محطات إيمانية في طريق التربية..
الوزن الزائد!

09:44 12 مارس 2019 الكاتب :   إيمان مغازي الشرقاوي (*)

أفاقت من نومها فزعة، فتحت عينيها تحاول أن تنفض عنها آثار النوم الذي لم تشبع منه، فقد قضت ليلتها وهي تتململ على سريرها بين اليقظة والنعاس قلقلة مضطربة؛ فقد حان اليوم وقت رحيلها وفراق أحبابها إلى أجل لا يعلمه إلا الله، فهي لا تدري متى ستأتي مرة أخرى لزيارتهم في هذا البلد البعيد عنها، الذي تتحمل في سبيل الوصول إليه الكثير من مالها وصحتها ووقتها وعمرها.

لا بد أن تستعد اليوم لمغادرة تلك البلدة فرِحلتها ستقلع عما قريب، وها هي تأتي بحقائب السفر التي جهزتها بكل ما تحب وتختار من الهدايا لأحبابها في رحلة العودة.

أتت بالميزان الذي تزن عليه حقائبها حتى لا تضطر لفتحها في المطار، ودفعاً للحرج الذي قد تتعرض له بإنقاص بعض محتوياتها أو دفع قيمة الزيادة إذا كان وزنها زائداً!

وحين رفعت حقائبها الواحدة تلو الأخرى على الميزان كانت تتمنى ألا يكون وزنها زائداً، وأن تستطيع إضافة أغراض أخرى لما فيها، وبينما كانت تخوض في أمنياتها حلقت بروحها وعقلها مع ميزان آخر هو أكبر وأعظم، ميزان حق لا يعلمه إلا الله عز وجل، يزن الفتيل والقطمير، والذرّة وأصغر منها! ارتجفت يداها وهي ترفع حقيبتها فوق الميزان، وتعجبت من أمرها وهي الحريصة على دقة وزن حقائبها خشية النقصان أو الغُرم مع الزيادة، وتنبهت لضرورة تجديد نيتها في سفرها وما تحمله معها من هدايا تُدخل بها السرور على الأحباب وتسد بها عوز وحاجة بعضهم.

في تلك اللحظات، دخلت عليها أختها وبيدها بعض الهدايا تريد إضافتها، لكنها بكل لطف اعتذرت لها، فالميزان لا يتحمّل أكثر من ذلك.

وتجدد في نفسها رؤية ذلك الميزان وحلّقت في سمائه، وعاشت لحظات نادرة من التفكّر، تتعجب فيها من حرص البعض على دقة الميزان في أمور عديدة في حياتهم الدنيا، وهم يعيشون كل يوم تقريباً مع الميزان والموازين، ثم لا يدققون في سلامة أوزانهم على الميزان الحق الذي سيزنهم ويزن أعمالهم صغيرها وكبيرها، حقيرها وجليلها، يوم لا تخفى منهم خافية على ربهم الذي «يعلم السر وأخفى».

ارتجفت يداها وهي تمسك بطرف الحقيبة حتى كادت أن تقع منها، وارتجف معها قلبها هو الآخر، فقد خشي في غمرة النسيان واللهو أن يوزَن فيطيش لخفة وزنه، لكنها ما لبثت أن تذكّرت فردّدت الشهادتين موقنة أنها أثقل ما يوضع فيه ليثقل ميزانها.

بين وزن الجسد والأعمال

تعجبتْ من أمرها وأمر الكثيرين والكثيرات من أمثالها من البشر حين يهتم المرء بجسده فيزنه يوماً بعد يوم خوفاً من الزيادة التي تؤثر على لياقته وصحته ومظهره أمام الناس، وتعجبت قبل ذلك من نفسها وهي تخشى زيادة وزن حقائب سفرها، وتعجبت أكثر ممن «استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله»؛ فزادت أوزان أوزارهم بالغفلة، وثقلت ذنوبهم بالاستمرار عليها وطول الأمد. 

يعمد أحدنا إلى طبق من الحلوى ليصنعه؛ فيزن مقاديره بدقة حرصاً على إتقان عمله وحلاوة طعمه، وحين يبيع أو يبتاع يجعل للوزن قيمة ومكانة، ولا يرضى أن يكون وزنه منقوصاً، ثم بعد ذلك يهمل وزن أعماله ويتركها تختلط حلوها بمرّها، وخيرها بشرّها دون أن يفصل بينها في الميزان، وينتقي أطيب ما فيها ويزيد منه، يقول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡئاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ٤٧﴾ (الأنبياء)، ويدعونا ويرغبنا لزيادة الوزن ويحذرنا من نقصانه: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ ٦ فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ٧ وَأَمَّا مَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ ٨ فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٞ ٩﴾ (القارعة)، قال الطبري: "فأما من ثقُلَت موازين حسناته، يعني بالموازين: الوزن".

إن الوزن الزائد منه ما هو محمود مثمر، ومنه ما هو مذموم مهلك، فالمحمود يأتي بالزيادة وهو المزيد بالحسنات وعمل الخير من سائر العبادات القولية والقلبية والبدنية، وأعظهما شهادة "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، قولاً واعتقاداً وعملاً بمقتضاها وشروطها من العلم بها والقبول واليقين والانقياد والمحبة والصدق والإخلاص.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا يثقل مع اسم الله شيء" (رواه الترمذي)، وقال عليه السلام: "توضَعُ الموازينُ يومَ القيامةِ فيؤْتى بالرجلِ فيوضَعُ في كِفةٍ، ويوضعُ ما أُحصيَ عليْهِ، فتمايلَ به الميزانُ فيبعَثُ به إلى النارِ فإذا أُدبِرَ به إذا صائحٌ يصيحُ من عندِ الرحمنِ: لا تَعجلوا لا تعجلوا فإنَّهُ قد بقيَ له، فيؤتى ببطاقةٍ فيها شهادةُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ فتوضعُ مع الرجلِ في كفةٍ حتى يميلَ به الميزانُ" (رواه أحمد، وحسنه السيوطي). 12-3-1.jpg

رأت نفسها وهي توضع على كفة الميزان توزن بأعمالها، وتساءلت هل ستثقل وتقارب في وزنها وزن ساقَيْ الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود الدقيقتين وقد ضحك القوم عند رؤيتهما، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من جبل أحد" (حسنه الألباني)، أم أنها ستطيش في الميزان رغم وزن جسدها الزائد الذي تعمل غذاء صحياً من أجل إنقاصه؟!

تذكرت قول الله عز وجل: ﴿فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٢ وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ 

خَٰلِدُونَ ١٠٣﴾ (المؤمنون)، وقول النبي الله صلى الله عليه وسلم: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً" (رواه البخاري)؛ فخفق قلبها بشدة، وازدادت خوفاً، وارتعدت فرائصها فرقاً من شدة الموقف ودقة الميزان، فالوزن في هذا اليوم وزن حق لا نقص فيه ولا غش ولا تطفيف، فالله تعالى يقول: ﴿وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨﴾ (الأعراف).

تمنَّت أن لو سارعت بالمبادرة لاكتساب كل ما يثقل ميزانها ويملؤه، ويحول دون طيشه وخفته، وتذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب، لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي.." (السلسلة الصحيحة)، وقد روى الطبري في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "يحاسَب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدةٍ دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف".

لقد بكت أمنا عائشة رضي الله عنها حين تذكرت النار، وسألت النبي صلى الله عليه وسلم: هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحدٌ أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الكتاب حين يقال: هاؤم اقرؤوا كتابيه، حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه، أم في شماله، أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم" (رواه أبو داود).

ألا ما أشد هذا الموقف وما أصعب لحظات الوقوف مع الميزان، وما أقسى النتيجة إن لم تحصل فيها على درجة النجاح!

زيادة يحبها الله

أسندت حقيبة السفر على الأرض ورأت فيها حقيبة أعمالها تحملها على الميزان؛ أتُراها ستكون ثقيلة زائدة الوزن كتلك التي على الأرض، إنها لو كانت كذلك فهي السعيدة بإذن ربها، فلن يُطلَب منها أن تنقص من وزنها شيئاً، بل مسموح لها ولكل إنسان أن يزيد من وزنه ما شاء، وإن هذه الزيادة يحبها الله عز وجل ويرضاها لعباده، لكن وقت الزيادة محدود، يستغرقه عمرها وعمر كل إنسان.

فقررت في قرارة نفسها أن تستزيد من كل ما يثقل ميزانها، وقد دلها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أليس هو القائل: “ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق” (صححه السيوطي، الجامع الصغير)، وقد لَقي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقال: “يا أبا ذر، ألا أدُلُّك على خصلتَيْن هما خفيفتان على الظَّهر وأثقلُ في الميزان من غيرِهما؟”، قال: بلَى يا رسولَ اللهِ، قال: “عليك بحُسنِ الخُلقِ، وطولِ الصَّمتِ، فوالَّذي نفسي بيدِه ما عمل الخلائقُ بمثلِهما” (المنذري، الترغيب والترهيب).

نوَتْ وجددت النية في تحري الزيادة المحمودة من كل ما يحبه الله ويرضاه، وعزمت على تجنب الزيادة المذمومة من الأوزار والذنوب التي هي للميزان نقصان وطيش وخفة، ورأت بقلبها نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: “بخٍ بخٍ، وأشار بيدِه لخمسٍ ما أثقلَهنَّ في الميزانِ: سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبرُ والولدُ الصَّالحُ يُتوَفَّى للمرءِ المسلمِ فيحتسِبُه” (المنذري، الترغيب والترهيب)، و”سبحانَ اللهِ نصفُ الميزانِ، والحمدُ للهِ تملأُ الميزانَ، واللهُ أكبرُ تملأُ ما بينَ السماءِ والأرضِ، والطهورُ نصفُ الإيمانِ، والصومُ نصفُ الصبرِ” (صححه السيوطي، الجامع الصغير)، و”كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم” (رواه البخاري).

مرت عليها لحظات من التفكر عاشت فيها بقلبها مع ميزان الأعمال وليس الحقائب، وزنت فيها نفسها وأعمالها وهي تزن حقيبة سفرها، وخرجت منها بتوبة نصوح إلى الله عز وجل وصدق نية وإصرار على أن تأخذ بأسباب زيادة وزنها بالعمل الصالح لترجح كفة الخير على كفة الشر، وقررت أن تحاسب نفسها قبل أن تحاسَب، وتزن أعمالها قبل أن توزَن، وأن تتهيأ للعرض الأكبر حين لا تخفى على الله منها خافية.

 

_____________________________________

(*) ليسانس شريعة – ماجستير الدعوة جامعة المدينة العالمية.

  • عنوان تمهيدي: محطات إيمانية في طريق التربية..
عدد المشاهدات 2046

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top