د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 23 أغسطس 2017 14:59

الحج.. الآداب والأخلاق

إن من الآداب في الحج أن يتعلم الحاج كيفية الحج وأحكامه وما يحرم عليه وما يحل له، وما يجب وما يُسن، وهذا فرض قد فرضه الله على مريد الحج، إذ لا تصح العبادة ممن يجهلها، وأن يستصحب معه كتاباً واضحاً في مناسك الحج، جامعاً لأحكامه ومقاصده، يُديم مطالعته مع سؤاله لأهل العلم والفتوى في جميع أعمال الحج.

لذا يؤكد الأستاذ محمد الحجار في كتابه "صوت المنبر" ذلك بقوله: "ومن أخلّ بهذا وتساهل، خفنا عليه أن يرجع بغير حج، لإخلاله بشرط من شروط الحج أو ركن من أركانه، وربما قلد  كثير من الحجاج بعض عوام أهل مكة".

ومن تلك الآداب أن يطلب الحاج له رفيقاً صالحاً موافقاً راغباً في الخير كارهاً للشر، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإن كان من أهل العلم والصلاح فليتمسك به، فإنه يعينه على مبار الحج ومكارم الخُلُق يمنعه بعلمه وخلقه من سوء ما يطرأ على راحته في جميع الطرق، ويحتمل كل واحد منهما صاحبه.

ومن ذلك أن يستعمل الحاج الرفق وحسن الخلق مع الرفقة والأصحاب ويتجنب المخاصمة مع الناس، والمخاشنة والمزاحمة في الطريق وموارد الماء.

وعلى الحاج أن يصون لسانه من الشتم والغيبة والألفاظ القبيحة.

قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حجّ فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه ليوم ولدته أمه".

قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: إنّ لحج بيت الله آداباً إذا روعيت وقام الحاج بها؛ عاد - بإذن الله - موفور الحسنات، مقبول الأعمال.

ومن هذه الآداب: إذا استقر عزم الحاج على السفر، البدء بالتوبة النصوح عن جميع المعاصي والذنوب، ويخرج من مظالم العباد برد الحقوق لأهلها مع قضائه لديونه وردّ الودائع والأمانات لأهلها، ويستحل كل مَنْ بينه وبينه معاملة غير صحيحة ويكتب وصيته ويشهد عليها، ويوكل مَنْ يقضي عنه ديونه، إذا لم يتمكن هو من قضائها ويترك لأهله ومَنْ تلزمه نفقته من زوجة ووالد وولد شيئاً من المال إلى حين رجوعه.

ومن الآداب المستحبة أن يجتهد الحاج في إرضاء والديه ومن يتوجب عليه بره وطاعته من أستاذ ومعلم ورحم قريب.

ومنها أن تكون نفقته حلالاً خالصة من الشبهة، فإن خالف وحج بما فيه حرام لا يكون حجاً مبروراً ويبعد كل البعد أن يكون مقبولاً، ولله در القائل:

إذا حججت بمال أصله سحتُ           فما حججت ولكن حجتْ العير

لا يـقـبـل الله إلا كـل خـالصةٍ             ما كل من حج بيت الله مبرور

لذا، فعلى الحاج أن يستكثر من الزاد، والنفقة من المال، ليواسي من كان محتاجاً من القاطنين في تلك البقاع المباركة، ويأخذ بيد البائسين.

وعلى الحاج أن يترك المماحكة والمشاححة فيما يشتريه، بأن يكون سموحاً في البيع والشراء سموحاً في الأخذ والعطاء، فإن أهالي تلك البقاع ينتظرون موسم الحج ليغتنموا منافع الحج، ويفيدوا الحجيج بتوفير المأكولات اللازمة والملبوسات المناسبة والأدوات الضرورية مقابل ربح معقول مقبول.

الخميس, 29 يونيو 2017 11:50

استهلاك السعداء والبؤساء

إن النمو السكاني هو الوحيد الذي ينافس الاستهلاك المرتفع كسبب للتدهور البيئي، وعلى الأقل فإن كثيراً من حكومات العالم يعتبرون النمو السكاني الآن مشكلة. وتبايناً مع ذلك، فإن الاستهلاك يعتبر خيراً من النطاق العالمي تقريباً.

والواقع أن زيادته هو الهدف الرئيس للسياسة الاقتصادية الوطنية.

ومستويات الاستهلاك تظهر النمو الكامل بشكل جديد للمجتمع البشري "المجتمع الاستهلاكي".

لقد نشأ هذا الأسلوب الجديد للحياة في مجتمعات الغرب، والكلمات التي تمثل روح هذا الأسلوب على أحسن وجه هي التي قالها فيكتور ليبو: إن اقتصادنا الإنتاجي بدرجة هائلة يتطلب أن نجعل الاستهلاك هو أسلوبنا في الحياة، ونحول شراء السلع واستخدامها إلى طقوس نداوم على أدائها، ونلتمس رضاءنا الروحي، ورضا غرورنا في الاستهلاك. إننا في حاجة إلى استهلاك الأشياء وحرقها وبليها وتبديلها بمعدل دائم الزيادة.

وللأسف، فقد تبارى في محاكاة أسلوب الحياة الذي ابتدع في الغرب أولئك الذين يطيقونه في مختلف أنحاء العالم، ولكن كثيرين لا يستطيعون ذلك.

والصدوع الاقتصادية التي تمزّق العالم تستعصي على الفهم. فالعالم به 220 بليونير وأكثر من أربعة ملايين مليونير. وبه أيضا 200 مليون شخص بلا مأوى يسكنون الأرصفة ومقالب القمامة وتحت الجسور.

وكذا فإن قيمة مبيعات السلع الفاخرة على النطاق العالمي أرقى الأزياء وأفخر السيارات وغيرها من علامات الثراء الأخرى، تفوق إجمالي النواتج الوطنية لثلثي دول العالم. يقول آلن درننج في كتاب " ما وراء الأرقام": اليوم يوجد بالعالم ثلاث طبقات أيكولوجية رئيسية: هي طبقات المستهلكين وذوي الدخل المتوسط والفقراء، وكل طبقة لها خصائصها وسماتها التي تميزها اقتصادياً.

إن فقراء العالم البالغ عددهم 1.3 بليون شخص تقريباً، يحصلون على دخل مقداره 500 دولار سنوياً لكل فرد من أفراد الأسرة. ومن ثم فإن هذه المجموعة البشرية التي تضم "خمس" سكان العالم وأفقرهم تحصل على 2% لا غير من دخل العالم.

أما طبقة الدخل المتوسط في العالم، التي تضم 3.5 بلايين شخص، فإن دخلها يتراوح بين 700 و750 دولاراً سنوياً لكل فرد من أفراد الأسرة.

وتمثل طبقة المستهلكين التي تضم 1.5 بليون شخص من أعضاء المجتمع الاستهلاكي العالمي، جميع العائلات التي يزيد دخل كل فرد من أفراد أسرها على 800 دولار سنوياً.

إن الثغرة الواسعة التي تفصل بين استهلاك السعداء والبؤساء من الموارد تظهر واضحة في تأثيراتهم في العالم البيئي. فاتجاهات الاستهلاك المندفعة صعوداً تبعاً لزيادة عدد المجتمع الاستهلاكي هي من منظور آخر مؤشرات عارمة للضرر البيئي. فاستغلال المجتمع الاستهلاكي للموارد يهدّد باستنزاف الغابات والتربة والماء والهواء أو تسميمها أو تشويهها تشويهاً ثابتاً لا يمكن تغييره. وأعضاء المجتمع الاستهلاكي مسؤولون عن جزء غير متناسب من جميع التحديات البيئية التي تواجه الإنسانية.

حيث إن استخدام طبقة المستهلكين للوقود الحفري بأنواعه، على سبيل المثال، يتسبّب في ما يقدر بثلثي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من هذا المصدر.

إن الاستهلاك المرتفع يحدث تأثيراً ضخماً في حياتنا، ورياش أسلوب حياتنا الاستهلاكي، تلك الأشياء كالسيارات والسلع ومواد التغليف والتعبئة التي يتم التخلص منها بعد استعمالها مرة واحدة، والقوت الغني بالدسم وتكييف الهواء، لا يمكن التنعّم بها إلا بخسارة بيئية فادحة.

كما أن طريقتنا في الحياة تتوقف على مدخلات ضخمة ومستمرة من السلع نفسها التي يلحق إنتاجها أبلغ الأضرار بالأرض: وهي الطاقة والمعادن والورق والكيماويات. وهذه الصناعات الأربع تحتل المراكز الأولى في القوائم الخمس التي ترتّب الصناعات.

وهكذا، فإن أعضاء المجتمع الاستهلاكي مسؤولون عن المحن التي تتعرض لها الأرض بدءاً من الدفء العالمي إلى انقراض الأنواع.

ومع هذا، فإن استهلاكنا نادراً ما يحظى بانتباه أولئك الذين يساورهم القلق بشأن مصير الأرض حيث إنهم يركزون على الأسباب الأخرى المساهمة في التدهور البيئي. والواقع، فالاستهلاك هو المتغير الذي أسقط المعادلة البيئية العالمية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إنّ الشريعة السمحة تؤكد أن الزكاة والصدقات لا تتم إلا إذا جُرّدت من مظاهر التعالي والرياء، وقد مدح رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي يخفي صدقته حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وحتى جعله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظلّه، وعّد سبحانه وتعالى الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس تباهياً من الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.

كل هذا حفظاً لكرامة فقراء المؤمنين وحفاظاً على مشاعرهم، وحرصاً على سد حاجتهم ورغبة في توفير الأمن لهم.

ولأهمية شعيرة الزكاة، فقلّما تذكر إقامة الصلاة في القرآن إلا ويُذكر معها إيتاء الزكاة يقول عز وجل: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة..).

إن المال محبوب بالطبع، بَيْدَ أن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله تعالى وعن التأهب للآخرة، فاقتضت حكمة الشرع تكليف مالك المال بإخراج جزء منه محدّد من يده ليصير ذلك الإخراج كسراً من شدة الميل إلى المال، وتنبيهاً للإنسان على أن سعادته لا تحصل عند الاشتغال بطلب المال، وإنما تحصل عند إنفاق المال في طلب مرضاة الله تعالى، وهو المراد بقوله سبحانه: (خذ من أموالهم صدقة تطهِّرهم وتزكيهم بها..).

يقول أحمد الحبابي في كتابه "الإسلام المقارن": إنّ إخراج الزكاة شكر لنعمة الغنى الذي أنعم الله به على المزكي، إذ الشكر - كما قيل - صرف العبد جميع ما أنعم الله به من النعم واستعمالها          فيما وضعت له.

إنّ شكر نعمة الله سبحانه يكون بأمور منها امتثال أمر الله في المال بإخراج جزء منه إلى الفقراء والمساكين رحمةً بهم وتعطفاً عليهم، ومن لم يشكر النعم فقد تعرّض لزوالها.

وما ضاع الفقراء وجاعوا وما قضت عليهم الأمراض والأوباء إلا بمنع الأغنياء زكوات أموالهم عنهم، كما ورد عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: ما جاع فقير إلا بما منع غني.

ثم إنّ الزكاة تُدخل نشاطاً فكرياً وعقلياً على المُعطي والمعطى، وبالتالي يحصل لهما قوة بدنية وحصانة شخصية بها يزول الفقر والمرض والجوع.

وحينما كان الأغنياء يؤدون زكاة أموالهم عن اقتناع وإيمان كانوا يُحسُّون بأنهم يؤدون فريضة الأمن والاستقرار،  إذ صار الناس بين غنيّ غير محتاج وفقير أخذ حقه من مال الغني ولم يبق له عذر في السرقة، فإذا سرق فإنما هو جَشِعٌ غير قنوع، من حق الدولة إذاك أن تؤدّبه بقطع يده التي مدها للسرقة.

ومن أجل هذا سادت الحياة الهادئة المطمئنة وصار المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام يقف كالبنيان يسند بعضه بعضاً ويؤازر بعضه بعضاً وصار الناس عباداً لله إخواناً.

الثلاثاء, 06 يونيو 2017 14:18

اقتصاد رمضاني

إنّ للصوم أبعاداً اقتصادية عظيمة منها ما يدركها العقل البشري كأثره على صحة الإنسان مثلاً، الثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه، فطوبى لمن اقتدى في صيامه وقيامه بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إنّ من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.. إلخ من الضروريات، لصيانة دينه ونفسه ونسله، ولحفظ عقله وماله، كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان، وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدوداً لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.

لقد درجت أمانينا على اغتنام فرصة الصيام لتقويم الروح بفوائد روحية وتقويم الجسد بفوائد جسمية، فهل نتعود على اغتنام الفرصة لتقويم اقتصاد الأمة وهو جسمها وروحها من داء عضال هو داء الاستهلاك الدائم من غير إنتاج كاف؟! وهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم؟!   

إنّ الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير، هذا    ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيراً، فالإنسان هو الذي يقرّر مستوى رفاهه ودرجة ثرائه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكنه أن يصبح ثرياً، وبإمكانه إن كان نهم الاستهلاك كما هو حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته.

وهكذا فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبياً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "كُلْ واشربْ والبسْ وتصدّقْ ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة"، وقد ورد عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قوله: "كل سرف فبإزائه حق مضيّع".

إن الصوم يربي في المسلمين ملكة الصبر ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلّت بنا اليوم هي البطر في الاستهلاك والتبذير والبعد عن الدّين القيّم. قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ {112}) (النحل)، وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم (القصص: 76 - 83)، وفرعون وغيرهم الذين جحدوا نعم الله.

فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها وهو عمل يذمه الإسلام ذمّاً كبيراً، حيث وصف الله المسرفين والمبذرين بأنهم إخوان الشياطين، لما لهذا العمل من آثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف بل تمتد لتشمل المجتمع والعالم.

 للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top