المحاكاة

08:05 11 أكتوبر 2014 الكاتب :   سمية رمضان أحمد
قررنا في رحلتنا المباركة هذه أن يكون القرآن وآياته وفعل رسول الله ومحاكاته هو النبراس لنا

تفضَّل الله علينا بعمرة لزيارة البيت الحرام، مجموعة من النساء أردن تعلم الإسلام عن طريق المحاكاة، والتفاعل مع الآيات طوال وجودهن في هذه الصحبة الطيبة.

كانت إقامتنا في فندق يزيد على أربعين طابقاً، وبالرغم من زيادة عدد المصاعد، فإنه مع زيادة العدد يمكنك أن تنتظر المصعد مدة طويلة من الزمن، وعندما تفتح أبوابه وتتنفس الصعداء، قد يخيب رجاؤك فليس لك فيه مكان، عندما تكرر هذا الأمر انتظرنا حتى فتحت أبواب المصعد، وبسرعة قالت إحدانا لمن بداخله: أفسحوا يفسح الله لكم، وكانت المفاجأة؛ إذ توسع المكان بشكل لافت للنظر فاتسع لنا ولمن كان ينتظر في الأدوار المتبقية.

أخذتُ أفكر، سبحانك ربي! يحوي القرآن أكثر من ستة آلاف آية تنتظر من يتحرك بها ويطبقها، من يستحضرها أو يسمعها؛ فيمتثل لها ويقول: سمعنا وأطعنا، وهذا هو عهد الله وميثاقه مع المؤمنين؛ {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } (المائدة:7)، فتنتظم أمورنا ونسعد بالحياة الطيبة في الدنيا وحسن الجزاء في الآخرة.

قررنا في رحلتنا المباركة هذه أن يكون القرآن وآياته وفعل رسول الله ومحاكاته هو النبراس لنا، ولم نتأخر كثيراً، ففي مداخل المسجد مثلاً نرى تكدس المسلمين عند البوابات، بالرغم من أن في الداخل توجد أماكن كثيرة، ولكن أنى الوصول إليها، فتردد أي أخت: يا أخواتي، تفسحوا في المجالس، هذا أمرُ مَنْ أتيتم لزيارته، فتتسابق المعتمرات في الإفساح.

وتستمر الحياة رائعة بالتحرك بالقرآن والسُّنة، فمثلاً ونحن في الطريق من مكة للمدينة المنورة، احتجنا إلى التوقف في الطريق للصلاة، وعند دخولنا حمامات الاستراحات بالطريق، كانت الرائحة نفاذة تضطر كل من أرادت الدخول بحركة غير إرادية أن تضع يدها على أنفها مع إظهار التأفف والاشمئزاز، وإذ بإحدى الأخوات تتحرك بقول النبي "صلى الله عليه وسلم" فيما روي عنه: «إن الله نظيف يحب النظافة»، وإذ بها ممسكة بالممسحة في الممشى (الطريق) الذي يؤدي للحمامات، قائلة بصوت يسمعها الجميع: يا من تحببن خالقكن، إنه نظيف ويحب النظافة، هيا تقرباً من جلاله سبحانه بتنظيف هذا المكان، هيا أختاه ضعي لي المياه، وفوراً وجدنا أنفسنا جميعاً نتنافس في هذا الخير، من ترفع الأوراق الملقاة، ومن تسكب لها المياه، ومن تملأ «الجرادل» بالمياه وتلقي بها في عمق الحمامات، ومن تشارك في كنس المكان، وما هي إلا عشر دقائق بالدقيقة، وقد صار المكان أفضل مما كان، وقد امتلأت الوجوه بابتسامة الراحة والطمأنينة.

ونحن نهمّ بركوب الحافلة، قالت الأخت: هكذا دنيانا؛ إن تركناها من بعدنا وقد تحركنا فيها بالدستور الإلهي بفعل رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، سنتركها بلا حسد ولا غل ولا كراهية، بل بحب وعدل وسلام.

عند وصولنا إلى المسجد النبوي، مشتاقات بالطبع إلى زيارة المسجد الذي إليه تشد الرحال، وصلنا قرب وقت الصلاة، وبنفس الآية دخلنا جميعاً نحن ومَنْ وراءنا: تفسحن أخواتي يفسح الله لكن؛ حقيقة رأيناها بأم العين أن المكان أصبح يتسع للجميع، وهو نفس المكان الذي كان يبدو ضيقاً من قبل.

في العشاء بعد رجوعنا لمكان إقامتنا، قالت أختنا عائشة (أم يوسف): كم أنا متمتعة في هذه الرحلة من التطبيق العملي للقرآن والحديث، وكم تأثرت به؛ ولذا سأروي لكنَّ قصة حدثت معي.. ففي أيام غزو الكويت كانت تقيم معي في منطقة صباح السالم أختي مديحة (أم إبراهيم) وأشارت إليها، وأخي وأولادهم مع أولادي، وكان الوضع قاسياً إلى حد بعيد جداً، وفي يوم طرق بيتنا طارق، فإذا هي صديقة لنا مسكنها في مكان بعيد عنا في منطقة الروضة، بعد الترحيب بها كان وجهها شاحباً، فقالت بدون أي مقدمات أو وضع رتوش لتزيين كلماتها: أختاه، لا يوجد خبز بمنزلي لأولادي، لم أدعها تكمل، ولكن أمهلتها قليلاً ودخلت حجرتي على الفور وفتحت صوان ملابسي (دولابي) لأخرج العشرين ديناراً التي هي رأسمال كل هذه العائلات المقيمة معي، وولد أخي في إثري ممسكاً بذيل ثوبي: عمتي، هذا كل ما نملك، لا تعطيها المال، اعتذري لها، وأنا أقول بيقين: ربك قال سبحانه: { وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} (سبأ:39)، حقاً كان لدي يقين أن الله سبحانه لن يضيعنا، وأنا واثقة بربي، واصلت طريقي إلى صديقتي التي استنجدتْ بي، ووضعت المال بيديها، ولم تمهلني إذ بسرعة خرجت لعلها تقدم العون لأولادها.

لم تصل الأخت بعد لمنزلها وإذا ببابنا يطرق للمرة التالية: أين أم يوسف؟ قلت له: أنا، قال وهو يدفع لي ظرفاً: هذه ألف دينار لك، وأين أم إبراهيم؟ خرجت له أختي؛ فدفع لها ظرفاً مماثلاً بألف دينار مردداً: هذا حقكم وانصرف! سجدت لله شاكرة حسن ظني به وثقتي بوعده، العشرون أصبحت ألفين، في بضع دقائق.. نعم في بضع دقائق فقط!

انتهت أيام العمرة كما بدأت، وتعاهدنا بعد أن رأينا من بركة التحرك بالقرآن والسُّنة ما رأينا، أنه مازالت أمامنا الآلاف من الآيات نريد أن نتحرك بها على الأرض، لقد تيقنا أن التحرك بالقرآن والسُّنة هو الحياة.

 

(*) أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية والدعوية

 

عدد المشاهدات 1471

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top