محمد سالم الراشد

محمد سالم الراشد

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في يوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2020، أعلن عن وفاة حاكم الكويت الـ15 الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، عن عمر يناهز الـ91 عاماً.

ويعد الشيخ صباح، رحمه الله، من المخضرمين السياسيين في المنطقة العربية، بل في العالم؛ إذ عاصر ما يقارب 6 عقود بما فيها من متغيرات وتحولات محلية وإقليمية ودولية، فقد عاصر بدء النهضة الكويتية في الستينيات من القرن العشرين وما تلاها من نمو اقتصادي وتفاعل سياسي، وعاصر الحقبة القومية العربية وأفول نجمها ونتائجها على المنطقة، وحقبة الصراع بين القطبين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والتحولات العالمية في السياسة والاقتصاد والعولمة الثقافية والمتغيرات، وإلى سقوط الاتحاد السوفييتي، واحتلال الكويت عام 1990 من قبل العراق وتحريرها في فبراير 1991، وهكذا فالأحداث التي شهدها متعددة ومختلفة ومتعارضة، وعاش زمن الانتكاسة والتشرذم العربي، والسيطرة من إيران على مدن عربية، وتعالي صيحات التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وعقد ضعف العرب وتفتت وحدتهم وجامعتهم، وانتفاضة الثورات العربية، حتى أصبحت الكويت واقعياً دولة تعيش بين أزمات متفجرة وخطوط احتراب والتماس مع قوى إقليمية وصراع محاور إقليمية ودولية في المنطقة، وفوضى واحتراب في المنطقة العربية أنهكت أي قوة عربية ترنو إلى أي مشروع وحدوي أو تنموي أو تكاملي اقتصادي أو سياسي، وعندما تصبح دولة صغيرة بهذا الحجم أمام هذه المتغيرات والفواعل القوية التي تسيطر على مسار السياسة والحراك الأمني والإقليمي، فإن السير بالدولة سيكون أمامه تحدٍّ كبير.

السياسة الخارجية في العلاقات الدولية للأمير صباح (2006-2010)

منذ توليه إمارة دولة الكويت، ونظراً للتجربة العريقة في ممارسة العلاقات الخارجية منذ مطلع الستينيات إلى عهد الإمارة (2006)، فإن تلك الخبرة من التجارب السياسية في العلاقات الخارجية قد تمت صياغتها في شكل منهجية عمل وسياسات محكمة للتعامل مع الواقع الجديد لدولة صغيرة بين ثلاث دول إقليمية قوية تاريخياً كانت العلاقات معها ما بين توافق وصدام وحذر وتفاهم، بحسب طبيعة التحديات والمسارات الإستراتيجية المؤثرة الدولية والإقليمية، واختلاف المصالح ونقاط التوتر، كالانحياز في المحاور الإقليمية، أو الخلاف حول المصادر والثروات الطبيعية في الحدود البحرية والبرية المختلَف عليها، أو الحشد نحو القضايا القومية والعربية.

لذا، كانت المنهجية التي مارسها الشيخ صباح مميزة كمدرسة جديدة تعلمت بالتجربة، واستنفذت من خلال الممارسات والواقعات السياسية.

مدرسة "الواقعية - المثالية"

يعتبر نهج الشيخ صباح الأحمد الصباح، رحمه الله، تجربة جديدة دمجت بين المدرستين؛ "المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية"، و"المدرسة المثالية"، فالمدرسة المثالية التي أسسها الرئيس "وودرو ويلسون" بعد الحرب العالمية الأولى التي أسست أربعة عشر مبدأ للسلام الدولي، وركزت على أهمية تعزيز الإيجابية التي يريدها صانع السياسة محلياً في بلده أن يكون لها صورة انعكاسية تجاه الدول الأخرى، فمثلاً أن السلام المحلي يقتضي الاتجاه نحو السلام الدولي والعالمي في العلاقات مع الدول الأخرى، وهي امتداد للمثالية الأخلاقية التي دعا لها مفكرو عصر التنوير، إذ إن الصراع الدولي ينزع كثيراً نحو ضد مبادئ العقل، وتعتمد على نوايا الدول الإيجابية.

أما المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية فإنها تجعل المركزية للدولة ومصالحها الأنانية، ولن تجعل هذه المصلحة خاضعة للدول الأخرى، وهذا يقتضي فرض المصالح بالقوة؛ مما يسارع في عملية التحفيز نحو بناء القوة العسكرية والتحالفات لحصد المصالح الخاصة، وتسعى كل دولة لتعظيم قوتها الذاتية أو بإعادة تمحورها بقوى وازنة تساندها إقليمياً ودولياً؛ ما يجعل دولاً ذات قوى نسبية تتفوق على الأخرى، ولذلك نشأ مبدأ توازن القوى في نظام القطبين، وإن وجد نظام القطب الواحد سيجعل العالم مختلفاً في مصالحه ويزداد الاحتراب الإقليمي والدولي، ويعتبر أهم من نظَّر لهذه المدرسة مفكري السياسة في الولايات المتحدة أمثال "دوارد هاليت"، و"هاليت كار"، و"هانز مورغنثاو"، و"راينهولد نيبور"، وفي اعتقادي أن الشيخ صباح الأحمد الصباح قد أسَّس نظرية في العمل في العلاقات الدولية بناء على أن دولة الكويت دولة صغيرة عدد سكانها لا يتجاوز 4 ملايين نسمة من المقيمين على أرضها، وحدودها الجغرافية لا تتجاوز 17.818 كم²، وتعتمد على مصدر واحد من الدخل وهو إنتاج النفط الذي يشكل 80% من إيرادات الدولة، وهي دولة ذات طبيعة منبسطة، ولا توجد أي معالم طبيعية حماية للدولة، ولديها حدود بحرية مغلقة بنهاية مضيق هرمز، ولا توجد مصادر مياه كالأنهار أو البحيرات، وهي بين ثلاث دول كبرى ذات كثافة سكانية وطبيعة إستراتيجية ذات وزن جيوبوليتيكي قوي يمكن لتلك الدول حسم الصراع باحتلال دولة الكويت في حال أي خلاف إستراتيجي، كما حدث في قرون ماضية بين الدول الثلاث الكبرى (إيران، العراق، السعودية)، أو كما حدث باحتلال العراق للكويت عام 1990؛ لذا فإن اتباع منهج سياسي في العلاقات الدولية يحقق المصالح الذاتية مع تعزيز التفاهم الدولي والإقليمي نحو مبادئ مثالية في خضم متغيرات وتحولات صراع دولي وإقليمي هو منهج إدارة الشيخ صباح الأحمد بكل اقتدار.

هذا المزج بين المدرستين الواقعية والمثالية هو الذي أسَّس لنظرية العمل "الواقعية – المثالية"، التي إذا استمرت بعد عهد الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، فإن الكويت ستظل مركزاً مثالياً للعلاقات الدولية والإقليمية تنظر لمصالحها، وتتفحص الواقع الإقليمي والدولي بعناية، وتلتوي حول متفجرات السياسة الدولية دون الوقوع في فخاخها، وتشجع على ممارسة وتطبيق مبادئ مثالية تحقق مصالح الجميع.

محاور هذه النظرية (الواقعية – المثالية) تقوم على ما يلي:

أولاً: تقدير مصلحة الأمن القومي الوطني لدولة الكويت:

وذلك بتحليل هذه المصلحة والمتمثلة في تأسيس طوق من المحيط الحيوي للكويت؛ بتثبيت السيادة الوطنية واتفاقيات التفاهم الدفاعية والأمنية المتعددة، والحفاظ على وحدة وتماسك القوة الاجتماعية في الدولة، وعدم فتح المجال لأطراف داخلية للتدخل في مسارات العلاقات الدولية، وجعلها في يد مركز واحد وهو السلطة التابعة للأمير عبر مؤسسة الخارجية الكويتية وأدواتها السياسية.

ثانياً: التترس بالقوة المعترف بها دولياً بشكل متوازن دون اللجوء لاتفاقات أمنية ثنائية مع أي دولة إقليمية:

حيث وقعت الكويت أكثر من اتفاقية تفاهم وتعاون ودفاع مشترك مع الدول الخمس الكبرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين)، وذلك منذ حرب تحرير الكويت عام 1991 إلى اليوم؛ حيث تجدِّد وتنشئ بعضها من جديد بحسب طبيعة التحولات والمتغيرات، وقد ساهمت هذه الاتفاقيات في حماية وإبعاد شهوة الصراع الإقليمي للضغط على دولة الكويت إلى هذا اليوم.

ثالثاً: الحياد المتوازن في الصراعات الإقليمية والدولية والبعد عن الانتماء للمحاور الإقليمية: 

فقد التزمت دولة الكويت في عهد الشيخ صباح، رحمه الله، بالتزاماتها الدولية والإقليمية المؤسسية دون الجنوح للاصطفاف للدخول المباشر في أتون الصراع في الخليج أو اليمن أو العراق أو سورية، وهي مناطق تقتضي أن يكون للكويت دور قومي فيها، ولكن الكويت وفق سياسة "الواقعية – المثالية" لم تدخل في أي محور من محاور الصراع إلا وفق اتفاقيات شرعية متفق عليها؛ كاتفاقية الدفاع في دول مجلس التعاون الخليجي وفي الحدود التي تقتضيها تلك الاتفاقية، وكانت المصلحة الواقعية هي حفظ الكويت من أي تدخلات لأطراف الصراع الإقليمية، وفي الوقت نفسه تهدف من هذه السياسة في المثالية في تحسين حالة السلام في المنطقة، وتقليل الخسائر، والحفاظ على وحدة وتماسك المنطقة أمام العلو الصهيوني والإيراني والدولي.

لذلك، لم تشارك في غرفة "الموك" التي أسستها دول إقليمية برعاية الدول الكبرى (من دون روسيا والصين) في صراع سورية، وكذلك في الوقت نفسه وقفت مع الشعب السوري في محنته وتحملت الإغاثة الإنسانية لهذا الصراع.

وفي خضم الصراع في مصر بين انقلاب العسكر والقوى الشعبية المتترسة بالدستور عام 2013، وقفت مع استقرار مصر كما وقفت مع مصر الدستورية الثورية عام 2011، وفي اليمن وقفت مع الشرعية اليمنية واتفاقاتها مع دول التحالف دون المبالغة، ورعت الأطراف اليمنية للمصالحة، ولهذا فإن السياسة "الواقعية – المثالية" جعلت الكويت نموذجاً فريداً في التعامل مع الصراع الدولي والإقليمي.

رابعاً: عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم دعم أطراف الصراع فيها:

وهذا ما قررته منهجية مدرسة الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، بأن التدخل في الشؤون الداخلية للأطراف المتنازعة داخل دولها هو شأن داخلي لا تساهم فيه أو تشارك المنظومات الإقليمية والدولية فيه، كما حدث في صراع الدولة العراقية مع المليشيات وداعميها بكل الاتجاهات، ورفضت التدخل التركي في عملية "غصن الزيتون" أو في العراق تحت هذا المبدأ، كما رفضت التدخل في الشؤون السودانية أثناء ثورة التغيير وما بعدها، ولم تساهم بأي دور في تنمية الصراع الداخلي بين أي معارضة أو حكومة في نطاقها الإقليمي أو العربي.

خامساً: الاعتراف بالشرعية الدستورية والدولية:

عندما انقسم العالم العربي بعد عقد الثورات عام 2010، وأصبحت الجغرافيا العربية مسرحاً للصراع الإقليمي والدولي، في هذا الصراع الذي لا مناص من التَّماس معه، والانثناء أمام الضغوط، فإن الكويت وقفت دائماً مع الشرعية الدستورية والدولية التي أقرتها شعوب تلك الدول، واعترفت بها الشرعية الدولية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فهي لم تنزلق مثل بعض الدول الخليجية والعربية في التدخل لتغير تلك الشرعية أو الإخلال بمبدأ سيادتها كشرعية محلية، كما فعلت بعض الدول في ليبيا واليمن وسورية والسودان والعراق؛ لذا فإن هذه السياسة قللت الكلفة السياسية والمالية على دولة الكويت، ولم تستنزف اقتصادها في حروب لم تُنشئها أو تخطط لها؛ لذا ظلت الكويت دولة تُحترم من جميع الأطراف المحلية، وتقبل بوساطتها ومبادراتها؛ لأنها ليس لها أي مصلحة في ترجيح كفة طرف على الآخر.

سادساً: رفض الاحتراب والدعوة للتفاهم والسلام:

ساهمت الكويت وفق سياستها "الواقعية – المثالية" في تخفيض حدة الاحتراب بين الأطراف والدعوة للتفاهم والسلام الوطني في المنطقة العربية، إما بدعم القرارات الدولية بهذا الشأن في كل القضايا ذات الصلة في الأمم المتحدة وخصوصاً وقت رئاستها لمجلس الأمن، أو عبر الوساطات التي شاركت فيها والمبادرات التي دعت إليها؛ إما بدعوة الأطراف دون الإعلان عن ذلك، أو بالمبادرات المعلنة، كما في أبريل 2016 بين الأطراف اليمنية برعاية الأمم المتحدة وضيافة الكويت كوسيط محايد.

سابعاً: تشجيع الالتزام بالقانون والقرارات الدولية وعدم تجاوز الحقوق وترسيخ العدل:

لقد أكدت الكويت، وفق سياسات الشيخ الراحل، رحمه الله، تنفيذ القرارات الدولية بشأن الحقوق الفلسطينية في كل المحطات الدولية، وكان لرئاستها لمجلس الأمن عام 2019 دور بارز في الوقوف مع القضايا العادلة للمنطقة العربية والقضية الفلسطينية والقضايا العادلة للعالم الإسلامي (كقضية كشمير وشعب الروهنجيا).

كما إن رفضها لمبدأ التطبيع مع الكيان الصهيوني التزاماً بالسياسة المثالية والواقعية في آن واحد، وإن صلابة موقف الأمير الراحل، رحمه الله، واضحة في أكثر من موقف في هذا الموضوع.

ثامناً: الاعتراف بالبعد الجيوستراتيجي لدولة الكويت والانحياز له عند نقاط التماس والصراع:

لقد ظلت الكويت بطبيعتها الانفتاحية ذات صلة وعلاقات طبيعية وحذرة أيضاً مع الدول الثلاث (السعودية، إيران، العراق)، لكن في حالة الخلاف الإستراتيجي حول الأولويات والمصلحة الإستراتيجية للمنطقة، فإن الكويت تنحاز تلقائياً مع بُعدها الخليجي المتكامل، سواءً فيما يتعلق بالتدخلات غير الشرعية والقانونية؛ كما في اليمن، أو الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، أو التحركات الداخلية لأطراف داخلية مرتبطة بإيران أو العراق مذهبياً وطائفياً، لكنها في كل الأوقات ملتزمة بدستورها في أي اتفاقية أمنية، خصوصاً فيما يتعلق بالاتفاقية الأمنية الخليجية، فهي لها خصوصيتها ودستورها الملزم للسياسة الخارجية بالتقيد بضوابط الدستور وحقوقه.

وتتميز العلاقة بمصر ببُعد إستراتيجي قومي عربي ليس له علاقة بطبيعة النظام الحاكم، وإنما بطبيعة الكتلة الإستراتيجية التي تمثلها مصر لتوازن الصراع العربي مع الكيان الصهيوني والنفوذ الإيراني في المنطقة، فالكويت في ظل هذه السياسة وقفت مع نتائج انتخابات عام 2012 كدولة مصرية، ووقفت مع نتائج النظام العسكري الانقلابي أيضاً باعتبار ذلك قد غُطِّي بتحركات شعبية وممارسات قانونية، وفي الوقت نفسه لم تستجب الكويت لوضع جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، إذ إن ذلك ليس من سياستها تجاه أي طرف محلي في الصراع بمصر، ولقد كان للبيان الذي أصدره نائب مرشد الإخوان الجديد إبراهيم منير ثناء بارز على دور الأمير الراحل في المنطقة العربية، إذ إن الكويت لم تلتحق بمحور دول وقفت ضد نتائج الثورات الدستورية.

ومن ذلك أيضاً، فإن الكويت في تعاملها مع العراق الجديد (الطائفي) لم تنحز للمذهب السُّني، وإنما تعاملت مع الدولة العراقية بكيانها الموجود الدستوري، وساهمت أيضاً في تعزيز إشراك السُّنة العرب في حكم العراق ودعم المنطقة السُّنية بعد أحداث "داعش" كدعم إنساني بالدرجة الأولى.

تاسعاً: الثبات والصلابة في حسم السيادة الكويتية:

لقد حسمت الكويت بسياستها "الواقعية – المثالية" مسألة السيادة فيما يتعلق بترسيم الحدود الجنوبية البرية والبحرية في المنطقة المحايدة مع المملكة العربية السعودية، في ديسمبر 2019، وأنهت قرناً من الخلاف الحدودي مع المملكة العربية السعودية.

لقد كانت لسياسة الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، الهادئة والصلبة وطول النفس لتدشين الاتفاقية الحدودية، كما إن حسم الخلاف حول حقل الدرة مع إيران ثم حسمه، وإذا أضفنا أن ترسيم الحدود العراقية قد تم تحت إشراف الشيخ صباح الأحمد الصباح، رحمه الله؛ وبالتالي فإن السيادة الكويتية على أراضيها قد حسمت، وذلك بفضل طبيعة السياسة الواقعية المثالية للشيخ صباح التي مارسها خلال تجاربه الطويلة في العلاقات الدولية.

أدوات السياسة الخارجية التي استخدمت في إطار السياسة "الواقعية – المثالية"

تتمثل أهم الأدوات السياسية الخارجية التي انتهجت في عهد الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، فيما يلي:

أولاً: تشجيع المبادرات الإقليمية والدولية:

فقد ساهمت الكويت في عهده بكل المبادرات في المنطقة العربية التي تشجع المصالح المثالية للدول والشعوب، فهي تدعم كل القرارات والمبادرات الدولية لإحلال التفاهم الوطني والإقليمي بين الأطراف المتنازعة أو الأطراف الإقليمية.

وكان من أهمها المبادرة في الوساطة الخليجية بين قطر ودول الحصار (السعودية، الإمارات، البحرين) التي أثمرت بوقف التوسع في حصار قطر، وإيقاف تدخل عسكري تجاهها.

ثانياً: الكويت محضن للتفاهمات بين الأطراف اليمنية المتخاصمة:

ففي أبريل 2016، أطلقت مبادرة لاستضافة مباحثات السلام اليمنية برعاية الأمم المتحدة، وتدخل الأمير مباشرة لضمان نجاحها، وقد خففت في حينها من الصراع بين هذه الأطراف، وأسست لتفاهمات مستقبلية إن شاءت هذه الأطراف وتبنت إرادة السلام المحلية والوطنية لليمن.

ثالثاً: الدبلوماسية الإنسانية:

لقد قُلِّد الأمير الراحل وسام "قائد العمل الإنساني"، في 9 سبتمبر 2014، بتكريمه هذا الوسام بمباركة من الأمين العام للأمم المتحدة، وسميت الكويت "مركزاً للعمل الإنساني"؛ وذلك للمساهمات الإنسانية التي بذلتها الكويت طيلة العقدين الماضيين على أقل تقدير، وخصوصاً عندما واجهت منظمة "الأونروا" أزمة مالية حادة قامت الكويت بدعم المنظمة لتؤدي دورها تجاه الفلسطينيين اللاجئين، كما ساهمت الكويت في دعم المناطق الشمالية للعراق بعد كوارث الحرب الأهلية الأخيرة بأكثر من 200 مليون دولار، وساهمت الكويت بسخاء تجاه اليمن في محنته الإنسانية.

وأما الشعب السوري الصابر، فقد ساهمت الكويت بدعم كبير للاجئين والمتضررين من الحرب الأهلية، حيث استضافت الكويت برعايتها المؤتمر الدولي للمانحين لدعم الوضع الإنساني في سورية ثلاث دورات متتالية، وأعلنت تبرعاً بمئات الملايين لإغاثة اللاجئين السوريين في دول الجوار السوري.

وفي لبنان، فإن الكويت لم تتوقف عن الدعم المستمر إغاثياً في محنته الاقتصادية، وخصوصاً بعد انفجار مرفأ بيروت منذ أشهر.

أما القضية الفلسطينية، ففي عهد الشيخ صباح الأحمد الصباح، رحمه الله، فإن سياسة الدعم الإغاثي والإنساني لم تتوقف للشعب الفلسطيني، كما دعمت إيران بعد كوارث الزلازل التي نزلت بها في العقد الماضي والحالي.

رابعاً: توظيف الصندوق الكويتي للتنمية لصالح الاستقرار السياسي للدول الشقيقة والصديقة في العالم:

لقد استمرت رسالة الصندوق الكويتي للتنمية، منذ تأسيسه في 31 ديسمبر 1961، لدعم الدول الصديقة والشقيقة لمزيد من التنمية والاستقرار في هذه الدول وعلى مختلف القارات، واستشعرت كل هذه الدول المنتفعة من هذا الدعم السياسي الكويتي التنموي وبادلتها بالموقف المؤيد لها في كل المحافل الدولية، وخصوصاً في دعمها لرئاسة مجلس الأمن الدولي للمرتين الثانية والثالثة (2018-2019).

لقد تم استثمار هذا الصندوق لصالح الواقعية المثالية تنمية السلام الداخلي بالاقتصاد لهذه الدول، في مقابل موقف مؤيد للسياسة الكويتية في المحافل الدولية أو على مستوى المنطقة.

كما كانت التبرعات الحكومية ضرورية كأداة في سياق هذه السياسة.

في نوفمبر 2007، تبرع الشيخ صباح، رحمه الله، في القمة الثالثة لمنظمة "أوبك" التي عقدت في العاصمة السعودية الرياض بمبلغ 150 مليون دولار لدعم برنامج يمول البحوث العلمية المتصلة بالطاقة والبيئة والتغير المناخي.

وفي مايو 2008، أنشأت دولة الكويت صندوق الحياة الكريمة، وساهمت بمبلغ 100 مليون دولار في هذا الصندوق لمواجهة الانعكاسات السلبية لأزمة الغذاء العالمية على الدول.

وفي يناير 2009، أطلق الشيخ صباح، رحمه الله، مبادرة دعم وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة خلال مؤتمر القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية برأسمال قدره مليارا دولار، كما مهدت المبادرة لتحقيق المصالحة بين قادة الدول العربية من خلال تعزيز الأجواء الإيجابية.

وفي يوليو 2012، أعلن الشيخ صباح خلال مؤتمر قمة الاتحاد الأفريقي عن تبرع دولة الكويت بتكاليف تجهيز المقر الجديد للمفوضية العامة للاتحاد الأفريقي بجميع مستلزماته في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

وفي يونيو 2019، قام الأمير الراحل بزيارة رسمية للعراق، كانت هي الأولى من نوعها لبغداد منذ 20 عاماً، ودشن خلالها عهداً جديداً في مسيرة العلاقات على مختلف المستويات بين البلدين.

خامساً: استخدام القدرات الشخصية والسجل من الخبرات والعلاقات الدولية والزيارات والجولات:

لقد كان للأمير الراحل وزن سياسي دولي وإقليمي، فهو من الساسة المحنكين دولياً، ولديه من الإمكانات الشخصية والقدرات التي تحول الحلول إلى واقع.

ويكفي للراحل تدخله لحل مشكلة "حصار قطر"؛ إذ استطاع من خلال شخصيته وحياده السياسي أن يهدئ الأوضاع ويؤجل القرار السياسي الخليجي لاختيار المصلحة الكلية لِدُوَلِهِ.

سادساً: المفاوضات طويلة النفس من أجل الحقوق الكويتية:

لقد اتبع الشيخ الراحل سياسة "النفس الطويل"، وفي الوقت نفسه الإطار القانوني الشرعي الدولي والإقليمي، ومن ذلك الجولات المكوكية في حل مشكلة حصار قطر وزياراته لدولها، وكذلك في حل مشكلة الحدود البرية والبحرية في المنطقة المحايدة وإنهائها، في ديسمبر 2019.

لقد كانت لتلك السياسة الهادئة المتصلبة نتائج إيجابية لصالح الأمن الوطني الكويتي.

النتائج

لقد كان من نتائج دمج "الواقعية بالمثالية" للسياسة التي رسمها الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله، نتائج مهمة تتمثل في:

أولاً: الاستقرار الداخلي والجيوستراتيجي الإقليمي والمحافظة على سيادة دولة الكويت.

ثانياً: تخفيض حدة التوتر في ملف الخلاف الخليجي وحصار قطر، وإحداث توازن في الموقف الإقليمي والدولي تجاه هذا الملف.

ثالثاً: علاقات متوازنة ذات مصالح مستقرة مع الدول الإقليمية الكبرى الثلاث (إيران، السعودية، العراق).

رابعاً: ترسيم الحدود البرية والبحرية مع السعودية واسترجاع الحقوق النفطية للكويت.

خامساً: تثبيت ترسيم الحدود مع العراق وإعطاء المجال لمشروع ميناء مبارك ومنطقة الحرير لتنفيذها في المستقبل.

سادساً: تدبير الحماية الدولية الدفاعية للكويت كدولة صغيرة في مثلث إقليمي ضاغط.

سابعاً: انحياز دولي وإقليمي لسيادة الكويت واستقرارها واحترام خصوصياتها وأمنها.

ثامناً: سمعة شعبية عربية وإقليمية وعالمية عند كل شعوب العالم كشعب صغير بعدده وضعفه الجيوبوليتيكي، لكنه شعب كبير في عطائه وتأثيره في السياسة الإقليمية والدولية.

رحم الله الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، الحاكم الخامس عشر لدولة الكويت، مؤسس المدرسة "الواقعية – المثالية" ممارسة وتاريخاً، وقد تكون تلك المدرسة مثالاً يحتذى به للسياسة الخارجية الكويتية في عهدها الجديد.

 

 

 

_________________________________

مقال رئيس التحرير بالتزامن مع مجلة "الأفق الإستراتيجي"، السنة الأولى، العدد الثامن.

بعيداً عن الآراء الشرعية والمواقف السياسية والأبعاد الأخلاقية، فإن مناقشة آثار «التطبيع» المتوقع بين الكيان الصهيوني وبعض دول الخليج برؤية إستراتيجية سيجعل الكلفة لصالح الكيان الصهيوني، والخسارة المحتمة للدول الخليجية التي ستطبِّع مع هذا الكيان.

وقبل أن نلج في صلب الموضوع، علينا التمعن في نتائج التطبيع مع الدول التي طبَّعت العلاقات مع الكيان الصهيوني؛ كمصر والأردن والسلطة الفلسطينية، وبعض الدول التي فتحت مكاتب تعاون، حيث لم تجنِ الدول العربية أي فائدة، بل وعلى حسب تأكيد الخبير السياسي الفلسطيني (أستاذ العلوم السياسية) عبدالستار قاسم: «إن الأردن خرب، فلم يبقَ له لا مياه ولا أرض ولا آثار ولا مؤسسات ولا شركات كبرى، وذلك بعد السيطرة عليها «إسرائيلياً»، كما إن مساحات كبيرة من الأراضي في الأردن تُباع للصهاينة تمهيداً للوطن البديل، وحتى آثار البتراء تقع بيد الصهاينة»، وأقول: إنه ما زال الاقتصاد المصري ضعيفاً، وبقيت مصر تعاني الفقر، وهناك تهديد لمياه النيل، أما السلطة الفلسطينية فإن دولتها أصبحت سراباً، وإن «صفقة القرن» تنتظر نجاح «ترمب» في الانتخابات القادمة.

د. إبراهيم خالد عبدالكريم، في مؤلفه «الإستراتيجية الإسرائيلية إزاء شبه الجزيرة العربية» الذي أصدره مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية عام 2000م، حدد أهداف السياسة «الإسرائيلية» تجاه شبه الجزيرة العربية (المحاطة بالبحر الأحمر وبحر العرب والخليج العربي)، من أهمها المكانة الخاصة جيوسياسياً باعتبارها نقاط تقاطع خطوط المواصلات بين قارة آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتوافر مخزون ضخم من الثروات الباطنية ومصادر مستمرة، والقدرة على التأثير في الواقع العربي، وامتلاك دولها لجميع مقومات التنمية الشاملة، وهذه تمثل فرصاً لانطلاق عملية السلام والاستثمار فيها، وضمان حماية الملاحة في البحر الأحمر، وتوفير فرص تدخل «إسرائيل» في الشؤون الخليجية، وإبقاء الخلل القائم في ميزان التسلح لصالح إسرائيل». انتهى.

ومن المتوقع أيضاً أن يكون الميزان التجاري بين دول الخليج والكيان الصهيوني لصالح الكيان؛ حيث كشف تقرير لمعهد «توني بلير» (للتعاون الدولي) أن قيمة التبادل التجاري بين «إسرائيل» ودول الخليج تتجاوز المليار دولار سنوياً، وأن «إسرائيل» تصدِّر إلى الخليج أكثر مما تصدِّره إلى روسيا أو اليابان، ومن المتوقع أن يزداد حجم الصادرات عدة أضعاف في حالة إقامة علاقات رسمية قد تصل إلى 25 مليار دولار.

إن أحد أهم الأهداف الإستراتيجية للكيان الصهيوني رقابة مسار النفط والسيطرة عليه في حال نجاحه في توقيع اتفاقيات تطبيع مع الدول الخليجية، فالدول الخليجية تسعى لأن تخرج من منافذ الخليج والبحر الأحمر المسيطر عليها من دول أخرى إلى المصبات والبحار الواسعة؛ كالمحيط الهندي أو بحر العرب أو البحر الأبيض المتوسط، ومن هنا فإن السيطرة على مسارات النفط والغاز ستشكل على المستوى البعيد فرصة تحكم للكيان الصهيوني على نفط وغاز دول الخليج.

كما أن مصادر في الكيان الصهيوني تحدثت عن خطة جاهزة لبناء خط سكك حديدية يمتد من «إسرائيل» عبر الأردن وصولاً إلى دول الخليج، في محاولة لاستقطاب النفط الخليجي لنقله عبر ميناء حيفا الواقع شمال الكيان الصهيوني إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية.

لكن من أهم المخاطر التي ستواجه دول الخليج حال التطبيع مع الكيان الصهيوني هو أن تكون دول الخليج ساحة حرب للإستراتيجية الصهيونية مع إيران في المنطقة، ولا يهم الصهاينة إن أُحرقت المدن الخليجية في حرب تخدم مصالحهم، أو دخلت شعوب المنطقة في احتراب طويل الأمد لحساب السيطرة الصهيونية.

وتعتقد بعض الدول الخليجية أن مشروع «ترمب» في إيجاد ما يسمى «تحالف الشرق الأوسط» أو «قوة حماية الشرق الأوسط» هو في صالحها، إذ إن القيادة والسيطرة ستكون للولايات المتحدة و«إسرائيل»، في حين أن بعض الدول الخليجية ودول أخرى في المنطقة ستكون الميدان الجغرافي والقوة البشرية التي ستنفذ السياسات الأمريكية والصهيونية في المنطقة، فالهدف هو الأمن القومي الصهيوني على حساب الأمن القومي الخليجي والعربي، ولقد أتم الكيان الصهيوني خططاً عسكرية مستقبلية لتسديد ضربات إلى مواقع إيران تحت هذا الغطاء، في حين أن رد الفعل بالطبع سيكون على جغرافية الدول الخليجية.

إن انضمام الدول الخليجية لهذا التحالف سيكون بمثابة ضربة قاضية لقدرات دول الخليج لحماية نفسها وخضوعها كلياً للهيمنة الأمريكية والصهيونية وردود الفعل الإيرانية، وهذا يمثل إحدى الخسائر الكبيرة لاتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني.

كما أن سلاسل شراء الأسلحة الصهيونية والمنتجات الإلكترونية المعلوماتية والاستخباراتية والتعاون المعلوماتي الأمني سيكون شرعياً وقانونياً في حينها، حيث سيصبح الأمن الخليجي مكشوفاً بالكامل بما فيه أمن المواطنين ومعلوماتهم؛ مما سيجعل الشعوب الخليجية تحت السيطرة التامة والانقياد للأهداف الصهيونية؛ مما يعني أن التصادم بين الشعوب وحكوماتها سيكون على المحك، إذا أضفنا خطر تغيير الهوية على أجيال المنطقة، إذ بدأت بعض الدول الخليجية بتعديل قوانينها ومناهجها التعليمية وبيئتها العلمية للتكيف مع اتفاقيات التطبيع؛ مما سيعني تشويه الهوية العربية والإسلامية، وعلو النموذج الصهيوني على هوية الشعوب الخليجية، وبعد مرور عقد من الزمان على هذه الاتفاقيات، سيطالب الكيان الصهيوني بكل ما له علاقة بالتاريخ في المنطقة، حتى يصبح الكيان ممتداً على جميع جغرافية دول الخليج كما رُسمت من مؤسسيه.

فلماذا تنزلق بعض دول الخليج إلى اتفاقيات تطبيع هذه نتائجها الإستراتيجية الكارثية؟!

استغرقت "حرب البسوس" أربعين عاماً (494م) بين قبيلة تغلب بن وائل وأحلافها ضد بني شيبان وأحلافها من قبيلة بكر بن وائل وحلفائها، فأفنت هذه الحرب الشباب، ورمَّلت النساء، ومحلت الأرض، هذه هي حرب البسوس قديماً، فماذا يختلف عرب اليوم؟ لقد مضت 20 عاماً منذ الألفية الجديدة ونتائجها ظاهرة العيان أن العرب مستمرون في هدم البنيان، وربما سيستمرون عشرين عاماً أخرى ليأتوا على كل ما لديهم من قوة اقتصادية وبشرية وإستراتيجية ستفني الشباب وترمل النساء وتستنزف الموارد وتطوق المنطقة العربية بطوق التبعية وتلتحف بالتخلف والفقر.

بين يدي الهدم:

منذ عقد من الزمان (2010) بدأت الثورات العربية من تونس، وانتشر مداها في المنطقة العربية، واصطدمت بقوى الدولة العميقة فيها، هذه القوى التي تحالفت مع العسكر أو الدكتاتورية العربية وبعض القوى العلمانية وتلقت الدعم الإقليمي والدولي لإجهاض هذه الثورات ولإبقاء المنطقة تحت التبعية الدولية.

لقد أدى هذا الصدام إلى حالة من فشل الدولة، وإلى دمار كبير، مع انحسار الحريات، وتفاعلت قوى الهدم لتخلف مشهداً كارثياً من الانهيار والتراجع الاقتصادي والمدني وكان من نتائجه:

أولاً: تكريس نموذج الدولة الوطنية الفاشلة:

حيث تراجعت الحريات والمشاركات السياسية وتقلصت الديمقراطية، وتحولت إلى صورة إعلامية استهلاكية، لقد دخل العرب في علاقات عربية متوترة واحترابية على جهات متعددة، وفشلت الجامعة العربية في كل مؤتمراتها، وأصبحت ملحقاً في محور عربي تنتمي له دولة المقر.

وتم إسقاط النموذج الديمقراطي الذي حاولت الثورات بناءه لترسيخ العدالة وتوزيع الثروات والاحتكام لدساتير شعبية، ليسود إعادة إنتاج الدكتاتورية العربية من جديد، وبحماية دولية وإقليمية، وتكريس دولة الفساد، ووفقاً لمؤشر مدركات الفساد لعام 2018؛ فإن دولاً عربية عدة دخلت في مقدمة هذا المؤشر، بحيث إن أسوأ عشر دول فاسدة عالمياً منها خمس دول عربية.

وما زالت غالبية البلدان العربية تواجه صعوبات في إنشاء مؤسسات فاعلة وشفافة وخاضعة للمساءلة؛ مما سبب فساداً ومحسوبية عصفت بالبنيان المؤسسي للدولة، ولا تزال المنطقة العربية متأخرة في دعم سيادة القانون، ووثقت منظمات محلية وعالمية حالات الاعتقالات والاحتجازات التعسفية والتعذيب، وضاعت ضمانات العدالة الاجتماعية وحماية حقوق الإنسان، وتحكم قانون الطوارئ بالحالة المدنية والسياسية.

لقد تضخم دور الدولة الدكتاتورية على حساب الدور الأساسي للمجتمع، وافتقرت الدول إلى سيادة القانون وتساوي كل المواطنين حكاماً ومحكومين أمامه.

ثانياً: هدم البنيان الاقتصادي:

يتمثل هدم البنيان الاقتصادي للمنطقة العربية في فشل المشاريع المشتركة، وخصوصاً في المشاريع الاقتصادية الكبرى، إن فكرة إقامة سوق عربية مشتركة هو بالأصل يهدف إلى تحريك الأموال العربية في مشاريع مشتركة، وتشغيل الأيدي العاملة، وتيسير التجارة البينية بين الدول العربية، وتعديل الميزان التجاري لصالح المنطقة العربية فيما بينها.

إن حالة الاحتراب بين المحاور ذات المصالح الإقليمية والتدافع سبَّبت استنزافاً للموارد المالية التي تدفع بتطوير السوق العربية لصالح شراء السلاح الأجنبي وتدمير الأراضي الزراعية والصناعية، وكذلك في هروب رؤوس الأموال إلى مناطق آمنة خارج المنطقة العربية، حيث استحوذت المؤسسات المالية الغربية على رؤوس أموال عربية هائلة، حيث أفرغت خزائن العرب لتملأ خزائن الغرب.

من جهة أخرى، فإن هناك فشلاً في استثمار الأراضي الزراعية في المنطقة العربية، فبالرغم من أن الزراعة تسهم بـ7% من الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة، وهي مصدر لـ38% من السكان كمورد رزق رئيس، لكنها تسهم بنسبة 23% من الناتج المحلي في البلدان الأقل نمواً، ويعتبر الاستثمار العام في الزراعة بالمنطقة منخفضاً مقارنة بالاستثمار في القطاعات الاقتصادية الأخرى، ويبلغ مؤشر التوجه الزراعي 0.28 فقط في المنطقة، وهو أدنى المؤشرات بين جميع المناطق، ويعادل نصف المتوسط العالمي حسب التقرير العربي للتنمية المستدامة عام 2020.

وهناك معوقات اقتصادية وغياب للتنسيق بين الخطط الاقتصادية العربية، مع عدم تعاون اقتصاديات دول المنطقة، أدى إلى خلل في تنمية التجارة بالمنطقة وتعزيز السوق العربية وأخل بالتكامل الاقتصادي بين دولها، وخصوصاً أمام التكتلات العالمية والإقليمية التي تهدد مصالح الدول العربية، هذا ما كشفته دراسة أعدها مجلس الوحدة العربية الاقتصادية حول منطقة التجارة العربية، وأنها تواجه الفشل والإحباط.

لقد أصبحت أشكال التحكم بالتجارة البينية على شكل قيود وعوائق غير الجمركية؛ كالإجراءات شبه التعريفية والمالية والسعرية والكمية الفنية، مع عدم توافر بنية للمعلومات والاتصالات، وإن هناك عراقيل تتعلق بتطبيق مبدأ المعاملة الوطنية للسلع العربية المتبادلة مع عدم كفاءة القطاع الخاص العربي في منطقة التجارة الحرة العربية؛ مما يؤثر على التكامل الاقتصادي، حيث لم يزد مؤشر التكامل خلال الفترة (1998-2006) على 5.7%، مع تراجع إنتاجية القطاع الزراعي.

ولم تحظ نسبة التجارة البينية في السلع 13% عام 2017، ولا تزال أقل بكثير مما هي عليه في الاتحاد الأوربي (64%)، وفي رابطة أمم جنوب شرقي آسيا (24%) (التقرير العربي للتنمية المستدامة 2020).

لقد أدت الحروب الأهلية والطائفية دوراً في انتشار ظاهرة الفساد المالي والإداري، حيث حصل لبنان والعراق وسورية واليمن وليبيا والصومال مراكز متأخرة في ذيل القائمة.

ومع أن دولاً عربية نفطية لديها مداخيل جيدة، حيث إن صناديقها السيادية مستثمرة في السوق الغربية بنمو 2.8 تريليون دولار، فإنها تتسابق للاقتراض الخارجي.

إن هروب رؤوس الأموال للخارج يسبب انخفاض الإيرادات الضريبية، ويؤدي إلى عجوزات في الميزانيات العربية، وسيؤدي إلى عجز المدخرات الوطنية وعدم القدرة على توفير التمويل للاستثمارات المحلية، وانخفاض معدلات النمو، وزيادة البطالة، وتدهور المعيشة، كما سيؤدي إلى تدهور قيمة العملة المحلية، ويؤثر على الواردات وسداد الديون.

ومع غياب التكنولوجيا المتطورة في العالم العربي والقوى البشرية المدربة والبنية التحتية الضرورية للاستثمار، فإن ذلك يساعد في هروب الأموال إلى الخارج.

إن ذلك يشكل هدماً للبنيان الاقتصادي بالمنطقة العربية في فشل استثمار مواردها، وفشل التجارة البينية بينها، واستيراد غذائها وأدواتها، وفشل المشاريع الكبرى، وهروب رؤوس الأموال واستثمار الصناديق السيادية لها خارج أسواقها؛ ليجعل بنيان هذه المنطقة معرضاً للضعف والتبيعة والاستهلاك الدائم، وعجز الإدارات الحكومية عن بناء منظومات اقتصادية قادرة على مواجهة الاحتياجات والأزمات والمتغيرات الاقتصادية العالمية.

ثالثاً: هدم الإنسان والبنيان في حروب العرب الجديدة:

منذ اشتعال الثورات والثورات المضادة ولم يتوقف تدمير البنيان والإنسان، عشر سنوات من التدافع والإقصاء والاحتراب تم خلالها هدم المدن والحواضر، وقتل الإنسان، وتجريف التنمية، وإهلاك البنى التحتية التي بنيت في العقود الماضية، فالمنطقة إلى عام 2020 أصبحت بيئة مضطربة تسوجها صراعات مسلحة مفتوحة، في مقابلها احتجاجات شعبية مستمرة، وهناك تحالفات عربية-عربية، وجيوش خارج نطاق الدولة، ومليشيات حاكمة، فهي تعيش حرباً حقيقية من إسقاط طائرات وتفجيرات سفن وجيوش تتحرك ومعسكرات تقصف وصواريخ تدمر ومدن مدمرة وقرى محاصرة، وهكذا تحول العالم العربي إلى عالم من الإقصاء والتهميش والاحتراب، وإلى تغذية التطرف والإرهاب، وتغول السلطات، وتغذية الصراعات الطائفية والعرقية؛ أدى ذلك إلى قتلى وجرحى بمئات الآلاف، ومشردين بالملايين، ووقوع خسائر اقتصادية فادحة.

وفي تصنيف عالمي للتكلفة الاقتصادية للعنف، حصدت سورية والعراق المرتبتين الأولى والثانية على التوالي، تبعهما الصومال وليبيا واليمن.

لقد ارتفعت نسبة الإنفاق العسكري في المنطقة العربية بنسبة 78% بين عمي 2014-2018، وهي استزفت الميزانيات العامة من موارد قيمة للتنمية، وترتب على هذه الصراعات آثار ضارة أخرى؛ كتزايد الاتجار بالبشر وغسيل الأموال وتهريب السلاح.

لقد أدت تلك الحروب في عالم العرب إلى تدهور الحالة المدنية بشكل عام من ذلك:

- تدهور الحالة الصحية:

فقد تأثرت بنية النظام الصحي في المنطقة العربية وخصوصاً الدول ذات الأزمات والصراع، ووثقت عودة الأمراض الوبائية مثل الكوليرا، وتزايد معدلات انتشار كورونا بشكل كبير.

- تدهور الخدمات والطاقة:

ولقد أصبح الحصول على الكهرباء صعباً، حيث حرم 36 مليون شخص من الكهرباء، في عام 2016، ولا تزال بلدان المنطقة العربية الأقل نمواً في مسار الحصول على الكهرباء وتسجل مستويات دون 50%، وتصل إلى 38% (السودان) و30% (الصومال)، ولا تزال العديد من البلدان تعاني من قطع الخدمة والتيار الكهربائي، وإن الاستثمار في قطاع الطاقة لا يشكل إلا حوالي 2.7% من إجمالي تكوين رأسمال الثابت للمنطقة في عام 2016، ولا تزال البلدان الأقل نمواً في المنطقة تواجه نقصاً في الحصول على الكهرباء وعلى أنواع الوقود والتكنولوجيا.

- إن هذا الاحتراب قد أدى إلى حالة سكانية من النازحين في أوطانهم أو خارجها، فالمنطقة العربية بها أكثر من 14.9 مليون شخص من النازحين داخلياً، لقد أدى ذلك إلى زيادة حالات الإعاقة والمرض المزمن وتدمير الموارد الطبيعية وتفكيك شبكات الدعم الاجتماعي، وهؤلاء النازحون عرضة للمخاطر وانتشار الفقر والحرمان، وهم يعيشون في مخيمات سيئة، إذا أضفنا أنه في عام 2018 بلغ عدد اللاجئين في المنطقة 3.7 مليون، و5.4 مليون لاجئ فلسطيني وفق "الأونروا".

- زيادة الفقر في المنطقة العربية:

لقد شهدت المنطقة العربية حالة الارتفاع الوحيدة بالعالم في الفقر المدقع نتيجة الصراعات (وفق التقرير العربي للتنمية المستدامة 2020)، فقد ارتفع عدد الفقراء حسب خط الفقر المحدد بالعيش على 1.90 دولار في اليوم من 4% عام 2013 إلى 6.7% عام 2015، ويشكلون 16% في البلدان الأقل نمواً في المنطقة العربية، وهي تفوق نسبة الفقر المدقع عالمياً، حيث تصل معدلات الفقر على مقياس الفقر المتعدد إلى 41% في 10 بلدان عربية تضم 75% من سكان المنطقة، وبالتالي فإن الصراعات تؤدي إلى ارتفاع مستويات نقص التغذية في المنطقة، ويعيش ثلثا الذين يعانون من الجوع في البلدان المتأثرة بالصراعات، حيث طال الدمار البنية التحتية للإنتاج، وتقطعت سلاسل الغذاء، وهجرت الأرض الزراعية بسبب تضررها أو نزوح السكان، وتسجل البلدان العربية الأقل نمواً على معدلات نقص التغذية في العالم، وعلى سبيل المثال في السودان طال 25.2% من السكان عام 2016، وفي اليمن 34.4% من السكان، وفي العراق 27.7% من السكان.

لذلك ترتفع نسبة معدلات الجوع في البلدان المتأثرة بالصراعات، حيث إن مؤشرات الجوع وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية يناهز ثلاثة إلى خمسة أضعاف القيم المسجلة في سائر بلدان العالم.

- تدهور مستوى الحالة التعليمية والأبحاث:

فانخفض معدل الالتحاق بالمدارس في البلدان المتأثرة بالصراع مع عدم فاعلية المؤسسات التعليمية، وفي عام 2017، وفق التقرير العربي للتنمية المستدامة 2020، احتاج نحو 18.4 مليون طفل في سن الدراسة إلى المساعدة لمواصلة تعليمهم في سبع دول (سورية، السودان، الصومال، فلسطين، العراق، ليبيا، اليمن)، ونتيجة لتدهور الأوضاع واللااستقرار؛ فإن 16 مليون طفل من 10% في سن التعليم الابتدائي، 32% في سن التعليم الثانوي غير ملتحقين بالمدارس في المنطقة، علماً بأن أقل من 40% أكملوا تعليمهم في المرحلة الثانوية.

لقد تضررت آلاف المدارس في ليبيا واليمن وسورية والعراق من جراء الصراع، واستخدمت مئات منها لإيواء النازحين أو لأغراض عسكرية، علماً بأن 50% من نسبة الطلاب في الصف الأول الثانوي لا تصل للحد الأدنى من مستوى الكفاءة (وفق التقرير العربي للتنمية المستدامة 2020)، ولايزال التعليم الثانوي والتدريب التقني والفني متدني الجودة (فقط ثلث الخريجين مهيؤون للعمل)، فالمنطقة العربية تواجه ضعفاً في الاستثمار في الإمكانات البشرية، ولا تمثل المناهج التعليمية تطوراً نوعياً فعالاً، مع ضعف البنية التكنولوجية في التعليم، حيث تتحول الأموال لشراء الأسلحة والصراع.

ولا تتجاوز نسبة الباحثين في المنطقة العربية 2% من مجموع الباحثين في العالم، ولا تتجاوز نسبة الإنفاق على البحث والتطوير 0.64% من الناتج المحلي الإجمالي؛ أي أقل من نصف المتوسط العالمي، ولا يُصنف أي بلد عربي ضمن أفضل 20 بلداً حسب مؤشر الابتكار العالمي.

- نمو البطالة وتزايد أعداد الهجرة للعمل بالخارج:

بلغ معدل البطالة في المنطقة العربية 10.3% عام 2016، وهو أعلى معدل في العالم، ويساوي ضعف المتوسط العالمي تقريباً، أما عن الشباب؛ فقد سجلت بطالة الشباب في المنطقة الأعلى بالعالم في عام 2017، حيث بلغت 26.1%؛ أي أكثر من ضعف المتوسط العالمي البالغ 12.6%، وأن 80% من الشباب يعملون في القطاع غير النظامي، ويتركزون في أعمال متدنية النوعية وقليلة الإنتاجية مقابل دخل غير منتظم.

تصل نسبة العمالة المهاجرة في الشرق الأوسط 40%، وهي أعلى نسبة بين مجموعات البلدان في العالم، حيث يبلغ المتوسط العالمي 4.2%.

رابعاً: هدم الحالة الجيوستراتيجية في المنطقة العربية:

أدى الاحتراب والصراع في العالم العربي إلى إنهاك الجيوش النظامية، وإخراج جيوش يرتكز عليها الأمن القومي العربي كالجيشين العراقي والسوري، مع الاستنزاف الذي يعاني منه الجيش السعودي في حرب اليمن، ولم يتبقَّ إلا الجيش المصري الذي ربما يُزج به في حرب عربية في ليبيا دون سياسة واعية ربما يدمر هذا الجيش ليصبح الأمن القومي العربي مكشوفاً بشكل جلي؛ ليصبح التفوق للدول الثلاث الإقليمية في المنطقة (تركيا، إيران، "إسرائيل")، ولتبقى الدول الكبرى تنسق مع هذه الدول من أجل مصالحها لرعايتها والسيطرة على العالم العربي.

لقد كان للدور العربي في تمكين الولايات المتحدة من العراق وتحطيم الجيش العراقي، وإعادة تنظيمه فيما بعد ليصبح شرطياً تحت إمرة إيران والولايات المتحدة، وكذلك كان للدور العربي في التخلي في منتصف الطريق عن دعم الشعب السوري في مواجهة طغيان النظام السوري أدى إلى تفكيك قوة الجيش السوري ليصبح تحت إمرة الجيش الروسي والإيراني، ثم أتت الحرب في اليمن لتضع الجيش السعودي تحت الاستنزاف اليومي والمنهك.

لقد كان من نتائج ذلك أن القرارات الجيوسياسية للوطن العربي أصبحت بيد القوى الإقليمية بسبب هذا التفتت والتدخل الإقليمي في جغرافية العرب، حيث أثرت إيران على القرار الجيوسياسي في العراق وسورية ولبنان واليمن، وأثرت تركيا على القرار الجيوسياسي في ليبيا وقطر والصومال، وتؤثر "إسرائيل" على القرار الجيوسياسي في مصر والسعودية والإمارات، وبالتالي فإن قرار الأمن القومي العربي أصبح تحت السيطرة والتوجيه الخارجي والتدخلات الإقليمية والدولية.

لم تعد فلسطين قضية مركزية عند النظام السياسي العربي، بل إن التنسيق العربي لمواجهة "إسرائيل" أو لمواجهة إيران في المنطقة العربية أصبح ضعيفاً، بل العكس؛ فهناك تنسيق إستراتيجي ما بين "إسرائيل" ودول عربية من جهة، وإيران ودول عربية أخرى من جهة أخرى، وهكذا فإن أمن العرب أصبح في مهب الريح تتقاذفه المصالح الإقليمية والدولية.

القوى الأجنبية في أحشاء العالم العربي:

إن المنطقة العربية تحتضن أعداداً كبيرة من القواعد الأجنبية التي تعتبر أهم أدوات النفوذ الخارجي في المنطقة، وبها تخط حدودها وأمنها القومي في المنطقة العربية، وتقوم بمهام عسكرية ولوجستية واستخباراتية.

وبسبب الضعف العربي وهشاشة النظام السياسي فيه، فهناك اتفاقيات أمنية وقواعد عسكرية وتواجد أمني في المنطقة العربية؛ حيث يقدر عدد القواعد الأجنبية بمختلف مستوياتها ودولها في المنطقة العربية بـ35 قاعدة موزعة كالتالي: جيبوتي 5، الصومال 2، الكويت 3، البحرين 3، قطر 2، العراق 1، سورية 6، السعودية 2، الإمارات 4، ليبيا 1، عُمان 5، الأردن 1.

كما تتواجد قوات أجنبية في المنطقة العربية تتجاوز 70 ألف جندي، لقد أدت تلك الاتفاقيات الأمنية والهياكل التحتية للقواعد العسكرية والتواجد الأجنبي إلى تفكيك وحدة الأمن القومي العربي، وإلى ربطه تبعياً إلى محور دولي أو محور إقليمي تابع ويحقق مصالح دولية، كما أن ذلك ساهم في زيادة التكلفة الإنفاقية على التسليح والصيانة والتجهيز التي تقتضيها الاتفاقيات الأمنية مع تلك الدول الإقليمية والكبرى.

كما أدى ذلك إلى سقوط الجغرافية العربية تحت الهيمنة والسيطرة على البحار الإستراتيجية والمحيطية بجغرافية الدول العربية، وأصبح للقوى الإقليمية موطن قدم وأساطيل بحرية تجوب تلك البحار عدا السيطرة على الأجواء العربية وعمل خطوط جوية تحت السيطرة الدولية لا يمكن تجاوزها كما في سورية والعراق واليمن وليبيا.

وبالتالي؛ فقدت المنطقة العربية ودولها أي ميزة جيوستراتيجية وبالطبع فإن قوة العرب اتجهت لحرب الحدود فيما بينها ولحصار المدن والدول كما هو حاصل في حصار قطر وعدن وتعز والحديدة وإدلب والموصل وطرابلس وغزة وسيناء، وأصبحت المليشيات والقوى خارج الدولة بتحالفاتها الإقليمية والمحورية مع دول عربية تتحكم بمسار الحياة المدنية والعسكرية؛ لذلك أصبحت تلك القوى أقوى من الدولة وتتحكم بمسار الأحداث، وانعدمت الثقة عند الناس في قدرة الدولة العربية على الحفاظ على أمن المواطنين أو الدفاع عن مصالح الدولة، عدا فشلها في التنمية ورفع مستوى المعيشة والنهوض بالاقتصاد الوطني.

ما نتائج هدم البنيان العربي وحروب البسوس التي لا تتوقف؟

إن النتيجة واضحة؛ أن قوة العرب ومواردهم أصبحت في حكم الاستغلال من الاستعمار الجديد، وأن هذه الدول لم تعد تشكل قوة للحفاظ على الأمن القومي العربي، لقد انفرط عقد الوحدة الجامعة لهم، وإن القوى الدولية والإقليمية تسعى إلى تجزئة وتقسيم المجزأ في جغرافية العرب وذلك لإدامة التبعية وتحقيق المصالح المتضاربة بين هذه القوى.

ومن جانب آخر، فإن شهوة الاحتراب عند النظام السياسي العربي متوثبة، وإن اليد العربية بدلاً من الانغماس في الإنتاج والعمل والتحصيل والعلم والمعرفة، هذه اليد تمسك السلاح وتتحاكم له وهي على أهبة الاستعداد والجاهزية للاحتراب والقتال وتحطيم المقابل ولإقصاء وتهميش كل مخالف.

إن هدم البنيان العربي آذن بزوال عمرانها وخراب ديارها وأفول أنظمتها واستشراء الفوضى فيها وتغلغل الخوف عند الدولة وعند المجتمع والناس؛ سيزيد من شهوة الإقصاء والاحتراب مع الذات، ربما إلى عشر سنين قادمة وإلى المجهول، فأعداد القتلى والجرحى والأسرى والمعتقلين وأرقام التراجع والفشل الاقتصادي والصحي والمجني معروفة وسهل تقديرها يومياً، لكن نتائجها مرعبة ومجهولة؛ لأن الحمية الجاهلية إذا تحكمت بالعقل السياسي العربي؛ فإن النتائج كارثية لا محالة.

وستكتب "بسوس" معاصرة يدونها التاريخ.

 

 

___________________________________

يُنشر بالتزامن مع مجلة "الأفق الإستراتيجي".

يخرج لنا بين فترة وأخرى بعض الكتَّاب والمثقفين العلمانيين لينظِّروا لنا رؤاهم حول تحليل الأوضاع، ومنها ظاهرة الاستبداد العربي، ثم كالعادة يُلقون بتبعات تلك الظاهرة على "الإسلام السياسي"، وبدلاً من الانتقال لما يسمونه بالمشروع النهضوي العربي الذي سبق وأن فشل إبان منتصف القرن الماضي، وتكبدت الأمة العربية نتائج كارثية خلَّفت نظاماً انقلابياً استبدادياً، ومع ذلك يعلِّقون أسباب انهزامهم وفشل مشروعهم على ظاهرة "الإسلام السياسي".

وعادة ما يكون ضربهم للأمثال انتقائياً من بلد دون آخر، فالبلدان العربية التي يتحكم فيها العسكر والاستبداد العربي أياً كان موقعها على الخريطة الجغرافية العربية هو المعسكر الذي وأد حركة الشعوب العربية نحو التحرر والانفتاح والانطلاق من أجل مشروع تنموي ديمقراطي، وقاموا بمواجهته بالحديد والنار والسجون، وما زالوا ينفقون المليارات على ذلك، ولم يحدد هؤلاء المثقفون العرب لماذا هم مستمرون في دعمهم انقلاب العسكر في مصر، أو دعم حفتر في ليبيا الذي مارس الإبادة الجماعية في بنغازي وترهونة، وحاصر طرابلس أكثر من سنة وقطع عنها إمدادات المياه والغذاء؟!

كما أنهم توقفوا عن نقد الدول الاستبدادية والأنظمة العسكرية المتصلة بمحور الثورات في إرهابها ودورها في التدخلات بليبيا واليمن وسورية وتونس، ومحاولة ترجيح الحكم العسكري على الحكم المدني في السودان، وكذلك دعم الأسد في سورية، والمجلس الانتقالي وطارق صالح في اليمن، وبقايا النظام البائد في تونس.

يريد بعض المثقفين العرب أن يمضوا تحت جبة العسكر والاستبداد من أجل توهمهم أن مشروع النهضة العربي سيكون من وراء هذه الأنظمة الاستبدادية.

لقد قامت ثورات الشعوب العربية في دول حكمها العسكر والاستبداديون عقوداً من الزمن حتى ضاقت الأرض بما رحبت بالناس؛ فكانت ثورات عفوية، لكنها أقامت حكماً مدنياً ديمقراطياً، واحتكمت للصناديق الانتخابية، وعندما نسجت دساتير مدنية توسّع الحريات وترسّخ العدالة وتمضي للتنمية رفضها بعض المثقفين العرب وتحالفوا مع العسكر والمستبدين؛ ليتم الانقلاب في مصر، والانقلاب على الثورة في اليمن وليبيا، وخذلان الشعب السوري في ثورته.

وهكذا ليدعموا عودة العسكر والاستبداد وإقصاء "الإسلام السياسي"، بل وسايروا تلك الأنظمة الاستبدادية والعسكرية في تصنيف "الإسلام السياسي" بـ"الإرهاب" ظلماً وعدواناً، هكذا اعتقاداً منهم بأن ذلك سينهي مشروع الشعوب لتحرير نفسها لأنها اختارت طريق الحرية والتنمية عبر الإسلاميين والشعوب العربية.

ومع الهزائم الأخيرة لمعسكر الاستبداد العربي والمضاد لحرية الشعوب ونهضتها في ليبيا والسودان وتونس واليمن، تطلق بعض التسجيلات الصوتية لما سمي بـ"خيمة القذافي"؛ أي منذ ما يقارب العشرين عاماً إلى الوراء.

ربما يجدون ما يقيمون من أجله فرصة يلجؤون إليها لوصم مخالفيهم بالإرهاب والخيانة وغيرها من الاتهامات التي لا تصمد أمام منطق العقل والتاريخ، فضلاً عن صمودها أمام منصة القانون.

وهكذا دأب هؤلاء المثقفون على استغلال كل فرصة لدعم التدخل الخارجي في بلدانهم ما دام ذلك سيساعد في إقصاء منافسيهم ممن ينتسبون إلى ما يسمى بـ"الإسلام السياسي"، في حالة يرثى لها من التقييم المتطرف وعدم العدل والبعد عن الإنصاف المنهجي، ويواجه هؤلاء المثقفون اليوم تحديات تراجع منطق الإرهاب الفكري والتخوين ومسايرة الإعلام الدكتاتوري وإعلام الفتنة؛ إذ إن وعي الشعوب في ارتقاء وصعود، وإن الشعوب العربية والخليجية قد استبان لها -بعد عقد من أول محاولة لحكم مدني ضد الاستبداد الماضوي- أن مسار الثورة المضادة وحكم الاستبداد والانقلابات يحوي تحت جبته مجموعة من المثقفين العرب الذين أصبحوا من الماضي، وأن هذه الظاهرة لا شك في طريقها إلى الاندثار.

الصفحة 1 من 8
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top