رسائل دعوية
المحاسبة

15:03 08 أبريل 2019 الكاتب :   حمد المزروعي

بسم الله الرحمن الرحيم القائل: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ {38}) (المدثر)، المادح لنفسه: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ {24}) (الشورى)، الذي حذَّر الناس بقوله: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ {1}) (الأنبياء)، وبعد:

أخي الداعية..

النفس البشرية جُبِلَت على حب الشهوات وملاذَ الدنيا وزخرفها، فهي مفتونة بها، لكن البصير والحاذق من يحكم زمام نفسه، فلا يطلقها تخوض في مساوئ الشهوات ومراتع المنكرات، بل يقبض نفسه ويعْقلها، وذلك يكون بالتكرار والتربية على محاسبة النفس دائمًا، كما قال الشاعر:

والنفسُ كالطفل إن تُهمله شبَّ على      حُبَّ الرضاع وإن تفطمه ينفطم

فاليوم عمل بلا حساب، وغدًا حساب بلا عمل، فكن حاذقًا وامتثل مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"، فعند قيام الساعة (لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) (الأنعام: 158).

لكن.. (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ {7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ {8}‏) (الزلزلة).

فعلى الداعية إلى الله أن يتذكر دائما قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) (البقرة: 235).

فيعمل على تصحيح باطنه وسريرته، فعند ذلك يكون قد بدأ الطريق الصحيح، فيجدّد التوبة والعزم على حسن المراقبة لله تعالى، فصلاح القلوب - وخاصة قلوب الدعاة- منوط بالتأثير بالناس ونشر الخير، فيعمل على إصلاح نفسه ومحاسبتها حتى يستوي ظاهرها وباطنها، فيحفظ العين عن النظرات الخائنة، والقلب عن الوساوس الضالة، ويعلم أن نظر الله إليه أسرع، ويكف لسانه عن الخوض في المنكرات، ويستشعر استعداد الملكان "رقيب وعتيد" لكتابة ما يقوله: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ {18}) (ق)، فيكون ممتثلًا لقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً {1}) (النساء)، وقوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (الحشر: 18).

فاحذر يا أخي الحبيب من نفسك الأمارة بالسوء، فإنها عدوك الذي بين جنبيك، إما أن تحكم أسرها وتقيدها لتسير بها إلى الجنان وتنعم برؤية الرحيم الرحمن، وإما أن تطلقها لترتع وتحوم حول الشهوات والمنكرات، فتسير بك إلى جحيم الزفرات والخطيئات.

فاحرص على الارتقاء بنفسك، خاصة في بيوت الله، مستأنسًا بقول الداعية الإسلامي محمد أحمد الراشد حيث يقول: "ومن لم تحلق به روحه إذْ هو على حصيرة المسجد البالية، فلن يطير به بساط السندباد"(1).

وخير ما نختم به رسالتنا مقولة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث يقول في "مجموع الفتاوى": "ولا بد للعبد من أوقات ينفرد فيها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكيره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه"(2).

فنسأل الله أن يعيننا على محاسبة أنفسنا، وأن يجعل باطننا كظاهرنا بل أحسن، هو ولي ذلك والقادر عليه.

والحمد لله رب العالمين.

 

____________

 الهامشان

(1) رسالة "نحو المعالي" ص 33.

(2) مجموع الفتاوي (424/10).

  • عنوان تمهيدي: رسائل دعوية
عدد المشاهدات 1874

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top