التحدي

22:52 20 مارس 2014 الكاتب :   سمية رمضان أحمد
جمعتهما قاعة كبيرة في بلد عربي، إحداهما تقضي إجازة، والأخرى مقيمة عاملة بذلك البلد، وهدفهما كان الاستماع لإحدى الداعيات في أحد دروسها،

 جمعتهما قاعة كبيرة في بلد عربي، إحداهما تقضي إجازة، والأخرى مقيمة عاملة بذلك البلد، وهدفهما كان الاستماع لإحدى الداعيات في أحد دروسها، وكانت الداعية تتحدث في تلك الأمسية عن قيام الليل، وبدأت كعادتها بتقديس الله والثناء عليه مما جعل الأذان تصغي، والقلوب تخشع، ومر الوقت سريعاً، وكان هناك عشاء، وأثناء تناول الطعام كان النقاش والحوار، وكانت الصديقتان تجمعهما نفس المائدة وكانت الأخت المقيمة معترضة على إمكانية قيام الليل في وقتنا الحالي، حيث قالت: نعم، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (رواه مسلم).  ولكن هذا أمر يجب ألا نشجع الآخرين عليه، فكيف يمكن لمثلي أن تقوم الليل ثم تذهب في اليوم التالي إلى المدرسة في ظل هذه المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقي من تدريس وتصحيح وتعليم؟! يجب أن أنام الليل بأكمله حتى يتسنى لي فعل ذلك، وهل ننسى رجوعي بعد ذلك إلى المنزل والقيام بمسؤوليات الأولاد من تدريس وتربية ومن غسيل للملابس والأواني ثم إعداد الطعام، ثم إعداد نفسي لاستقبال زوجي، ثم متطلبات زوجي! فلابد وأن الداعية متفرغة تماماً فقط للصلوات، قالت لها صديقتها: ولكن كيف يرشدنا صلى الله عليه وسلم لأمر ولا يكون في استطاعتنا وقدرتنا؟ بل إن الله سبحانه قد جعلها من أسباب دخول الجنة، حيث يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلُّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». لقد تأثرت كثيراً عند ترديدها لقول الله: (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ {17} وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ {18}) (الذاريات). وانسابت دموعي عند تلاوتها لآية الإسراء: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً {79}). فهل من المعقول أن كل هؤلاء لم يكونوا يعملون؟ بالتأكيد أن هناك سراً عند الله ورسوله [، لذلك سأبدأ في قيام الليل وأجرب بنفسي، قالت لها الأخت المقيمة: لن تستطيعي، ولو استطعت أياماً لن تستطيعي المواصلة، وأتحداك إن واصلت. نظرت إليها صديقتها بحيرة ورددت، (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً {10}) (الكهف)، سأحاول وأسأله المعونة. وفرق السفر بين الصديقتين، ولنرافق الصديقة في رحلتها وتجربتها مع قيام الليل لنستمع إليها حيث قالت: رجعت إلى بلدي وأصداء الدرس مازالت كلماته تتردد على قلبي، فقد جعلتني الأخت الداعية أحب الليل، وأتمنى مصاحبته في مرضاة الله، وأخذت أستعيد ما قالته ليشد ذلك من أزري. ـ ففي الليل كان نزول القرآن (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ {3}) (الدخان)، (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ {1}) (القدر). ـ ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليلاً (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى)  (الإسراء:1). ـ وجعل فيه سبحانه تلاوة الآيات: (يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ {113}) (آل عمران). ـ وفيه لقاء مالك الليل والنهار (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً {2}) (المزمل). ـ وهو من آيات الله (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ) (الإسراء:12). فاستعنت بالله وقمت بضبط وقت الاستيقاظ قبل الفجر بنصف ساعة، ولكني في هذا اليوم لم أتمكن إلا من صلاة ركعتين وصليت الفجر، وقمت بالنوم مجدداً بلا جدوى، وانقضى النهار بلا متاعب، وفي الليلة التالية كان توقيت استيقاظي قبل الفجر بساعة كاملة، وكنت سعيدة مغتبطة، وبعد أن بدأت ركعتين ذكرني الشيطان أن هناك غسيلاً أضعه بالغسالة ثم أكمل الصلاة بعده، وعندما ذهبت وجدت أطباقاً في الحوض تستنجد بي وتطلب مني الغوث! وقالت لي نفسي: إنه أمر بسيط، وعند ذلك تزين لي أمر إعداد الطعام ووضعه على النار بسرعة بحيث إنه عند انتهاء صلاتي يكون قد تم نضجه! وأخذ الوسواس الخناس يسرق مني الدقائق تلو الدقائق حتى سمعت الفجر يؤذن فتصلبت أحداق عيوني وشعرت بالندم والضيق الشديد، ثم قررت أمراً، قد كان صلى الله عليه وسلم أحياناً يصلي الركعات الثمانية متواليات بتشهد واحد، قررت ذلك حتى اعتاد على صلاة القيام وتزين في قلبي، وبالفعل في الليلة التالية بدأت قيام الليل بهذه النية، وكنت أضع المصحف أمامي وفي كل ركعة أقرأ صفحة ثم أقلب صفحات المصحف عند قيامي إلى أن انتهت الركعات الثمانية فلم يتمكن الشيطان مني، وصليت الفجر وأردت النوم مجدداً للاستعداد للعمل ولكن بلا جدوى، بدأت أشعر بالفعل ببعض الوهن والتعب فالمتطلبات كثيرة جداً، الوقت بالتأكيد أقل منها فكنت أستعير بعض الوقت من نومي.. وبدأت الأيام تتوالى والضعف يزداد مع الوهن والشعور بالنعاس، وتذكرت صديقتي وقلت: هل هذا أمر مستحيل فعلاً كما قالت؟ ولكن كيف يفعله الآخرون؟، وعندها تذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمت أنه كان ينام قليلاً في القيلولة، وبالفعل حاولت أن أتلمس أي وقت لذلك حتى نجحت في جزء يسير أنامه في قيلولتي ولكنه كان مفيداً جداً. فعند استيقاظي منه أشعر وكأني بدأت يوماً جديداً في نشاطي وحركتي وبدأت أقلص من فترة السهر رويداً رويداً وعمدت إلى تخفيف وجبة العشاء حتى لا أشعر بثقل عند النوم، فقد كان لدي تصميم ـ من كل قلبي ـ على استمراري في قيام الليل، واستمر صراع الشيطان معي شهراً كاملاً في أثنائه كنت قاب قوسين أو أدنى من ترك قيام الليل، ولكن وبعد مكابدة شهر بدا يظهر لي ويتجلى ما أكده لنا الرحمن (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً {76}) (النساء). فقد بدأت أستمتع بقيام الليل وبتلاوة آيات القرآن أكثر من أي صلاة أخرى في أي وقت آخر، بل بدأت أتدبر الآيات وأفهمها، بل لم ينقض شهر أو شهران حتى شعرت بقرب شديد من الله ورأيت آياته في استجابة الدعاء والطمأنينة والسكينة التي تنزل على قلبي برداً وسلاماً، بل وفي المساعدة العظيمة التي أجدها فيمن حولي، فإن أولادي اعتمدوا على أنفسهم إلى حد كبير في مذاكرة دروسهم، وتعاون الجميع في المتطلبات المنزلية وبدا زوجي يهون علي كثيراً من الأمور ويكون سنداً وعوناً قوياً لي في الكثير المتبقي منها، وبعد صلاة الفجر استطعت النوم قليلاً استعداداً لمتطلبات يومي الجديد، فكانت رحمة كبيرة من الله، ووجدت الوقت المنقضي في قيام الليل قد عوضه الله لي بأضعاف مضاعفة في البركة فيما تبقى من الوقت، ومرت الأيام سريعة متلاحقة وجاء موعد سفري إلى حيث صديقتي، اتصلت بها لأروي لها روايتي كما رويتها لكم فكانت على الخط الآخر امرأة أخرى، وبمجرد ذكر اسم صديقتي قالت:  هذا الاتصال خاطئ وأغلقت السماعة، نظرت إلى رقمها أمامي، سبحان الله هو ما طلبته! ثم شغلتني الدنيا وأعدت الكرة مرة أخرى بعد فترة وفي هذه المرة جاءني صوت زوجها فسألته عن صديقتي، فقال لي بجفوة إنها قد ماتت!! وأنه قد تزوج الآن ويرجو ألا أتصل مرة أخرى بهذا الرقم! شعرت بغصة في حلقي وعقدت الدهشة لساني، وسرح خاطري في كل لحظاتي معها وتسمر عند آخر لقاء وآخر كلمات التحدي التي كانت من أسباب الخير لي فاللهم ارحمها، وأرجو أن يكون لقائي معها في الجنة لأروي لها.. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولنستمع إلى رواية أخرى لأخت مختلفة بدأت من حيث انتهت أختنا الكريمة فهي تقول: لقد نجحت في المداومة على أن أقوم الليل وكان هو حب قلبي وقرة عيني. كانت متعة حياتي برمتها أجدها في سجود الليل وكان عقلي قد تمت برمجته في ساعة معينة يوقظ كل جوارحي، ومن حبي للقيام وتعلقي به لم أتركه في حضر ولا سفر، وكانت حسرتي عند انقضاء لحظاته بسرعة، بل كنت أدعو الله كثيراً أن يتأخر الفجر حتى أنتهي من وردي، وكنت أشعر بانتعاش وانتشاء في كل حياتي وكأن قيام الليل قد خلق لي. كنت أنصح به كل من أراه مهموماً أو مكروباً حتى حدث ما حدث. علمت أن أختاً لنا لا تستطيع أن تستيقظ لصلاة الفجر وعجبت أنها تصرح بذلك فكان حديثي معها فيه استخفاف بها، وتذكرت قدرتي على قيام الليل وتناسيت فضل الله وأنه لا حول ولا قوة إلا به، وبدأت الدائرة تدور عكس الاتجاه، فقد أصبح قيام الليل ثقيلاً عليّ وإن قمت لا يزيد الأمر على ركعتين وسُلبت برمجة عقلي وإن قمت اقرأ القرآن وكأني أقرأ الصحيفة ولم أشعر بمتعة ولا انتشاء من قيامي، بل صرت كجلمود صخر. وتوالت الأيام فالشهور، وأنا أتباعد عن قيام الليل، حتى جلست مع نفسي جلسة محاسبة وتذكرت حواري هذا، سبحان الله! بضع كلمات وبعض مشاعر كانت السبب في هذه الخسارة الفادحة وعلمت أنه تأديب لي من الخالق جل وعلا، وقد تذكرت قول الحسن بن علي رضي الله عنهما: «إذا لم تقدر على قيام الليل وعلى صيام النهار فاعلم أنك محروم وقد كثرت ذنوبك». فتبت إلى الله واستجرت برحمته أن يردني إلى قيام الليل رداً جميلاً.   

عدد المشاهدات 2549

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top