د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 22 أكتوبر 2015 09:55

حاجة غلط كبيرة جداً جداً!

استيقظت في ثاني أيام الانتخابات على صوت هادر أجش ينطلق من سيارة تحمل مكبر صوت قبيح يخاطب الناس في قريتي، ويطالبهم بالنزول للتصويت في انتخابات مجلس نواب الانقلاب، أو "برلمان مرجان" كما سموه.

كان النداء يحذرهم من سقوط المؤسسات، ويهددهم بالغرامة 500 جنيه في حال التخلف عن التصويت، لم أفهم ماذا يعنى سقوط المؤسسات، وأي مؤسسات يقصد صاحب الصوت الأجش؟ أما الغرامة فهي تعبير عن أحد تجليات القمع الذي يمارسه حَمَلة النبوت مذ أطاحوا بنتائج الانتخابات الحقيقية التي عبرت عن إرادة الناس سواء في الانتخابات التشريعية عام 2011م، أو الانتخابات الرئاسية عام 2012م، وقالوا لمن يستجدون نزولهم الآن للتصويت: طزْ في أصواتكم وإرادتكم، والمجد للنبوت وتجلياته، ومن لم يعجبه ذلك، فليتعظ من الحكم بإعدام قرابة ألفين من أشرف الناس وأنبلهم بمن فيهم رئيس الجمهورية الشرعي المنتخب ووزراؤه ومحافظوه ونواب المجلس التشريعي ومؤيدو ثورة يناير (وتأملوا صورة المستشار الجليل محمود الخضيري وهو يعاني سكرات الموت في السجون ولا يرفق به جلاد أو يعطف عليه سجان!)، ثم ليعتبر من يعترض على النبوت بأكثر من خمسين ألفاً من أبناء مصر النوابغ يقبعون في قعر مظلمة ويعاملون معاملة يصعب التلفظ بوصفها، ثم اعتبروا بالمطاردات والتصفيات أو الاغتيالات أو الإعدامات الميدانية بحجة مقاومة السلطات، ثم تذكروا أن من يعارض النبوت العظيم يطارد في رزقه ويحرم من لقمة عيشه، ويُعامل معاملة عنصرية كريهة، ويُمنع أولاده وأقاربه من المشاركة في الحياة العامة والسياسية، كما يُمنع من التعبير عن رأيه ومن التجنيد في قوات الشعب المسلحة ومن دخول الكليات العسكرية والشرطية ومن العمل بالنيابة والقضاء، والسلك الدبلوماسي و.. و... إلخ، النبوت سيّدُكم وتاجُ رأسكم وفوق الجميع.. مفهوم؟!

عقب الثورة كانت طوابير الناخبين تمتد مساقات طويلة قبل فتح اللجان، واليوم يقوم حملة النبوت باستجداء الناس للتصويت.. إنه لأمر عُجاب! فالبلد بلدهم والورق ورقهم، والقانون ملكهم؛ ولذا ينبغي ألا يغضبوا إذا قاطع الناس "برلمان مرجان" واهتموا بمباراة "السوبر"، وصراع الأندية من أجل المدربين واللاعبين، ولم يعبؤوا بنداء قائد الانقلاب لهم كي يذهبوا للتصويت، فهم في كل الأحوال لم يهتموا بمعرفة قوائم المخابرات والكنيسة أو أحزاب الأمن وساويرس، وأحمد شفيق، ولم يدققوا في المرشحين من بقايا الفلول واللحى الخائنة وضباط الجيش والشرطة وتجار السراميك والخردة ومواد الخرسانة أو الممولين من حكومات الأعراب.

لم يكن مستغرباً أن تخلو اللجان الانتخابية من الناخبين في وطن تم فيه الزراية بأصوات الناخبين واختياراتهم بانقلاب عسكري دموي فاشي بعد حل مجلس الشعب المنتخب، وتعويق الرئيس المنتخب، والتحريض عليه، والحط من قدره، وتحريك الدمى من القوى الانتهازية الفاسدة التي تضم الشيوعيين والناصريين والليبراليين والمرتزقة وخصوم الإسلام، ولم تستطع الأذرع الإعلامية للانقلاب العسكري الدموي الفاشي أن تنكر أن اللجان الانتخابية خلت من الناخبين، وأن الشعب أدار ظهره للانتخابات بعد أن اكتشف أن الانقلاب لم ينجز شيئاً مفيداً مذ بدأ يخطط لوأد ثورة يناير، وينتقم بشراسة ووحشية ممن قاموا بها، ويلقيهم وراء القضبان، ويشهّر بهم ويطاردهم، ليعود الفاسدون والعملاء إلى أماكنهم!

لم تجد تعليقات الصحف الانقلابية والإعلام الموالي للنبوت مفراً من الاعتراف بالحقيقة المرة، وهي أن الشعب يرفض اللعبة الانقلابية المسرحية المزيفة التي تتحدث عن مجلس نيابي، وها هي بعض العناوين التي عبرت عن المأساة التي صنعها حملة النبوت:

أعلنت اللجنة العامة للانتخابات عن إغلاق لجان الاقتراع بعد انتهاء اليوم الأول الذي انتهى على وصف مقولة: "لم يحضر أحد"، وقالت: إن المشاركة قدرت بحوالي 2%.

وأجمع مراقبون ووسائل الإعلام المؤيدة للانقلاب، والمعارضة له على أن الإقبال على العملية الانتخابية كان ضعيفاً للغاية.

 قال رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق محمود حجازي، في أثناء جولة له ببعض لجان محافظة الإسكندرية: إن الجيش والشرطة والقضاء قاموا بواجبهم من أجل إتمام العملية الانتخابية على أعلى مستوى، "لكن لما كل ده يتعمل والمواطن مينزلش يبقى فيه حاجة غلط كبيرة جداً جداً".

المهندس ممدوح حمزة ثائر الأمس البعيد انقلابي اليوم، كتب يقول: "عدد اللي ذهب ليصوت على مستوى مصر كلها حتى الآن أقل من مسيرة إمبابة يوم 28 يناير"!

وقد تابع حمزة: "الشعب المصري لا يأكل وجبة فاسدة"!

إعلاميون يناقشون تفعيل الغرامة بعد ضعف الإقبال: «نعوض عجز الموازنة.. اللجان وهي فاضية شكلها وحش».

مساعد وزير الداخلية السابق يستنكر ضعف إقبال الشباب: «عيب شيل اللحاف يا بابا وانزل».

"مرشح في انتخابات برلمان الدم": القاضي افتكرني ناخب وقالي: "مش لاقيين ناخبين"!

 كان خُلُو اللجان فرصة ذهبية للعوالم والمشخصاتية كي يعلنوا عن أنفسهم وخاصة من انتهى عمرهم الافتراضي، فوقفوا أمام الكاميرات العاطلة ليصوروا أصابعهم الملونة، أو تقمص دور المسؤولين والقضاة، وإصدار أحكام بسحب الجنسية ممن لا يشاركون في الانتخابات.

قبل هذا الدرس التاريخي الذي لقنه الشعب للانقلاب العسكري وأتباعه بيومين اثنين كتب أحدهم يقول: "لقد خرجنا من تجربة حكم الإخوان بأقل قدر من الخسائر على المستوى التاريخي والبشري.. كان من الممكن أن يمتد حكم الإخوان ويكون الثمن أفدح والمخاطر أكثر.."، ثم يضيف المذكور: "ساقت لنا الأقدار ليقود المسيرة بحشد شعبي غير مسبوق منحه ثقته وحبه ووضعه أمام اختبار غاية في الصعوبة كيف يواجه التحديات ويجري الجراحات في مجتمع يسوده الفقر والفوضى ويحافظ على هذا الرصيد الشعبي الكبير.. إنها معادلة صعبة تطلبت إجراءات صارمة وقاسية (؟!) ربما تركت آثارها على هذا الرصيد..".

نسي الكاتب الانقلابي أن الشعب الأسير الذي يتم التنكيل بشرفائه لإرساء الحكم العسكري واستقراره يعرف اختياراته جيداً بعيداً عن الكذب الفاجر والتدليس المريع، وأنه لن يكون رهينة لمن سلبوه حريته وكرامته ولقمة عيشه تحت راية محاربة الإخوان أو غيرهم، هل عرفتم الآن ما هي الحاجة الغلط الكبيرة جداً جداً؟ أدار الشعب ظهره لمن خدعوه وضحكوا عليه وزوروا الواقع وجعلوا بلده معرة الأمم!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

السبت, 17 أكتوبر 2015 11:34

وزير العلمانية وثقافة الدم!

كنت قد عزمت ألا أتناول اختيار حلمي النمنم وزيراً للثقافة لأكثر من سبب، في مقدمتها أن الوزارة أُنشئت أساساً للسيطرة على مخ الشعب المصري، وترويضه لصالح الحكم العسكري الدكتاتوري الذي يقوده البكباشي الأرعن، وليس لترقيته وتهذيبه والنهوض به، كان اسم الوزارة في البداية "الثقافة والإرشاد القومي"، لفظة "الإرشاد" تشير إلى التوجيه والبرمجة، سواء من جانب أجهزة الإعلام أو الدعاية بمعني أدق، أو أجهزة الثقافة بهيئاتها المختلفة؛ لذا فالحديث عن الوزارة لم يعد مجدياً؛ لأنها ذراع من أذرع التخلف المعادية للحرية والديمقراطية، فضلاً عن الإسلام وقيمه الرفيعة.

عندما أُسندت الوزارة إلى اليوزباشي ثروت عكاشة بدأ عهد الحظيرة الحقيقي، وأخذ في تجنيد المثقفين وخاصة من اليساريين والشيوعيين بالذات، ليكونوا لسان النظام العسكري الدكتاتوري، وتجميل صوته القبيح، وتشويه صورة الإسلام والمسلمين عن طريق التغريب والتسطيح؛ مقابل الاغتراف من خزانة الوزارة ما يشبعهم من جوع ويؤمنهم من خوف.

طلب خروشوف في الستينيات ومن بعده سارتر الإفراج عن الشيوعيين المعتقلين شرطاً لإتمام الزيارة لمصر، وبعد الإفراج تم تمكينهم من الصحافة والإذاعة والتلفزيون والسينما والتعليم وهيئات الثقافة المختلفة، لم يكن من الضروري أن يكون الشيوعي المفرج عنه حاملاً لمؤهل عالٍ متخصص، فقد خرج أصحاب المهن المتواضعة من الشيوعيين ليتسلموا صفحات وأعمدة وموجات وشاشات في الصحف والإذاعة والتلفزيون يعبرون من خلالها عن ماركس، وأنجلز، ولينين، وستالين، وتروتسكي وغيرهم من فلاسفة الشيوعية، وليحدثوا الناس عن الاشتراكية العلمية، والدين الذي هو أفيون الشعوب.

وكان من هؤلاء كمساري الأتوبيس ومقاول الأنفار وتاجر الفاكهة والشماس والبائع السريح وموظف الشرطة وعامل المطبعة وصانع الأحذية والعاطل الذي بلا مهنة، ومع احترامنا لأشخاصهم ومهنهم وبطالتهم، فلم يكن من المعقول أن يجاوروا العقاد، وطه حسين، والرافعي، والزيات، والبشري، والمازني وغيرهم.. ولكن هذا ما حدث في مصر المحروسة تحت الحكم العسكري.

صارت وزارة الثقافة ملكية خاصة لمثقفي الحظيرة الشيوعيين وأشباههم؛ ولذا كانوا شديدي الحرص على هذه الملكية والدفاع عنها بكل الوسائل غير المشروعة، ولم يكن من الممكن أن تخرج من تحت سيطرتهم، فإذا خرجت أو تصوروا أنها خرجت من أيديهم إلى وزير نظيف اليد أو غير مكسور العين أو غير خبيث التربية؛ تنادوا إلى النزال، وصاحوا في كل مكان، وتظاهروا على صفحات الصحف وشاشات التلفزة وموجات الأثير، وحملوا حملات ضارية على الوزير الغريب من خلال أقلامهم وأبواقهم وصبيانهم في الإعلام والصحافة، حتى يتم إقصاؤه أو تغييره.

فعلوا ذلك مع سليمان حزين، ويوسف السباعي، ومحمد عبدالحميد رضوان، وأحمد هيكل بصورة محدودة، ومع الوزير الشجاع علاء عبدالعزيز الذي تولى في عهد الرئيس المنتخب محمد مرسي – فك الله أسره - والوزير الانقلابي القادم من الأزهر الشريف عبدالواحد النبوي بصورة هستيرية؛ الأول كان يريد اقتلاع الفساد في الوزارة من جذوره وفي مقدمته عملية النهب القانوني للوزارة بوساطة اللصوص المحترفين الذين يتقنون السرقة بالقانون على هيئة مناصب شكلية وجوائز لا يستحقونها ومحاضرات لا قيمة لها، وكتب غير مفهومة أو بذيئة لا تضيف جديداً، وندوات ومهارج استعراضية، وتفرّغُ لا يثمر شيئاً، وصحف ومجلات لا توزع، وأنشطة ورقية ورحلات ترفيهية وغيرها لا تصبّ في ترقية العقل ولا تضيء الذهن ولا تثري الوجدان.

لقد ساعدهم الانقلاب العسكري الدموي الفاشي على التخلص من هذا الوزير ومن غيره من أصحاب الأيدي المتوضئة، أما الوزير الانقلابي فقد شموا فيه رائحة أن يكون مسلماً لا يتوافق مع الشيوعية وأشباهها، ثم إنه قام بعدة خطوات هدف من ورائها إلى قطع الطريق على الرؤوس المنافسة المزمنة التي تتعامل معه باستعلاء وعجرفة، وتظن نفسها فوقه اعتماداً على تماهيها مع بعض الأجهزة النافذة، وكان أن شنوا عليه حملة تترية جعلت صورته مهزوزة أمام قادة الانقلاب، فتمت إزاحته في التغيير الوزاري!

في الوقت نفسه، كانوا يروجون لمجموعة من الأشخاص الشيوعيين وأشباههم كي يخلفوه، مما يتيح لهم مواصلة النهب القانوني لأموال المسلمين، وكان من بينهم الوزير الدموي حلمي النمنم الذي تم اختياره، فباركوا هذا الاختيار وأشادوا به ورضوا عنه، ووضعوه في عين الشمس!

وحلمي النمنم صحفي تخرج في كلية الآداب، ويبدو أنه تشبع بآراء الشيوعي محمد أنيس الذي كان من أبرز أنصار الانقلاب العسكري في عام 1952م، وأخيه عبدالعظيم أنيس الذي كان من أبرز القيادات الشيوعية في مصر، عانى النمنم بعد تخرجه من البطالة، فتوسط له المفكر الإسلامي المعروف د. محمد عمارة لتعيينه في "دار الهلال"، كما يقول الأستاذ علي القماش، ولكنه رد الجميل بالهجوم على د. عمارة والإسلام؛ عندما بدأ ينشر بعض الموضوعات في مجلة "حواء"! وهذا دأب الشيوعيين المصريين في رد الجميل؛ جحود ونكران للمعروف، وسبق أن فعلوا ذلك مع يوسف السباعي الذي عيّنهم في وظائف بعضها صوري ليوفر لهم لقمة العيش وحلَّ كثيراً من مشكلاتهم الاجتماعية وساعدهم في مناسبات مختلفة، وكان جزاؤه عندهم الهجوم المستمر لأنه لم يكن شيوعياً!

النمنم شخصية مسطحة الوعي والثقافة، لا يمتلك إلا ترديد مقولات الشيوعيين المعتادة، ولا يمتلك أدوات الباحث النزيه الذي يتجرد من انتماءاته أو عواطفه عند البحث، وقد رأى أن تناول الإخوان المسلمين ورموزهم والهجوم عليهم في كتب ينشرها رفاقه المسيطرون على دور النشر الرسمية والخاصة عملية مربحة للغاية، وتقربه من الأجهزة المهيمنة، فصنع تاريخاً على هواه يشوّه حسن البنا، وسيد قطب، وقضايا المسلمين؛ مما جعل الجهات الأمنية ترضى عنه وتضمه إلى الحظيرة، وتعينه في مناصب عديدة، وصل بعدها إلى منصب الوزير في عهد الانقلاب والدكتاتورية العسكرية، ليعيش مقولاته الموالية للاستبداد، مثل قوله: "خلونا نتكلم بصراحة: مفيش ديمقراطية ومجتمع انتقل إلى الأمام "بدون دم" لازم يكون في دم, وفي دم نزل وفي دم لسه هينزل كمان, ولابد إننا نكون عارفين إن في فاتورة هتتدفع, وفي دماء لازم تسيل!".

يصعب أن تتوقع خيراً من شخص يحارب الإسلام بضراوة، ويشيد بالكنيسة المتمردة، ويزعم أن مصر علمانية، ويدافع عن الاستبداد، ويتجاهل أن هناك شيئاً اسمه حرية الفكر وحق التعبير، فهو لا يؤمن بغير الدم ولا يعترف بالإسلام!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

السبت, 10 أكتوبر 2015 11:23

الإخوان.. و"بوز البطة"!

لم أكن أعرف معنى مصطلح "بوز البطة" الذي يستخدمه الشباب، سألت فقيل لي: عند التصوير سيلفي يمطّ المصور "بوزه" فيبدو شبيها بـ"بوز البطة"؛ أي منقارها، سألت: ما السيلفي؟ قيل لي: إنه نوع من التصوير الذاتي يقوم به الشخص لنفسه، ويهتم به عادة العوالم والغوازي أو من يسمونهم الفنانات والفنانين لإبراز الجمال أو الوسامة التي تسلب قلوب جمهورهم المسطح الخاوي!

عرفت أنني متخلف عن الأجيال الجديدة الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك، والتويتر، والأنستجرام، والواتس أب.. وما يستجد)، وبيني وبينها ودّ مفقود، فقد عرفت أنها تضيّع الوقت، وأنا حريص على استثمار وقتي في القراءة والاطلاع.

سبب سؤالي أنني قرأت أن وزيرة انقلابية كانت تصوِّر الشهر الماضي (سبتمبر 2015م) قائد الانقلاب في رحلة الأمم المتحدة "سيلفي" بطريقة "بوز البطة"!

في الوقت ذاته كان أهالي فيصل والمريوطية ومدن وقرى أخرى على امتداد الوطن يعانون من انقطاع المياه المستمر، بعضهم كانوا يشكون من عدم وجود ماء لتغسيل الموتى قبل دفنهم، والوزيرة الطروب تمارس "السيلفي" بطريقة "بوز البطة"!

قائد الانقلاب يزعم أن مشكلة الإخوان المسلمين مع الشعب وليست مع الحكومة، والحقيقة ليست كذلك، فالجماعة نكّل بها الانقلاب قتلاً واعتقالاً وتعذيباً ومطاردة ومصادرة أموال حلال ومؤسسات ثقافية وخيرية وسياسية؛ مع جماعات وأفراد آخرين، والمشكلة ليست بين الإخوان والانقلاب بقدر ما هي مشكلة الانقلاب مع الشعب المصري البائس الذي تمرح وزيرة "بوز البطة" في نيويورك على حسابه وتشيد برئيسها وبحملته الدعائية في الصحف والإعلام الأمريكي لتبييض وجه الانقلاب الدموي، وهي الحملة التي قيل: إنها تكلفت مع رحلة الوفد والمرافقين من الأذرع الإعلامية والأتباع وغيرهم ثلاثمائة مليون، وأهل فيصل والمريوطية وغيرهم لا يجدون نقطة ماء!

الإخوان ليست لهم مشكلة مع الشعب الذي اختارهم في انتخابات حرة نزيهة، وحاولوا مع غيرهم من شرفاء الوطن أن يغلقوا حنفية الاستبداد والفساد، فكان جزاؤهم وقوع الانقلاب الذي سرق الحرية وسطَا على الإرادة الوطنية في مشهد دموي عبثي عنيف مازال معروضاً في الشوارع والميادين، وتوّج بالقتل في البيوت اغتيالاً للآمنين الشرفاء، ثم تقوم صحف الردح والبذاءة وأذرع إعلام العار باتهامهم بالإرهاب وتشكيل خلايا نوعية وغير نوعية وعمليات عنف وتخريب يعلم الله وحده من يقوم بها، حتى لو قدموا لنا من يعترف على شاشات التلفزة الكاذبة وفقاً لطريقة "التمثال اعترف يا فندم"!

إعلام العار والشنار يركز في حملته المنحطة على الإخوان ويتجاهل الشعب المقهور بالانقلاب والفساد والنهب العام والفشل الذريع في حل مشكلاته وتوفير متطلباته، ويعاني من الانقسام والعنصرية والكراهية والانحياز لحملة النبّوت ورعاة الدم والإعدامات والمؤبدات والسجن بسبب التظاهر، ومحاربة الناس في أرزاقهم ولقمة العيش وفرض الضرائب على من لا يملكون وتسمين من يسرقون، والقضاء على الزراعة والصناعة برفع أسعار المستلزمات وخفض أسعار المنتجات ثم الهتاف: "تحيا مصر"، وهي تحتضر!

الإخوان ومن يشبهونهم في السجون والمنافي ولا يشكلون مشكلة للشعب، فقد غابوا عن المشهد العام تماماً، ولم يعد لهم من الأمر شيء، والشعب يقوم بانتفاضات هنا أو هناك في ظل الرصاص الحي وقانون التظاهر الذي يطبّق على من لا يعجب السلطة الانقلابية حتى لو كان نائماً في سرير، ويتم خطفه واتهامه بالتظاهر دون ترخيص، ويحكم عليه بعشر سنوات أو أكثر بينما من يسرقون مئات الملايين يعودون إلى مقاعدهم!

المشكلة بين الشعب والانقلاب؛ حيث أخفق الأخير في تحقيق أي إنجاز حقيقي يفيد المجتمع، كلها إنجازات إعلامية أو هوائية، أما الناس فقد وصلت الحال ببعضهم إلى الموت انتحاراً أو أمام المشافي، أو البحث عن الطعام في القمامة، لقد صادرت سلطة الانقلاب الجمعيات الخيرية التي كانت تسهم في تعفّف الناس عن الوصول إلى صناديق الزبالة، واقرؤوا تقارير الاقتصاديين المحايدين الذين يقررون أن نصف الشعب تحت خط الفقر.

لا شيء يشغل سلطة الانقلاب الدموي الفاشي وأذرعه الإعلامية إلا "الأهلي" و"الزمالك" وأخبار العوالم والغوازي والحديث عن الإرهاب، وتحميل مشكلات الوطن وخيبته الكبرى للإخوان المسلمين، صار الإخوان "حمال الأسية" الذي لا يشكو!

الأستاذ حمدي رزق يرجع هزيمة "الأهلي" في جنوب أفريقيا إلى الإخوان، ويقول نصاً في لغة سب وشتيمة وردح لا تليق بصحفي أياً كان انتماؤه: "ليس هناك سبب واحد لهزيمة الأهلي في مباراة «أورلاندو بايرتس» بنصف نهائي كأس الكونفيدرالية سوى «وش النحس» مرسي العياط، الفلوس الإخوانية القذرة وصلت جنوب أفريقيا، صبية سمر مأجورون يلهون بشعارات رابعة أول، ويهتفون باسم الجاسوس.. صورة «بوز الإخص» وحدها كافية لهزيمة «برشلونة»، «أبو جلد تخين» كان حاضراً، لو لعب الأهلي بستة مهاجمين ما سجل هدفاً واحداً في المرمى المفتوح، معلوم نحس مرسي «دكر»، لا ينفع معه سحر «هاروت وماروت» ولا أعمال «جاميكا» السفلية.. قذارة الإخوان لوثت ملعب المباراة"!

محمد مرسي عالم جليل وأستاذ عظيم يعترف بقدره، وهو رئيس منتخب جاء بإرادة الشعب، وليس بقوة النبوت كما جاء البكباشي والصاغ والفريق والجنرال!

الأستاذ حمدي الكنيسي وهو إعلامي قديم أعرفه منذ زمان بعيد؛ يفرد مقالاً طويلاً يشيد فيه بتقبيل البيادة ويدعو إلى ذلك ضمناً؛ لأنه لولا البيادة في مفهومه لكنا مثل سورية والعراق، ونسي الصديق القديم أن مصر كانت تمضي على الطريق المستقيم، وتصنع ديمقراطيتها بالانتخابات الحرة النظيفة ومشاركة أطياف الشعب جميعاً واختارت رئيسها في مشهد مصري غير مسبوق، ولكن البيادة قلبت الموازين، وصنعت مهرجاناً قبيحاً للدم والظلم والاستبداد والانقسام والعنصرية والكراهية!

"بوز البطة" أثار أشجان المصريين الذين يطالعون صباح مساء أن الولايات المتحدة تقف خلف الإخوان المسلمين وتحرضهم، بينما قائد الانقلاب يؤكد لشبكة "بيبياس" التلفزيونية الأمريكية أنه يثق في الولايات المتحدة حليفاً يعُتمد عليه, وأن واشنطن لم تتخلَّ عن مصر مطلقاً خلال السنوات الماضية.. من نصدق: الأذرع أو قائد الانقلاب؟!

ترى لو أجرينا انتخاباً حراً تحت إشراف الأمم المتحدة وهيئات دولية واستفتينا الشعب عن رأيه هل يوافق على الحكم العسكري أو النظام الديمقراطي؟ هل نقبل بنتائج هذا الاستفتاء؟ وهل نتحمل تبعاته ويعود لابسو البيادة إلى ثكناتهم؟

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

الأربعاء, 30 سبتمبر 2015 13:42

"هابي بيرث داي" هيكل!

قبل أيام احتفل تلاميذ الأستاذ محمد حسنين هيكل بعيد ميلاده الثالث والتسعين، حيث تجمع التلاميذ حول "الأستاذ" كما يحبون أن يسموه، وتناقشوا معه في قضايا الوضع الراهن في البلاد، فكان حديثه بالنسبة إليهم مفاجئاً وصاعقاً.

صحف التلاميذ؛ التي صارت مثل "البرافدا" ("الأهرام" سابقاً) و"إزفستيا" ("الأخبار" سابقاً) احتفت بالأستاذ، وأفردت له مساحات شاسعة، وتحدثت عن أسرار الوهج والبقاء بالنسبة له، فقد ملأ الدنيا وشغل الناس، بما يملكه من مقومات مهنية وملكات فطرية، جعلته في بؤرة الأضواء، طوال السبعين عاماً الماضية.

ويدافع التلاميذ المقربون عن فكرة ارتباط نجوميته بالبكباشي الأرعن باستمرار وجوده الصحفي والفكري عقب رحيل صاحبه المهزوم دائماً، وتجاوز كرسي رئاسة التحرير إلى مرحلة أشد لمعاناً وبريقاً.

توالت ملاحم التقديس لهيكل فقيل: هيكل مِلك وطن، مِلك ناس هذا الوطن، هيكل من جواهر التاج، نحِّ جانباً المرجفين، والحاقدين، من الإخوان والتابعين ومن لفّ لفهم(!) يكرهون أنفسهم، هؤلاء جميعاً يذوب حقدهم في نهر الأستاذ ذوبان الملح لا يغيّرون طبيعة النهر(!) هيكل نهر الصحافة الجاري يغتسل في حضرته المحبون، ويرتوون.

تجاوز الأمر حد التقديس والمكايدة إلى تشبيه هيكل بأبي بكر الصديق مع الفارق! هكذا قالت ردّاحة ردحت لمن يعارضون الانقلاب العسكري الدموي الفاشي، وكانت طيبة مؤدبة في عهد ما قبل الانقلاب، ولكن هواها الهيكلي جعلها تنسى أن تذكر أن الصديق رضوان الله عليه كان يصلي ويصوم ويؤمن بالبعث والنشور والجنة والنار، ولم يأكل لحم الخنزير ولم يعرف أنواع الشمبانيا والفودكا، وكان يجلس في السوق ليبيع الأقمشة والحرير، وهو ما دعا عبدالرحمن بن عوف وجماعة من الصحابة أن يذكّروه أنه صار أجيراً عند المسلمين حين بايعوه أميراً عليهم، ومنعوه من التجارة، مقابل راتب سنوي، وكسوة للصيف وأخرى للشتاء يستبدلهما كل عام، وعبد يخدمه يعود لبيت المال بعد وفاته، ديمقراطية إسلامية سبقت ديمقراطية العيون الزرق!

تلامذة هيكل يؤلمهم أن السادات نحى أستاذهم عن قيادة "الأهرام"؛ كي لا يكون الكاتب الأوحد للزعيم الأوحد، واستعادوا ما قاله في فبراير من عام 1974م فرانسوا ميتران، قبل أن يصبح رئيساً لفرنسا، عندما سمع نبأ إعفاء أستاذهم وصديقه، فقال بعفوية: لا يمكن.. يبدو أن انقلاباً حصل في القاهرة، كان هيكل قبلها بأقل من أربع وعشرين ساعة يصطحب ميتران إلى الرئيس أنور السادات ليتناول الثلاثة طعام الغداء وسط أجواء بدت طبيعية جداً، ولا تنبئ بأي عاصفة، ناهيك عن انقلاب سياسي، وكان إعفاء هيكل في منظورهم عن رئاسة تحرير "الأهرام" لا يقل أثره عن آثار الانقلابات السياسية في تلك المرحلة.

بالطبع لا ينزعج دراويش هيكل من الانقلاب العسكري الدموي الفاشي الذي أطاح بأول تجربة ديمقراطية حقيقية في مصر منذ قلب العسكر النظام الملكي في يوليو عام 1952م، وتم خطف الرئيس الشرعي، وتحويل البلاد إلى قشلاق يمتد من أسوان إلى الإسكندرية، فقد شارك التلاميذ في التمهيد لهذا الانقلاب، وتنادوا إليه، ووفروا له الغطاء الإعلامي والسياسي بمعرفة أستاذهم المتوهج المستمر!

ولا شك أن أستاذهم كما قلت في مرات سابقة يمتلك أدوات الحرفة جيداً، ولديه قدرة جيدة على الصياغة والتعبير والعرض، ولكن ذلك لا يتحقق إلا بوجوده بجوار السلطة، في العصر الملكي كان يحيّي الملك فاروق في عيد ميلاده بقطع أدبية بليغة، وفي عهد الطاغية الأرحل، كان هيكل صوته الأوحد الذي حقق به الزعامة التي قادت إلى الهزيمة النكراء عام 1967م، ولم يتكلم عن الهزيمة وأسبابها خاصة دولة المخابرات وزوار الفجر إلا عام 1968م، بعد أن أضاء له صاحبه الضوء الأخضر ليتخلص من منافسيه على السلطة!

حاول هيكل أن يؤدي الدور نفسه مع السادات؛ فأيده في الإطاحة بالتنظيم الطليعي الذي أسسه الطاغية الأرحل ليكون يده اليمني ضد تهديد قادة العسكر وتململ الشعب المقهور، وتصور أن تأييده للسادات سيجعله صاحب حظوة وكلمة لا ترد، ولكن الفلاح الذكي صبر عليه حتى أنجز حرب رمضان ووضعه في حجمه الطبيعي.

ويبدو أن مبارك تأثر بالسادات، فتركه يلعب في الخارج ويستعيد حكايات وقصصا عن الماضي مع صاحبه البكباشي الأرعن، ويثأر لنفسه من السادات وآل أمين الذين دخلوا السجن أو تاهوا في المنافي بإيعاز منه وعادوا إلى الحرية والوطن بعد حرب العبور.

ولا شك أنه لم يجد مع الرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي – فك الله أسره – مناخاً يشبه المناخ الناصري، فعمل على توطيد وجوده بين العسكر، وقدم نصائحه ليتم الانقلاب في صورة اعتقد أنها ستنهي تطلع الشعب المصري المسلم إلى الحرية، ولكن نصائحه لم تحقق نتائج جيدة، فراح يفاجئ تلاميذه بلغة لم تكن متوقعة!

قال هيكل لدراويشه في عيد ميلاده: إن الرئيس الضرورة مصدوم من المشكلات والتحديات التي تواجه البلد، ويشعر بالمرارة بعد اطلاعه عليها، مشيراً إلى أنه مستعد لأن يسمع وينصت ويتفهم، لكن الأزمة غياب منهج للتفكير، ونسي عرّاب الانقلاب العسكري الدموي الفاشي أنه أعفى الرئيس الضرورة من برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي يقدمه كل مرشح لتولي الرئاسة أو النيابة عن الشعب، لأنه كان يعلم جيداً أن هذا لا يليق بقادة الانقلابات العسكرية الذين يصبح كلامهم برامج وسلوكهم مناهج، ألم يكن الأمر كذلك قبل ستين عاماً مع البكباشي الأرعن؟

يخبر هيكل دراويشه الذين غنوا له "هابي بيرث داي هيكل"، أن الرئيس كان عنده تصورات حالمة، لكنه لم يكن يعرف طبيعة الملفات، ويجب أن يتجاوز تلك الصدمة، وأضاف: مصر في هذه اللحظة تائهة وسط العالم والإقليم، موضحاً أننا نحتاج إلى من يصف لنا ما يجرى حولنا، في سورية والعراق والسودان، وشدد هيكل على أن الوضع الحالي قد يؤدي إلى الانفجار والبلاد لا يمكنها تحمل تلك الكارثة، وحذر من عواقب تفكيك الجبهة الداخلية.

 يبدو أن الأستاذ يرى شيئاً لا يراه دراويشه، وكعادته يتنصل من كل شيء عندما يرى السفينة تبحر في الظلمات وسط الأمواج الهائجة، ويقنعنا أنه لم يكن يرى العواصف والأنواء التي صنعها أو نفخ فيها بروحه كما يقول أيمن نور!

هيكل لم يكن يوماً منحازاً إلى حرية الشعب المسكين، هيكل كان دائماً منحازاً إلى الحكام والطغاة في مصر وخارجها، هيكل لم يكن يوماً منحازاً إلى الإسلام أو محايداً في الحرب عليه، كنت أتمنى في عيد ميلاده أن يراجع نفسه، ولكنه آثر أن يسمع الطبل خانة يقرعون الطبول ويدقون الصنوج: "هابي بيرث داي هيكل"!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top