الإسلام إذ يكرّم المرأة دون طلب منها

11:44 03 سبتمبر 2018 الكاتب :   حامد العطار (*)

- بينما كان الوحي يتنزل بتكريم المرأة كان علماء الغرب يتساءلون: هل المرأة معدودة في جملة البشر أم لا؟!

- بعض علماء النصارى: أجسام النساء خطيئة ومن عمل الشيطان ويجب لعنهن!

- في الإسلام لم تحتج المرأة لتكوين منظمات نسوية ولا للتظاهر حتى تحصل على حقوقها وكرامتها

 

باع رجل إنجليزي زوجته سنة 1931م بمبلغ من المال، ولم يكن الرجل يظن أنه ارتكب جريمة في حق زوجته، إلا أنه فوجئ في مرافعات المحكمة بأن قانون بيع الزوجات قد ألغي سنة 1805م في بريطانيا، فحكمت المحكمة عليه بالحبس عشرة أشهر! هذه ليست طرفة، بل حقيقة، أن القانون في بريطانيا كان يبيح للزوج أن يبيع زوجته!

يقول «هربرت سبنسر» في كتابه «علم الاجتماع»: «إن أوروبا حتى القرن الحادي عشر الميلادي كانت تعطي الزوج الحق في أن يبيع زوجته، فجعلت حق الزوج قاصراً على الإعارة والإجارة وما دونها».

وفي سنة 586م، بينما كان محمد بن عبدالله يتأهل لتنزل الوحي عليه بتكريم المرأة؛ كان على الشاطئ الآخر من البحر المتوسط، وتحديداً في فرنسا انعقد مؤتمر للبحث: هل المرأة معدودة في جملة البشر أم لا؟ وخرج المؤتمر بقراره أنها «إنسان خُلق لخدمة الرجال فقط».

وقبل هذا التاريخ بنحو مائة عام فقط في القرن الخامس، انعقد مجمع «ماكون» المسيحي المقدس للنظر في حقيقة المرأة: هل هي جسم بلا روح، أم لها روح كالرجل؟ وكان قرارهم أن المرأة لها روح شريرة غير ناجية من العذاب، عدا أم المسيح.

وصرح بعض علمائهم بأن أجسام النساء خطيئة ومن عمل الشيطان وأنه يجب لعنهن!

وطوال عمر أمريكا منذ الاستقلال سنة 1783م إلى اليوم، عاشت المرأة نصف هذا العمر، 144 عاماً من النضال للحصول على حقوقها المواطنية الكاملة.

وقال الشيخ رشيد رضا: من الغرائب التي نقلت عن بعض صحف إنجلترا؛ أنه لا يزال يوجد في بلاد الأرياف الإنجليزية رجال يبيعون نساءهم بثمن بخس جداً، كثلاثين شلناً، وقد ذكرت الصحف أسماء بعضهم! 

ولما قامت الثورة الفرنسية (نهاية القرن الثاني عشر الهجري) وأعلنت تحرير الإنسان من العبودية والمهانة، لم يشمل هذا التحرير المرأة، فنصَّ القانون المدني الفرنسي على أنها ليست أهلاً للتعاقد دون رضا وليها إن كانت غير متزوجة.

وقد جاء النص فيه على أن القاصرين هم: الصبي والمجنون والمرأة، واستمر ذلك حتى عام 1938م، حيث عدلت هذه النصوص لمصلحة المرأة، ولا تزال فيه بعض القيود على تصرفات المرأة المتزوجة.

حقوق دون تظاهر

مؤتمرات، وندوات، ومظاهرات، ورحلات طويلة من الجهاد النسوي لتصل المرأة إلى أن ترث كما يرث الرجل، وإلى أن يكون لها صوت في الانتخابات، وإلى أن تبيع وتشتري وتتملك كالرجال!

في وسط هذه الأجواء كان هدي الرسول صلى الله عليه وسلم يتردد في الآفاق: «إنما النساء شقائق الرجال».

في الإسلام، لم تحتج المرأة إلى تكوين منظمات نسوية، ولم تحتج أن تتجشم مخاطر التظاهر حتى تحصل على حقوقها وكرامتها، فتتنزل الآيات من السماء: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً {124}) (النساء)، (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {97}) (النحل)، (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ {40}‏) (غافر)، (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 228).

ليس هذا فحسب، بل حارب الإسلام التشاؤم بالمرأة والحزن لولادتها كما كان شأن العرب وشأن كثير من الأمم الآن، فقال تعالى منكراً هذه العادة السيئة: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ {58} يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ {59}) (النحل).

وأمر بإكرامها؛ بنتاً، وزوجة، وأماً، أما إكرامها بنتاً ففي مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «من ولدت له ابنة، فلم يئدها، ولم يهنها، ولم يؤثر ولده عليها -يعني الذكر- أدخله الله بها الجنة».

وأما إكرامها زوجة ففي مثل قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة».

وأما إكرامها أمّاً ففي آيات وأحاديث كثيرة: قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) (الأحقاف: 15)، وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بصحبتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك».

تتنزل هذه الآيات، وتنطلق عقيرة النبي صلى الله عليه وسلّم بهذه الأحاديث، في مجتمع لم تكن فيه المرأة تُحسن فيه كتابة اسمها، فضلاً عن أن تفكر في تكوين روابط نسوية للمطالبة بتكريمها، لكن لماذا عليها أن تفكر في تكوين هذه الروابط والجمعيّات إذا كان المشرّع هو الله، الذي ليس بينه وبين الرجال نسب ولا وشيجة ليحابيهم على حساب النساء؟!

يقول عمر بن الخطاب: «إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم».

المنظمات النسوية

تقود كثير من المنظمات النسوية اليوم مواجهة مع الإسلام، بتُكأة الدفاع عن المرأة، والحق أنها مواجهة للدفاع عن أنفسهن فقط، وليس للدفاع عن عموم النساء!

فالمنظمات التي تعادي التعدد وتهاجمه، لا تفعل ذلك للدفاع عن عموم النساء، لكنها تفعل ذلك للدفاع عن الزوجة الأولى مخافة أن تزاحمها في زوجها الزوجة الثانية والثالثة والرابعة!

إن صويحبات هذه الدعوة ينطلقن من الأثرة والأنانية، ولا يفكرن إلا في تحصين مناصبهن كزوجات منفردات للرجال.

ولو كن صادقات في دعواهن لتركن الأمر لكل امرأة تحدد ما يصلح لها، فكم من امرأة ترى أن الأصلح لها أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة، بدلاً من أن تعيش بلا زوج، فهل الذي يمنعها من هذا الحق، يدافع عن حقوقها، أم يمنعها من حقوقها؟!

الإسلام وميراث المرأة

كثير من هذه المنظمات النسوية تُشغّب على الإسلام أن أعطى المرأة في الميراث نصف نصيب الرجل إذا كانا في درجة واحدة، كالأخ مع أخته، وتنسى هذه المنظمات أو تتناسى أن هذا التشريع ليس لنقصٍ من إنسانيتها في نظر الإسلام، ولا لنقصٍ في مكانتها وكرامتها، ولكن الأمر يتعلق بالعدالة في توزيع الأعباء والواجبات على قاعدة: «الغْرُم بالغُنْم».

ففي نظام الإسلام يُلزم الرجل بأعباء وواجبات مالية لا تلزم بمثلها المرأة، فهو الذي يدفع المهر، وينفق على أثاث بيت الزوجية، وعلى الزوجة والأولاد، أما المرأة فهي تأخذ المهر ولا تسهم بشيء من نفقات البيت على نفسها وعلى أولادها ولو كانت غنية، ومن هنا كان من العدالة أن يكون نصيبها في الميراث أقل من نصيب الرجل.

وقد كان الإسلام معها كريماً متسامحاً حين طرح عنها كل تلك الأعباء، وألقاها على عبء الرجل ثم أعطاها نصف ما يأخذ!

لنفرض أن رجلاً مات عن ابن وبنت وترك لهما مالاً، فماذا يكون مصير هذا المال غالباً بعد أمدٍ قليل؟ إنه بالنسبة إلى البنت سيزيد ولا ينقص! يزيد المهر الذي تأخذه من زوجها حين تتزوج، ويزيد ربح المال حين تنميه بالتجارة أو بأي وسيلة من وسائل الاستثمار.

أما بالنسبة إلى أخيها الشاب، فإنه ينقص منه المهر الذي سيدفعه لعروسه، ونفقات العرس، وأثاث البيت، وقد يذهب ذلك بكل ما ورثه ثم عليه دائماً أن ينفق على نفسه وعلى زوجته وعلى أولاده.

فما تأخذه البنت من تركة أبيها يبقى مدخراً لها لأيام النكبات وفقد المعيل من زوج أو أب أو أخ أو قريب، بينما يكون ما يأخذه الابن معرضاً للاستهلاك لمواجهة أعبائه المالية التي لا بد له من القيام بها!

 

(*) باحث في الشريعة الإسلامية.

عدد المشاهدات 2193

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top