طباعة

    حج المَدين.. صحيح أم باطل؟

10:40 11 أغسطس 2018 الكاتب :   د. مسعود صبري

 

- المقصود بالاستطاعة أن يكون مالكاً للزاد وأن يمتلك وسيلة للانتقال من بلده إلى مكة المكرمة

- إن كان الدَّيْن في صورة أقساط مؤجلة وهو قادر على الوفاء فلا حرج عليه أن يحج

- إن حل وقت الدَّيْن وجب على المَدين أن يقدم سداد الدين على الحج

- الحكمة في تقديم الإسلام سداد ديون الناس على الحج ما يكون في تأخيرها من الشحناء

 

يثار عند بعض عموم المسلمين أن من كان عليه دَيْن لغيره فإنه لا يجوز له الحج، ولو حج فلا يصح منه الحج.

وهذا الكلام يندرج تحت أحد شروط الحج، وهو الاستطاعة.

وشروط الحج كما بينها الفقهاء، هي:

الإسلام؛ فلا يصح الحج من غير المسلم، ولو حج الكافر ثم أسلم بعد ذلك تجب عليه حجة الإسلام، وأجمع الفقهاء على أن الكافر في الدنيا لا يطالب بالحج.

والبلوغ؛ فلا يجب الحج على الصبي، لما أخرجه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رفعت امرأة صبياً لها فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر، وإن حج فحجه صحيح يثاب عليه»، لما أخرجه الحاكم فيما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا حج الصبي فهي له حجة حتى يعقل، وإذا عقل فعليه حجة أخرى، وإذا حج الأعرابي فهي له حجة، فإذا هاجر فعليه حجة أخرى».

ومن شروط الحج العقل؛ فلا يجب على المجنون أن يحج، بل لو حج المجنون لا يصح منه الحج، ثم إن عقل بعد ذلك؛ وجب عليه الحج من جديد؛ لأنه لم يكن مكلفاً بالحج وقت جنونه.

ومن شروطه الحرية؛ فلا يجب على العبد، فإن حج العبد بإذن سيده صح حجه وأثيب عليه، فإن أصبح حراً، وجب عليه الحج مرة أخرى، وإن حج بغير إذن سيده؛ أثِم.

والشرط الخامس: الاستطاعة؛ والمقصود بالاستطاعة أن يكون مالكاً للزاد، وأن يمتلك وسيلة للانتقال من بلده إلى مكة المكرمة، وأن يكون صحيح البدن غير مريض مرضاً يمنعه من الحج، وأن يكون الطريق آمناً، وغالب الطرق الآن آمنة ولله الحمد، لأن الناس ينتقلون إما بالطائرات عبر المطارات المتعددة، أو عن طريق السفر البري بوسائل النقل البرية، أو عن طريق السفر البحري بالباخرة أو السفينة ونحوهما.

والاستطاعة بالزاد أن يمتلك نفقة الذهاب والعودة والنفقة أثناء رحلة الحج، وأن يمتلك نفقات الحج من طلب التأشيرة، وحجز وسيلة السفر والإقامة في الفندق أو في البيوت المؤجرة ونحو ذلك، كما يجب عليه أن يترك لأهله نفقاتهم أثناء رحلته، فإن لم يكن عنده مثل هذه النفقات فلا يجب عليه.

وقد فسر العلماء الاستطاعة بالزاد والراحلة، فيما أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة».

أنواع الديون

الذي عليه دَيْن نوعان:

النوع الأول: من عليه دين من خلال شراء بعض السلع والمنافع بالتقسيط؛ فالذي يدفعه بالتقسيط هو دَيْن عليه، وهذا غالبه أنه يدفع مبلغاً كل شهر أو كل سنة أو كل فترة محددة، وهذا لا حرج في حجه مطلقاً؛ لأن الوفاء بالدَّيْن ليس مرتبطاً بوقت بعينه، وإنما هو على السعة، ربما يكون على سنة أو خمس سنوات أو أكثر أو أقل، فمن اشترى قطعة أرض مثلاً، أو اشترى شقة بالتقسيط، ويدفع القسط كل فترة معينة، فما ينبغي عليه أن يترك الحج لأجل هذا، لأن الدين ليس حالاً في وقت الحج، وإنما هو على التراخي الذي هو القسط حسب الفترة الزمنية المتفق عليها بينه وبين الجهة أو الشخص الذي اشترى منه الشيء.

وفي فتوى للشيخ ابن عثمين –يرحمه الله- سئل عن حج المدين فقال فيها: يجب أن نشكر الله عز وجل ونثني عليه أنه لم يوجب الحج على من عليه دَيْن رأفة بالناس، فإذا كان عليك دَيْن فلا تحج؛ لأن الحج لم يجب عليك أصلاً، ولو لقيت ربك للقيته وأنت غير مفرط؛ لأنك لم يجب عليك الحج، فاحمد الله أن يسّر لك، واعلم أن حق الآدمي مبني على المشاحة، والآدمي لا يسقط شيئاً من حقه، وحق الله مبني على المسامحة، أترد فضل الله عليك وتقول: أريد أن أحج وعليَّ دين ويبقى الدين عالقاً في ذمتك مع أن الحج ليس واجباً عليك؟

الحج لا يجب على من عليه دَيْن أبداً إلا إذا كان الدين مؤجلاً، وكان الإنسان واثقاً أنه إذا حل القسط فإنه يوفيه، وكان بيديه دراهم يمكن أن يحج بها، فهنا نقول: حج لأنك قادر بلا ضرر، وعلى هذا فالذي عليه دَيْن للبنك العقاري وهو واثق من نفسه أنه إذا حل القسط أوفاه، وبيده الآن دراهم يمكن أن يحج بها فليحج، وأما إذا كان لا يثق أنه يوفّي الدين إذا حلَّ القسط فلا يحج، ويبقي الدراهم عنده حتى إذا حل القسط أدى ما عليه. (ا.هـ).

النوع الثاني: من عليه دين لأفراد أو هيئات من باب القرض الذي حل أجله؛ فهذا المدين إن حل وقت الدَّيْن وجب عليه أن يقدم سداد الدَّيْن على الحج؛ لأن دين العباد هنا مقدم على حق الله تعالى، وعلى اعتبار أنه ليس مستطيعاً، فيسقط عنه وجوب الحج؛ لقوله تعالى: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران: 97)، فشرط الله تعالى الاستطاعة لوجوب الحج، وهو هنا غير مستطيع.

وإن طلب المدين تأخير سداد الدين من أصحابه لأداء الحج، فقد صح حجه بغير إثم؛ لأنه بتأخير سداد الدين أصبح عنده الاستطاعة المادية للحج.

وإن حج بغير إذنهم فقد صح حجه، لكنه خلاف الأولى، ولكنه مادام قد ذهب إلى الحج وأدى المناسك فقد صح حجه، ولا يطالب بإعادة حجه مرة أخرى.

وقد أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث بالمملكة العربية السعودية برئاسة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، وعضوية كل من الشيخ عبدالرزاق عفيفي، والشيخ عبدالله بن غديان بصحة حج المديون، بأنه: «من شروط وجوب الحج: الاستطاعة، ومن الاستطاعة: الاستطاعة المالية، ومن كان عليه دَيْن مطالب به، بحيث إن أهل الدين يمنعون الشخص عن الحج إلا بعد وفاء ديونهم؛ فإنه لا يحج؛ لأنه غير مستطيع، وإذا لم يطالبوه ويعلم منهم التسامح فإنه يجوز له، وقد يكون حجه سبب خير لأداء ديونه».

 وفي فتوى أخرى لهم رداً على سؤال عمن اقترض للحج، أجابوا: «الحج صحيح إن شاء الله تعالى، ولا يؤثر اقتراضك المبلغ على صحة الحج».

والخلاصة:

أن من كان عليه دَيْن؛ فالواجب عليه أن يقدم سداد ديون الناس على الحج؛ لأنه في هذه الحالة -وهو مدين- الحج ليس واجباً عليه، وإنما الواجب عليه أن يسدد ديون الناس، إلا إذا كان يشتاق للحج واستأذن أهل الدين في الحج؛ فإن سمحوا له بتأخير الدين، فلا حرج في أن يحج، وإن رفضوا وجب عليه سداد الدين وعدم الحج.

وإن كان الدَّيْن في صورة أقساط مؤجلة لمدد بعيدة، وهو قادر على الوفاء بالقسط في وقته، فلا حرج عليه أن يحج، وإن حل زمن السداد وجب عليه الوفاء بالدَّيْن ولو كان أقساطاً، وقد قال الله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: 286).

والحكمة في تقديم الإسلام سداد ديون الناس على الحج، ما يكون في تأخيرها من الشحناء والبغضاء بين المسلمين، بل يصل الحد إلى التحارب والتقاضي، وما ينجم عن هذا من سوء العلاقة بين المسلمين فيما بينهم، كما أن العلاقة بين العباد قائمة على المشاحة، وهي بين الله والعباد قائمة على المسامحة، فالله تعالى يغفر ويرحم؛ لأنه رب العباد، بينما العباد يحتاجون إلى مصالحهم، فمن باب حفظ العلاقات بين المسلمين قدم الشرع حق سداد الديون الذي هو حق للعباد، على الحج الذي هو حق الله تعالى.

عدد المشاهدات 2577