ملامح العلم في المجتمع المسلم

11:25 07 سبتمبر 2019 الكاتب :   د. مسعود صبري

لم يقف العلم في صدر الإسلام وفي عصوره الزاهية عند حد الاستظهار والإكثار من المرويات فحسب، بل كان العلم هو المنطلق الذي بنى فيه المسلمون حضارة وتقدماً؛ فكان وسيلة لتعريف غير المسلمين بالإسلام، وتوثيق عرى الإيمان، والنهضة الحضارية للأمة، بما يرفع شأنها في الدنيا بين الأمم، وفي الآخرة عند ربها سبحانه وتعالى.

كانت ركائز المجتمع المسلم منذ نشأته قائمة على العلم، حيث كان من أهم ملامح العلم في المجتمع المسلم:

أولاً: العلم للجميع:

فقد كان من فقه السلف، رضوان الله عليهم، أن الجميع يتعلم؛ فكل الناس يتعلمون، وإن تفاوتوا في رتبة العلم بين التخصص والثقافة العامة، ولهذا قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «اغدُ عالماً أو متعلماً ولا تغدُ بين ذلك»، وقد قال أبو الدرداء: «معلم الخير والمتعلم في الأجر سواء، وليس في سائر الناس خير بعد».

فكان المجتمع الأول في الإسلام بين عالم ومتعلم، يعني أنه كان مجتمعاً مثقفاً بلغة العصر.

بل كان طالب العلم يسافر إلى بلاد الإسلام، فينظر العلماء فيها، فيظن أنه ليس مثل هذا البلد في العلم كثرة، فإذا سافر إلى غيره وجد فيه العلم أكثر، كما ورد عن عبدالله بن العلاء، قال: سمعت مكحولاً، قال: «كنت لعمرو بن سعيد العاصي أو لسعيد بن العاص، فوهبني لرجل من هذيل بمصر، فأنعم عليَّ بها، فما خرجت من مصر حتى ظننت أنه ليس بها علم إلا وقد سمعته، ثم قدمت المدينة، فما خرجت منها حتى ظننت أنه ليس بها علم إلا وقد سمعته، ثم لقيت الشعبي فلم أرَ مثله رحمه الله».

ثانياً: العلم للعمل:

كان من ملامح المجتمع المسلم أنهم يتعلمون لأجل العمل بما علموا؛ ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك العمل بالعلم، فعن ابن لبيد، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، قال: وذاك عند أوان ذهاب العلم، قالوا: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونُقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم؟ قال: «ثكلتك أمك ابن أم لبيد، أوليس هذه اليهود، والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل لا ينتفعون منها بشيء».

وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: «يا أيها الناس، تعلموا فمن علم فليعمل»، ولهذا كانت العظمة هو أن يعمل الإنسان بما علم، فعن عبدالعزيز بن ظبيان، قال: قال المسيح ابن مريم: «من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السماء».

ثالثاً: نشر العلم زكاته وطريق لتثبيته:

وكان من شأن المجتمع الأول من السلف ومن بعدهم أنهم دأبوا على نشر العلم، فنشر العلم هو أحد طرق تثبيته عند العالم، كما أنه زكاة واجبة على العلماء، كما ورد عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، أنه قال: «علم لا يقال به ككنز لا ينفق منه»، وفسر مجاهد قوله سبحانه حكاية عن عيسى عليه السلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ} (مريم: 31)، قال: «معلماً للخير».

رابعاً: العلم تهذيب وخشية:

ومن ملامح العلم في الإسلام أنه يورث الخشية من الله تعالى، ويؤثر أول ما يؤثر على صاحبه، ولهذا جعل الله تعالى من ثمار العلم الخشية منه، كما قال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} (فاطر: 28)، وورد عن حذيفة، أنه قال: «بحسب المرء من العلم أن يخشى الله عز وجل».

خامساً:  العلم طاعة لله:

ومن ركائز العلم في الإسلام أنه طاعة لله يتقرب بها العبد إلى ربه، كما في حديث أبي الدرداء عند مسلم وغيره، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سلك الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»، وعن أنس رضي الله تعالى عنه، عند الترمذي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع».

وحكى النووي اتفاق الفقهاء على أن طلب العلم والاشتغال به أفضل من الاشتغال بنوافل الصوم والصلاة والتسبيح، ونحو ذلك من نوافل عبادات البدن.

وقد ورد في الحديث: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»؛ ذلك لأن نفع العلم يعم صاحبه والمسلمين، والنوافل المذكورة مختصة به، ولأن العلم مصحح، فغيره من العبادات مفتقر إليه، ولا ينعكس، ولأن العلم تبقى فائدته وأثره بعد صاحبه، والنوافل تنقطع بموت صاحبها.

سادساً: العلم من شروط التوظيف:

ومن فقه العلم في الإسلام أن من يتولى وظيفة يجب أن يتوافر فيه العلم المتعلق بها، حتى يقوم على أداء واجبه خير قيام، فيجب على العامل أن يكون عارفاً بأحكام الشريعة فيما يخص مهنته، حتى لا يقع في الحرام من جهة، وحتى يؤديها كما أمر الله تعالى من جهة أخرى، ولهذا اشترط عمر ألا يبيع في السوق إلا من كان عالماً بأحكام المعاملات المالية من الحلال والحرام، ولا يشترط أن يبلغ درجة الاجتهاد، بل يكفي العلم بما يقوم به.

ولهذا، قال القرآن حكاية عن سيدنا يوسف عليه السلام حين عرض عليه ملك مصر أن يستعين به في بعض الأعمال والوظائف: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)} (يوسف).

سابعاً: سعة العلم وشموله:

العلم في الإسلام يشمل علوم الدين والدنيا معاً، وكلها موصلة إلى الله تعالى؛ فهناك علم واجب التعلم، وهو فرض عين، وهو ما يتعلق بالعبادات الواجبة كالوضوء والغسل والصلاة والزكاة والحج وغيرها، ومنها ما يقوم به من معاملات، فيجب عليه معرفته.

وهناك علم تعلمه فرض كفاية، وهذا في غالب العلوم الشرعية والدنيوية من الطب والهندسة والكيمياء والتكنولوجيا وغيرها من العلوم، وفلسفة الإسلام قائمة على أنه ما من علم من العلوم فيه نفع للناس إلا وجب على المسلمين أن يكون منهم طائفة متخصصة في هذا العلم، وإلا وقع الإثم على المسلمين.

ثامناً: للعلم دور في النهضة الحضارية:

العلم في الإسلام له إسهام كبير في النهضة الحضارية وتقدم المسلمين، خاصة بعد حركة الترجمة التي قام بها الخليفة محمد المأمون بن هارون الرشيد، وتنوع الاختصاصات العلمية في الخلافة الإسلامية، التي جعلت بعض كتب العلماء كانت تدرس في الجامعات الأوروبية إلى وقت قريب.

وقد تنوعت وسائل التعلم في الحضارة الإسلامية؛ فهناك المساجد، والكتاتيب، والمكتبات، والمدارس، والجامعات.

ويعد النظام الجامعي من مآثر الحضارة الإسلامية، إذ كانت الجامعة عملاً إسلامياً أصيلاً، وتعتبر جامعة القرويين بمدينة فاس بالمغرب أقدم جامعة أنشئت في تاريخ العالم، وذلك حسب موسوعة «جينيس» للأرقام القياسية، فقد بنيت الجامعة كمؤسسة تعليمية لجامع القرويين الذي قامت ببنائه السيدة فاطمة بنت محمد الفهري القيرواني نسبة لمدينة القيروان عام 245هـ/859م، في مدينة فاس المغربية.

ومن اللافت للنظر مما سبق، أن أول جامعة في العالم كانت من إنشاء امرأة مسلمة؛ مما يدلل على مكانة المرأة في المجتمع المسلم، ومدى توظيف الإسلام لطاقات أبنائه رجالاً ونساء، ورداً عملياً على من يدعي ظلم تعاليم الإسلام للمرأة.

ومن الجامعات التي أنشئت في وقت مبكر جامعة «قرطبة» بالأندلس، وكذلك جامعة «الأزهر» بمصر.

وقامت فلسفة الإسهام العلمي في الحضارة على ثلاثة محاور، هي:

الأول: الاطلاع على الإنجازات السابقة للأمم الأخرى، فهضموا ما أنتجه العقل البشري، ثم نقحوه، وأخذوا منه ما يتناسب مع حضارتهم.

الثاني: الإبداع والاختراع، وهما من أهم ما يميز الإسهام الحضاري لدى المسلمين، فكانت لهم إسهامات حسبت لهم دون غيرهم، وهي من الإضافات النافعة للحضارة الإنسانية كلها.

الثالث: تصحيح بعض الأخطاء العلمية التي وقع فيها عدد من علماء الأمم الأخرى.

عدد المشاهدات 3688

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top