الكِبْر

14:58 05 يوليو 2014 الكاتب :   عصمت عمر
الكِبْر بطر الحق، وغمط الناس

جاء تعريف «الكبر» في حديث النبي "صلى الله عليه وسلم"، فقد قال: «الكِبْر بطر الحق، وغمط  الناس» (راوه مسلم).

فبطر الحق: ردّ الحق وجحده، وغمط النّاس: احتقارهم.

 أمّا عن غمط النّاس: «وهو أن يجد الإنسان في نفسه جرّاء إعجابه بها أنّه أكبر من غيره، إذ الحامل عليه هو اعتقاد الإنسان كمال تميُّزه على الغير بعلم أو عمل أو نسب، أو مال، أو جمال، أو جاه، أو قوّة، أو كثرة أتباع »(1).

قال النووي يرحمه الله في كتاب رياض الصالحين، فيما جاء في الكبر والإعجاب: والكبر: «هو الترفع واعتقاد الإنسان نفسه أنه كبير، وأنه فوق الناس، وأن له فضلاً عليهم».

وقيل: الكِبْر هو «استعظام الإنسان نفسه، واستحسان ما فيه من الفضائل، والاستهانة بالناس، واستصغارهم، والترفع على من يجب التواضع لهم».

وتظهر علامات الكبر في سلوكيات المتكبر حتى تعلو كلامه وحركاته وسكناته.. بل وطموحاته وأفكاره، وينتج عنها وضع نفسه في مكانة أعلى من الآخرين.

يقول أحد الحكماء: «المتكبّر كالصاعد فوق الجبل يرى الناس صغاراً، ويرونه صغيراً» .

والكبر ليس من خلق المسلم الحق، ولا ينبغي لمثله؛ لأنها صفة تتنافى مع سلوكه، لما فيها من منافاة للتواضع، ولأنها تورث الحقد والغضب وازدراء الغير واحتقارهم، اعتماداً على العلم أو المال أو الجمال أو الحسب والنسب أو الجاه أو المنصب، وهذا كلّه زائل لا محالة - إذ المسلم يتواضع ليرتفع، ولا يتكبّر لئلا ينخفض، إذ سنّة الله جارية في رفع المتواضعين ووضع المتكبّرين قال "صلى الله عليه وسلم": «حقّ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه» (رواه البخاري).

ذم الكبر والنهي عنه في القرآن والسنة:

إن الكِبْر سبب في الإعراض عن آيات الله والصد عنها، قال الله تبارك وتعالى: {يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)}(الجاثية).

وقوله تعالى: { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ"35"}(غافر).

وهو سبب للصرف عن دين الله، قال الله تبارك وتعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (الأعراف:146).

وهو سبب لدخول النَّار والخلود فيها، قال الله تبارك وتعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ "20"}(الأحقاف).

وقوله تعالى: {قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ"72"}(الزمر).

قال "صلى الله عليه وسلم": «لا يدخل الجنة من كان في قلبه حبة خردل من كبر» (أخرجه مسلم).

وفي الحديث القدسي قال "صلى الله عليه وسلم": «يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما ألقيته في جهنم ولا أبالي» (أخرجه مسلم).

وعن أبي هريرة قال قال "صلى الله عليه وسلم": «ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبره.. ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر» (رواه البخاري).

وقوله "صلى الله عليه وسلم": «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر»، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطَر الحق وغمط الناس» (رواه مسلم), فبين "صلى الله عليه وسلم" أن التجمّل في الهيئة واللباس أمر محبوب عند الله إذا لم يصاحبه كبر واستعلاء على الناس، وأنه ليس من الكبر في شيء.

وقال "صلى الله عليه وسلم": «يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذر»، ويكفي أهل الكبر ذمّاً وإثماً أن إمامهم وقائدهم في ذلك إبليس - لعنه الله - الذي تكبّر على الله ولم يسجد لآدم، وفرعون وقارون وأمثالهم، ومن عمِل عمَل قومٍ حريُّ أن يحشر معهم، وأن يعذّب بمثل ما يعذبوا به.

وعن أبي هريرة رضي الله عنهُ قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ» (رواه مسلم).

قال سفيان بن عيينة: «من كانت معصيته في شهوة، فأرجوا له التوبة فإن آدم عليه السلام عصى مشتهياً فغفر له، ومن كانت معصيته في كبر فاخشوا عليه اللعنة، فإن إبليس عصى مستكبراً فلعن».

بعض أقوال السلف في الكبر:

يقول ابن تيمية: الكبر ينافي حقيقة العبوديَّة، كما ثبت في الصَّحيح: عن النَّبي "صلى الله عليه وسلم" أنَّه قال: «يقول الله: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحداً منهما عذَّبته».

فالعظمة والكبرياء من خصائص الرُّبوبيَّة، والكبرياء أعلى من العظمة؛ ولهذا جعلها بمنزلة الرِّداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار.

وقال سعد بن أبي وقَّاص لابنه: «يا بني: إيَّاك والكبر، وليكن فيما تستعين به على تركه: علمك بالذي منه كنت، والذي إليه تصير، وكيف الكبر مع النّطفة التي منها خلقت، والرحم التي منها قذفت، والغذاء الذي به غذيت»(2).

وقال النعمان بن بشير رضي الله عنه: «إنَّ للشيطان مصالي وفخوخاً، وإنَّ من مصالي الشيطان وفخوخه البطر بأنعم الله، والفخر بإعطاء الله، والكِبْر على عباد الله، واتباع الهوى في غير ذات الله» (3).

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنّ العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمتهُ وقال له: انتعش نعشك الله فهو في نفسه حقير وفي أعين الناس كبير، وإذا تكبَّر وعتا وَهَصَهُ الله إلى الأرض وقال له: اخسأ خسأكَ اللهُ فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس حقير حتى يكون عندهم أحقر من الخنزير».

وسئل سليمان عليه السلام عن السيِّئة التي لا تنفع معها حسنة فقال: الكِبْر.

وعن عبدالله بن سلام رضي الله عنه، أنه مر في السوق وعليه حزمة من حطب، فقيل له: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله عن هذا، قال: أردت أن أدفع الكبر، سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: «لا يدخل الجنة من في قلبه خردلة من كبر» (صحيح الترغيب والترهيب).

قال عوف بن عبدالله للفضل بن المهلب: «إنِّي أريد أن أعظك بشيء، إيَّاك والكِبْر، فإنَّه أول ذنب عصى الله به إبليس»، ثم قرأ: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ "34"}(البقرة).

ذم الشعراء للكبر:

قال الأحنف بن قيس ما تكبر أحد إلا من ذلة يجدها في نفسه، وقال عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر.

وقد أنشد ثعلب:

ولا تأنفا أن تسألا وتسلما

فما حُشِيَ الإنسانُ شرّاً من الكِبْرِ

وقال آخر:

كم جاهلٍ متواضعٍ

سترَ التواضعُ جهلَه

ومميزٍ في علمِه

هدم التكبرُ فضلَه

فدعِ التكبرَ ما حييتَ

ولا تصاحبْ أهلَه

فالكِبْرُ عيبٌ للفتى

أبداً يُقبِّحُ فعلَه

علاج الكبر:

إن الكبر من المهلكات، وإزالته فرض عين، ولا يزول بمجرد التمني، بل بالمعالجة، وفي معالجته سبل عديدة, منها:

- البدء بالوعي بهذا الخلق، وضرورة تعديله، ولهذا فإن أول علاج هو معرفة ضرر هذا المرض الخبيث، ثم الاستعاذة بالله سبحانه منه قال تعالى: {إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"56"}(غافر).

- تذكير النفس دائماً بمعايير التفاضل، والتقدم في الإسلام: قال سبحانه: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "13"}(الحجرات).

- كذلك النظر في سير وأخبار المتكبرين، كيف كانوا؟ وإلى أي شيء صاروا؟ من إبليس والنمرود إلى فرعون، إلى هامان، إلى قارون، إلى أبي جهل، إلى أبي بن خلف، إلى سائر الطغاة والجبارين والمجرمين، في كلِّ العصور والبيئات، فإنَّ ذلك مما يخوِّف النفس، ويحملها على التوبة والإقلاع، خشية أن تصير إلى نفس المصير، وكتاب الله عزَّ وجلَّ، وسنة النَّبي "صلى الله عليه وسلم"، وكتب التراجم، والتاريخ، خير ما يُعين على ذلك.

- ولاسيما المواظبة على الطاعات بإخلاص، تطهر النفس من كل الرذائل، بل وتزكيها.

الهوامش:

(1) من كتاب إحياء علوم الدّين، للإمام أبي حامد الغزالي، 3/321.

(2) العقد الفريد، لابن عبد ربه، 2/197.

(3) إحياء علوم الدين، للإمام الغزالي، 3/339.

عدد المشاهدات 3898

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top