الفرحة بالله

07:02 29 يوليو 2014 الكاتب :   سمية رمضان أحمد
يسألها بتعجب: من أتى بك إلى هنا؟ فأشارت بثقة إلى السماء

حضرتُ درساً يتحدث عن الفرحة بالله، شدني العنوان، وكان الدرس مميزاً في تناول الموضوع، فبعد مقدمة عن فضل الله ورحمته، وفرحتنا بهما، طلبتْ المحاضِرة من جمهور الحاضرات التحدث عن فرحتهن بالله، في حياتهن العملية، بحيث إن من لديها قصة شخصية عاشتها، أو قصة عاصرتها فلتتفضل بروايتها، وأعلنت أن الحاضرات سيكنَّ حكماً، ومن تفوز قصتها فإن المحاضِرة ستدعو الله لها دعوة شخصية ويؤمِّن الجميع على دعائها في هذا المكان المبارك، خاصة أن هذا الجمع كان لذكره سبحانه وتعالى، ولعل الله يستجيب الدعاء.

 

كانت الجائزة مغرية، لتستأذن أكثر من واحدة للحديث، والكل متشوق منصت لما يقال.. وكانت من بين من استأذنّ وتحدثن سيدة صعدت إلى مكان الحديث، وبعد حمد الله وشكره قالت: إنها ليست قصتي أنا، ولكن قصة صديقتي «نورا» عاشتها هي، وتابعتها أنا معها في مراحلها.

رحلة إلى السودان

هي امرأة ثرية جداً من نساء الكويت، وكانت لندن هي متنزهها ورئتها التي تتنفس منها في إجازاتها، وجاء موعد الإجازة، وكالعادة أعدت كل شيء للسفر إلى لندن، وبعد أن تهيأ كل شيء فوجئت بزوجها يطلب منها أن ترافقه هذا العام إلى السودان، كانت دهشتها شديدة.. إلى السودان! لماذا؟ فقال لها: صديقي يذهب لصيد الغزلان هناك وأود أن أرافقه هذا العام وأريدك بصحبتي.

كان الخيار أمامها صعباً، ولكنها اختارت أهون الأمور، وعلى الأقل أن تكون بصحبة زوجها بعد أن ضاعت أحلام الاستمتاع بالإجازة، وذهبت «نورا» إلى السودان، وبعد خروجها من المطار ورؤيتها للبلد الذي سيذهبون إليه، مع شعورها بالحرارة الشديدة التي غلفتها من كل جانب، قالت لزوجها: لن نعيد هذه الرحلة بتاتاً بعد ذلك مهما كانت الظروف.

امرأة عجوز

أسكنها زوجها في منزل كبير يتناسب مع ثرائهما، ومع أذان الفجر نظرت من نافذتها لعلها تجد نسمة من الهواء تصادقها، ومع العتمة، والضوء الخافت بالحديقة، تسمَّرت عيناها على خيال امرأة عجوز تسير بصعوبة حاملة دلواً بين يديها، لعلها تريد الوضوء، فهرولت بالنزول على الدرج سريعاً لرؤية هذه العجوز من قرب ولمعرفة من تكون، لم تستطع فتح الباب؛ لأنه مغلق من الخارج، فنادت على الخادمة، لتفتح لها، ودلفت هي إلى الحديقة تبحث عيناها عن المرأة دون جدوى، فقالت للخادمة: أين العجوز؟ ومن تكون؟ فقد رأيتها لتوي، قالت الخادمة: إنها أمي تقطن معي، وأقوم برعايتها، قالت لها: خذيني إليها، ومع اندهاش الخادمة المرسوم على محياها، وتعجبها الشديد، رافقت «نورا» إلى حيث العجوز، ولنفتح الستار لنرى جميعاً ما رأت وكأنها هي من تروي قصتها.

اعتدلت النسوة في أماكنهن، وكل واحدة قد تركت لخيالها العنان لتتخيل المشهد المصور، «نورا» وكأننا نراها، وقد تمركزت عيناها على حجرة فقيرة جداً في محتواها، فقط فرشتان على الأرض وبعض الأدوات البسيطة جداً، والعجوز تصلي وكأنها لم تشعر بوجودها، اقتربت «نورا» بخشوع لتستشعر وجود ملك الملوك يقابل هذه العجوز وفي هذا المكان، بحثت عن مكان تجلس عليه لحين انتهاء العجوز من صلاتها فلم تجد، فوقفت مسبّحة، مبتهلة إلى الله، سلمت العجوز ناظرة لابنتها متسائلة عن الضيفة، فانبرت «نورا» قائلة: أنا من أتى الله بي إليك.

تم التعارف بعفوية وبساطة، فعلمت أنها «خديجة» (أم فاطمة)، فأصرت «نورا» أن تستضيفها في منزلها، وبالفعل صحبتها معها مع علامات الحيرة والدهشة المرسومة على وجه العجوز، ومع تنفس الصباح، وبزوغ الشمس، لم تستطع «نورا» النوم، حتى الضحى لتشتري لها كل شيء مناسب في حجرتها البسيطة، لتصبح في ساعات حجرة مؤسسة أثاثاً كريماً، بل وعلى الفور وفَّرت لها صنبوراً من المياه داخل حجرتها حتى لا تسير كل هذه المسافة للوضوء، وبعد عدة أيام كان هناك حمام كامل يُبنى بجانب حجرتها.

صيد الحسنات

كانت «نورا» مستمتعة جداً بما تصنع، فقد حبَّب الله إلى قلبها مساعدة هذه العجوز، كان زوجها يحدثها عن صيد الغزال وهي تحدثه عن صيد الحسنات، وجاء وقت رحيلها، فنظرت للعجوز مودّعة، وهي على يقين أن هذه العجوز بينها وبين خالقها سر جعلها تتمنى رضاها، قالت: هل تريدين أي شيء يا «خديجة»؟ قالت: كل رمضان أسأل الله أن ييسر لي أمر الحج وأنا العجوز الفقيرة من أين لي مصاريف حجي، ولكني مستمرة في الدعاء، وأعلم قدرة من بيده ملكوت كل شيء، ثم سألتها سؤالاً مباغتاً: هل تستطيعين أن تحققي لي أمنية عمري؟ ابتسمت «نورا» قائلة: إن شاء الله.

رجعت «نورا» للكويت لتروي قصة خديجة، فتنهال التبرعات، باسم المرأة العجوز الفقيرة، وتطلب «نورا» من زوجها الذهاب إلى السودان لتوزيع هذا الخير على الفقراء، وكذلك على «خديجة»، ولا يوافق زوجها فقد تعب كثيراً في رحلته السابقة، فتقبِّل رأسه، وتتوسل إليه أن يصاحبها، فيتعجب زوجها من انعكاس مواقفهما ويوافق برضا.

قامت المتبرعات بتقسيم النقود على أظرف لتوزيعها على الفقراء، وتوكِّل «نورا» العجوزَ لتوزيع الأظرف على من تعرف من الفقراء، وتتعجب من مشهد «خديجة» وهي توزع بنفسها على المحتاجين وكأنها هي الغنية صاحبة المال، إنه الغني سبحانه وتعالى الذي أعزها ورزقها.

رحلة حج: لم تنسَ «نورا» وعدها لخديجة بترتيب أمر الحج لها، فقد وعدتها أنها بمجرد رجوعها الكويت ستحجز لها مكاناً للسفر، ولكنها في غمرة الانشغالات تأخرت كثيراً عن موعد الحجز المعتاد وهي لا تدري، فلم تجد لها مكاناً سوى في الدرجة الأولى، ولم يكن أمامها سوى الحجز لها في هذه الدرجة حتى توفي بوعدها.

قبعت «خديجة» في الدرجة الأولى مع الوزراء وذوي الوجاهة في المجتمع، المرأة التي لا تستطيع استخدام حزام الطائرة ولا فتح مائدة الطعام ولا أي شيء على الإطلاق إلا وتستنجد بالمضيفة، لدرجة أن المضيفة طلبت منها بطاقة دخول الطائرة أكثر من مرة لتتأكد أن حجزها ومكانها صحيح! ولم يملك أحد الجالسين بجانبها من ذوي الجاه والمال نفسه من أن يسألها بتعجب: من أتى بك إلى هنا؟ فأشارت بثقة إلى السماء، وقالت: الذي أتى بك، فلم ينبس الرجل ببنت شفه، وردد: سبحان الكريم!

بيت جديد

عند رجوع العجوز كان في انتظارها فرحة عمرها، «نورا» تبني لها بيتاً متعدد الحجرات لتعيش فيه «خديجة» وابنتها.

ترى من كانت من الاثنتين أكثر فرحة بالله، «خديجة» التي نزلت عليها رحمات الله كالمطر الهاطل، أم «نورا» التي وفقها الله إلى كل هذا الخير واستشعرت معيَّته معها طول الوقت؟

هذا هو مولانا يدهش في عطائه، ولا راد لفضله، فكيف لا نفرح به رباً عظيماً كريماً حنّاناً ودوداً لطيفاً سميعاً قادراًً مجيباً.

عدد المشاهدات 2232

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top