طباعة

    احذر الهزيمة بعد الانتصار في رمضان

10:55 07 يوليو 2018 الكاتب :   د. بسيوني نحيلة *

 

مقومات النصر: الثبات وطاعة الله ورسوله والذكر وعدم التنازع والصبر وتجنب البطر والرياء

شهدت غزوتا "أُحد" و"حنين" غفلة عابرة عن بعض من مقومات النصر الستة فكانت الهزيمة

الثبات يتأثر بضعف ذكر الله الذي يسببه مزاحمة الدنيا وزخرفها لموقعه في قلب العابدين 

حري بالمنتصرين في جميع الميادين أن يعلموا أن الحفاظ على النصر أعظم من تحقيقه

 

يُعرف شهر رمضان المبارك بأنه شهر الانتصارات، ليس فقط في ميادين المقاومة ضد المعادين والمناوئين كانتصار "بدر" و"فتح مكة" و"فتح الأندلس" و"حطين" و"العاشر من رمضان" وغيرها، بل أيضاً في ميدان مجاهدة النفس والتغلب على شهواتها ونزواتها بإلزامها أوامر الله والخضوع لتشريعاته فوق غرائز النفس ومتطلباتها؛ ويُعد هذا النوع الأخير من النصر القاعدة الأساسية لتحقيق الانتصارات الأخرى في ساحات المواجهات المتنوعة. 

ربما يرجع تميز شهر رمضان الكريم بالانتصارات والفتوحات الكبيرة إلى البيئة الإيمانية الفريدة التي يوفرها هذا الشهر المبارك، لتعين الأمة على امتلاك أسباب النصر وتحقيق مقوماته التي ورد ذكرها في سورة "الأنفال"، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ {45}‏ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ {46} وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ {47}) (الأنفال).  
فالآيات الكريمات ترشد إلى ستة عوامل أصيلة لا يتحقق النصر عند لقاء الفئات المعادية للحق والمضطهدة لأتباعه بدونها، وهي: الثبات، ذكر الله، طاعة الله ورسوله، عدم التنازع، الصبر، تجنب البطر والرياء، ويلاحظ أن هذه المقومات مجتمعة مما يتدرب عليه المسلمون في شهر رمضان، ويحرصون على التنافس في تحقيقها؛ نرى ذلك من خلال الثبات والصبر على طاعة الله ورسوله في صيام شهر كامل، وفي فرحة الأمة واتحادها على عبادة الله وذكره والاجتهاد للوصول إلى أعلى المقامات بالاحتساب والإخلاص.
والمتتبع لهذه الانتصارات يدرك أن النصر كان حليفاً للمسلمين عندما أقاموا هذه العوامل في نفوسهم ومجتمعاتهم، وأن الهزيمة بفقدان النصر وقعت عندما غفلوا عن هذه العوامل الستة، ولم ينتبهوا إلى عواقب عدم تحققها في ميدان مجاهدة النفس أو مجاهدة الأعداء.
بين "أُحد" و"حنين"
يتضح ذلك من خلال تأمل أحداث غزوتين وقعتا بعد شهر رمضان، وتحديداً في شهر شوال، الأولى غزوة "أُحد" (شوال 3هـ)، والثانية غزوة "حنين" (شوال 8 هـ)، فالجامع في هاتين الغزوتين أمور، منها:
- أن هزيمة بعد نصر وقعت فيهما، ففي "أُحد" وقعت الهزيمة بعد حصول النصر الموعود في أولها، وبعد عام من نصر غزوة "بدر" (رمضان 2هـ)، وفي غزوة "حنين" وقعت الهزيمة في بدايتها بعد أيام قليلة من "فتح مكة" (رمضان 8هـ).
- أن كلتا الغزوتين شهدتا غفلة عابرة عن بعض من مقومات النصر الستة التي أشارت إليها سورة "الأنفال" كما أشرنا سلفاً، ولربما كان ذلك من أهم أسباب وقوع الهزيمة فيهما والإحساس بلوعة فقدان النصر، ولتوضيح ذلك نستعرض ما يأتي:
الثبات وذكر الله تعالى: كلاهما مرتبط بالآخر؛ فذكر الله -العميق في الفهم والمتنوع في الوسائل- يُعد من أهم ركائز الثبات في جميع المواجهات، كما أن ضعف الثبات دليل على انشغال القلوب بغير ذكر الله تعالى، ومن أهم آثار ذلك: الحيرة والقلق بسب الحسابات المادية والإغراق في التصورات المستقبلية.
وهذا ما رأيناه في غزوة "أُحد"، عندما انشغل مجموعة من الرماة بالغنيمة، وسمحوا لها أن تسيطر على عقولهم وقلوبهم وقرارهم، فأربك ذلك حساباتهم، وحرمهم من نعمة الثبات فيما أُمروا بالثبات فيه، فكانت النتيجة هزيمة مؤلمة من بعد انتصار، يقول ابن عباس: "لما هزم الله المشركين يوم أحد، قال الرماة: أدركوا الناس ونبي الله صلى الله عليه وسلم لا يسبقوكم إلى الغنائم، فتكون لهم دونكم.." (رواه الطبري)، ويظهر من هذا القول: أن ذكر الغنائم سبق ذكرهم لله في هذا الموقف؛ فكان قرارهم مادياً محضاً؛ إذ تركوا التكليف النبوي الذي كلفهم بالثبات على الجبل وعدم تركه تحت أي ظرف.
وفي هذا دليل على أن الثبات يتأثر بضعف ذكر الله الذي يسببه مزاحمة الدنيا وزخرفها لموقعه في قلب العابدين، ويجب الإشارة هنا إلى أن وقوع بعض الصحابة في ذلك يبين أن جميع قلوب مَن دونهم ليست في مأمن من سهام الدنيا وهزاتها المادية، ولعل ذلك هو أحد أسباب إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من دعائه: "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبّت قَلْبِي عَلَى دِينِك" (رواه الترمذي).
طاعة الله ورسوله وعدم التنازع والاختلاف: طاعة الله ورسوله تمثل المصدر والمرجعية عند الاختلاف، وهي العاصم من التنازع عند نزغ الشيطان بين الإخوة، كما أنها الهداية والطمأنينة عند حيرة الاختيار من بين الأمور والآراء، والرماة في "أُحد" عصوا رسول الله في أمر صريح لا يحتمل التأويل ولا التردد، ودفعتهم هذه المعصية إلى التنازع مع قائدهم المكلف من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مما ترتب عليه معصية مركبة ليست في أمر الرسول فقط، إنما في معصية أمير رسول الله أيضاً؛ وعلى أثر ذلك تحول النصر إلى هزيمة مفجعة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن من أخطر الأمور التي توقع في التنازع وتؤدي إلى الفشل، أن يقف الإنسان حائراً بين طاعة الله ورسوله وما سواهما؛ ففي ذلك تجاوز لمقام الله ورسوله، ومساواة جائرة لا تتوافق مع صريح الإيمان المؤهل للنصر والتمكين، يصف البراء بن عازب رضي الله عنه ما دار بين الرماة وأميرهم عبدالله بن جبير بقوله: "فلما التقى القوم، وهزمهم المسلمون، فجعلوا (أي الرماة) يقولون: الغنيمة الغنيمة، فقال لهم عبدالله: أمهلوا! أما عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا، فانطلقوا (أي الرماة)، فلما أتوهم صرف الله وجوههم، وقُتل من المسلمين سبعون رجلاً" (رواه البخاري).
والحديث يحذر من عاقبة مصيبة المعصية في أنها لم تنزل بالعصاة من الرماة وحدهم، إنما حلت بجموع المسلمين في هذه الغزوة، إذ قتل منهم سبعون، فكانوا بين مقتول أو جريح أو محزون، حتى النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم يومها من الجراح والأحزان، وهذا ما أكده القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ {152}) (آل عمران)، ونلحظ أن ذكر المعصية في الآية واردٌ بين سببين من أهم أسبابها؛ وهما التنازع وحب الدنيا، فهما الداء الأخطر والفشل الأعظم الذي يحول بين الأمة وموعود الله فيها.
الصبر والبعد عن الرياء والعُجْبِ: العلاقة بينهما أصيلة؛ إذ إن المرائي متعجل للثواب والأجر في الدنيا، والأصل أنه يصبر حتى يلقى الله، ولا يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، كما أنهما مرتبطان بما سبق من عوامل، فغالب التنازع والاختلاف المذموم يأتي نتيجة للعجب بالنفس والنظر إلى اعتبارات الآخرين وتقييماتهم، كما أن المعصية دليل على عدم الصبر على الطاعة وفقدان التحمل أمام الضغوط والمغريات.
وفي غزوة "حنين" مثال واضح على تأثير هذين العنصرين عند المواجهة، فقد خرج المسلمون في عدد وعُدة لم تكن لهم من قبل في غزوة من الغزوات، فأصاب بعضهم داء العُجب عندما قالوا: "لن نغلب اليوم من قلة"، فأذاقهم الله الهزيمة المفاجئة بعد أيام قليلة من فرحة الانتصار في "فتح مكة" الأكبر، والأمر العجيب في هذه الغزوة أن يكون هذا العُجب سبباً لفقدان بقية المقومات، مثل: الثبات والصبر عند اللقاء، فقد فر الجميع ولم يثبت حول النبي إلا قرابة المائة، مما ترتب عليه نسيان ذكر الله وطاعة رسوله بسبب الخوف والوجل الذي يدفع إلى الفرار بالنفس وعدم المبالاة؛ فتراكمت عليهم أسباب الهزيمة مع بداية المعركة بسبب هذا الداء. يقول تعالى واصفاً هذا الحال المهيب: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ {25}) (التوبة).
لقد كانت الهزيمة بعد النصر في هاتين الغزوتين عاقبة مؤلمة للغفلة عن المقومات الستة للنصر وعدم الاستمرار على حفظها والتواصي بها، فحري بالمنتصرين في جميع الميادين أن يعلموا أن "الحفاظ على النصر أعظم وأخطر من تحقق النصر ذاته"، وفي هذا نداء أيضاً للمنتصرين في شهر رمضان على أنفسهم، أن يحذروا من الانتكاسة بعده، وليعلموا أن الحفاظ على نصر بعد رمضان أو تحقيق مزيد من الانتصارات مرهون بهذه الأمور الستة مجتمعة على مستوى الأفراد والمجتمعات، فبها يكون نصر المؤمنين في كل الميادين حقاً على رب العالمين، يقول تعالى: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ {47}) (الروم).  

 

(*) أستاذ بكلية الشريعة والدارسات الإسلامية - جامعة قطر

 
 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عدد المشاهدات 1462