د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 01 يونيو 2016 08:00

خرافات اقتصادية في بلاد المسلمين!

الخرافات هي كل باطل وخطأ وكذب وزور، ينشر بين الناس. فالدعوات الباطلة، والشعارات الزائفة والرايات المنكرة التي ترتفع في سماء المسلمين والإشاعات والأغاليط والأباطيل، من أشكال هذه الخرافات، الموّجه غالباً للحياة السياسية أو الاجتماعية أو الأخلاقية أو الثقافية أو الاقتصادية.

وقد غزت الخرافات المجال الاقتصادي ونشرت فيه كثيراً من إشاعاتها وأباطيلها، وسمّمت الحياة الاقتصادية ولوثتها وأفسدتها.

يقول د. صلاح الخالدي في كتابه: "إسرائيليات معاصرة": يريد اليهود من وراء ذلك استمرار تحكمهم في الاقتصاد العالمي، وفي الأموال والأرصدة للدول الأخرى.

وقد وجّه اليهود ومعهم مروجو الخرافات إشاعاتهم وأباطيلها للاقتصاد عند المسلمين.

شككوا في وجود نظام اقتصادي في الإسلام، وأنكروا أية صلة بين الإسلام والاقتصاد، وقرنوا الاقتصاد بالرِّبا، وجعلوا الرِّبا ضرورةً اقتصادية عالمية وجعلوا جمع المال غاية، أجازوا لها كل وسيلة واعتبروا التجارة شطارة، وأجازوا الرشوة والقمار والسرقة وأكل الأموال بالباطل.

وللأسف، فقد حققوا بخرافاتهم الاقتصادية المعاصرة إلى حد ما ما يريدون من استغلال وتحكّم وسيطرة.

وفيما يلي نعرض أبرز مظاهر الخرافات في المجال الاقتصادي في بلاد المسلمين:

أولاً: خرافة "انقطاع الصلة بين الإسلام والاقتصاد": حيث يوهم مروجو الخرافات الاقتصادية المثقفين المسلمين بعدم وجود صلة بين الإسلام والاقتصاد.

إذ يتساءلون باستنكار وخبث: ما للإسلام والاقتصاد؟ الإسلام ينظِّم صلة المسلم بربه عن طريق العبادة والذكر، والاقتصاد يبحث في عمل وجهد وكسب المسلم في الحياة، فأية صلة بينهما؟!

وتقرِّر خرافاتهم أنه لا اقتصاد في الإسلام، وأن الإسلام قاصر عن سّن تشريعات اقتصادية، ويعتبرون تدخُّل الإسلام في الاقتصاد تعطيلاً له وإفساداً وتخريباً.

يقول مروجو الخرافات الاقتصادية لدعاة الإسلام ونظامه الاقتصادي: نحن ندع لكم المساجد لتمارسوا إسلامكم فيها وعليكم أن تدعوا لنا أموالنا وأسواقنا ومشاريعنا الاقتصادية لنفعل فيها ما نشاء.

وموقف مُروِّجي هذه الخرافات الاقتصادية، كموقف أهل مدين الذين استغربوا تدُّخل نبيهم شعيب عليه السلام في انحرافاتهم المالية وتجاوزاتهم التجارية الاقتصادية، وكأنهم يقولون له: ما لدينك واقتصادنا؟، وما دخل صلاتك وعبادتك في أموالنا وتجارتنا.

يقول تعالى في ذلك: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ {84} وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ {85} بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ {86} قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ {87}) (هود).

إن الخرافات الاقتصادية حول خلو الإسلام من التقريرات الاقتصادية، داحضة باطلة، ينقضها أيّ ناظر في آيات القرآن التي تقدِّم حقائق اقتصادية ثابتة، ومنها:

المال مال الله وليس مال الإنسان، والله هو الذي يرزق الإنسان هذا المال.

الإنسان مستخلف في مال الله، وليس مالكاً له، والمُسْتخلف مطالب أن يتصرف في المال كما حدّد له الله مال المالك.

الطرق المباحة للتصرف في المال حدّدها الله للمسلم وحذره من الطرق المحرمة في ذلك.

توزيع المال يريده الإسلام على أكبر قدر ممكن، ولا يريد تجميعه في يد فئة قليلة.

لذا، فقد استخلص المفكرون والباحثون من الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً، وبيّنوا أسسه وجوانبه، وعقدوا مقارنات موضوعية بينه وبين النظم الاقتصادية الأخرى.

وقد تبيّن لكل باحث ومفكر أسبقية الاقتصاد الإسلامي ورياديته وشموله وربانيته وأخلاقياته وأنه نسيج وحده.

ثانياً: خرافة "الحرية الاقتصادية: دعه يعمل دعه يمّر": حيث يقوم الاقتصاد الرأسمالي الغربي على خرافة اقتصادية رفعها مروجو الخرافات المعاصرة شعاراً بارزاً لذلك الاقتصاد، وهو "دعه يعمل، دعه يمّر".

أي لا تتدخل بالمال، بل دع هذا المال يعمل ويتحرك ودعه يمّر أينما شاء ويذهب كيف يشاء. لا تقيده. طالما يحقق لك الربح والفائدة.

ولذلك، وصف النظام الاقتصادي الغربي الرأسمالي بأنه اقتصاد حر، لأنه يقوم على الحرية الاقتصادية المنفلتة ويعمل بدون كوابح أو قيود أو ضوابط.

المال والاقتصاد عند مصدقي هذه الخرافة هو الأساس وهو غاية بحد ذاته، وهو عصب الحياة وهو الذي يتكلم ويقرِّر، وهو أساس تكريم الرجال، ولسان حالهم يقول: إن أكرمكم عندنا أغناكم وأقواكم عندنا أغناكم، هكذا يوزن الرجل بمقدار ما يملك من المال.

"دعه يعمل، دعه يمّر" خرافة اقتصادية وتضليل. فرغم اعترافنا بأهمية المال وضرورته للفرد والأمة، إلا أن إسلامنا يقرِّر بمنهاجه الاقتصادي المنضبط أن المال وسيلة لعبادة الله، وسيلة لإنشاء الحياة الكريمة.

الإسلام في مناهجه الاقتصادي، يقيِّد حركة المال بالقيود الضرورية ويضع له الضمانات اللازمة حتى يبقى عملاً نافعاً وليس طوفاناً مدمِّراً.

الإسلام لا يُقر إلا وسائل الكسب الحلال، والتجارة الأخلاقية المباحة، والتملك المشروع، وهو في المقابل يحرِّم وسائل الكسب غير المشروع والتملك الحرام.

الإسلام يرسم الطريق الصحيح لاستثمار المال وتشغيله ويمنع المسلم من تشغيل المال في طرق محرمة حتى لو درّت عليه فائدةً وربحاً وكسباً.

الإسلام لا يدعُ المال يعمل ولا يدعه يمّر، هكذا بلا ضوابط، لذلك يحارب هذا الخرافة الاقتصادية التي يتباهى بها الغربيون ومن حذا حذوهم ويعتبر الحرية الاقتصادية المنفلتة من كل قيد أو شرط أو ضابط جرثومة فتكٍ باقتصاد الفرد والأمة.

ثالثاً: خرافة "الرِّبا ضرورة اقتصادية": حيث أطلق مروجو الخرافات الاقتصادية هذه الخرافة "الرِّبا ضرورة اقتصادية" وهي خرافة من أسوأ الخرافات الاقتصادية.

تقول هذه الخرافة الاقتصادية: إن الرِّبا ضرورة لأي نظام اقتصادي معاصر، وتصَّرف مالي بين الدول والبنوك والشعوب والأفراد، وإن المال والرِّبا أمران متلازمان لا ينفصلان وإنه يستحيل إنشاء نظام اقتصادي على غير الرِّبا، أو نجاح تبادل تجاري غير ربوي، أو تعامل مالي غير ربوي.

على أساس هذه الخرافة أقيمت أنظمة اقتصادية، وأنشئت بنوك، وأعطيت قروض وقررت خطط ووضعت مناهج دراسية في الكليات والجامعات، ودُرِّست فيها النظريات الاقتصادية، وأُلّفت لها كتب، ورُفعت لها شعارات ونُشرت لها دعايات، وقام أساتذة اقتصاديون بتدريسها للطلبة، وتخرّج عليها جموع من الخريجين.

وتكونت قناعة اقتصادية بهذه الخرافة الاقتصادية، وأصبحت عقيدة جازمة عند قطاعات واسعة من المفكرين والمنظرِّين والمخططين والمحللين.

ووصلت عدوى هذه الخرافة إلى بلاد المسلمين ومراكز التعليم ومحاضن التربية، وراجت على جموع من الدارسين والباحثين والخريجين، ممن يزعمون أنهم مسلمون.

وأقامت حكومات المسلمين أنظمتها وخططها ومشاريعها الاقتصادية على أساس هذه الخرافة الاقتصادية فأنشأت البنوك والشركات والمؤسسات الربوية وقررت التصرفات المالية الربوية، وعقدت الاتفاقيات المالية الربوية مع الدول الأخرى وأخذت القروض المالية الربوية.

وإذا وقف داعية مصلح وأنكر هذه الخرافات الاقتصادية، وبيّن خطورة وآثار وحرمة الرِّبا، وطالب المسلمين بالتخلي عنه وإعادة بناء المال والاقتصاد على أساس الاقتصاد الإسلامي، فإن مروجي الخرافات ومصدقيها، يستغربون دعوته وينكرون عليه تفكيره ويتهمون في فهمه وعقله وفكره، إذ كيف يتجرأ ويخالف أمراً أجمع عليه العالم المعاصر ويعتبرونه مدمراً للاقتصاد الوطني مخرباً للنشاط التجاري، لذلك فهو عدو للأمة واقتصادها ومالها وتقدمها وازدهارها.

أما إذا بشّر هذا المسلم الداعية بنظام اقتصادي إسلامي ناجح خالٍ من الرِّبا، وبيّن أسسه وقواعده فإن مصدّقي الخرافات الاقتصادية يجعلونه مادة للسخرية والاستهزاء، فهو - في نظرهم - غبي جاهل ضعيف العقل غير واقعي يقولون عنه هذا حتى لو كان من كبار المفكرين الاقتصاديين والمختصين في شؤون المال والتجارة.

علماً بأن الإسلام حرّم الرِّبا تحريماً جازماً صريحاً، وآيات القرآن واضحة في تحريمه وبيان خطورته المدمرة على الاقتصاد الوطني والعالمي، كما في سورة البقرة (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {275} يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ {276} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {277} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {278} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ {279} وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {280} وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ {281}‏) (البقرة).

وقد ورد في تفسير هذه الآيات حقائق ثمانية، تبيِّن كذب الخرافة الاقتصادية في اعتبار الرِّبا ضرورة اقتصادية عالمية:

لا إسلام مع قيام نظام ربوي في بلاد المسلمين.

النظام الربوي بلاء على الإنسانية في إيمانها واقتصادها.

النظام الاقتصادي في الإسلام لا ينفصل عن النظام الأخلاقي.

التعامل الربوي يفسد ضمير الفرد المرابي وخلقه.

حين حرّم الإسلام التعامل الربوي أقام نظم حياة المسلمين على أساس الاستغناء عنه.

يستحيل أن يحرّم الله الرِّبا ويكون فيه خير أو منفعة للبشرية.

الإسلام لا يلغي المؤسسات المصرفية، ولكنه يطهرها من لوثة الرِّبا.

الزعم باستحالة قيام الاقتصاد العالمي على أساس غير الأساس الربوي، ما هو إلا خرافة وأكذوبة ضخمة.

ومما يُثبت كذب هذه الخرافة، نجاح المسلمين وبجهودهم المتواضعة في تأسيس مصارف إسلامية وشركات ومؤسسات إسلامية، وبيوت استثمار لمشاريع تجارية إسلامية، على أساس النظام الاقتصادي الإسلامي، خالية من التعامل الربوي.

وقد اعترف اقتصاديون وخبراء ماليون، حتى من الغربيين، بنجاح النشاط التجاري الإسلامي غير الربوي، واعترفوا بإمكانية إقامة نظام اقتصادي غير ربوي وبذلك تلاشت تلك المزاعم والخرافات الاقتصادية !!. وما الأزمة المالية العالمية الأخيرة ببعيدة ؟؟.

فكيف لو صاغت دول المسلمين أنظمتها الاقتصادية على غير الرِّبا؟!

رابعاً: خرافة "التجارة شطارة": حيث دعا مروجو الخرافات الاقتصادية إلى الفصل التام بين النظام الأخلاقي والتعامل التجاري، وطالبوا بعدم إقحام العنصر الأخلاقي في العمل التجاري، ورأوا أن مكان مكارم الأخلاق ليس السوق والتجارة ولا الاقتصاد، وإنما المساجد وبيوت العبادة، واعتقدوا بوجود التناقص الشديد بين القيم الأخلاقية والمعاملات التجارية.

يروِّجون هذه الخرافات بين التجار والاقتصاديين ورجال الأعمال والمال. ويقولون لهم: اختاروا إحدى سبيلين:

إما طريق رجال الأعمال الناجحين والتجار الرابحين، وعندها لا تفكروا بالقيم والفضائل الأخلاقية.

وإما عن طريق الأخلاق والفضائل، وعندها عليكم أن تهجروا طريق التجارة والاقتصاد والمال.

ويرفع مروجو هذه الخرافات شعار "التجارة شطارة"؛ أي أن الأخلاق والتجارة نقيضان لا يجتمعان.

ومعنى كون التجارة شطارة عند هؤلاء: أنها تقوم على استغلال الظّرف واقتناص الفرص، واستخدام أية وسيلة تقود للربح، بغض النظر عن كون هذه الوسيلة مباحة أم محظورة، مقبولة أم مرفوضة، أليست هذه الوسيلة تحقق مالاً وربحاً؟! إنها مقبولة في العرف التجاري، لأن التجارة شطارة!

وراجت هذه الخرافات في السوق التجاري والتعامل المالي، وانتشرت بين كثير من التجار ورجال المال والأعمال.

إذا نهيت تاجراً عن التعامل بالرِّبا، قال لك: دعني أُتاجر وأربح وأكسب، لأن "التجارة شطارة".

إذا دعوت تاجراً إلى الصدق التجاري وترك الغش والتزوير والخداع والمكر والتحايل، قال لك: دعني أستخدم من الوسائل ما يحقق الربح، لأن "التجارة شطارة".

وإذا نهيت تاجراً عن المتاجرة بالرذائل والفواحش وبيع الأعراض وترويج الدعارة وترويج المخدرات وتنشيط السياحة الضارة وترغيب السائحين بهذه القاذورات، رفض ذلك، لأن "التجارة شطارة".

وإذا دعوت تاجراً إلى رحمة الضعفاء، والصدقة على المساكين ومساعدة المحتاجين، وإنظار المعسرين، وتأخير مطالبة المدينين العاجزين، رفض هذه الفضائل الأخلاقية، لأن "التجارة شطارة".

الحقيقة، فالإسلام يحارب هذه الخرافات التجارية والشعارات الاقتصادية، ويربط ربطاً وثيقاً بين النظام الأخلاقي والتعامل التجاري، ويدعو التاجر المسلم الناجح إلى اعتبار التجارة عبادة لله وليس شطارة، يراعى أحكام الإسلام فيها ويتقرب بها إلى الله سبحانه ويرجو منه الرِّزق والرِّبح والتوفيق.

والآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو إلى ذلك كثيرة، نعرض بعضاً منها للتأكيد، والتدليل والبرهنة.

يقول تعالى: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {280}) (البقرة).

ويقول عز وجل: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ {1} الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ {2} وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ {3}) (المطففين).

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق" (رواه مسلم)، ويقول عليه الصلاة والسلام: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى" (رواه البخاري).

وهكذا، يتضح مما سبق من آيات وأحاديث الرباط الوثيق بين الأخلاق والاقتصاد.

ذكر الناقد الاجتماعي فانس باكار في كتابه "صانعو النفايات" أن المؤرخين قد يشيرون إلى وقتنا هذا بأنه عصر نَبْذ النفايات.

إن كثيراً من المواد الخام التي تدخل في الاقتصاديات الصناعية تخرج من الطرف الآخر كنفايات، ورغم أن النفايات أو القمامة ليست أكبر ولا أخطر فئة من فئات المواد المبدّدة في الدول الصناعية، فإنها بالتأكيد مؤشر للتبذير.

كما أن السلع التي تؤول في نهاية الأمر إلى قمامة يسهم في الكثير من النفايات الأخرى التي تولدها المجتمعات الصناعية، فعلى حين يبدو أن كثافة استعمال المواد تتناقص في الإنتاج الصناعي، إلا أن التنامي المستمر في تولد النفايات الصلبة يوضح أنه يتزايد على الأرجح في قطاع السلع الاستهلاكية، وعلى ذلك فالمجتمعات التي ترغب في تحسين الكفاية الإجمالية لمواردها قد يكون من الأفضل لها أنّ توجه عنايتها إلى خفض ناتجها من القمامة.

والأكوام المتراكمة من القمامة قد تكون سمة مميزة لكل دول السوق الصناعية، وفي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أوضحت 14 من الدول الأعضاء التي لديها بيانات متاحة أن هناك زيادات في تولد النفايات الصلبة للفرد الواحد، يقول جون يونج: التصنيع والنمو الاقتصادي لم يؤديا إلى حدوث زيادات في القمامة فحسب، بل وإلى تغيرات في خصائصها.

وعلى حين يظل الورق والكرتون عادة هما أكبر مكونين لنفايات البلديات الصلبة في الدول الصناعية، فإن أنواعاً أخرى من النفايات تتزايد بسرعة أعلى، فالألمونيوم والبلاستيك ومواد أخرى جديدة نسبياً يتزايد إحلالـها محل المواد التقليدية مثل الزجاج، والفولاذ والألياف الصناعية.

كذلك فإن كثيراً من السلع الاستهلاكية الحديثة تحتوي على مواد سُمِّية قد تثير مشكلات في التخلص منها، فالبطاريات الكهربائية تحتوي على فلزات ثقيلة مثل الرصاص والزئبق، والمكانس الكهربائية المنزلية والمبيدات الحشرية، تحتوي غالباً على كيماويات خطرة.

وتتفاوت مقادير القمامة الناتجة تفاوتاً واسعاً في أنحاء العالم، وتوضح بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لسنوات منتصف الثمانينيات أنّ الفرد الأمريكي والكندي يولّد من القمامة ضعف ما يولده الفرد في أوروبا الغربية أو اليابان، وتكمن أعظم هُوّة في تولد القمامة بين العالمين الصناعي والنامي، ورغم أن القمامة لا تنفرد بها الدول الغنية، فإنها تتولد هناك على نطاق مختلف.

وفي الدول النامية، نجد أن النفايات ترف لا يتاح إلا للأقلية الثرية، وإعادة الاستعمال وإعادة الدوران أسلوبان للحياة، والكثيرون يعيشون على النبش في قمامة الأغنياء بحثاً عن فتات قيّم.

ويتشارك كثير من الدول الصناعية في انتهاج تصرف رسمي تجاه القمامة، يسمى تسلسل إدارة النفايات، ويتضمن ذلك قائمة من الخيارات الإدارية ترتب فيها الأولويات: الخفض من المنبع أي تجنب توليد القمامة، وإعادة الاستعمال المباشر للنواتج وإعادة الدوران، والحرق، ثم استخدام المقالب كملاذ أخير، ويقر برنامج البيئة هذا التسلسل كما تقره جماعات المواطنين وكثير من قادة الصناعات.

وللأسف، فإن الممارسة قد سارت في اتجاه مضاد تماماً للمبدأ، فمعظم الحكومات تواصل التركيز على الإدارة بدلاً من خفض النفايات، وعندما تواجهها أزمات النفايات، فإنها تجنح إلى تمويل خيارات إدارة النفايات بنسبة عكسية لموضعها في التسلسل، حيث ترقى درجة إلى أعلى على السلم، من استخدام المقالب إلى الحرق.

ختاماً أقول: إنّ الـمسار السلس للمواد يتيح للمجتمعات فرصة لحل مشكلات القمامة دون وجود مخاطر بيئية جديدة، إنه ينقلنا تجاه الهدف المرتجى، وهو كما وصفه شوماخر: أقصى درجة من الرفاهية بأقل قدر من الاستهلاك. 

يعيش عالم اليوم ظلماً اقتصادياً متعدد الأشكال والألوان، حيث إن 75% من دخل العالم يتركز في يد ربع سكان العالم، في حين يتبقى 25% فقط لبقية دول العالم الفقير.

إنّ الاستقلال السياسي الذي حصلت عليه بعض الدول الإسلامية، لم يتبعه استقلال اقتصادي بل اتسمت معظم العلاقات الاقتصادية الدولية بالتبعية بين دول المركز ممثلة في الدول المتقدمة، ودول المحيط ممثلة في الدول النامية، وتشكل الدول الإسلامية الجزء الرئيس من الدول النامية، في إطار ما عرف بالعلاقة بين الجنوب الفقير والشمال الغني .

وتُعدُّ مشكلة الديون من أخطر مشكلات العالم المعاصر، فقد بلغت هذه الديون 1.4 تريليون دولار حسب ما أعلن في مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية الاجتماعية في كوبنهاجن.

وقد شبّهت شريل بييار مشكلة الديون بنظام العبودية، حين قالت: إن بالإمكان مقارنة نظام الديون العالمي بنظام العبودية، إذ لا يستطيع العامل في النظام العبودي أن يترك العمل لدى رب عمله، لأن هذا الأخير يؤمن له السلفات الضرورية لشراء بضائع باهظة الثمن من مخزن الشركة لتكملة أجوره الزهيدة، وهدف رب العمل الدائن التاجر هنا ليس استرداد الدّين مرة واحدة ولا تجويع العامل، إنما إبقاء العامل مرتبطاً به بصورة دائمة عبر ديونه.

إنّ هذا النظام العبودي نفسه، يسود على المستوى الدولي، فالبلدان المستقلة حديثاً، نجد أن ديونها وعجزها الدائم عن تمويل حاجتها الراهنة تجعلها مرتبطة إلى الدائنين برباط صارم.

وإذا ظلت هذه البلدان النامية ضمن هذا النظام فإنها محكومة بالتخلف الدائم، وبتنمية صادراتها لخدمة المشروعات المتعددة القوميات، وعلى حساب التنمية لتأمين حاجة شعوبها.

وحقيقة الأمر فإن هناك عدداً كبيراً ومتشابكاً من العوامل التي أدت إلى هذه الديون الرهيبة على الدول النامية، منها: هروب رؤوس الأموال للخارج، وانخفاض صادرات الدول النامية، والتسلح والإنفاق الضخم على الأغراض العسكرية، والاقتراض غير الرشيد.

إذ يُعدُّ هروب رأس المال على نطاق واسع عاملاً مهماً من العوامل التي ساهمت في زيادة حدة أزمة الديون في العالم الإسلامي، إن كميات كبيرة من أموال العالم الإسلامي تستثمر في العالم المتقدم، وتقدر بما لا يقل عن 700 مليار دولار.

ولذا، وصف فيلي برانت التدفق السنوي للأموال من البلدان المدينة "النامية" إلى البلدان الدائنة "المتقدمة" بقوله: إنها بمثابة نقل دم عكسية من المريض إلى الطبيب.

وتذكر بعض الدارسات أن أكثر من 95% من الحروب والصراعات مسرحها العالم الثالث.

كما أشار تقرير التنمية في العالم أن الإنفاق العسكري كنسبة من الناتج الوطني الإجمالي بلغ أعلى معدلاته في العالم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أي في العالم الإسلامي.

ومن المفارقات المؤلمة أن ثمن صاروخ واحد عابر للقارات يمكن أن يزود 50 مليون طفل يتضورون جوعاً في أفريقيا وآسيا وأمريكا بالغذاء، ويشيد 65 ألف مركز طبي، و34 ألف مدرسة ابتدائية، وثمن غواصة ذرية تشيد 40 ألف مسكن شعبي، وثمن طائرة قاذفة نووية يمكن أن يقيم 75 مستشفى سعة الواحد منها مائة سرير.

وفي المقابل، فإن العالم ينفق على التسلح مبلغ أكثر من 400 مليون دولار كل 24 ساعة، والعجيب المؤسف أن ثلاثة أرباع هذه الأسلحة تشتريها دول العالم الثالث.

أما الاقتراض غير الرشيد، فقد أدى بالمستدينين إلى استخدام الأموال بتهور شديد، والأسوأ أن تستقرض الدول الأموال لتودعها في مصارف سويسرا أو غيرها ويحرم الشعب من خيراتها، يقول برنارد لويس: إن الشيء الذي لم يتغير خلال قرن من الزمن، رغم كل التغيرات التي حصلت هو جهل المستدينين وجشع الدائنين؟

وقد نتج عن هذه الديون الرهيبة آثار خطيرة على التنمية الاقتصادية في البلدان النامية وكذا على الاستقلال الاقتصادي، من حيث تزايد أعباء خدمة الديون الأجنبية على فاعلية نقل الموارد الحقيقية للبلاد النامية، وإضعاف القدرة على الاستيراد، وتزايد العجز في ميزان المدفوعات وارتفاع معدل التضخم، وإضعاف معدل الادخار المحلي، وخضوع البلدان النامية لتوجيهات المنظمات الدولية وتوجهاتها.

إن استمرار ظاهرة المديونية سيؤثر عكسياً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المدى الطويل لهذه الدول "النامية"، باعتبار أن هذا العجز يشكل نزيفاً مستمراً في إمكانات الدول النامية وقدراتها المادية.

وعلى الرغم من المقترحات الدولية والإقليمية والمبادرات الحكومية والحلول الاقتصادية؛ فإنّ علاج ظاهرة الديون في العالم الإسلامي يبدو أنه أصعب مما يعتقد.

إن النمو السكاني هو الوحيد الذي ينافس الاستهلاك المرتفع كسبب للتدهور البيئي، وعلى الأقل فإن كثيراً من حكومات العالم يعتبرون النمو السكاني الآن مشكلة، وتبايناً مع ذلك، فإن الاستهلاك يعتبر خيراً على النطاق العالمي، والواقع أن زيادته تعتبر الهدف الرئيس للسياسة الاقتصادية الوطنية، ومستويات الاستهلاك تظهر النمو الكامل لشكل جديد للمجتمع البشري، المجتمع الاستهلاكي.

لقد نشأ هذا الأسلوب الجديد للحياة في مجتمعات الغرب، والكلمات التي تمثل روح هذا الأسلوب على أحسن وجه هي التي قالها فيكتور ليبو: إن اقتصادنا الإنتاجي يتطلب بدرجة هائلة أن نجعل الاستهلاك هو أسلوبنا في الحياة، ويخوّل شراء السلع واستخدامها إلى طقوس نداوم على أدائها، ونلتمس رضاءنا الروحي، ورضا غرورنا في الاستهلاك، إننا في حاجة إلى استهلاك الأشياء وحرقها وبليها وتبديلها بمعدل دائم الزيادة· وللأسف، فقد تبارى في محاكاة أسلوب الحياة الذي ابتدع في الغرب أولئك الذين يطيقونه في مختلف أنحاء العالم، ولكن كثيرين لا يستطيعون ذلك، والصدوع الاقتصادية التي تمزّق العالم تستعصي على الفهم، فالعالم فيه 300 بليونيراً وأكثر من ثلاثة ملايين مليونيراً، وفيه أيضاً 500 مليون شخص بلا مأوى يسكنون الأرصفة ومقالب القمامة وتحت الجسور.

كذلك، فإن قيمة مبيعات السلع الفاخرة على النطاق العالمي أرقى الأزياء وأفخر السيارات وغيرها من علامات الثراء الأخرى، تفوق إجمالي النواتج الوطنية لثلثي دول العالم، يقول آلن درتنج في كتاب "ما وراء الأرقام": اليوم يوجد في العالم ثلاث طبقات "أيكولوجية" رئيسة؛ هي طبقات المستهلكين وطبقات ذوي الدخل المتوسط والفقراء، وكل طبقة لها خصائصها وسماتها التي تميِّزها اقتصاداً.

إن فقراء العالم البالغ عددهم 1.6 مليار شخص تقريباً، يحصلون على دخل مقداره 400 دولار سنوياً لكل فرد من أفراد الأسرة، ومن ثمَّ فإن هذه المجموعة البشرية التي تضم خُمس سكان العالم وأفقرهم تحصل على 2% لا غير من دخل العالم.

أما طبقة الدخل المتوسط في العالم، التي تضم 3.3 مليار شخص، فإن دخلها يتراوح بين 700 - 750 دولاراً سنوياً لكل فرد من أفراد الأسرة، وتشمل طبقة المستهلكين التي تضم 1.1 مليار شخص من أعضاء المجتمع الاستهلاكي العالم، جميع العائلات التي يزيد دخل كل فرد من أفراد أسرها على 750 دولاراً سنوياً.

إن الثغرة الواسعة التي تفصل بين استهلاك السعداء والبؤساء من الموارد تظهر واضحة في تأثيراتهم في العالم البيئي، فاتجاهات الاستهلاك المندفعة صعوداً تبعاً لزيادة عدد المجتمع الاستهلاكي هي من منظور آخر مؤشرات عارمة للضرر البيئي.

فاستغلال المجتمع الاستهلاكي للموارد يهدد باستنزاف الغابات والتراب والماء والهواء أو تسميمها أو تشويهها تشويهاً ثابتاً لا يمكن تغييره، وأعضاء المجتمع الاستهلاكي مسؤولون عن جزء غير متناسب من جميع التحديات البيئية التي تواجه الإنسانية.

حيث إن استخدام طبقة المستهلكين للوقود الحفري بأنواعه، على سبيل المثال، يتسبب فيما يقدر بثلثي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من هذا المصدر.

إن الاستهلاك المرتفع يحدث تأثيرات ضخمة في حياتنا، ورياش أسلوب حياتنا الاستهلاكي، تلك الأشياء كالسيارات والسلع ومواد التغليف والتعبئة التي يتم التخلص منها بعد استعمالها مرة واحدة، والقوت الغني بالدسم وتكييف الهواء، لا يمكن التنعّم بها إلا بخسارة بيئية فادحة، كما أن طريقتنا في الحياة تتوقف على مدخلات ضخمة ومستمرة من السلع نفسها التي يلحق إنتاجها أبلغ الأضرار بالأرض؛ وهي الطاقة والمعادن والورق والكيماويات، وهذه الصناعات الأربع تحتل المراكز الأولى في القوائم الخمس التي ترتب الصناعات.

وهكذا، فإن أعضاء المجتمع الاستهلاكي مسؤولون عن المحن التي تتعرض لها الأرض بدءاً من الدفء العالمي وانتهاء إلى انقراض الأنواع، ومع هذا، فإن استهلاكنا نادراً ما يحظى بانتباه أولئك الذين يساورهم القلق بشأن مصير الأرض، حيث إنهم يركزون على الأسباب الأخرى المسهمة في التدهور البيئي، والواقع، فالاستهلاك هو المتغير الذي أسقط من المعادلة البيئية العالمية.

إذ إن العبء الكلي الذي يثقل به نظام اقتصادي النظم الأيكولوجية التي يقوم عليها هو دالة لثلاثة متغيرات، هي: حجم السكان، ومتوسط الاستهلاك، ومجموعة التقنيات.

وما يحدث بصفة عامة، هو أن المهتمين بشؤون البيئة يبحثون في تنظيم التقنيات وتغييرها، ومؤيدي تنظيم الأسرة يركزون على إبطاء النمو السكاني، بَيْدَ أنه لا يمكن أن يكفي التغيير التقني وتثبيت عدد السكان وحدهما لإنقاذ الكوكب من دون تكميلهما.

وللأسف، فإن الاستهلاك المرتفع نعمة متناقضة الأوجه فيما يتعلق بالإنسان أيضاً، فالناس الذين يعيشون في التسعينيات هم في المتوسط أغنى من أسلافهم في بداية القرن أربع مرات ونصف المرة، ولكنهم ليسوا أسعد منهم أربع مرات ونصف المرة، وما هو أسوأ أن هناك مصدرين رئيسين للرضا الإنساني، وهما العلاقات الاجتماعية، ووقت الفراغ، ويبدو أنهما قد ضويا أو توقف تقدمهما في زحمة الاندفاع طلباً للثراء.

وعلى ذلك، فلدى كثيرين منَّا في المجتمع الاستهلاكي إحساس بأن عالم الوفرة الذي نعيش فيه أجوف بطريقة أو بأخرى، وبأننا قد خدعنا بالثقافة المحبذة لزيادة الاستهلاك·

فقد كنَّا نحاول بلا جدوى تلبية الاحتياجات الاجتماعية والنفسية والروحية أساساً بأشياء مادية فقط منقادين خلف خيالات وتصورات متوهَّمة.

وفي المقابل، فإن نقيض فرط الاستهلاك، وهو العوز بالطبع، ليس هو الحل للمشكلات البيئية أو الإنسانية، فهو أسوأ بلا حدود بالنسبة للكثير من الناس وسيء للعالم البيئي.

فإذا كان الدمار البيئي يحل عندما يكون ما لدى الناس أقل أو أكثر مما ينبغي، فليس أمامنا إلا أن نتساءل: ما مقدار ما يكفي؟ وما مستوى الاستهلاك الذي تطيقه الأرض؟ ومتى تتوقف زيادة الثراء عن زيادة رضا الإنسان بقدر محسوس؟ وهل يمكن لجميع السكان في العالم أن يعيشوا عيشة مريحة من دون أن يتسببوا في تدهور ازدهار الكوكب البيئي؟ وهل يوجد مستوى معيشي أعلى من الفقر والكفاف ولكن دون أسلوب الحياة الاستهلاكي؟ وهل يمكن أن يكون لدى جميع الناس في العالم تدفئة مركزية وثلاجات ومجففات ملابس، وسيارات وأجهزة تكييف الهواء وأحواض سباحة مياهها دافئة ومنزل لكل منهم؟!

الحقيقة، لا يمكن الإجابة بشكل قاطع عن كثير من هذه الأسئلة.

ولكن، التساؤل أساسي، على الرغم من ذلك، بالنسبة لأعضاء المجتمع الاستهلاكي، فإذا لم ندرك أن المزيد ليس دائماً أفضل، فإن جهودنا لإحباط التدهور البيئي ستطيح بمعظم شهواتنا، وإذا لم نتساءل، فالمحتمل أننا سنكون عاجزين عن إدراك القوى المحيطة بنا، والتي تثير هذه الشهوات مثل الإعلان المستمر بلا هوادة، والمراكز التجارية المتكاثرة والضغوط الاجتماعية لمجاراة الخلاَّن والجيران·

وللأسف، فقد لا ننتهز الفرص لتحسين مستويات حياتنا بخفض الاستهلاك المرتفع، وخفض ساعات العمل، وقضاء بعض الوقت مع الأسرة والأصدقاء، ومع هذا، فليست هناك مغالاة في أن التحوُّل من المجتمع الاستهلاكي إلى مجتمع متواصل صعب، فنحن المستهلكين ننعم بأسلوب حياة يطمح إليه كل إنسان تقريباً، ولِمَ لا؟! فمَنْ ذا الذي لا يسارع إلى اقتناء سيارة ومنزل كبير على مساحة واسعة من الأرض يتحكم في درجة الحرارة داخله طوال أيام السنة؟

إن زخم قرون التاريخ الاقتصادي وشهوات الخمسة بلايين ونصف البليون شخص المادية تنحاز إلى جانب زيادة الاستهلاك.

وعلى ذلك، فربما نكون أمام مشكلة لا تسمح بأي حال بعلاج مقبول، فالتوسع في أسلوب الحياة الاستهلاكي ليشمل الجميع من شأنه أن يعجِّل خراب المحيط الحيوي.

فالبيئة العالمية لا تستطيع إعالة 1.1 مليار شخص يعيشون على نمط حياة المستهلكين الغربيين، ولا بالتأكيد 5.5 مليار شخص أو سكان العالم في المستقبل الذين لن يقل عددهم عن 8 مليارات شخص·

ومن ناحية أخرى، فإن خفض مستويات استهلاك المجتمع الاستهلاكي وكبح الطموح المادي في المجتمعات الأخرى اقتراح خيالي غير عملي، ولو أنه مقبول أخلاقياً، ومع هذا فقد يكون هو الخيار الوحيد.

فإذا أريد لأحفادنا أن يرثوا كوكباً عامراً بالوفرة والجمال، فيتحتم علينا نحن المنتمين إلى طبقة المستهلكين أن نأكل ونتنقل ونستخدم الطاقة والموارد بأسلوب أقرب شبهاً للأسلوب المتَّبع في الدرجة الوسطى من السلم الاقتصادي العالمي.

ختاماً أقول: إن غنى المرء يتناسب مع الأشياء التي يطيق أن يدعها وشأنها!

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top