د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 07 مارس 2020 10:19

«المجتمع» على خط النار!

2020-03-07_10h22_05.jpg

وفي عام 1970م نشرت جمعية الإصلاح الاجتماعي مجلة «المجتمع» «جريدة أسبوعية إسلامية»، هكذا كان وصفها في صدر العدد الأول من السنة الأولى الذي صدر يوم الثلاثاء 9 المحرم 1390هـ/ 17 مارس 1970م، وتدفقت في الكويت بعدئذ إصدارات ثقافية وأدبية على هيئة سلاسل شهرية وفصلية، أشهرها «عالم المعرفة»، و»عالم الفكر»، و»مسرحيات عالمية».. وغيرها.

ولأن «المجتمع» صدرت عن جمعية أهلية، فقد كان ثوبها متواضعاً؛ لأنها لا تمتلك إمكانات الحكومة وإصداراتها الباذخة، ومع ذلك تضمنت «المجتمع» موضوعات قوية مباشرة، يمكن أن نطلق عليها بلغة الصحافة «موضوعات ساخنة» عبّرت عنها افتتاحية العدد الأول.

على صدر العدد الأول اسم أول رئيس تحرير للمجلة (الجريدة كما كانت تصف نفسها)، وهو الأستاذ مشاري محمد البداح، وبيانات الناشر، وعناوين المجلة والإعلانات.

تضمنت الصفحة الأولى رسماً مهماً ذا دلالة، عبارة عن شخص يرتدي عقالاً فوق الغترة الخليجية وسترة سوداء وبنطالاً، وفي يده بندقية ذات «سونكي» مشهر، ويدوس المواطن أو الجندي المسلح ما يشبه القمامة مكتوب على بعض مفرداتها: الفساد، الاستعمار، الصهيونية، مع إشارات ترمز إلى كل مفردة، والدلالة واضحة لا تخفى عقب هزيمة عام 1967م، وهي الاستعداد للقتال والدفاع عن شرف الأمة وكرامتها.

وفي الصفحة ذاتها مربع يحتوي على كلمة خالدة للبطل المسلم التاريخي صلاح الدين الأيوبي يقول فيها: «إنه متى يسّر الله لي بفتح (تحرير) بقية الساحل (ساحل الشام المحتل من جانب الصليبيين)، قسّمتُ البلاد (نظمتها) وأوصيتُ، وودعتُ، وركبتُ هذا البحر إلى جزائره المختلفة واتبعتهم فيها حتى لا أُبقي على وجه الأرض أحداً ممن ظلم وبغى، وأموت في سبيل الله».

وهذه الكلمة الخالدة متصلة الدلالة بالرسم السابق الذي نشرته المجلة في صدرها، ومضمونها واضح لا يحتاج إلى مزيد، فهذه صفات البطل المسلم الشجاع الذي حرّر القدس بعد عقود من السيطرة عليها، وتعرّض أهلها المسلمون للقتل والتهجير، فالرجل يعدّ نفسه لمواصلة مسيرته الجهادية المباركة ومتابعتها بتحرير بقية نقاط الاحتلال الصليبي، ثم يركب البحر المتوسط لينظف جزره من الظالمين البغاة الذين يمثلون عنصر إمداد وتموين للغزاة الصليبيين.

لا ريب أن هذه الكلمة جاءت في الوقت الذي انهارت فيه الجبهات العربية أمام العدو الصهيوني، وتمثل روح المقاومة ورفض الاستسلام لإرادة العدو، في لحظة الإحساس الزائد بوجع الهزيمة وألمها القاتل، واستدعاء نموذج الظفر والنصر والإصرار على مواجهة العدو في كل مكان.

في الصفوف والأمامية

وهكذا تضع «المجتمع» نفسها على خط النار دون تردد، أو تقف في الصفوف الأمامية دفاعاً عن الإسلام والأمة، وهو ما أكدته المجلة في مقالها الافتتاحي الخاص بشرح سياستها التحريرية ورؤيتها الفكرية، وكان يحمل عنوان «في الضوء»، ويشير إلى صدى الإعلان عن صدور «المجتمع» لدى بعض القوى السياسية، وعدم ترحيبها بوجود منبر إسلامي في تلك المرحلة.

تقول المجلة: «.. بدأت الرجعية تتحرك لتعويق الزحف الثوري وضرب القوى التقدمية، هذه المصطلحات ومئات أمثالها دُفع بها لتلقانا على الطريق، وتعترك معنا»، ثم تشير المجلة إلى الاتهامات والإشاعات التي أطلقها خصوم الحركة الإسلامية، وتعبّر «المجتمع» عن وعيها بمثل هذه الاتهامات ووضعها تحت الأقدام كما تقول.

فالمجلة تصدر عن هيئة أو جمعية الإصلاح الاجتماعي، وتستمد فكرها من الإسلام، وعلى ضوئه ومقياسه سوف تتقبل بصدر رحب كل نقد هادف بنّاء، وترفض النقد الغوغائي والتجريح الذي لا يقبله الخلق الإسلامي، تمد يدها للناس جميعاً، يداً ترفع راية الإسلام وتبشر بالخير والبرّ ولكنها سوف تقف في تحدّ من خصوم الإسلام، كما تقف إلى جانب قضايا الأمة في أرض الإسلام، في كل مكان.

وقد أعطت المجلة اهتماماً خاصاً لآراء القراء، وجعلت الحوار معهم إستراتيجية ثابتة، فالقارئ يمثل مرآة لحركتها وتفاعله معها وتأثيرها فيه، وما إن أعلنت عن نفسها واعتزامها الصدور حتى وردت إليها رسائل متنوعة، فنشرت رسائل تحمل عناوين ذات دلالة مثل: تحذير وتناقض، والباليه في مدارسنا، وهمسة حول الحفلات الراقصة في الفنادق، ودعوة إلى الحرب على الرذيلة.. وكانت الرسائل تنشر بأسماء صريحة أو بالحروف الأولى، ولم يقصّر محرر الباب في دعوة القراء إلى التفاعل مع الجريدة (المجلة) بالنصيحة والتوجيه والإرشاد و»العون على النفس إذا أخطأنا».

مهمة جهادية

ومع هذه الأريحية والسماحة، فإن «المجتمع» كانت حريصة على أن تبرز مهمتها الجهادية ضد الفكر المنحرف أو العدوان الفكري على الإسلام، فقد تصدرت الصفحة الأولى عناوين الموضوعات التي تعالجها المجلة في صفحاتها التي بلغت ثلاثين صفحة، وكان من أبرز موضوعاتها علاقة اليسار بالعمل الفدائي الفلسطيني، وكان اليسار في ذلك الحين محصّناً، والاقتراب منه مكلّفاً، بحكم تبني الحكومات التي كانت تسمي نفسها ثورية الفكر اليساري بتنوعاته المتعددة، كما كان الموضوع الثاني المهم هو الهجوم التبشيري على الكويت الذي يتخذ أنماطاً مختلفة من الأساليب الخبيثة.

وفضلاً عن ذلك، فهناك موضوعات أخرى متنوعة تتناول أخبار العالم، والقضية الكردية، والمشكلات الطبية، ودروس الهجرة النبوية، وشؤون الأسرة، وترجمات لبعض علماء المسلمين؛ مثل غلام شودري محمد، عالم باكستان المعروف، بالإضافة إلى أحوال فلسطين، وسموم التلفزيون الصهيوني، ومسابقات ثقافية وأخبار بلا عنوان.

وقد ضم العدد الأول مقالين لاثنين من الأعلام، أولهما د. عيسى عبده (رحمه الله)، وكان متخصصاً في الاقتصاد، ولعله كان من وراء فكرة الاقتصاد الإسلامي بكتبه العديدة التي ناقشت قضايا الاقتصاد على المستوى المحلي والدولي، وقد تجسدت فيما بعد من خلال البنوك الإسلامية حيث تعتمد المشاركة بدلاً من الربا، والعَلَم الآخر هو د. سالم نجم (رحمه الله)، وكان متخصصاً في أمراض الباطنة، ومثالاً للأخلاق الفاضلة، ولا أزكّيه على الله، وقد عالجني من بعض الأمراض المزمنة في فترة الثمانينيات.

وكان طبيعياً أن تبحث المجلة الوليدة عن دعم مادي يضخ الحياة في شرايينها، فجاءت الإعلانات لتشكل عنصراً مهماً من عناصر الدعم، وقد رأينا في العدد الأول إعلانات عن بعض الأجهزة الكهربائية؛ مثل المكيفات، والسيارات مثل سيارات «فولفو» الجديدة، التي وصفت نفسها بأنها «في قوة الصلب السويدي ومتانته، في أناقة بلاد الشمال وقوتها».

الشجاعة المهذبة

ظلت «المجتمع» في سنواتها التالية حتى الآن ترفع راية الشجاعة المهذبة في مواجهة الباطل وخدمة الحق على المستويات كافة، دون أن تتخلى عن موقعها على خط النار أو الصفوف الأمامية، وكان أفقها الرحب في فهم الأحداث والتعبير دافعاً لها كي تتطور باستمرار شكلاً وموضوعاً، وتتجاوز المصاعب والمتاعب التي مرت بها المنطقة، وتعرضها لتهديدات الأشرار في بعض العواصم.

وحين أُغلقت الصحافة الإسلامية في بعض البلدان العربية وفقاً لخطط شيطانية، فإن «المجتمع» فتحت صدرها لكل صاحب قلم حرّ نبيل، دون منّ ولا أذى، ولا هرباً وراء عباءة شعوبية مقيتة أو نظرة ضيقة عليلة، فكانت بحق منبراً لكل المسلمين من الأقطار العربية والإسلامية، وحين زرت بعض البلاد الإسلامية البعيدة رأيت حرص بعض القراء على متابعة «المجتمع» مع «الاعتصام» و»الدعوة» و»حضارة الإسلام».. وغيرها.

وقد أتيح لي أن أشارك في الكتابة على صفحاتها في الثمانينيات، وزادت مشاركتي في التسعينيات التي شهدت أحداثاً جساماً؛ احتلال الكويت وحرب الخليج الأولى، والبوسنة والهرسك.. وكان الأستاذ إسماعيل الشطي رئيساً لتحريرها في تلك المرحلة (لم أشرف بمعرفته شخصياً)، وظل في الكويت فترة الاحتلال العراقي ولم يغادرها، وشارك أهلها مصاعب الحياة، لدرجة أنه قام بأعمال يدوية مساعدة لإخوته في الوطن الجريح.

أما أحمد منصور – مذيع «الجزيرة»- وكان مديراً للتحرير، فله قصة مثيرة حين تعرض لمتاعب الاحتلال، وكان لما يزل متعاقداً جديداً، وقد عرض لهذه القصة في بعض كتبه، وعرفته في عام 1987م في المنصورة، بوصفه مديراً لدار نشر جديدة، ولكن دوره الصحفي في أفغانستان والبوسنة والهرسك كان مهماً للغاية، فقد زود «المجتمع» و»الاعتصام» و»الدعوة» برسائله الصحفية المهمة عن الأحداث التي تجري في بلاد الأفغان تحت الاحتلال الشيوعي الروسي، وكانت الصحف العربية المحلية والمهاجرة تغضّ الطرف عن مأساة الشعب الأفغاني وما يتعرض له من قصف بالغازات السامة التي كانت تسمى المطر الأصفر من جانب الطيران الروسي، وبالإضافة إلى الرسائل الصحفية، فقد نشر أحمد منصور في «المجتمع» على حلقات كتاباً سماه «مستقبل كابول»، كما تجرأ وذهب إلى سراييفو والتقى بزعماء المسلمين في البوسنة والهرسك، وكشف كثيراً من جوانب المأساة التي تعرض لها المسلمون هناك.

وكان من الكتّاب الدائمين في مجال الشأن العام د. توفيق الواعي (رحمه الله) الذي كان يكتب مقالاً ثابتاً مميزاً له تأثير كبير ومتابعون كثيرون.

وعلى مدى خمسين عاماً، فإن «المجتمع» لم تتوقف عن التطوير والتجديد، واهتمت بمجالات عديدة تخص المسلمين، خاصة الاقتصاد، والتربية، والأسرة، والترويح، والفتاوى، والأعلام، والثقافة والأدب، واحتضنت الشباب الموهوبين الذين صاروا اليوم أعلاماً في الشعر والرواية والنقد، ومما نشرته للشاعر الكبير حسن الأمراني في شبابه، وهو شباب دائم متجدد، قصيدة جميلة عن رأس السنة، يقول فيها:

مضت سنة وأطلت سنة

وفوق الصدور صدى الأزمنة

فلا الثلج يخلع ثوب البهاء

ولا الغيث يحتضن السوسنة

«المجتمع» في حاجة إلى باحث متفرغ في الماجستير أو الدكتوراه يرصد ويحلل ويقوّم الدور العظيم الذي قامت به في حدود إمكاناتها المتاحة.

نرجو لـ»المجتمع» في عيدها الخمسين طول العمر والتجدد، ولموقعها الإلكتروني دوام التوفيق والتحديث، لتكون دائماً في الخطوط الأمامية.

والله من وراء القصد.

السبت, 19 أكتوبر 2019 16:12

جائزة نوبل.. ومكافأة الوحشية!


لم تعد جائزة نوبل العالمية تمثل موقفا إنسانياً ينحاز للقيم العليا والأخلاق والسلام، وخاصة في جوائزها التي تمنح للأدباء والسياسيين ورجال النشاط العام. فقد سبق أن منحتها بعض الأشخاص الذين تجردوا من الإنسانية وولغوا في الدماء وسرقوا حقوق الآخرين ويعملون على حرمان الشعوب من حق الحياة. فقد منحوها مثلا للإرهابي مناحم بيجين، والسفاح شيمون بيريز، والعنصرية القاتلة أون سان سو تشي- رئيسة ميانمار(بورما)،وأخيرا وصلت إلى رئيس وزراء إثيوبيا الذي يصرّ على حرمان الشعب المصري من حقوقه في مياه النيل ليموت عطشا!
في مجال الأدب كانت الجائزة تعطى أحيانا لأدباء مغمورين، لا يمثل إنتاجهم الأدبي قيمة كبيرة، وولاؤهم للثقافة الغربية أو الصهيونية، وفي هذا العام منحت لشخص عنصري فاشي، صفق لجرائم الحرب التي ارتكبها الصرب الصليبيون المتعصبون ضد مسلمي البوسنة والهرسك وكوسوفا. ولم يكتف بالتصفيق بل دافع عنهم وعن جرائمهم، وشيع جنازة أكبر سفاح صربي وهو سلوبودان ميلوسيفيتش، وشهد لتبرئته أمام محكمة جرائم الحرب الدولية في لاهاي بعد أن عبر عن تعاطفه معه ووقوفه إلى جانبه.
المفارقة أن رعاة الجائزة يرون أنفسهم غير مسئولين عن سلوك الفائز أو أفكاره ولو كانت ضد الإنسانية، ولا مجال عندهم لسحب الجائزة من فائز يضرب بأهداف الجائزة عرض الحائط، فإن رئيسة ميانمار مثلا الفائزة بجائزة السلام، تقود حكومة تمارس التطهير العرقي ضد مسلمي الروهينجا وتطردهم خارج الحدود بعد أن تقتل منهم ما تستطيع، ولكن هيئة الجائزة تتنصل من مسئوليتها، وترى أنها منحت الجائزة، وانتهى الأمر.
العالم الغربي في جوائزه الأقل يقوم بسحب الجائزة من بعض الفائزين إذا قيل مثلا إن أحدهم معاد للسامية، ولو كان ساميا، أو إنه يؤيد مقاطعة الكيان الصهيوني الدموي الذي يحتل فلسطين ويستعبد أهلها... فقد انتشرت، أخيرا فى ألمانيا، ما يمكن أن نطلق عليه، فوبيا منح الجوائز للمعترضين على الممارسات الإجرامية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني. وفى أقل من أسبوعين (أكتوبر 2019) قامت جوائز تمنح في ألمانيا بسحب الجوائز الأدبية والفنية من فائزين ارتكبا في زعم المانحين جريمة دعم حركة مقاطعة الكيان الصهيوني الغاصب.
في الواقعة الأولى أعلنت جائزة "نيللي ساكس" عن فوز الكاتبة البريطانية من أصل باكستاني كاميلا شمسي، بالجائزة من قبل مدينة دورتموند يوم 10 سبتمبر 2019م، قبل أن يصدر منظمو الجائزة بيانا، فى نهاية الشهر نفسه، قالوا فيه إن هيئة المحلفين غيرت رأيها بتكريم كاميلا شمسي، وأن جائزة 2019م لن تمنح هذا العام.
وقال بيان صادر عن الجائزة، إن هيئة المحلفين قررت منح الجائزة للكاتبة كاميلا شمسي لعملها الأدبي الرائع دون أن يكون أعضاء لجنة التحكيم على علم بأن المؤلفة شاركت فى إجراءات المقاطعة ضد حكومة الاحتلال بسبب ممارساتها ضد الفلسطينيين منذ العام 2014م.
وقد أدانت كاميلا شمسي القرار فى بيان نشره موقع ميدل إيست آي، وقالت إنها شعرت بالحزن بسبب خضوع هيئة المحلفين للضغوط.
أما الواقعة الأخرى فتمثلت في قيام مدينة آخن الألمانية بإعلان نيتها سحب جائزة منحتها للفنان اللبناني وليد رعد بسبب دعمه لحملة مقاطعة الكيان الصهيوني.
ولحسن الحظ فقد وجد الفنان اللبناني من يدافع عنه، ويقف في وجه سحب الجائزة لأسباب موضوعية. كان رئيس بلدية المدينة، مارسيل فيليب، أعلن فى بيان رسمي أنّ سبب سحب الجائزة التي تبلغ قيمتها عشرة آلاف يورو هو دعم وليد رعد لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، والضغط على حكومة الاحتلال لمنح المساواة للمواطنين الفلسطينيين. وقد رفض "مجلس لودفيج للفن الدولي" تنفيذ القرار، معلنًا أن جائزة عام 2018م ستظل حاملةً لاسم وليد رعد. وأعلن المجلس أنّ أعضاءه لم يتمكّنوا من العثور على أى دليل يثبت أن رعد كان معاديًا للسامية، وفى مقابلة مع المجلة الألمانية "Deutschlandfunk"، قال المدير التنفيذي للمجلس إن المتحف حصل على الدعم والتمويل لمنح الجائزة، ولم يكن بحاجة إلى إذن من بلدية المدينة لتقديمها لرعد.
بيد أن حصول الكاتب المسرحي والروائي والشاعر النمساوي بيتر هاندكه على جائزة نوبل في الأدب لهذا العام 2019م، كان وصمة عار في تاريخ الجائزة ومانحيها، وقد أثار موجة كبيرة من الغضب والحنق لدى أصحاب الضمير الإنساني في الأوساط الأدبية العالمية والمحلية. لقد سوّغت الأكاديمية السويدية اختيار هاندكه بأنه جاء تقديرًا "للعمل المؤثر الذي اكتشف براعة لغوية في أعماله وخصوصية التجربة الإنسانية"، وتجاهلت الجائزة تاريخ هاندكه وتجربته في دعم الصرب الذين فجّروا حرب يوغسلافيا العنصرية الدموية في التسعينيات، وإنكار المذابح الوحشية التي تمت في هذه الحرب، وهو ما عدّه كثيرون أمرًا غير خلقي وغير قابل للتبرير، فهو قريب جدًا من الزعيم الصربي العنصري السابق سلوبودان ميلوسيفيتش، ونفى ذات مرة المذبحة الصربية في سريبرينيتشا، وقارن مصير صربيا بمصير اليهود خلال الهولوكوست، مع أنه اعتذر في وقت لاحق عما وصفه بـ "زلة اللسان".
وهناك سؤال تم طرحه بعد إعلان الأكاديمية السويدية عن فوز هاندكه: لماذا استبعدت اسمه طوال سنوات؟ وما الذي استجد الآن ليجعلها تغيِّر موقفها؟ وهل يمكن أن يكون هذا الاختيار أحد تداعيات صعود اليمين الصليبي المتطرف في أوروبا؟ وماذا لو كان الكاتب متعاطفًا مع خصوم السامية مثلًا هل سينال الجائزة؟ وإلى أي درجة تشفع الأعمال «التي غاصت في عمق التجربة البشرية، مدعومة ببراعة لغوية» مساندة الفاشية أو الوحشية في أعتى صورها؟
لقد قوبل فوز هاندكه بموجة انتقاد ورفض واسعة، ومن العجيب أنه نفسه اندهش من الفوز، و قال عقب فوزه بالجائزة إن هذا القرار "شجاع جدًا من قبل الأكاديمية السويدية". وقد أعرب الناقد رون شارليز، في صحيفة الواشنطن بوست، عن استيائه من الجائزة قائلًا عن محاولات الأكاديمية استعادة الثقة في الجائزة: "هذه ليست الطريقة المثالية لإظهار الحكم الجيد أو لاستعادة الثقة، إنها مجرد حيلة صماء أخرى من قبل مجموعة من السويديين الذين يستحوذون على انتباه غير متناسب وغير مستحق من العالم." مشيرًا إلى أن الجائزة من المفترض أن يكون لها دور كبير في تسليط الضوء على الأدباء من الأماكن التي لا تحظى بالمتابعة الكافية على الرغم من وجود قامات أدبية بها، وكان من الممكن الاحتفاء بهم وبالتالي إعادة الثقة في المؤسسة. ونقل الموقع الالكتروني لهيئة الإذاعة البريطانية BBC ما كتبه وزير خارجية ألبانيا "جنت كاكاج" على تويتر: "إن الجائزة كانت مخزية وتم منحها لـ "منكر للإبادة الجماعية"، وما كتبه رئيس الوزراء الألباني "إدي راما": "لم أفكر أبدًا في أنني سأشعر بالتقيؤ بسبب جائزة نوبل"، بينما قال رئيس كوسوفو "هاشم باتشي": "قرار جائزة نوبل جلب ألمًا هائلًا إلى عدد لا يحصى من الضحايا".
ومن الطريف أن جريدة الجارديان في عام 1999م، نقلت وصف الكاتب البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي لبيتر هاندكه بـ "معتوه العام الدولي" على خلفية "سلسلة من اعتذاراته العاطفية عن نظام الإبادة الجماعية الذي نفّذه سلوبودان ميلوسيفيتش"، وبعد الإعلان عن فوز هاندكه بنوبل، نشرت الصحيفة ذاتها تصريحا لرشدي قال فيه: "ليس لدي ما أضيفه اليوم ، لكنني سأبقى على ما قلته سابقًا".( يشير إلى تصريحه السابق عام 1999م).
قال المؤلف هاري كونزرو: "هاندكه خيار مضطرب بالنسبة للجنة نوبل التي تحاول وضع الجائزة على المسار الصحيح بعد الفضائح الأخيرة، إنه كاتب جيد، يجمع بين البصيرة العظيمة والعمى الخلقي المروع".
وحسنا فعل الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب الذي أصدر بيانا يرفض فيه منح جائزة نوبل فى الآداب لعام 2019م للكاتب اليميني والمتطرف النمساوي بيتر هاندكه.
تجدر الإشارة إلى أن الجوائز الأدبية بصفة عامة، المحلية والعالمية، صارت رهينة بأهدافها غير المعلنة من الجهات المانحة، وهو ما نراه في حصول بعض من لا يستحقون علي الجوائز المرموقة والمتواضعة، ولعل القراء يذكرون ذلك الشاعر العربي الطائفي الذي ما زال يتقرب إلى مانحي نوبل بإهانة الإسلام وتجريمه على مدى تاريخه أملا في الحصول عليها، ولكنهم مازالوا ينتظرون منه المزيد! وقد صرح أحد الكتاب العرب ذات يوم أن من يعارض سياسة بلاده لن يحصل على الجائزة المرموقة التي تموّلها حكومته!
لقد صارت الجوائز الأدبية في كثير من أنواعها رشوة غير مقنّعة، لكسب الولاءات وتغيير الذمم، وتسويغ الوحشية!
***

الإثنين, 02 سبتمبر 2019 14:24

لماذا تتحرش الهند بالمسلمين؟

في الأسابيع الأخيرة، قامت الهند صديقة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز على عهد جواهر لال نهرو ببعض الخطوات العدائية ضد المسلمين على المستوى العام والفردي.

أولاً: ألغت قرار الأمم المتحدة المتعلق بجامو وكشمير، وأغلقت الباب في وجه الحل السلمي للإقليم المتنازع عليه، وتبع ذلك اعتقال أعداد كبيرة من المسلمين وقياداتهم، وفرض حظر التجول مع إجراءات قمعية وتعسفية ضد السكان، فضلاً عن الاشتباك مع جنود باكستانيين في القسم الآخر من الإقليم التابع لباكستان ووقوع ضحايا.

ففي 5 أغسطس 2019م، ألغت الحكومة الهندية بنود المادة (370) من الدستور، التي تمنح الحكم الذاتي لولاية "جامو وكشمير"، الشطر الخاضع لسيطرتها من الإقليم، كما تعطي المادة الكشميريين وحدهم في الولاية حق الإقامة الدائمة، فضلاً عن حق التوظيف في الدوائر الحكومية، والتملك، والحصول على منح تعليمية.

ويرى مراقبون أن الخطوات الهندية من شأنها السماح للهنود من ولايات أخرى بالتملك في الولاية، وبالتالي إحداث تغيير في التركيبة السكانية للمنطقة، ونزع صفة الإسلامية عنها بإيجاد أكثرية هندوسية.

ثانياً: بدأت الهند في عمليات التهجير القسري لإقليم آسام (شمال شرقي البلاد) الذي تسكنه أعداد كبيرة من المسلمين، بحجة توثيق الجنسية، وألزمت المسلمين الإثبات بالوثائق أن أجداد الشخص مولودون في الهند، وليسوا مهاجرين من بنجلاديش بعد تفكيك الباكستان عام1971م، وهو أمر من الصعب إثباته، مما يعرض صاحبه إلى الترحيل من البلاد ولو كان في الحقيقة هندياً قحاً.

وقد أقصت سلطات ولاية آسام نحو مليوني شخص عن قائمة المواطنين ضمن حملة "إثبات الجنسية" الموجهة ضد المسلمين، وأكد منسق السجل الوطني للمواطنين في الهند براتيك حاجيلا أن القائمة النهائية التي نشرت في 31 أغسطس2019م، تضم 31.1 مليون من سكان الولاية وتستثني منهم 1.9 مليون نسمة، وتنوي الحكومة تقديم تسهيلات للأقليات الدينية الأخرى، مثل الهندوس والبوذيين والمسيحيين، لا تنسحب على المسلمين.

ثالثاً: تزايدت عمليات قتل المسلمين من جانب الهندوس في عمليات تحرش مقصودة ولأسباب تافهة، لدرجة أن مجموعات هندوسية تقوم بقتل شخص مسلم بالضرب المبرح دون رادع من الأمن أو القانون، ويسهم في ذلك الحركة القومية الهندوسية التي يشجعها رئيس الوزراء ناريندرا مودي المتعصب الذي يعلن جهاراً نهاراً في شتى المناسبات عن عدائه للمسلمين، والحركة القومية الهندوسية التي ينتسب إليها بالعضوية وما زال رئيس الوزراء وبعض أعضاء الوزارة تبدي إعجابها بطغاة مستبدين مثل موسوليني، وهتلر.

وتبدو الأمور في طريقها إلى تصعيد يخسر فيه المسلمون الكشميريون والهنود حريتهم ووطنهم وأمنهم، ولا يخفى على المراقب أن علاقة وثيقة صارت تربط بين الحزب اليميني الحاكم في الهند مع الكيان الصهيوني الغاصب، والولايات المتحدة والروس، وتشمل هذه العلاقة التزويد بأحدث الأسلحة وإقامة المشروعات الاقتصادية العملاقة، وهو ما يشي بمزيد من المتاعب للمسلمين مستقبلاً.

وإذا عرفنا أن بعض الدول العربية تؤيد الهند علناً، وأخرى تدعمها باستثمارات ضخمة تصل إلى عشرات المليارات، وأن باكستان تقف وحيدة في الميدان بدعم خافت من الصين، فإن المسلمين في جامو وكشمير والهند تنتظرهم أيام صعبة بلا ريب.. لم تملك باكستان غير تخفيض علاقاتها الدبلوماسية مع الهند، وسحب سفيرها من نيودلهي، وأوقفت التبادل التجاري معها، وهو ما شكل ضربة موجعة للسياسة الهندية العنصرية المتمسكة بعدائها للمسلمين، والمصرة على إذلالهم!

وقد تحدث رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان عن الأزمة، فدعا الهند إلى الحوار، وناشد العالم التدخل لمنع اشتعال حرب نووية كبرى ستحدث آثاراً مؤلمة لا يعلم مداها إلا الله، ودعا خان المجتمع الدولي إلى التفكير في مزايا التجارة والأعمال، بدلاً من الحرب بين دولتين نوويتين، وإلى الحوار والمفاوضات في سبيل إنهاء معاناة الشعب الكشميري، وهو ما أكده لاحقاً وزير خارجية باكستان شاه محمود قريشي، حيث أعرب في حوار أجراه مع شبكة "بي بي سي" البريطانية عن استعداد بلاده للتحاور مع الهند، شرط موافقة نيودلهي على تخفيف حدة التوترات في إقليم كشمير.

وأوضح أنه "إذا أقدمت حكومة نيودلهي على رفع حظر التجوّل المفروض منذ 4 أشهر في المناطق الخاضعة للاحتلال الهندي بإقليم كشمير، وحسّنت من أوضاع سكان تلك المنطقة، وأخلت سبيل القياديين في كشمير وسمحت لهم بلقائي.. عندها يبدأ الحوار بين باكستان والهند".

وجدد تأكيده أن إسلام آباد كانت ومازالت تؤيد فكرة حل الخلافات بالحوار، وأن الهند الطرف الذي يرفض الجلوس على طاولة المحادثات.

كما أكد وزير الخارجية الباكستاني عدم رغبة بلاده في خوض حرب مع الهند، وشدد في الوقت ذاته أن قوات بلاده مستعدة لأي احتمال.

إن المسلمين في جامو وكشمير والهند تحت قبضة التعصب الهندوسي العنصري، ودعم العالم الغربي والصهيونية وروسيا للهند، وتجاهل العالم الإسلامي للمحنة الإسلامية، ومشاركة بعض دوله في تأييد الهند ومساندتها اقتصادياً، وهو ما يوجب على الشعوب الإسلامية أن تخاطب الهند باللغة التي تفهمها، فلديها تجارة واسعة مع التجار العرب والمسلمين، ولديها عمالة ضخمة في البلاد العربية، وهناك احتياجات اقتصادية أخرى للهند في عموم البلاد الإسلامية، أظنها كفيلة بجعل السيد مودي، رئيس الوزراء الهندي، يراجع نفسه.

 

يصر الاحتلال الروسي مع النظام الاستبدادي في دمشق وأتباعه على تزييف الواقع واستخدام المصطلحات الكاذبة للتعبير عن استبدادهم وقتلهم للشعب السوري وتشريده في أرجاء الأرض. فهم مثلاً يعدّون ثورة الشعب السوري منذ2011م على الاستبداد والقهر وطلب الحرية والكرامة والعدل، صراعاً بين الحكومة الشرعية والإرهابيين وما يسمى الجماعات المتطرفة، ويزعمون أن هذه الجماعات لو وصلت إلى الحكم ستقضي على الوجود المسيحي في سورية والبلدان المجاورة، وبناء عليه يرون أن المسيحيين دعموا النظام في دمشق خوفاً على وجودهم.. ويرتب الروس والنظام وأتباعه على هذه الرؤية الفاسدة، أن التدخل الروسي كان "حربا مقدسة"- أي صليبية ضد الإرهاب، أي ضد الإسلام، وليس لحماية المسيحيين فقط كما عبر الأنبا "كيريل" رئيس الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو، وهو يودع الفوج الأول من الغزاة الروس الذين احتلوا سورية مع آخرين بعد أن دعاهم النظام في دمشق، وأضاف القوم إلى ذلك أنهم يحمون المسلمين المعتدلين ممن يؤمنون بالتعايش السلمي بين كافة الديانات!  

بيد أن الناطق الرسمي الروسي باسم قاعدة حميميم المحتلة في غرب سورية واسمه الكسندر إبفانوف صرح أخيرا في 23/7/2019 وفقا لموقع "القوات اللبنانية" (المعبرة عن المارون)؛ أن القوات الجوية الروسية تشن “هجمات مركزة ومكثفة على مقاطعة إدلب ردا على قصف مسيحيين أرثوذكس في مدينة محردة”.

وقال، إن “دخولنا إلى سوريا هو لحماية المسيحيين فقط(؟؟!)، لكن رغم كل هذا القصف تستمر المجموعات الإرهابية بالاعتداء على محردة، يجب أن نجد حلاً سريعاً لهذا الأمر”.

لم يمر تصريح ألكسندر إيفانوف مرور الكرام، ولم يتقبله المسيحيون، حين رأوا فيه فتنة بينهم وبين المواطنين المسلمين الذين يعيشون في كنفهم، فقد استنكرت “منظمة سوريون مسيحيون من أجل السلام” تصريحات الضابط الروسي، مؤكدة أن القوات الروسية لم تكتف “بعمليات القصف والتدمير والتهجير الممنهج للسوريين طيلة السنوات الماضية دعماً لنظام الأسد، المتهم بانتهاكات إنسانية وباستخدام أسلحة محظورة عالميا، بل دأبت على زرع الفتنة بين أبناء الشعب السوري باستمرار، عبر ادعاءاتها حماية المسيحيين في الشرق حينا والمسيحيين في سوريا حينا آخر، تبريراً لعمليات القصف”.

وأوضحت المنظمة أن تصريحات إيفانوف “تحمّل السوريين المسيحيين الأرثوذكس وزر عمليات القصف الأخيرة في إدلب”. واستنكرت المنظمة “هذه الادعاءات الكاذبة”، مضيفة: “نوضح للرأي العام السوري أن روسيا تتدخل في سوريا لدعم بقاء نظام الأسد في السلطة فقط، وهو نظام انتهك حقوق المسيحيين السياسية والمدنية طيلة عقود، وتسبب بتهجيرهم" وحذرت المنظمة من أن “هذه التصريحات الأسدية/الروسية تعرض حياة المسيحيين للخطر المباشر، بوصفهم فاعلين في التسبب بالعنف على إخوتهم وأبناء بلدهم، في حين أنهم لم يكونوا يوما كذلك”.

وطالب البيان كلا من "القوات الروسية والأسدية بإبعاد الراجمات المختبئة خلف منازل المدنيين في محردة حفاظا على حياتهم، ونرفض حماية نظام الأسد المفرط في الإجرام وحليفته روسيا”.

قبل هذا التصريح بأيام أقام الروس وصديقهم الأسد مجزرة بشعة في بلدتي معرة النعمان وسراقب راح ضحيتها عشرات المدنيين، وأخذ وزير الدفاع الروسي يتنصل من المجزرة، ومن قتل أهلها البسطاء الأبرياء، ولكن ألكسندر من حيث أراد الفتنة أثبت الجريمة على قوات الاحتلال الروسي، وأن قواته ارتكبتها حسب زعمه لحماية المسيحيين في محردة! وبقي تصريحه محاولة رخيصة لبث الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، وزرع الكراهية والبغضاء في نفوسهم.   

الادعاء بحماية المسيحيين حجة استعمارية قديمة رددتها حكومات الاستعمار الغربي، وخاصة بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا.. والمسيحيون لم يطلبوا من أية قوة استعمارية حمايتهم، لأنهم يعيشون مثل غيرهم من المسلمين في أمن واطمئنان، بل يحظون في بعض الأحيان بامتيازات لا يحظى بها المسلمون أنفسهم، وخاصة في المجال الاقتصادي والمهني. ويكافحون الطغيان والاستبداد مع المسلمين. هذه حجة مكشوفة ومفضوحة ولا تنطلي على عقل سليم، لأن المسيحيين عانوا من الاستعمار ووكلائه من أهل البلاد على مر العصور، بل إن المسيحيين الذين انضموا للاستعمار كانوا خونة، ولم يعبروا عن الطائفة.

ونحن لا ندرى معنى مصطلح المسلمين المعتدلين أو غير المعتدلين، لأن هذا المصطلح لا نظير له بين اليهود والنصارى، فهل يقصدون بالمسلم المعتدل ذلك الذي يتخلى عن حريته ويرحب بالاحتلال، ويقبل بثقافة غير ثقافته الإسلامية؟ إما أن يكون الشخص مسلما أو غير مسلم. فالمسلم له خصائص ومعالم وملامح دينية وسلوكية وقيمية، إذا انحرف عنها كان له حسابه عند الله، أو ولي أمره. اما المعتدل وغير المعتدل، فاختراع استعماري، يماثل اختراعهم الشرير: الإرهاب الإسلامي، بينما لا يستطيع أحد أن يتحدث عن الإرهاب المسيحي، والإرهاب اليهودي، والإرهاب البوذي، والإرهاب الهندوسي، والإرهاب الشيوعي...

إن شيطنة المسلمين وزرع الفتنة بينهم وبين أهل الوطن من غير المسلمين لعبة قديمة طالما لجأ إليها المحتلون الغزاة ليسوّغوا جرائمهم، وهيمنتهم، ونهبهم للشعوب الإسلامية الضعيفة.. وما روسيا الاتحادية إلا كيان استعماري غربي فيه وحشية الاستعمار وعدوانيته وهمجيته، وما زال التاريخ يحفظ مجازر روسيا الوحشية في أفغانستان والشيشان والقرم والدول الإسلامية الأخرى في وسط آسيا، وأخيرا كان الإرهاب الروسي الوحشي في سوريا حيث قصف بطائراته الأسواق والمستشفيات والمدارس والمساجد والبيوت السكنية، وقتل عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء البسطاء الذين لم يفكروا يوما في حمل السلاح أو مواجهة نظام البراميل الإرهابي والكيماوي المجرم.

إن روسيا تسعى اليوم بكل قوة لوراثة النظام الاستعماري الغربي أو مشاركته على الأقل في قهر الشعوب الإسلامية، واستغلال موقعها الاستراتيجي، ونهب ثرواتها وابتلاع دخولها في صفقات سلاح بائسة أو مشروعات لا عائد من ورائها، وفوق ذلك تعمل من خلال روح صليبية همجية لدق الأسافين بين أبناء الشعب المسلم الواحد، وزرع الفتن والإحن، وسحب زعامة الأرثوذكس من المنطقة العربية.

لقد ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن مجموعات روسية من رجال الدين، وجماعات إغاثية، وموظفين حكوميين، يعملون بهدوء لتعزيز علاقاتهم مع المكونات المسيحية في سوريا! وقالت الصحيفة، إن القادة الروس يستغلون المناسبات الدينية المسيحية ضمن خطة أقرها الكرملين، لتعميق الروابط الاستراتيجية مع المسيحيين السوريين.. كما تلعب روسيا على نقطة إعادة إعمار الكنائس التي دمرتها الحرب، وتركز روسيا نشاطها على بلدة معلولا، البلدة المحفورة داخل الصخور في الجبال الواقعة شمال شرق دمشق، التي اعتاد الحجاج المسيحيون الحج إليها من جميع أنحاء العالم لزيارة "دير مار تقلا". وقيل إن هناك مخططا لإقامة فندق في معلولاً حيث تعد آخر المدن في العالم التي لا تزال تجيد اللغة الآرامية التي ينسب إلى السيد المسيح عليه السلام التحدث بها.

وإذا عرفنا أن رأس النظام السوري وصف قائد الاحتلال الروسي فلاديمير بوتين أنه "المدافع الوحيد عن الحضارة المسيحية الذي يمكن الاعتماد عليه"، فلنا أن نفهم المخطط الروسي لفصل الطائفة المسيحية عن محيطها الطبيعي، فضلاً عن تمزيق الوطن الذي كان في يوم ما عاصمة للعالم، لأنه كان عاصمة الخلافة الإسلامية.

  إن جرائم روسيا في سورية مضافة إلى جرائم العالم الغربي، والمعسكر الطائفي، وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء، مما حتم أن يفيق العرب والمسلمون، ويستيقظوا لمواجهة أخطر حملة في التاريخ لإزاحتهم من الوجود، وهم يملكون القدرة على المواجهة حين يحتكمون إلى كتاب ربهم، ويقيمون منهجه في العدل والشورى والعمل المتقن وتطهير أنفسهم من الفرقة والتواكل والاعتماد على غير الله.

***

الصفحة 1 من 18
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top