محمد سالم الراشد

محمد سالم الراشد

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإثنين, 31 أغسطس 2015 14:12

حاسة الأمن الوطني

ثمة شعور عند كثير من المواطنين في دولة الكويت بعدم ثقتهم بدرجة نضوج مستوى الحس الأمني والتنبه بعمق التحديات والأخطار عند المؤسسات المسؤولة في الدولة وأنه يشوبها الضحالة والتفكير الآني، وأنها مترددة في امتلاك الدافعية لاتخاذ القرارات المناسبة لمواجهة عمق التحدي الأمني على المواطنين، وما تشكله الأزمات المحيطة في الكويت من خطر داهم عليهم.

وقبل الدخول إلى هذا المشهد وتحليله، فإن الاعتبار بالتاريخ مهم؛ إذ إن فقدان الحس الأمني كان من أهم أسباب سقوط دولة الأندلس وإماراتها بيد الصليبيين واتحاد إسبانيا النصرانية وأراغون وقشتالة وحسمها في معركة غرناطة التي قاد المسلمين فيها عبدالله بني الأحمر في عام 897هـ/1492م، حيث تلهى الناس والأمراء في تلك الحقبة بالاستملاك والعمارة والترف من جهة، والتخندق والتحزب لإحراز التفوق الاحترابي فيما بين الإمارات والزعامات السياسية والدينية، وسمي هذا بعصر الطوائف.
في الكويت الانتباه والحس بالخطر دائماً يكون مؤقتاً، وما يتخذ من إجراءات شبيه بالعلاج المؤقت الذي يريح المريض ولكن تبقى العلة موجودة، وربما يستفحل المرض دون شعور المريض إلى أن تنهار مقاومته ويلقى حتفه.
مجسات الأمن الوطني في الكويت تكاد تكون معدومة؛ نظراً لطغيان الخلاف والتفرق السياسي والاجتماعي، ونظراً لارتفاع روح المنافسة الاستهلاكية التي تنمي الفرد الجشع وحالة الراحة المزيفة، في حين أن الخطر الداهم محيط وأن مفاهيم وقيم الأمن الوطني مفقودة على المستوى الفردي والمستوى المؤسسي، فكيف إذا ضعفت في الأجهزة المسؤولة عن الأمن الوطني في الدولة؟
فعلى المستوى السياسي:
تكاد أولويات الحكومة والمعارضة هي تحقيق كسب النقاط والمغالبة على قضايا خلافية تكاد تعصف بالاستقرار، وقد استغل هذا الخلاف من أطراف الظلام وعسكرة الطوائف لتمرير أدوات الإرهاب، بل إن من نتيجة مصفوفة التحالفات السياسية والاجتماعية واستعانة طرف على الآخر، أن وضعت أولويات الأمن الوطني تالياً بعد تحقيق المكاسب والمصالح، وتشكل لدينا لوبيات في الدولة تغطي وتحمي بعلم - أو بدون علم - الحالة المتوثبة للضعف والإرهاب وتقوم بتسطيح هذه القضية.
وعلى المستوى الاجتماعي:
فإنه منذ تحرير الكويت عام 1991م من الاحتلال الصدامي، فإن الصراع الاجتماعي نتيجة الخلاف السياسي تمدد وانتقل من مجرد صراع على المواقع المدنية والمصالح السياسية والاقتصادية إلى صراع طبقي ثم طائفي ثم ولائي، بل وللأسف تطور إلى تصنيف ديمجرافي وفق خط الهجرات الأولى لدولة الكويت، وهذا للأسف تراكم لما يقارب ربع قرن ليتحول إلى كتل ديمجرافية متشاحنة تمثل خطراً على النسيج الوطني بما يدفع للاحتراب والخصام والشقاق والخلاف.
وكان من نتائجه نفوذ العمليات الإرهابية، وتوجت بعمل إرهابي في «مسجد الصادق»، وأخيراً خلية العبدلي الموسوم بها حزب الله، كما اصطف المجتمع ديمجرافياً في بعض القضايا الإقليمية والخارجية، مما زاد من اضمحلال الحس الأمني والوطني عند الشعب الكويتي.
أما على المستوى القيمي:
فإن تراجع قيم المواطنة والاهتمام بكينونة الوطن ومصالحه وممتلكاته بات واضحاً لكل مراقب وراصد لحركة المجتمع وتفاعل الناس مع تلك القيم.
فانتشار الفساد في غالبية المؤسسات وخصوصاً بعضها له علاقة بأمن المواطنين، حيث يتم شراء المواطنة وتسهيل امتلاك الهوية المدنية وتهريب المواد والسلاح والتلاعب بقوائم المغادرين والممنوعين من السفر من أجل حفنة من المال، وكذلك انتشار المحسوبية وتقليد الوظائف للضعفاء، وبحسب الولاء القبلي أو العائلي أو الطائفي أو المصلحي بما يخل بالموقع المهم في الدولة وحساسية بعض المواقع.
إن فقدان قيم الالتزام والانضباط وأداء الواجب وتوافر الذمة والإخلاص في العمل والانتباه للخطر والتدقيق في الوظائف الحساسة؛ كل ذلك أدى إلى تجسير حالة المجتمع الكويتي نحو الغيبوبة الوطنية وتدثيره بسطحية الخطر الأمني وتعايشه مع نفوذ الإرهاب المغطى بالتعايش السياسي.
أما على المستوى المؤسسي:
فإنه من الملاحظ تماماً أن التخبط سيد الموقف، فلا خطة وطنية واضحة المعالم تجاه الأخطار الأمنية على الوطن تشترك فيها قطاعات الدولة جميعاً، بل إن المؤسسة المعنية وهو جهاز الأمن الوطني الذي صدر مرسوم تأسيسه (رقم 32) عام ١٩٩٧ يكاد ينسى دوره ويستثني من قائمة المؤسسات المعنية والمسؤولة عن التخطيط والتوجيه وإدارة السياسيات الأمنية للوطن.
فهذا الجهاز حسب اختصاصه في (المادة 2): «يعمل المجلس على ضمان سلامة وأمن الوطن ووضع السياسات الإستراتيجية والبرامج والخطط لتعميق هذا الغرض والإشراف على توفير المعلومات والبيانات وإعداد الدراسات والبحوث اللازمة في هذا الشأن بالتنسيق مع الجهات المعنية».
فلا وضع أو أعلن خطة واضحة المعالم تعالج من خلال الأجهزة الأمنية المعنية (سوى ما تم باجتهاد بعض المؤسسات بذاتها) دون تنسيق مع كل قطاعات الدولة في إرساء حالة من التفاهم والتعاون بين الدولة والمجتمع والمؤسسات المهمة.
فلا سياسات أمنية وطنية في قطاعات التربية والإعلام والأوقاف والشؤون الدينية والداخلية وقطاعات الخدمات المهمة كالكهرباء والماء والجمارك والمنافذ والبلدية وغيرها.. فهذه القطاعات تجتهد بشكل عشوائي وآني وأوقات الحدث.
حيث إن كل هذه الأجهزة مشغولة بالحالة اللحظية لدورها الخدمي أو معلولة بسبب ترهلها القيادي أو مخترقة من أدوات النفوذ والفساد، بل وأجزاء مهمة من هذه المؤسسات منشغلة بأولويات الخصومة السياسية والتدافع الاجتماعي والتسابق على المصالح والنفوذ.
إن مشكلات الخلل في التركيبة السكانية وسرعة نمو الانتساب للمواطنة واكتساب الجنسية الكويتية بالوسائل غير المشروعة وخلل حالة الزواج بالأجنبي وعدم الاهتمام بالشباب وانتشار المخدرات وعولمة الجريمة وتخزين السلاح وحالة الصراع الاجتماعي وتمدد نفوذ قوى غير واضحة مندسة خلف قوى متنفذة سياسياً ومالياً كل ذلك هي مشكلات جاذبة للأخطار الأمنية على الوطن.
إن وضع نظرية أمنية وإستراتيجية أصبحت ضرورة وطنية ومسؤولية تاريخية على الدولة في مثل هذه المرحلة الحساسة التي تواجه الكويت ولا يعفي المجتمع من تلك المسؤولية.

الخميس, 20 أغسطس 2015 15:12

الدماء

 


في الإسلام الدماء لها حرمة، وللنفس البشرية قيمة عند خالقها الذي يحييها ويميتها
ثمة حالة هستيرية من الاندفاع نحو استحلال الدماء تسود أطرافاً في السلطات، وقوى متصارعة في المنطقة العربية وخصوصاً بعد ثورات «الربيع العربي».

في الإسلام الدماء لها حرمة، وللنفس البشرية قيمة عند خالقها الذي يحييها ويميتها، وأنزل في ذلك قرآناً يتلى دهوراً وأزمنة طويلة ليلاً ونهاراً.
لقد حرم الله الدماء في شريعته، وجعل لها هذه المنزلة، وحرَّمها في سائر شرائعه، وفي كافة رسالاته ودياناته (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)(المائدة: 32).
لا يجوز أن تُقتل نفس بغير حق.. أي نفس معصومة؛ كل نفس حرّم الله قتلها ما دامت غير معتدية بالكفر أو بالظلم (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ)(الأنعام:151).
وروى البخاري ومسلم، عن ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة».
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالكعبة وقال لها: «ما أطيبك وأطيب ريحك، وما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله منك».
إن عظمة الإسلام تناولت الدماء في مجالات عدة تحريماً أو توجيهاً، عبادة أو تزكية أو طهارة، فالدماء التي تسيل في سبيل الله، وفي قتال العدو إن لها وصفاً خاصاً؛ إذ إن ريحها ريح المسك، ويدفن صاحبها بدمائه في قبره، وهناك الدماء التي تتلطخ بها ثياب الإنسان المسلم يتطلب الطهارة منها لإجازة الصلاة، وهناك دم المرأة في الحيض له أحكامه.
ومن عظمة الشريعة الإسلامية أن حرمة الدماء ليست قاصرة على المسلمين فحسب، بل تشمل كذلك غير المسلمين من المعاهدين والذميين والمستأمنين حرَّم الإسلام الاعتداء عليهم، وذلك في أحاديث كثيرة من سُنة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عاماً».
كل هذه النصوص والأحكام الشرعية تؤكد أن الدماء عظيمة وموقعها عظيم عند الله، وما يجري اليوم على ساحة أوطاننا العربية من احتراب، وتدافع حيث اختل فيه ميزان الرحمة، وقدم فيه سوط الوحشية والطغيان في سفك الدماء البريئة.
لقد سطر لنا التاريخ أن الغرب - في قرونه الوسطى والحديثة - قدم تاريخاً دموياً للبشرية، فكان لنظريته العلمية الداروينية التي قامت على «البقاء للأصلح»، دور في الإبادة البشرية لشعوب بكاملها في أمريكا الشمالية، والجنوبية، وأفريقيا، وأستراليا، كما أن القومية العنصرية التي مارستها الدول القومية الأوروبية، وخصوصاً الفاشية والنازية، أغرقت البشرية بسيل من الدماء، وكان حظ منطقتنا العربية عظيماً فيها، ثم ورّث الغرب هذا المنهج للدكتاتوريات العسكرية التي قامت بعد حركات التحرير الوطني في أوطاننا؛ حيث استحوذت على المال والسياسة والاقتصاد، ومن أجل ذلك استحلت الدماء الزكية، في تونس والجزائر ومصر واليمن الشيوعية وغيرها في بلدان العرب والمسلمين.
حتى استوطن الإجرام واستحلال الدماء ثقافة السلطة العربية في مجتمعاتنا، ثم أتت الثورات العربية في ربيعها المنتظر، وتنفست الشعوب العربية الصعداء وما لبثت، وإذ برِدّة جديدة عليها تتشح برداء قانٍ وأحمر من الدماء، ولكن عن طريق تسطير قوانين تجيز لها استحلال دماء الأبرياء، وقد تناغم مع ثقافة الردة هذه خمسة مناهج فكرية:
فكر السلطة القائم على استحلال دم المعارضين وسورية خير شاهد على ذلك، والفكر التكفيري القائم على استحلال دم المخالفين في الفهم الشرعي كما تمارسه «القاعدة»، و«داعش»، والفكر الطائفي القائم على استحلال دم المخالف في المذهب، وإيران و«حزب الله» والمليشات العراقية في سورية والعراق أكبر دليل فيه، والفكر الليبرالي والعلماني الإقصائي القائم على استحلال دم المخالف للرأي السياسي، كدعم الانقلاب في مصر وبعض دول الثورات العربية، واستبدت ثقافة استحلال الدم هذه حتى وجدنا شرائح اجتماعية وسياسية تتلذذ بدماء المعارضين والمخالفين.
لكن الخطر الداهم اليوم يتمثل في تحول العدالة القضائية في بعض الدول، والتي هي ملاذ الآمنين ومرجع المتقاضين، إلى أداة لاستحلال دماء الأبرياء دون تقوى وخوف وخشية وحتى حياء.
إن هذه الدماء هي أول ما يُقضى به يوم القيامة، ففي الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأول ما يُقضى بين الناس الدماء».
فويل لقاضي الأرض من قاضي السماء.

الصفحة 4 من 4
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top