موسى عليه السلام، حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت فانتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه”.[1]

الدعاء وسيلة للتغيير

إن من جوانب الحكمة التي يمكن أن نستكشفها في فرض الصلاة على هذا النحو، أن نتعلم هذا الدرس البليغ تعلما عمليًّا. فما هو هذا الدرس؟

الدرس هو أن الدعاء ليس مجرد عبادة لإشباع  الروح،  بل هو وسيلة للتغيير من حال إلى حال، وسيلة للتغيير من البلاء إلى العافية، ومن الهزيمة إلى النصر، ومن الفقر إلى الغنى، ومن المنع إلى العطاء، ومن السخط إلى الرضا، ومن العجز إلى النشاط، ومن الفشل إلى النجاح!

ولنتصور على أي وجه كُتب هذا المشهد في صحف الملائكة؟ لقد كُتب : أن الله سيفرض الصلاة خمسين صلاة، ثم إن رسولي محمدًا سيدعوني طالبًا مني التخفيف، فأجيبه، فأحُطُّ عنه خمسًا، فتكون خمسًا وأربعين صلاة، ثم يسألني التخفيف، فأحُطُّ عنه خمسًا،  فتكون أربعين صلاة، وهكذا يدعوني سائلا التخفيف عشر مرات، إلى أن تصبح خمس صلوات.

فتخيل لو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل ربه التخفيف! كيف كانت ستصبح الخمسون خمسًا، مع تعليق ذلك على الدعاء!

وهكذا، كم من قضاء كتبه الله معلَّقًا على فعل العبد، فيُكتب في صحف الملائكة أن فلانًا سيمرض، فإذا دعاني عافيته، وأن فلانًا سيكون عمرُه ستين سنة، فإذا وصل رحِمَه جعلت عمره سبعين سنة؛ ففي الحديث أنرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» . [2]  وفي لفظ: “من أحبّ أن يمدّ اللَّه في عمره وأجله، ويبسط له في رزقه، فليتق اللَّه، وليصل رحمه”. وفي لفظ: “صلة الرحم، وحسن الخلق يعمّران الديار، ويزيدان من الأعمار”.[3]

الدعاء يدفع سوء القضاء

فالدعاء يدفع البلاء، ويردّ القضاء، وُيستدفع به سوء القضاء، كما ثبت عنه – صلى اللَّه عليه وسلم – في “الصحيح” أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ : ” من سوء القضاء”[4]، كما ثبت عنه – صلى اللَّه عليه وسلم – أنه قال: “وقني شرّ ما قضيت”.[5]

فكم من مريض ، ليس بينه وبين العافية سوى أن يدعو الله بالشفاء ويلح في الدعاء.

وكم من فقير ليس بينه وبين الغنى سوى أن يدعو الله بالغني ويلح في الدعاء.

وكم من مبتلى ليس بينه وبين العافية سوى أن يدعو الله بالعافية ويلح في الدعاء.

وكم من أسير، ليس بينه وبين الحرية سوى أن يدعو الله بالحرية ويلح في الدعاء.

قال تعالى : { يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] ففي كل يوم جديد يوجد قضاء جديد، قضاء بعافية المبتلى، وشفاء المريض، وإغناء الفقير، وكسر الظالم، ونجدة الملهوف، وتحرير الأسير، فقط اسأله سبحانه، (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).

فلولا أنه كان من المسبحين

أمر الحجاج الثقفي الظالم المستبد باحضار رجل من السجن، فلما حضر أمر بضرب عنقه، فقال: يا  أيها الأمير أخّرني إلى غد، قال: وأي فرج لك في تأخير يوم واحد؟

ثم أمر برده إلى السجن. فسمعه الحجاج وهو يُذهب به إلى السجن يقول:  عسى فرج يأتي به الله إنه … له كلّ يوم في خليقته أمر. فقال الحجاج: والله ما أخذه إلا من كتاب الله “كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ”وأمر باطلاقه.

فإذا كان الدعاء لا يفيد شيئًا، وأنه ليس للإنسان إلا ما قد سبق ، لكان أمره -عَزَّ وَجَلَّ- بالدعاء لغوًا، لا فائدة فيه، وكذلك وعده بالإجابة للعباد الداعين، وهكذا تكون استعاذة النبيّ – صلى اللَّه عليه وسلم – لغوًا لا فائدة فيها.[6]

ولذلك يقول الله تعالى :{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] والدعاء سبب من أسباب العفو.

{فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [الصافات: 143، 144][7]

فبالتسبيح خرج يونس من بطن الحوت، ولولا التسبيح للبث في بطنه إلى يوم القيامة!

قتيبة بن مسلم ومحمد بن واسع

ولمّا التقى قتيبة بن مسلم الترك، وهاله  ما رآه من أمرهم من القوة والعدد والعتاد، إذا به ، وهو القائد العسكري يسأل سؤالا غريبًا، يتساءل عن ( محمد بن واسع) ذلك الرجل الرباني، الذي ليس هذا يومه، وليست المعركة ميدانه!

فقيل: هو ذاك في الميمنة، جامح على قوسه، يبصبص بأصبعه نحو السماء!

فقال: تلك الأصبع أحب إلي من مائة ألف سيف شهير، وشاب طرير.[8]

الحجّاج لم ينهزم إلا بالدعاء

وقد قامت ثورات مسلحة في وجه الحجاج الثقفي، ودارت بين الحجاج والثوار أكثر من (80) موقعة حربية،وكان في صفوف الثورة معظم العلماء والأتقياء في هذا العصر، ثم باءت كل هذه الثورات بالفشل.

وكان سعيد بن جبير مع الثوار بسيفه، لكنه لم يتمكن من التخلص من الحجاج بالسيف، ثم تخلص منه بالدعاء !! قال : اللهم لا تسلطه على قتل أحد من بعدي. فمات قبل أن يقتل أحدا بعده!

دعاء النبي يوم بدر؟

وقد عَلِم النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بد أنه منصور، وأراه الله مصارع المشركين ممن حضروا المعركة ضده في بدر، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأماكن مصرع كل واحد ممن سيُصرع يومها، فجعل يقول لهم صلى الله عليه وسلم : هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله .[9]

ومع هذا، فإنه يدخل إلى العريش يستغيث ربه ويقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني!

والسؤال : لماذا هذه الاستغاثة وقد علم بمصارع القوم؟

يجيب شيخ الإسلام ابن تيمية : ؛ لأن العلم بما يُقَدِّرُه  الله ،لا ينافي أن يكون قدَّره بأسباب، والدعاء من أعظم أسبابه، كذلك رجاء رحمة الله وخوف عذابه من أعظم الأسباب في النجاة من عذابه وحصول رحمته.[10]

وقد غلط بعض الناس هنا، وظن أن الدعاء الذي علم وقوع مضمونه كالدعاء الذي في آخر سورة البقرة لا يشرع إلا عبادة محضة، وهذا كقول بعضهم: إن الدعاء ليس هو إلا عبادة محضة؛ لأن المقدور كائن دعا أو لم يدع.

فيقال له: إذا كان الله قد جعل الدعاء سببا لنيل المطلوب المقدر فكيف يقع بدون الدعاء؟[11]

[1] – متفق عليه. جامع الأصول (11/ 292)

[2] – متفق عليه من حديث أنس. مشكاة المصابيح (3/ 1377)

[3] – وللعلماء في المراد بإطالة العمر توجيهان، يقول القاضي عياض :

ومعنى التأخير هنا فى الأجل – مع أن الآجال لا يزاد فيها ولا ينقص، وهى مقدرة فى علم الله – قيل: هو بقاء ذكره الجميل بعده على الألسنة موجودًا، فكأنه لم يمت.

وقيل: هذا على ما سبق به العلم والقدر أنه إن وصل رحمه فأجله كذا، وإن لم يصل فكذا. وفى علم الله – تعالى – أنه لابد “. إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/ 21)

وسواء أكان المراد بالزيادة : الزيادة المعنوية أو الزيادة الحسية، فإن هذه الزيادة مرهونة بفعل العبد نفسه، هل يصل رحمه أم لا؟

[4] –  صحيح البخاري، رقم (6347)

[5] – رواه أبو داود والترمذي والنسائي. جامع الأصول (5/ 392)

[6] – الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (11/ 5327)

[7] – انظر : الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (11/ 5334)

[8] – سير أعلام النبلاء ط الرسالة (6/ 121)

[9] – الرحيق المختوم (ص: 173)

[10] – مجموع الفتاوى (7/ 459)

[11] – مجموع الفتاوى (8/ 287).

------

* المصدر: إسلام أون لاين.نت

عدد المشاهدات 1068

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top