د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 19 نوفمبر 2015 07:47

شرف البوليس.. والوزير الضرورة!

القتال الشرس الذي تشنه الحظيرة الشيوعية من أجل الاحتفاظ بالتكية المجانية المسماة وزارة الثقافة يبدو أنه لن يتوقف قريباً، فقد فرح "نخانيخ" الحظيرة بتعيين واحد من رجالهم وزيراً يحقق لهم عملية النهب المنظم للوزارة بالقانون، وتزينت الصحف بصورهم وهم يزورونه أو يستضيفونه في مواقعهم وورشهم ليثبتوا دعائمه ويقنعوا العامة أن الوزير الدموي الذي يدعو إلى مزيد من الدم من أجل إعلاء راية العلمانية واستئصال الإسلام وفقاً لمنهج الانقلاب العسكري الدموي الفاشي راسخ في منصبه، وسيكيد "العزال"؛ أي المسلمين.

لم يكن الوزير الدموي نشازاً في دعوته إلى الدم من أجل العلمانية، بل سانده آخرون منهم رئيس تحرير "وكالة أنباء الشرق الأوسط" الانقلابية المسمى علاء حيدر، فقد صرح بأنه لو كان مكان قائد الانقلاب لقتل مليون مسلم مصري من أجل أن يبقى تسعون مليوناً، وبارك قتل الشهداء في رابعة وأخواتها، وزعم أنهم لا يتجاوزون مائة وخمسين شخصاً، لا قيمة لهم، وكأن قتل مائة وخمسين كتكوتاً عمل إنساني يباهي به الذراع الإعلامية الدموية هيئة الأمم.

سبق الوزير الدموي ومحرر الشرق الأوسط الدموي كاتب مسرحي شيوعي اسمه علي سالم باع نفسه لليهود وداس على جثث الشهداء ومنهم شقيقه الذي قتله اليهود النازيون الغزاة في فلسطين عام 1948م، وراح يتغنى بشيم القتلة الذين أذلوا الزعماء والحكام والعرب واحتلوا أرضهم ونهبوا مواردهم، المذكور لم يتذكر أبداً دماء شعبه وأهله من أمة العرب والإسلام الذين استشهدوا بيد النازيين اليهود القتلة، بل إنه دعا إلى قتل شعبه المصري بحجة مقاومة الإرهاب، وحدثنا عما يسميه جماعة شرف البوليس ("المصري اليوم"،3/ 5/  2014م) التي يجب أن تتحرك في تشكيل سري يقوم بالقتل والحرق لحظة وقوع الحدث الذي يعد إرهابياً؛ دون تحقيق أو قضاء أو دفاع أو شهود، مستشهداً بما جرى في فرنسا مرحلة التسعينيات وما قبلها، وهو موضوع فيه شك كبير ولا يقبل به الديمقراطيون في فرنسا، ولكن الشيوعي الحكومي الهالك يعطي القانون إجازة، ولست أدري ماذا كان يفعل ذووه لو أن جماعة شرف البوليس قتلته في عقر داره بحجة أنه إرهابي أو من عصابات المافيا؟! إنه انحطاط مثقفي السلطة ورواد الحظيرة الموالين للاستبداد والعدو النازي اليهودي!

هذه النوعية من المحرضين على القتل لو كانت في دولة أخرى بها دستور وقانون ورأي عام يدرك قيمة الإنسان؛ أي إنسان، لتم تقديم أفرادها إلى محاكمة عاجلة على الفور، ولكن في بلادنا التعيسة يتم ترقية دعاة القتل والقتلة ومكافأتهم بمناصب عليا أو جوائز كبيرة! لن يفلت هؤلاء من عدل الله، وأظن أن العدالة الإنسانية لن تتخلف كثيراً، ولو تحصن المجرم بحصون منيعة!

ثم تأمل ما صرح به وزير الثقافة الدموي عداء للإسلام وهوية المصريين الإسلامية، فقد أعلن معاليه أنه سيقف بضراوة أمام من ينكر الهوية المصرية تحت أي دعاوى، ومهما كانت النتيجة، ومهما كان الثمن، ويؤكد معاليه الدموي أن هويتنا فرعونية وقبطية! أي ليست إسلامية، وأنا أنقل عن موقع جريدة "اليوم السابع" الانقلابي الذي يقوم بتلميع الوزير الشيوعي الدموي (1/ 10/ 2015م) ويوضح معاليه أن المشكلة الحقيقية أننا (لا أعرف يقصد من؟) نواجه حرباً حقيقية على مصريتنا، وينبغي أن نتصدى لها بضراوة، بمعاونة الجماعة الثقافية، مشيراً إلى أن جزءاً من مشكلتنا هي أن الإسلاميين أطاحوا بثقافتنا ونجحوا في أن يعزلونا عن العالم، لكن بمجرد أن ننفتح على العالم، فلن يستطيع أحد أن يسيطر علينا، مؤكداً أن جزءاً كبيراً من التأخر الذي وصلنا إليه، هو عدم انفتاحنا على الثقافة الخارجية الحقيقية!

وهذا تدليس خطير يشبه ما تغَصُّ به كتبه التي ألفها طعنا في الإسلام وعلمائه ورموزه، ما المصرية؟ وما الثقافة التي أطيح بها؟ ما شكلها وطبيعتها؟ ومتى تم ذلك؟ إن الوزير الدموي يضلل الناس، ويتهم المسلمين في مصر بعدم الانتماء إليها، والتنصل منها، ويؤكد ضمنا ما يقوله حبايبه في الكنيسة من أن المسلمين في مصر مجرد ضيوف، وأن الآخرين أصل البلد، وأن اللغة العربية عار.. فهل صحيح أيها الصحفي الذي صار وزيراً أن المسلمين أطاحوا بثقافتكم؟

الوزير الدموي يردد ما يقوله الحظائريون الكبار الذين زعموا أن المسلمين ينكرون الحضارة الفرعونية، ويزعمون أن تاريخ مصر يبدأ قبل أربعة عشر قرناً؛ أي منذ دخول العرب مصر، وأطلب منهم ومن الوزير أن يذكروا لنا المصدر كي نصدقهم.

تمنيت لو أدرك الوزير الدموي أن الحضارة الإسلامية حضارة هاضمة تمتص كل العناصر المفيدة للإنسان في أية حضارة أو بيئة أخرى، وفقاً للآية الكريمة الواضحة الدلالة: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) ( الحجرات:13)، ولو أنه كان وفياً للتاريخ والجغرافيا لعرف أن المسلمين أينما حلوا أضافوا وتفاعلوا واكتسبوا الحكمة، وأنهم أكثر انفتاحاً من أمم الأرض جميعاً، يوم كانوا أحراراً يمتلكون إرادتهم وقرارهم، ولكنهم تعرضوا لابتلاءات الطغاة والمستبدين والمحتلين ووزراء المستوى الثقافي المنخفض! كون مصر مسلمة فهذا لا ينفي الحضارة الفرعونية أو الإغريقية أو الرومانية أو البطلمية أو النوبية، أما ما يسمى الحضارة القبطية فهذا أمر مشكوك فيه، لأن مصر حين دخلتها النصرانية كانت تحت الاحتلال الروماني، ولم تكن هناك حضارة قبطية بمعنى الكلمة، اللهم إلا إذا كانت تسمية القبطية تعني المصرية وليس النصرانية.

الوزير الدموي يبدي كراهية مقيتة للإسلام والمسلمين ويفهم الإسلام كما قال مؤخراً على أنه الإسلام الوسطي - وفق تسميه بعض العوالم والغوازي - دون أن يكشف لنا عن معالمه، هل هناك يهودية وسطية ونصرانية وسطية وبوذية وسطية وهندوكية وسطية؟ مصطلحات تجعل الحليم حيرانا.. يا للعجب!

ومن أعجب العجب أن يسمي بعض الدراويش الصحفي النمنم بالوزير الضرورة، على غرار الرئيس الضرورة الذي اخترعه عرّاب الانقلاب محمد حسنين هيكل! أي ضرورة يا سادة لوزارة لا تجيد غير إصدار شيكات للمحاسيب والأتباع والأشياع من التكية المستباحة بالقانون؟ ماذا أنتجت هذه الوزارة / التكية على مدى تاريخها الطويل غير الحصرم المسموم؟ اسألوا أهل الذكر، وعامة الشعب أيضاً.

الصحفي حلمي النمنم ليس وزير ضرورة، فهو لا علاقة له بالثقافة الحقيقية، ولا يعرف قدر المثقفين الحقيقيين، إنه مكلف باستئصال الإسلام والثقافة الإسلامية.

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

في الوقت الذي كان فيه النظام العسكري الدموي المصري يدور حول العالم بحثاً عن شراء شرعية مفقودة، واعتراف دولي ثمنه غالٍ، وتوقّف في لندن ليدفع مبلغاً كبيراً ثمناً لصفقة سلاح تعزّز قدراته لقمع المصريين وقتلهم وملاحقتهم ومطاردتهم والتوغل في أعماق خصوصياتهم، أقول في ذلك الوقت: كان المصريون يتفكّهون بالمصائب التي حطت عليهم ولا يستطيعون لها دفعاً، ولا تسعفهم إدارة بيروقراطية فاشلة تبحث عن النهب المنظم ولا تنجز شيئاً مفيداً لعامة الشعب الظالم المظلوم!

كانت الأمطار والعواصف والسيول قد أغرقت عدداً من المحافظات من بينها الإسكندرية للمرة الثانية، حيث رأى الناس صوراً ومناظر تقشعر لها الأبدان، أو تجعل أفواههم تفتر عن بسمات مريرة، وضحكات مجروحة.

وقفت جماعة من المصريين تشاهد بعض الشباب الذين يتسابقون لصيد "القراميط" من مياه الأمطار في الشارع الغارق، كان بعضهم قد اشتراها حية وأطلقوها في الماء، وراحوا يستخدمون قصبات الصيد لاصطيادها مرة أخرى، ومنح الفائز جوائز طريفة، وفي خلال ذلك يتضاحكون بسبب شر البلية، ونسوا أن يغنوا "تسلم الأيادي" أو "بشرة خير" التي كان ينشدها شعب البيادة ودماء المسلمين الأبرياء تغرق ميادين رابعة العدوية والنهضة ورمسيس وغيرها بفعل قتلة الانقلاب العسكري الغادر، لم ينبس المصريون - وهم في الغرق يصطادون القراميط ويمزحون - ببنت شفة تجاه "الدكر" الذي وعدهم بأن مصر "قد الدنيا"، وأنهم غداً سيرون كيف ستكون مصر "وبكرة تشوفوا مصر"!

نقلت الصور منظراً لعربة كارو يجرها حمار وهي غارقة في مياه الشارع، ولا يظهر من "الحمار الفدائي" غير رقبته، ويقف العربجي وبجواره آخر فوق سطح العربة الغارق، ويلهب رأس "الحمار الفدائي" الذي يجري بأقصى سرعة في غمرات الماء لينقذ نفسه والعربة وراكبيْها!

كان الناس يضحكون على الجانبين، ويقومون بتصوير "الحمار الفدائي" الذي ألقيت على كتفيه مهمة القيام بأعباء الخروج من غمر الماء إلى أرض غير مغمورة وسط السيل الهادر، شبّه الناس الحمار الفدائي بالشعب المصري الذي لم يجد من يحنو عليه، غير السوط وخوض الغمرات المهلكة ومعاناة السوط أو الكرباج في كل الأحوال.

على الجانب الآخر في عاصمة الضباب لندن كان الانقلاب العسكري الدموي الفاشي يتحدث عن عنف الإخوان وإرهابهم، ويسوغ قتلهم وسجنهم ومطاردتهم وإقصاءهم، ويدعي أن الشعب هو الذي قرر معاقبتهم! أي شعب؟ ثم يستبعد في حواره مع القناة العربية لتلفزيون "بي بي سي" أي إمكانية للمصالحة معهم؛ لأن الأمر أصبح "مجابهة"، وليس "مصالحة"! وكان من قبل يصرح للقناة ذاتها بالإنجليزية أنه لا يستبعد تلك المصالحة، شريطة موافقة الرأي العام عليها! ونسي أن الإخوان جزء من الشعب الذي يرفض حكم البيادة وممارساتها الدموية المعادية للحرية والكرامة والعدالة، كما نسي أنه انقلب على نظام ديمقراطي حمله إلى سدة وزارة الدفاع، ومنحه درجتين في الرتبة العسكرية ليسبق من هم أقدم منه، فإذا به يعوّق هذا النظام ويلقي بإرادة الشعب التي عبر عنها انتخابياً في صناديق الزبالة، ليغرق بعدئذ في شبر ماء كما يقول التعبير العامي!

إن الحديث عن الرأي العام الذي يقرر مصير الإخوان يبدو شيئاً طريفاً، في الوقت الذي لا يسمح فيه النظام لمظاهرة تعارض النظام أو تعبر عن رغبتها في إزاحته، وإلا لو فعل فسوف يرى حقيقته، وهي حقيقة لا يعبر عنها مخرج "الفوتو شوب"، كما لا يعبر عنها تصويت على الانتخابات الهزلية التي كانت في يومها الأول لا تزيد عن 5%!

بينما كانت السيول تعلن عن اقتحام البيوت والشوارع في القرى والمدن، ويتصاعد عدد الضحايا في محافظة البحيرة وغيرها، كانت الأجهزة الانقلابية مشغولة ضد أبناء الشعب المصري، وليس الإخوان، وهم يعتصمون في عاصمة الضباب بداوننج ستريت ليمنعوا قائد الانقلاب من دخول مقر الوزارة البريطانية أو البرلمان، وقد بالغت الأذرع الإعلامية للانقلاب وهي تتكلم عن الحافلتين اللتين جهزتهما الكنيسة ليحملا المؤيدين من روما وفرنسا، وإظهار أن الشعب المصري سعيد بضربه بالسياط! والمفارقة أن الأخبار تواترت بأن السفارة المصرية دفعت أموالاً لعدد من العمال المصريين العاملين في مقاهي شارع العرب الشهير في لندن "إجور رود" من أجل أن يتظاهروا في المكان ذاته لتأييد قائد الانقلاب، وفي الوقت نفسه تتوقف محطات الصرف الصحي عن العمل ولا تجد دعماً مالياً.

من المؤكد أن بريطانيا العظمي التي تفاخر بالقيم الديمقراطية، وعبرت عن رفضها للانقلابات العسكرية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، ورفضت استقبال الحكام الانقلابيين تقفز فوق هذه القيم، وتعبر عن موقف انتهازي تجاري رخيص من أجل أن تدخل خزانتها العامة بعض المليارات من الدولارات أو اليورو، فالأعراب الذين يدعمون الانقلاب ويغذونه بـ"الرز "على استعداد لفعل أي شيء من أجل قهر الشعب المصري واستعباده، وتقديم أنفسهم على أنهم السادة، ورمز التقدم، وتعويض الفارق الزمني بين السبعة آلاف سنة، والخمسة عقود!

وإمعاناً في الانتهازية والابتزاز لا يخجل رئيس الوزراء البريطاني وقائد الانقلاب في ضيافته فيعلن وقف رحلات الطيران البريطاني إلى سيناء بسبب تحطم الطائرة الروسية، وهو ما عدّته "هاآرتس" العبرية إهانة قوية وعلنية للجنرال، وتبع ذلك إعلان عدد من شركات الطيران الأوربية ومعها روسيا الدموية عدم سفر طيرانها إلى مصر، مما يقلص حركة السياحة المصرية المتداعية من قبل.

وكانت أم الفضائح في عاصمة الضباب هي مطالبة قائد الانقلاب لرئيس الوزراء البريطاني وحلف "الناتو" التدخل العسكري في ليبيا حتى لا تقع في قبضة جماعات إسلامية، وهي دعوة للتدخل في بلد عربي شقيق يعمل فيه نحو مليونين من المصريين، وتعمل الأمم المتحدة على جمع الأطراف السياسية الليبية للتفاهم والتوافق في الصخيرات بالمغرب الشقيق، وحل مشكلة انقلاب الخائن حفتر بما يجنب البلاد حرباً لا تبقي ولا تذر؟ هل وصلت كراهية الحركة الإسلامية حد التضحية بمصالح مصر والمصريين والدعوة للتدخل الأجنبي في بلد عربي شقيق؟

إن الفشل الذريع الذي "ينجزه" الانقلاب المشؤوم يومياً على المستويات كافة يجعلنا نتساءل: هل مكتوب على شعبنا أن يعيش حياته بين صيد القراميط والحمار الفدائي؟

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

الأربعاء, 11 نوفمبر 2015 09:46

أبناء المؤسسة.. يحكمون ولا يحاربون!

هيا نحاول أن نلمس السبب الرئيس فيما يمكن أن يكون منبع المتاعب والعقدة المزمنة بين حكومات الانقلاب والشعوب العربية، وأسباب التخلف والهزيمة الحضارية في أرجاء الأمة، وترددت في الفترة الأخيرة، ومن قبل أن البلاد العربية لا تستقيم مسيرتها، ولا يتحقق أمنها إلا بالحكم العسكري، وقد أشار إلى ذلك أخيراً الرئيس المخلوع حسني مبارك في مداخلة تلفزيونية، حيث ألمح إلى أن الحكم العسكري يمتلك فرصة بسط الأمن وتحقيق الأمان لجموع المصريين، وأن الجيش هو الضمان لما يسميه الاستقرار، وقبل شهور أعلنت السيدة زوجه صراحة بأن مصر لا يحكمها إلا أبناء المؤسسة (تقصد القوات المسلحة).

وفي عهد مبارك، صدر تصريح من رئيس وزرائه أحمد نظيف بأن المصريين لا يصلحون للحياة الديمقراطية؛ أي إن النظام الاستبدادي أو الدكتاتوري الذي يمثله الفريق مبارك هو النظام الأمثل للحكم.

وهناك مقولات تتردد علناً أو سراً في الأماكن ذات الصلة بالحياة العسكرية والشرطية والأحزاب الحكومية الكرتونية وما أشبه، بأن المصريين خصوصاً والعرب عموماً لا تصلح معهم الديمقراطية ولا يصلحون لها!

النظرة الاستعلائية إلى الشعوب العربية من المؤسسة وتوابعها لم تنبع من رؤية علمية أو ثقافية عميقة، ولكنها تأسست بفعل الانقلاب العسكري عام 1952م الذي جاء بعد سلسلة انقلابات جرت في سورية مع هزيمة العرب المذلة في عام 1948م على أرض فلسطين، وتلته انقلابات أخرى في عواصم عربية مؤثرة، وكأن الانقلابات العسكرية أرادت تعويض هزائمها في ميدان المعركة، بالانتصار على الشعوب الضعيفة، وفي الوقت نفسه تثبيت الوجود الصهيوني الغاصب.

الانقلابات العسكرية تفرز زعيما أوحد يصفي رفاقه العسكر، أو يوزعهم على مؤسسات الحياة المدنية والإدارية والإنتاجية والإعلامية والرياضية ليضمن الولاء العام، أما المؤسسة العسكرية نفسها فيجري تفريغها من الكفاءات المحترفة الممتازة بإزاحتها إلى أعمال مدنية أو إرغامها على طلب التقاعد، كما حدث مثلاً عندما تمت ترقية الصاغ (الرائد) عبدالحكيم عامر إلى رتبة اللواء ليكون قائداً عاماً للقوات المسلحة، فاضطر كثير من الضباط الأعلى رتبة والأكثر كفاءة أن يستقيلوا.

وهكذا تنشغل المؤسسة بتثبيت أركان نظام الحكم العسكري ولو ارتدى زعماؤه الملابس المدنية، وتتوزع أجهزتها المعاونة لمتابعة من يعارضون النظام وملاحقتهم، وتجنيد الإعلام والأبواق والصحافة والأقلام لشغل الشعوب عن القضايا الأساسية ونسيان مسألة البناء الحضاري، في المقابل يحرز العدو والدول الكبرى ذات المصالح إنجازات كبيرة في ترويض النظام وتحويله إلى تابع أمين، فضلاً عن اختراق كثير من المواقع والموانع، في الوقت الذي تتزايد فيه هجرة الكفاءات العلمية والفكرية والحرفية إلى خارج البلاد، مع صمت غيرهم نتيجة القمع الوحشي.

تاريخ البرلمان المصري

لقد سبقت مصر كثيراً من دول العالم إلى نظام المجالس النيابية، وعرفت الشورى المنظمة أو الديمقراطية التي تشارك الحاكم وتوجهه، وكانت أول إرهاصة لقيام حياة نيابية في مصر عام 1829م في عهد محمد علي باشا، الذي أنشأ مجلساً للمشورة يتكون من كبار التجار والأعيان والعمد والمشايخ والعلماء، وكانت وظيفته الأساسية إبداء الرأي في المسائل الإدارية العامة بصورة غير ملزمة، ثم أخذ يتطور في وظائفه وصلاحياته.

تعطل هذا المجلس بعد وفاة محمد علي، وعاد في زمن الخديو إسماعيل (ديسمبر 1866م)، باسم «مجلس شوري النواب» ليحقق طفرة كبيرة، ويتكون من 75 نائباً ينتخبهم الشعب من طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية كل ثلاث سنوات، وقد أدى دوراً مناهضاً للتدخل الأجنبي في شؤون البلاد، وأصر على مناقشة ميزانية الحكومة التي كان يتولاها في ذلك الوقت وزير مالية إنجليزي.

استمر مجلس النواب في عهد توفيق والاحتلال يحاول أن ينتزع لنفسه حقوقاً تشريعية تجعله طرفاً في الموافقة على أي قوانين أو تشريعات جديدة، وحصل عليها بالفعل مناصفة مع الخديو، بالإضافة إلى حق إقرار الضرائب والمسائل المالية بعد مناقشتها والتصويت عليها، فكان ذلك يبشر بقيام حياة نيابية نشطة في مصر، ومن ثم قيام نظام ديمقراطي يكون الأول من نوعه في المنطقة.

للأسف تمت الإطاحة بهذا المجلس تحت سلطة الاحتلال البريطانية، ووضع اللورد دفرين عام 1883م قانوناً لتنظيم الشؤون الداخلية لمصر ونص القانون على إقامة مجلسين استشاريين غير تشريعيين؛ هما مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية للتداول في الشؤون الداخلية لمصر، وكانت انتكاسة كبيرة لتطور الحياة النيابية في مصر.

وبعد إقرار دستور 1923م، عادت الحياة النيابية بصورة أفضل، واستمرت بين مد وجزر، وسجلت مع ذلك إنجازات مهمة في الرقابة والتشريع ومقاومة الاستعمار، حتى الانقلاب الأول عام 1952م، حيث رفض العسكر إقامة حياة نيابية حقيقية وسوّفوا في إقرار دستور حقيقي، وأسسوا ما سُمي التنظيم الواحد الذي تولدت عنه مجالس ديكورية تأتمر بأمرهم وتنفذ مشيئتهم وتصوغ دساتير وقوانين وفق هواهم.

«الربيع العربي».. والعسكر

كانت نتيجة الاستبداد وما صحبه من قمع وطغيان وبؤس طوال ما يقرب من ستين عاماً، انتفاضة ما عرف بـ «الربيع العربي» التي عمت بعض العواصم العربية المهمة التي عرفت الانقلابات العسكرية والحكم العسكري المباشر أو غير المباشر، وسقطت رؤوس الحكم، ولكن المؤسسة العسكرية لم تستسلم، راوغت في استحقاقات الحرية والديمقراطية، والقيام بالوظيفة الأساسية في مواجهة العدو الخارجي بدلاً من مواجهة الشعوب، في مصر على سبيل المثال ظلت المراوغة عاماً ونصف عام حتى أجريت الانتخابات الرئاسية، تم فيها التمهيد لسحق الانتفاضة الشعبية (ثورة 25 يناير)، والإعداد للانقلاب على الديمقراطية، والإطاحة بالرئيس المنتَخَب، واستعادة الحكم العسكري مرة أخرى في إطار جديد.

وقد كشفت بعض التسريبات التي سرّبتها الأجهزة الأمنية مؤخراً عن بعض ملامح التحضير للانقضاض على الإرادة الشعبية وسحق طلائعها، ففي التسريب المنسوب إلى رئيس حزب «الوفد»، ويتحدث فيه مع شخصية أمنية عن عمليات ذبح سيتعرض لها «الإخوان المسلمون» أكبر التنظيمات الشعبية، يكشف التسريب عن خطط مسبقة للقتل والتدمير ونشر الإرهاب وتغييب وعي المصريين وإرادتهم كما فعلت أجهزة «مبارك» من قبل، ويقول الشخص الأمني الذي يهاتف رئيس «الوفد» ويخاطبه باسمه مجرداً: «يا سيد، الفترة القادمة ستكون سوداء على الإخوان، وستقوم مليشيات مسلحة بذبحهم في بيوتهم، وستمتلئ مصر بالإرهاب المصطنع؛ انتقاماً من الإخوان، ورداً على الثورة التي أطاحت بجهاز أمن الدولة».

وهو ما أنبأت عنه مجازر ضد الألتراس، والمسيحيين، وبعض فصائل الإسلاميين، وأي شاب متحمس لقيم الثورة والتغيير، وضد مقرات حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين، وكل من أيَّد الرئيس المنتخب وأيد ثورة يناير؛ وهو ما أسقط معظم الرواية الرسمية عن أحداث 30 يونيو 2013م والاتهامات الموجهة لفترة الرئيس «محمد مرسي».

كان بعض النواب في مجلس الشعب المنحل قد وجه الاتهام للمجلس العسكري بأنه السبب في حالة الانهيار الاقتصادي التي وصلت إليها البلاد، فنشر اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية وعضو المجلس العسكري، رداً طويلاً في جريدة «الشروق» بتاريخ 27/ 3/ 2012م تحت عنوان «العسكري يرفض تحميله أو الحكومة مسؤولية صعوبة الأوضاع الاقتصادية ويلوم الشعب»، وختم رده قائلاً: «سنقاتل على مشروعاتنا وهذه معركة لن نتركها، العرق الذي ظلينا (كذا!) ٣٠ سنة لن نتركه لأحد آخر يدمره، ولن نسمح للغير أياً كان بالاقتراب من مشروعات القوات المسلحة»، كما هدد نصر ضمنياً من يدعون لإخضاع النشاط الاقتصادي العسكري للرقابة البرلمانية بوصفه جزءاً من المال العام، وعدّ مناقشة ذلك تدخلاً في شؤون الأمن القومي المصري!

العسكرة الاقتصادية

العسكرة لا تكتفي بالحياة السياسية، ولكنها تمتد إلى المجال الاقتصادي وهو مجال خطير؛ لأنه لا يتوقف عند بعض الصناعات المدنية التي يقوم بها الجيش – وما أكثرها – ولكنه يمتد إلى امتلاك الأرض ومن عليها، وهنا مكن الخطورة العظمى؛ حيث تتأجل الأهداف وتتغير العقائد وتستباح القيم من أجل حماية الإمبراطورية الاقتصادية لحساب القادة وليس الشعب!

لقد صنف موقع «جلوبال فاير باور» العسكري الجيش المصري من حيث القوة في المرتبة الرابعة عشرة عالمياً عام 2013م، والمرتبة الثالثة عشرة عام 2014م، وفي المرتبة الثامنة عشرة عام 2015م؛ مما جعل منه على مدار السنوات الثلاث أقوى الجيوش العربية والأفريقية، وهذا ترتيب لا بأس به، ولكن هل يتمكن من أداء واجبه العسكري الخارجي وهو منشغل بالحكم السياسي والاستثمار الاقتصادي والقتال الداخلي ضد أغلبية الشعب الرافضة لحكمه؟

القادة العسكريون المحترفون الذين حققوا إنجازات تاريخية في الإعداد لحرب رمضان وخوضها مثل الفريق سعد الدين الشاذلي، والمشير محمد عبدالغني الجمسي، تكلموا بصراحة ووضوح أن القادة العسكريين لا يصح أن ينشغلوا بالسياسة أو يعملوا بها لأن ذلك يعوقهم عن أداء مهامهم القتالية.

العدو الصهيوني يجعل المستوى السياسي يتحكم في القيادة العسكرية، ويصدر إليها الأوامر، فضلاً عن عدم انشغال جيشه بالاستثمار الاقتصادي خارج المعسكرات!

فشل العسكر في الحكم

لقد فشل أبناء المؤسسة العسكرية في العالم العربي فشلاً ذريعاً في الحكم منذ انقلاب عام 1952م، وترتب عليه هزائم عسكرية غير مسبوقة وخيبات لا حصر لها، وهو ما يستوجب أن يعودوا إلى ثكناتهم ليحاربوا العدو الخارجي، ويحذفوا من عقيدتهم محاربة شعوبهم والتنكيل بها، وينصاعوا للإرادة الوطنية مثل بقية العالم المتحضر، وهذا هو الهدف المركزي الذي يجب أن يسعى إليه الباحثون عن الحرية!

من الصعب جداً في بلاد "قمعستان" أن يجد الكاتب الحر متنفساً للتعبير عن رأيه وفكره، على صفحات جريدة أو مجلة، أو عبر شاشة تلفزيونية أو موجة إذاعية، "قمعستان" لا تؤمن إلا بالرأي الواحد الموحَّد، لها في ذلك قدوة من الاتحاد السوفييتي الراحل، والصين الشعبية، فالأذرع الإعلامية هناك تكاد تكون نسخة متطابقة إلى الحد الذي يمكن فيه القول: إن من يعبر هو شخص واحد، يتمثل في السكرتير العام للحزب، أو الدكتاتور العام، أو الأخ الأكبر وفقاً لتسمية جورج أورويل!

في "قمعستان" لا مكان إلا لكتبة السلطان، وهم في الوقت نفسه أذرعه الإعلامية أو أهمها التي تمارس التعبير بألوانه المختلفة في الصحف والإذاعات والتلفزة والمسلسلات والأفلام والمسرحيات والندوات والمحاضرات وصياغة البيانات.

الغاية الرئيسة لهؤلاء الكتبة تتمثل في وأد الحرية، وتسويغ القمع الوحشي، وقصف الإسلام بمدفعيتهم الثقيلة؛ لأنه العدو الرئيس للسلطان، ولا يتطابق مع رؤية العوالم والغوازي والمشخصاتية الذين يرونه دين الرقص الوسطي، لدرجة أن إذاعة القرآن الكريم المفترض أنها أقرب إلى المدرسة التعليمية التي تقدم الإسلام إلى عامة الناس؛ شاركت كتبة السلطان في نهجهم القمعي، وقطعت الاتصال على سائل يسأل عن حكم الدعاء على الظالمين، ورحبت بالعمائم المنافقة التي تمدح عظمته، وتجعله نبياً رسولاً، وتضعه في مستوى خالد بن الوليد رضي الله عنه، وتزعم أن الملائكة يتنزلون على قوائمه الانتخابية التي تعدها المخابرات والكنيسة، كما سمحت لبعض مذيعيها بسبّ المسلمين وشتمهم ووصفهم بأبناء الأبالسة وأحفاد الشياطين!

كتبة السلطان يرون المسلمين متطرفين إرهابيين تجب محاربتهم قبل أي نشاط آخر تمارسه السلطة لخدمة الشعب أو الوطن، وينبغي تصفيتهم واعتقالهم والتشهير بهم ليل نهار، وحرمانهم من المساواة بغيرهم من المواطنين الذين لا يحبذون الإسلام أو يخاصمونه أو لا شأن لهم به وبرسالته الإنسانية الاجتماعية، إنهم يدعون إلى عنصرية فاشية وكراهية مقيتة ضد أكثر من نصف الشعب المصري؛ بسبب إسلامه أو إيمانه بمنهج الإسلام حياة وآخرة وديناً ودولة وعدلاً ومساواة وقانوناً وتربية، وفقاً لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ {163}) (الأنعام).

ويتجاوزون ذلك إلى الدعوة لأفضلية بعض الفئات من أتباعهم على بعض، من ذلك مثلاً تفضيل بعض المهن التي يغدق عليها عظمته إغداقاً غير عادي لتقنين أوضاعها الاستثنائية باستمرارها في الوظائف إلى سن الخامسة والستين أو السبعين بالمخالفة للدستور السلطاني نفسه، ورفض مساواتهم ببقية المهن التي تنتقل إلى التقاعد أو التفرغ بعد الستين.

كتبة السلطان يتقنون فنون الكذب الفاجر – أكذب من مسيلمة - كما يحترفون التضليل والتدليس والتزوير وتحريف الكلم عن مواضعه، ثم إنهم بعدئذ يرتكبون خطيئة الإجهاز على الجرحى، فهم لا يرقبون إلاً ولا ذمة في المغيّبين وراء الأسوار الذين يتعرضون للمهانة والتعذيب والموت البطيء بسبب الإهمال الطبي، ويسنّون أسنانهم لتجريح من لا يستطيع الرد على الأكاذيب والسباب، ولا يملك القدرة على مواجهة المدلسين والمضللين.

ومع أن كتبة عظمته وأغلبهم من الشيوعيين والناصريين والليبراليين وأشباههم، أكثر من يتحدث عن حرية التعبير وحق الاعتقاد، فإنهم لا يعترفون للمسلمين بمثل هذا الحق أو تلك الحرية، مثلا حين يقوم ولد شيوعي بلطجي يملك ساعات بث في قناة تلفزيونية معادية للإسلام بمهاجمة الشريعة وإهانة البخاري وعلماء الأمة، فيتلقى ثناء القساوسة المتعصبين وغيرهم، ويلجأ المسلمون إلى القضاء لحماية دينهم، فينتصر القضاء للحق، ويحكم عليه بالإدانة، تشتعل ثورة كتبة عظمته دفاعاً عن حق البلطجي المجرم في إهانة الإسلام، وفي الوقت نفسه يتم تحويل ثمانية مسؤولين في التلفزيون السلطاني؛ لأن أحد الثمانية استشهد بمقولة لشهيد الإسلام - إن شاء الله - سيد قطب في أحد البرامج!

سيد قطب العالم الأديب المسلم الباحث الدارس يتم حظره في التلفزيون السلطاني ويحاكم المسؤولون التلفزيونيون بسبب عبارة لهو لا يدافع عنه واحد من أدعياء الحرية، أما الولد البلطجي الجهول فيتنادى كتبة السلطان من أجل حرية عدوانه على الإسلام! يا لهوان المسلمين في أرض الإسلام!

كتبة عظمته لا يعرفون الحياء ولا الخجل، ولديهم تفسير وتعليل وتبرير لكل فشل ذريع "ينجزه" السلطان المتجبّر!

مثلاً حين يدير الناس ظهورهم لانتخابات مجلس نواب السلطان الهزلية، يقولون: إن الناس يحبون عظمته ويثقون فيه ويعتمدون عليه، سواء كان هناك مجلس أو لم يكن! ونسي الكتبة كباراً وصغاراً أن الشعب في "قمعستان" حين رأى أصواته التي تعب من أجل توصيلها في استحقاقات ما بعد ثورة يناير، ووقف الساعات العديدة في الطوابير الطويلة، قد ألقى بها السلطان الجبار في صناديق النفايات، وتم حل المجلس الذي اختاروه وخطف الرئيس الذي انتخبوه، وساد القمع بالنبوت وتكميم الأفواه، وعادت البلاد جمهورية خوف، فالنبوت فوق الرؤوس والنفوس!

في كل الأحوال، فعظمته الجبار لا ينسى كتبته، بل يجزيهم عن رقصهم له ودجلهم وأكاذيبهم وسفالتهم وعدوانهم على الإسلام خير الجزاء السلطاني، إنه يغدق عليهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة، ويمنحهم الملايين والامتيازات في حياتهم وبعد مماتهم، أما كتبة الكنبة فلا يستحقون منه اهتماماً يذكر.

كاتب سلطاني لا يملك من مؤهلات الأدب أو الفكر أو العلم إلا الفهلوة والوصولية والدعاية، يرقى في مناصبه، وتمنحه "قمعستان" أعلى جوائزها، وتنشر له مؤسساتها كتبه الهشة مفردة ومجمعة، وتتيح له سفريات كثيرة وتعالجه على الفور حين يمرض في الخارج والداخل، وتجند الأذرع كافة للإشادة به، والتعاطف معه، وحين يموت تشيعه في مهرجان يشبه الموالد الشعبية، وتجعل كتبة السلطنة كباراً وصغاراً يقيمون المناحة التي تستمر طويلاً، ويحضر العزاء المسؤولون العظام والعمائم الكبرى فضلاً عن الرفاق والأتباع، مع الإلحاح على تثبيت صورته بوصفه الشخص الوحيد الذي يحب "قمعستان"، ويخشى عليها من الانقسام والسقوط! يا ولداه!

في المقابل، يمرض أو يموت كتبة الكنبة؛ أي الذين لا يبالغون في مديح عظمته ولا يهتمون جيداً بالصلاة في محرابه، فلا يعبأ بهم أحد، ولو كانت آلامهم تصعّد في السماء، أو كانت كتاباتهم أكثر جودة واتزاناً.

ألا ترون أن كتبة السلطان في "قمعستان" يستحقون أن يحشروا مع عظمته لأنهم طبل خانة؟

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top