قضايا فقهية
فقه الصحة النفسية

11:52 09 أبريل 2019 الكاتب :   د. مسعود صبري

اعتنى الإسلام بالنفس البشرية عناية فائقة، وحفل القرآن الكريم بعديد من الآيات التي يتحدث فيها عن النفس وطبائعها وغرائزها، ذلك أن الإنسان هو المخلوق المكلف بطاعة الله تعالى وعمارة الأرض بطاعته وما هو صالح لنشر الخير فيها، ولهذا كان تكريم الله تعالى للإنسان على ما سواه من الخلائق، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً {70}﴾ (الإسراء).

اهتم الإسلام بالنفس من الناحية البدنية، وجعل مقصد حفظ النفس من المقاصد الكبرى في الإسلام، سواء من ناحية الوجود، من خلال رابطة الزواج والعناية بالصحة بشكل عام، ومن ممارسة العادات الإيجابية كالنوم الكافي، ووجوب تناول الطعام والشراب، ونعمة السكن، ووجوب توفير الثياب وستر العورة، وغير ذلك مما يحفظ بدن الإنسان، كما حافظ عليها من جانب «العدم» بتحريم قتل النفس والاعتداء على الغير بغير حق، بل يحرم على الإنسان أن يعرض نفسه للخطر، ويحرم عليه أن يقتل هو نفسه، فالإنسان ليس حراً في نفسه، بل هي أمانة الله عنده، حتى قالوا: الجسد بنيان الله، يعني أن الله تعالى هو الذي بناه، وهو مالكه، وأن الاعتداء عليه هو اعتداء على ممتلكات الله.

وعلى صعيد آخر، اعتنى الإسلام أيضاً بالصحة النفسية للإنسان، مما يتعلق بالروح التي هي حتى الآن سر من أسرار الله لم يُعرف، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً {85}﴾ (الإسراء).

ابن القيم.. والصحة النفسية:

ومن أكثر الفقهاء الذين عنوا بالصحة النفسية الإمام ابن القيم يرحمه الله، حيث يشير إلى أن الصحة النفسية لها تعلق بالوحي، فيقول: “فالوحي حياة الروح، كما أن الروح حياة البدن، ولهذا فمن فقَدَ هذه الروح فقَدْ فقَدَ الحياة النافعة في الدنيا والآخرة، وقد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته ومحبته وعبادته، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {97}﴾ (النحل)، وقد فسرت الحياة الطيبة بالقناعة والرضا والرزق الحسن وغير ذلك، والصواب أنها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة، وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح فإنه ملكها، وهذه الحياة تكون في الدور الثلاث أعني الدنيا، دار البرزخ، ودار القرار».

ويرى الإمام ابن القيم أن الصحة النفسية محلها القلب، فيقول: «إن أنواع السعادة التي تؤثر النفس ثلاثة:

سعادة خارجية عن ذات الإنسان بل هي مستعارة له من غيره تزول باسترداد العارية، وهي سعادة المال والحياة.

 السعادة الثانية: سعادة في جسمه وبدنه كصحته واعتدال مزاجه وتناسب أعضائه وحسن تركيبه وصفاء لونه وقوة أعضائه، فهذه ألصق به من الأولى ولكن هي في الحقيقة خارجة عن ذاته.

السعادة الثالثة: هي السعادة الحقيقية وهي سعادة نفسانية روحية قلبية، وهي سعادة العلمُ النافع ثمرتها، فإنها هي الباقية على تقلب الأحوال والمصاحبة للعبد في جميع أسفاره وفي دوره الثلاث».

الأحكام الفقهية في الصحة النفسية(1):

يجب على المسلم/ المسلمة أن يحفظ صحته النفسية، ولا يتسبب في أن يعرضها للخطر، وألا يضع نفسه في أمور من شأنها أن تصيبه بالاكتئاب والقلق والوساوس القهرية وغيرها من الأمراض النفسية، فإن أصيب المسلم بأمراض نفسية، فإن له جملة من الأحكام الفقهية، خلاصتها ما يلي:

أحكام العبادات للمريض النفسي:

اتفق الفقهاء على أن الوسوسة في نية الوضوء لا تأثير لها في صحة الوضوء، وأنه يحرم على المريض النفسي ترك الوضوء والطهارة إن كان قادراً على التحكم في الوسوسة أو المرض النفسي، وينتقض وضوء المريض النفسي إن أصيب بنوبة من الذهان أو العصاب الشديد، وعليه إعادة الوضوء والصلاة.

ويكره للمريض النفسي تكرار الاغتسال لكل صلاة، ويجب الغسل على المريض الذهاني إن أفاق وتيقن وجود جنابة، ويباح للمريض النفسي الذي يعاني من الاضطراب الشديد من الأماكن المفتوحة أن يتيمم وعجز عن الخروج لطلب الماء.

ويباح للمريض نفسياً من الوسوسة النطق بتكبيرة الإحرام، ولا بأس بتكرار التكبيرات قبل الدخول، لأنها تنعقد بالأخيرة، وتكرار قراءة الفاتحة لا يضر.

والمريض النفسي يجب عليه أن يأتي بكل أفعال الصلاة، فإن عجز عن بعضها سقطت عنه، وإن عجز عنها كلها فهو في حكم المجنون تسقط عنه الصلاة.

وتسقط الصلاة عن المريض النفسي بمرض يؤثر على الإدراك كالفصام والهوس والاكتئاب الذهني والانهيار العصبي.

ويجوز لمن أصيب بالرهاب الشديد ترك الجمع والجماعات.

ولا تبطل صلاة المريض نفسياً إن جال في خاطره أثناء الصلاة بعض المشاهد والصور التي لا تليق في مقام الصلاة، لحكم الفقهاء أن الفكر الفاسد في القلب لا يفسد الصلاة.

وإذا أصيب المريض النفسي بنوبة حادة قبل خروج الوقت بوقت قليل يجب عليه قضاء الصلاة.

وتجب الزكاة في مال المريض النفسي أياً كان نوع المرض، ويجب عليه الصيام إن كان لا يضره، فإن كان يضره فله الفطر، ولا تأثير للوسوسة في نية الصيام، فيصح الصيام مع الوسوسة في النية، ولا يجب على المريض النفسي المصاب بالذهان أو العصاب الشديد قضاء ما فاته من الصيام، وإن شفي أثناء اليوم، وجب عليه إكمال ما بقي من اليوم.

وعلى المريض النفسي أن يحج وأن يأتي من أفعال الحج قدر استطاعته، ولا تضره الوسوسة، وإذا عجز عن الحج فلا يجوز له أن ينيب غيره إن كان يرجو الشفاء، أما إن كان مرضه لا يرجى منه شفاء أناب عنه غيره.

وإذا أصيب المريض النفسي بنوبة شديدة تمنعه من إكمال مناسك الحج، فإن اشترط، فلا شيء عليه، وإن لم يشترط ولم يقدر على أداء المناسك وجب عليه أن يذبح، ولا يجب عليه الحج إلا إذا شفي.

إن كان المرض النفسي شديداً، بحيث يؤثر على الإرادة لا يصح بيعه، إلا إذا شفي أو أفاق، أما إن كان لا يؤثر على الإرادة فيصح منه.

تصح الصدقة من المريض وسواساً قهرياً إن كان متحكماً في وسوسته، أما إن كان تحت سيطرة الوسواس فلا تصح صدقته.

أحكام المعاملات:

يصح الحجر على المريض نفسياً إن كان المرض شديداً ويدفعه إلى تبذير ماله، خاصة إن مال إلى القمار، لكن يشترط التثبت من شدة مرضه قبل الحجر عليه.

ويحرم على المريض نفسياً إخفاء مرضه عند الخطبة، ويجوز تزويج المريض أو المريضة نفسياً بعد علم الطرف الآخر بحاله وقبوله بها، ولا يفسخ العقد بين الزوجين إلا إذا لم يكن أحد الزوجين يجهل مرض الآخر الذي يمنع من استمرار الحياة الزوجية على الوجه المطلوب، وكل الأمراض التي تؤثر في صلب الحياة الزوجية تفسخ العقد.

وإن نطق المريض بالوسوسة الطلاق قاصداً الطلاق وقع طلاقه، فإن كان مجرد وسوسة ولم يتكلم به لم يقع، أما إن نطق بالطلاق ليرتاح من الوسوسة فلا يقع على أرجح القولين.

ويحرم على المريض مرضاً نفسياً الانتحار بأي وسيلة، ولو بالامتناع عن الطعام والشراب، فإن انتحر، فإنه يغسل ويكفن، فإن كان مرضه شديداً يؤثر على الإدراك فيصلى عليه، وإن كان مرضاً لا يؤثر على الإدراك فمحل خلاف بين الفقهاء، ولا دية عليه في قتل نفسه عمداً أو خطأ.

وخلاصة القول:

إن الإسلام قد أتى بمنهج متكامل للحفاظ على الصحة النفسية للإنسان، من خلال الإرشادات العامة أو الأحكام الفقهية، بما يمثل نظرية متكاملة في الصحة النفسية، ويمنع من كثير من حالات الانتحار أو الإصابة بالأمراض النفسية.

_____________________

الهامش

(1) راجع: الأحكام الفقهية للأمراض النفسية وطرق علاجها.. دراسة مقارنة، أنس بن عوف، طبع دار ابن كثير. وأصله رسالة دكتوراه بكلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض.

  • عنوان تمهيدي: قضايا فقهية
عدد المشاهدات 1579

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top