د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 17 نوفمبر 2018 21:12

هكذا بنوا الدولة العثمانية

السُّلطان أورخان بن عثمان
726 -761هـ/1327 -1360م

ورث حكم السلطان الغازي عثمان الأول، بعد وفاته ابنه أورخان، وسار على نفس سياسة والده في الحكم، والفتوحات. وفي عام 727هـ الموافق 1327م سقطت في يده نيقو ميديا، وتقع في شمال غرب آسيا الصُّغرى قرب مدينة إستانبول، وهي مدينة أزميت الحاليَّة، فأنشأ بها أوَّل جامعة عثمانيَّة، وعهد بإِدارتها إِلى داود القيصري أحد العلماء العثمانيين، الَّذين درسوا في مصر، واهتمَّ ببناء الجيش على أسسٍ عصريَّةٍ، وجعله جيشاً نظاميَّاً.

وحرص السُّلطان أورخان على تحقيق بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح القسطنطينية، ووَضْع خطةٍ استراتيجيَّةٍ تستهدف محاصرة العاصمة البيزنطيَّة من الغرب، والشَّرق في آنٍ واحدٍ، ولتحقيق ذلك أرسل ابنه وولي عهده «سليمان» لعبور مضيق «الدَّردنيل» والاستيلاء على بعض المواقع في النَّاحية الغربيَّة.
وفي عام (758هـ) اجتاز سليمان مضيق «الدَّردنيل» ليلاً مع أربعين رجلاً من فرسان الإِسلام، ولما أدركوا الضفَّة الغربيَّة، استولوا على الزَّوارق الرُّوميَّة الرَّاسية هناك، وعادوا بها إِلى الضِّفة الشَّرقية، إِذ لم يكن للعثمانيِّين أسطولٌ حينذاك، حيث لا تزال دولتهم في بداية تأسيسها، وفي الضفَّة الشَّرقية أمر «سليمان» جنوده أن يركبوا في الزوارق حيث تنقلهم إِلى الشَّاطئ الأوروبيِّ حيث فتحوا ميناء قلعة «ترنب» و «غاليبولي» الَّتي فيها قلعة «جنا قلعة» و «أبسالا» و «رودستو» وكلُّها تقع على مضيق «الدَّردنيل» من الجنوب إِلى الشَّمال، وبهذا خطا هذا السُّلطان خطوةً كبيرةً استفاد منها مَنْ جاء بعده في فتح «القسطنطينيَّة».

 

أوَّلاً: تأسيس الجيش الجديد (يني تشري):
إِنَّ من أهمِّ الأعمال الَّتي ترتبط بحياة السُّلطان أورخان تأسيسه للجيش الإِسلاميِّ، وحرصه على إِدخال نظامٍ خاصٍّ للجيش، فقسمه إِلى وحدات تتكوَّن كلُّ وحدةٍ من عشرة أشخاص، أو مئة شخصٍ، أو ألف شخصٍ، وخصَّص خمس الغنائم للإِنفاق منها على الجيش، وجعله جيشاً دائماً بعد أن كان لا يجتمع إِلا وقت الحرب، وأنشأ له مراكز خاصَّة، يتمُّ تدريبه فيها.
كما أنَّه أضاف جيشاً آخر عرف بالإِنكشارية شكَّله من المسلمين الجدد الَّذين ازداد عددهم بعد اتِّساع رقعة الدَّولة، وانتصاراتهم الكبيرة في حروبها مع أعدائها من غير المسلمين، ودخول أعدادٍ كبيرة من أبناء تلك البلاد المفتوحة في الإِسلام، ثمَّ انضمامهم إِلى صفوف المجاهدين في سبيل نشر الإِسلام، فبعد أن يعتنقوا الإِسلام ويتمَّ تربيتهم تربيةً إِسلاميَّةً فكريَّاً، وحربيَّاً يعيَّنون في مراكز الجيش المختلفة، وقد قام العلماء، والفقهاء مع سلطانهم أورخان بغرس حبِّ الجهاد، والذَّود عن الدِّين والشَّوق إِلى نصرته، أو الشَّهادة في سبيله، وأصبح شعارهم (غازياً أو شهيداً) عندما يذهبون إِلى ساحة الوغى.
ولقد زعم معظم المؤرِّخين الأجانب: أنَّ جيش الإِنكشارية تكوَّن من انتزاع أطفال النَّصارى من بين أهاليهم، ويجبرونهم على اعتناق الإِسلام بموجب نظامٍ، أو قانونٍ زعموا: أنَّه كان يدعى بنظام (الدَّفشرية)، وزعموا: أنَّ هذا النِّظام كان يستند إِلى ضريبةٍ إِسلاميَّةٍ شرعيَّةٍ أطلقوا عليها اسم «ضريبة الغلمان» وأسموها أحياناً «ضريبة الأبناء» وهي ضريبةٌ زعموا: أنَّها تبيح للمسلمين العثمانيِّين أن ينتزعوا خمس عدد أطفال كلِّ مدينةٍ، أو قريةٍ نصرانيَّة باعتبارهم خمس الغنائم الَّتي هي حصَّة بيت مال المسلمين، ومن هؤلاء المؤرِّخين الأجانب الَّذين افتروا على الحقيقة: كارل بروكلمان، وجيبونز، وجب.
إِنَّ الحقيقة تقول: إِنَّ نظام الدَّثرمة المزعوم ليس سوى كذبةٍ دُسَّت على تاريخ أورخان بن عثمان، ومراد بن أورخان وانسحبت من بعده على العثمانيِّين قاطبةً، فلم يكن نظام الدَّثرمة إِلا اهتماماً من الدَّولة العثمانية بالمشرَّدين من الأطفال النَّصارى الَّذين تركتهم الحروب المستمرَّة أيتاماً، أو مشرَّدين، فالإِسلام الَّذي تدين الدَّولة العثمانيَّة به يرفض رفضاً قاطعاً ما يسمَّى بضريبة الغلمان الَّتي نسبها المغرضون من المؤرِّخين الأجانب إِليها.
لقد كانت أعدادٌ هائلةٌ من الأطفال فقدوا آباءهم، وأمَّهاتهم بسبب الحروب، والمعارك، فاندفع المسلمون العثمانيُّون إِلى احتضان أولئك الأطفال الَّذين هاموا في طرقات المدن المفتوحة بعد فقدانهم لآبائهم، وأمَّهاتهم، وحرصوا على تأمين مستقبلٍ كريمٍ لهم، وهل من مستقبلٍ كريمٍ، وأمينٍ إِلا في الإِسلام، أفإِن يحرص المسلمون على أن يعتنق الأطفال المشرَّدون التَّائهون الإِسلام، انبرى المفترون يزعمون: أنَّ المسلمين كانوا ينتزعونهم من أحضان آبائهم وأمَّهاتهم، ويكرهونهم على الإِسلام؟!
الحقيقة تقول: كلُّ من ذكر ضريبة الغلمان، أو أخذهم بالقوَّة من ذويهم تحت قانون أخذ خمس أطفال المدن والقرى ليس له دليلٌ إِلا كتب المستشرقين، كالمؤرِّخ النَّصرانيِّ سوموفيل، أو بروكلمان، وهؤلاء لا يُطمأنُّ إِليهم في كتابة التَّاريخ الإِسلامي، ولا إِلى نواياهم تجاه الإِسلام، وتاريخ الإِسلام.
إِنَّ حقيقة الجيش الجديد الَّذي أنشأه أورخان بن عثمان هو تشكيل جيشٍ نظاميٍّ يكون دائم الاستعداد والتَّواجد قريباً منه في حالة الحرب، أو السِّلم على حدٍّ سواءٍ، فَشُكِّل من فرسان عشيرته، ومن مجاهدي النَّفير الَّذين كانوا يسارعون لإِجابة داعي الجهاد، ومن أمراء الرُّوم، وعساكرهم الَّذين دخل الإِسلام في قلوبهم، وحسن إِسلامهم.
وكانت راية الجيش الجديد من قماش أحمر، وسطها هلال، وتحت الهلال صورةٌ لسيفٍ أطلقوا عليه اسم «ذو الفقار» تيمُّناً بسيف الإِمام عليٍّ، رضي الله عنه.
لقد كان علاء الدِّين بن عثمان أخو أورخان صاحب الفكرة، وكان عالماً في الشَّريعة ومشهوراً بالزُّهد، والتَّصوُّف الصَّحيح.
وعمل أورخان على زيادة عدد جيشه الجديد بعد أن ازدادت تبعات الجهاد، ومناجزة البيزنطيين، فاختار عدداً من شباب الأتراك، وعدداً من شباب البيزنطيِّين، الَّذين أسلموا، وحسن إِسلامهم، فضمَّهم إِلى الجيش، واهتمَّ اهتماماً كبيراً بتربيتهم تربيةً إِسلاميَّة جهاديَّةً.
ولم يلبث الجيش الجديد حتى تزايد عدده، وأصبح يضمُّ آلافاً من المجاهدين في سبيل الله.
وخلاصة القول: إِنَّ السُّلطان أورخان لم ينتزع غلاماً نصرانيَّاً واحداً من بيت أبيه، ولم يكره غلاماً نصرانيَّاً واحداً على اعتناق الإِسلام، وأنَّ كل ما زعمه بروكلمان، وجب، وجيبونز كذبٌ، واختلاق، ينبغي أن تزال آثاره من كتب تاريخنا الإِسلاميِّ.
إِنَّ مقتضيات الأمانة العلميَّة، والأخوَّة الإِسلاميَّة تضع في عنق كلِّ مسلم غيور، وخاصَّةً العلماء، والمثقَّفين، والمفكِّرين، والمؤرِّخين، والمدرِّسين، والباحثين، والإِعلاميِّين أمانة نسف هذه الفرية، ودحض هذه الشُّبهة الَّتي أُلصقت بالعثمانيِّين، وأصبحت كأنَّها حقيقةٌ لا تقبل النقاش، والمراجعة، والحوار.

 

ثانيًا: سياسة أورخان الدَّاخليَّة والخارجيَّة:
كانت غزوات أورخان منصبَّةً على الرُّوم، ولكن حدث في سنة (736هـ - 1336م) أن توفي أمير قره سي ـ وهي إِحدى الإِمارات الَّتي قامت على أنقاض دولة سلاجقة الرُّوم، واختلف ولداه من بعده، وتنازعا الإِمارة، واستفاد أورخان من هذه الفرصة فتدخَّل في النِّزاع، وانتهى بالاستيلاء على الإِمارة، وقد كان مما تهدف إِليه الدَّولة العثمانيَّة النَّاشئة أن ترث دولة سلاجقة الرُّوم في آسيا الصغرى، وترث ما كانت تملكه، واستمرَّ الصِّراع لذلك بينها وبين الإِمارات الأخرى حتَّى أيَّام الفاتح، حيث تمَّ إِخضاع آسيا الصُّغرى برمَّتها لسلطانه.
واهتمَّ أورخان بتوطيد أركان دولته، فعمد إِلى الأعمال الإِصلاحيَّة، والعمرانيَّة، ونظَّم شؤون الإِدارة، وقوَّى الجيش، وبنى المساجد، وأنشأ المعاهد العلميَّة وأشرف عليها خيرة العلماء، والمعلِّمين، وكانوا يحظون بقدرٍ كبيرٍ من الاحترام في الدَّولة، وكانت كلُّ قريةٍ بها مدارسها، وكلُّ مدينةٍ بها كلِّيتها الَّتي تعلم النَّحو، والتَّراكيب اللُّغوية، والمنطق، والميتافزيقا، وفقه اللُّغة، وعلم الإِبداع اللُّغوي، والبلاغة، والهندسة، والفلك وبالطَّبع تحفيظ القرآن، وتدريس علومه، والسُّنة، والفقه، والعقائد.
وهكذا أمضى أورخان بعد استيلائه على إِمارة «قره سي» عشرين سنةً دون أن يقوم بأيِّ حروب، بل قضاها في صقل النُّظم المدنيَّة، والعسكريَّة الَّتي أوجدتها الدَّولة، وفي تعزيز الأمن الدَّاخلي، وبناء المساجد، ورصد الأوقاف عليها، وإقامة المنشآت العامَّة الشَّاسعة، ممَّا يشهد بعظمة أورخان، وتقواه، وحكمته، وبعد نظره، فإِنَّه لم يشنَّ الحرب تلو الحرب طمعاً في التوسُّع، وإِنَّما حرص على تعزيز سلطانه في الأراضي الَّتي يتاح له ضمُّها، وحرص على طبع كلِّ أرضٍ جديدةٍ بطابع الدَّولة المدنيِّ، والعسكريِّ، والتَّربويِّ، والثَّقافيِّ، وبذلك تصبح جزءاً لا يتجزَّأ من أملاكهم؛ بحيث أصبحت أملاك الدَّولة في آسيا الصُّغرى متماثلةً، ومستقرَّةً.
وهذا يدلُّ على فهم، واستيعاب أورخان لسنَّة التدرُّج في بناء الدُّول، وإقامة الحضارة، وإِحياء الشُّعوب.
وفي عام 1358م أصاب زلزالٌ مدينة تراقيا، فانهارت أسوار غاليبولي، وهجرها أهلها ممَّا سهل على العثمانيِّين دخولها. وقد احتجَّ الإمبراطور البيزنطي على ذلك دون جدوى ـ وكان ردُّ أورخان: إنَّ العناية الإِلهية قد فتحت أبواب المدينة أمام قوَّاته! وما لبثت غاليبولي أن أصبحت أوَّل قاعدة عثمانيَّة في أوربا، ومنها انطلقت الحملات الأولى الَّتي تُوِّجت في النهاية بالاستيلاء على كلِّ شبه جزيرة البلقان.
وحين انفرد حنَّا الخامس باليولوجس بحكم بيزنطة؛ أقرَّ كلَّ فتوح أورخان في أوربا في مقابل تعهد السُّلطان بتسهيل وصول الطَّعام، والمؤن إِلى القسطنطينيَّة، وأرسل أورخان أعداداً كبيرة من القبائل المسلمة بغية الدَّعوة إِلى الإِسلام، ومنع تمكُّن النَّصارى من طرد العثمانيِّين من أوربا.

 

ثالثاً: العوامل الَّتي ساعدت السُّلطان أورخان في تحقيق أهدافه:
1ـ المرحليَّة الَّتي سار عليها أورخان، واسْتِفادتُه من جهود والده عثمان، ووجود الإِمكانيَّات المادِّيَّة، والمعنويَّة الَّتي ساعدتهم على فتح الأراضي البيزنطيَّة في الأناضول، وتدعيم سلطتهم فيها. ولقد تميَّزت جهود أورخان بالخطى الوئيدة، والحاسمة في توسيع دولته، ومدِّ حدودها، ولم ينتبه العالَم المسيحيُّ إِلى خطورة الدَّولة العثمانيَّة إِلا بعد أن عبروا البحر، واستولوا على غاليبولي.
2ـ كان العثمانيُّون ـ يتميَّزون ـ في المواجهة الحربيَّة الَّتي تمَّت بينهم وبين الشُّعوب البلقانيَّة ـ بوحدة الصَّفِّ، ووحدة الهدف، ووحدة المذهب الدِّينيِّ، وهو المذهب السُّنِّيُّ.
3ـ وصول الدَّولة البيزنطيَّة إِلى حالةٍ من الإِعياء الشَّديد، وكان المجتمع البيزنطيُّ قد أصابه تفكُّكٌ سياسيٌّ، وانحلالٌ دينيٌّ واجتماعيٌّ، فسهَّل على العثمانيِّين ضمَّ أقاليم هذه الدَّولة.
4ـ ضعف الجبهة المسيحيَّة نتيجةً لعدم الثِّقة بين السُّلطات الحاكمة في الدَّولة البيزنطيَّة، وبلغاريا، وبلاد الصِّرب، والمجر، ولذلك تعذَّر في معظم الأحيان تنسيق الخطط السِّياسيَّة، والعسكريَّة للوقوف في جبهةٍ واحدةٍ ضدَّ العثمانيِّين.
5ـ الخلاف الدِّيني بين روما والقسطنطينيَّة؛ أي: بين الكاثوليك، والأرثوذكس، الذي استحكمت حلقاته، وترك آثاراً عميقة الجذور في نفوس الفريقين.
6ـ ظهور النِّظام العسكري الجديد على أسسٍ عقديَّةٍ، ومنهجيَّةٍ تربويَّةٍ، وأهدافٍ ربَّانيَّةٍ، وأشرف عليه خيرة قادة العثمانيِّين.

 

المراجع:
1. أحمد عبد الرحيم مصطفى، في أصول التَّاريخ العثماني، دار الشُّروق، الطَّبعة الثَّانية، 1986م ـ 1406هـ ـ
2. إسماعيل ياغي، الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م.
3. جمال عبد الهادي وآخرون، الدَّولة العثمانيَّة، أخطاء يجب أن تصحَّح في التاريخ، دار الوفاء، الطَّبعة الأولى، 1414هـ/1994م.
4. زيادة أبو غنيمة، جوانب مضيئة في تاريخ العثمانيِّين، دار الفرقان، الطَّبعة الأولى 1403 ـ 1983م.
5. سالم الرشيدي، محمَّد الفاتح، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ.
6. عبد اللطيف دهيش، قيام الدَّولة العثمانيَّة، الطَّبعة الثَّانية، 1416هـ/1995م، مطبعة النَّهضة الحديثة، مكَّة المكرَّمة.
7. علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م.
8. محمد حرب، العثمانيُّون في التَّاريخ والحضارة، دار القلم، دمشق، الطَّبعة الأولى 1409هـ/1989م.

 

استقطبت الدراما التاريخية التركية وخاصة المسلسل التاريخي الأخير "قيامة أرطغرل" أنظار المتابعين حول نشأة الدولة التركية العثمانية في الأناضول، ومهما تداخلت الدراما ومبالغاتها مع المشاهد التاريخية الحقيقية ولكنها تعكس صورة وتعطي فكرة عامة عن بدايات نشوء دولة آل عثمان التي حكمت العالم الإسلامي قرونًا طويلة من الزمن.

لقد قَدِمَ العثمانيون الأتراك من بلاد الشرق وهم من أصول مغولية، أيّ من أبناء البشرة الصفراء إذا جاز التعبير، ودائمًا يحدث خلط كثير بين أصول هؤلاء الأقوام وموطنهم في الأناضول، وقبل قيام دولتهم في الأناضول دخل متطوعون ومماليك كثر منهم في الجيوش الإسلامية في العصر الأموي والعباسي والأيوبي، وتقلدوا أرفع المراتب العسكرية حتى وصلوا للسلطة فيما بعد، وشكلوا دولًا حكمت بلاد المسلمين سواء كانت الزنكية أو المملوكية أم السلجوقية وآخرها الدولة العثمانية.

1- نشأة العثمانيين وأصولهم:

ينتسب العثمانيون إلى قبيلة تركمانية كانت تعيش في كردستان وتزاول حرفة الرعي في القرن السابع الهجري الموافق الثالث عشر الميلادي، واتصف الأتراك بأنهم قبائل بدوية امتهنت الحرب والفروسية والغزو في وقت مبكر، وقد كان هؤلاء من أشد المقاتلين صلابة وأكثرهم شدة في الحرب، ومنهم الفرسان الذين لا يشق لهم غبار، ونتيجة للغزو المغولي بقيادة جنكيز خان على العراق ومناطق شرق آسيا الصغرى، فإن سليمان جد عثمان غازي هاجر مع قبيلته من كردستان إلى بلاد الأناضول في عام (617هـ - 1220م)، فاستقر في مدينة أخلاط في شرقي الأناضول.

بعد وفاة سليمان شاه، غرقًا في نهر الفرات أثناء عبوره، خلفه ابنه الأوسط أرطغرل (628هـ - 1230م)، الذي واصل تحركه نحو الشمال الغربي من الأناضول، وكان معه حوالي 100 أسرة وأكثر من 400 فارس، وحين كان أرطغرل والد عثمان فارًّا بعشيرته التي لم يتجاوز تعدادها 400 عائلة، من ويلات الهجمة المغولية، فإذا به يسمع عن بُعد جلبة وضوضاء، فلما دنا منها وجد قتالًا حاميًا بين مسلمين ونصارى، وكانت كفة الغلبة للجيش البيزنطي، فما كان من أرطغرل إلا أن تقدم بكل حماس وثبات لنجدة إخوانه في الدين والعقيدة، فكان ذلك التقدم سببًا في نصر المسلمين على النصارى.

وبعد انتهاء المعركة، قدَّر السلطان السلجوقي في قونية هذا الموقف لأرطغرل ومقاتليه، فأقطعهم أرضًا "سوغوت" على الحدود الغربية للأناضول بجوار الثغور مع الروم البيزنطيين ولقبه أمير القبائل التركية في تلك النواحي، وفتح السلاجقة بذلك الطريق لأرطغرل وأبنائه للتوسع على حساب الروم، وكسب السلاجقة بذلك حليفًا قويًا ومشاركًا في الجهاد ضد الروم، وقد قامت بين هذه الدولة الناشئة وبين سلاجقة الروم علاقة حميمية نتيجة وجود عدو مشترك لهم في العقيدة والدين، وقد استمرت هذه العلاقة طيلة حياة أرطغرل، حتى إذا توفي سنة (699هـ/ 1299م) خلفه من بعده في الحكم ابنه عثمان؛ الذي سار على سياسة أبيه السابقة في التوسع في أراضي الروم والتعاون مع السلاجقة في حروبهم وتحالفاتهم وتنسيق العلاقات معهم.

2- عثمان مؤسس الدولة العثمانية:

ولد عثمان بن أرطغرل في عام 656ه - 1258م، وإليه تنسب الدولة العثمانية، وتزامنت ولادته مع الغزو المغولي لبغداد بقيادة هولاكو، وقد كان غزو عاصمة الخلافة العباسية من الأحداث العظيمة، والمصائب الجسيمة.

ولا يستعجل أهل الحق وعد الله عز وجل لهم بالنصر والتمكين، فلا بد من مراعاة السنن الشرعية، والسنن الكونية، ولا بد من الصبر على دين الله عز وجل: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد :4]. والله إذا أراد شيئًا هيأ له أسبابه، وأتى به شيئاً فشيئاً، بالتدرج أو دفعة واحدة، وبدأت قصة التمكين للدولة العثمانية مع ظهور القائد عثمان الذي ولد في عام سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وعندما نتأمل في سيرة عثمان غازي الأول تبرز لنا بعض الصفات المتأصلة في شخصه، كقائد عسكري، ورجل سياسي، ومن أهم هذه الصفات:

الشجاعة، والحكمة، والإخلاص، والصبر، والجاذبية الإيمانية، وعدله، والوفاء، والتجرد لله في فتوحاته، ولقد كانت شخصية عثمان متزنة وخلابة، بسبب إيمانه العظيم بالله تعالى واليوم الآخر، ولذلك لم تطغ قوته على عدالته، ولا سلطانه على رحمته، ولا غناه على تواضعه، وأصبح مستحقاً لتأييد الله وعونه، ولذلك أكرمه الله تعالى بالأخذ بأسباب التمكين والغلبة، وهو تفضل من الله تعالى على عبده عثمان، فجعل له مكانة وقدرة على التصرف في آسيا الصغرى من حيث التدبير والرأي وكثرة الجنود والهيبة والوقار، وقد كانت رعاية الله له عظيمة، ولذلك فتح الله له باب التوفيق، وحقق له ما تطلع إليه من أهداف وغاية سامية، لقد كانت أعماله عظيمة بسبب حبه للدعوة إلى الله؛ فقد فتح الفتوحات العظيمة بحد السيف، وفتوحات القلوب بالإيمان والإحسان، فكان إذا ظفر بقوم دعاهم إلى الحق، والإيمان بالله تعالى، وكان حريصاً على الأعمال الإصلاحية في كافة الأقاليم والبلدان التي فتحها، فسعى في بسط سلطان الحق والعدالة، وكان صاحب ولاء ومحبة لأهل الإيمان، مثلما كان معادياً لأهل الكفران.

3- الدستور الذي سار عليه العثمانيون:

كانت حياة الأمير عثمان، مؤسس الدولة العثمانية، جهادًا ودعوة في سبيل الله، وكان علماء الدين يحيطون بالأمير، ويشرفون على التخطيط الإداري والتنفيذ الشرعي في الإمارة، ولقد حفظ لنا التاريخ وصية عثمان لابنه أورخان وهو على فراش الموت، وكانت تلك الوصية ذات دلالة حضارية ومنهجية شرعية، سارت عليها الدولة العثمانية واتخذها خلفاؤه دستورًا فيما بعد، يقول عثمان في وصيته لابنه:

أ- يا بني، إياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين.

ب- إذا واجهتك في الحكم معضلة فاتخذ من مشورة علماء الدين موئلاً.

جـ- يا بني، أوصيك بعلماء الأمة، أدم رعايتهم وأكثر من تبجيلهم.

د- اعلم يا بني أن نشر الإسلام وهداية الناس إليه وحماية أعراض المسلمين وأموالهم أمانة في عنقك.

هـ- يا بني، أحط من أطاعك بالإعزاز، وأنعم على الجنود.

و- ولا يغرنك الشيطان بجندك ومالك.

ز- وإن بالجهاد يعم نور ديننا كل الآفاق فتحدث مرضاة الله عز وجل.

حـ- من انحرف من سلالتي عن الحق والعدل حرم من شفاعة الرسول الأعظم يوم المحشر.

ط- يا بني، لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالإسلام نحيا وبالإسلام نموت.

هذه الوصية الخالدة هي التي نهضت بها دولة آل عثمان وسار عليها الحكام العثمانيون في زمن قوتهم ومجدهم وعزتهم وتمكينهم، وترك عثمان الأول الدولة العثمانية، وكانت مساحتها 16 ألف كيلومتر مربع، واستطاع أن يجد لدولته الناشئة منفذًا على بحر مرمرة، واستطاع بجيشه أن يهدد أهم حاضرتين بيزنطيتين في ذلك الزمان؛ وهما أزنيق، وبورصة.

 

مراجع المقال:

1- أحمد بن يحيى البلاذري، فتوح البلدان، ص 405 – 409.

2- أخبار الأمراء والملوك السلاجقة، تحقيق: محمد نور الدين، ص. ص 2 – 4.

3- بارتولد، تاريخ الترك في آسيا الوسطى، ترجمة أحمد العيد، ص 106.

4- عبد اللطيف دهيش، قيام الدولة العثمانية، ص 8.

5- علي الصلابي، الدولة العثمانية، دار ابن كثير، بيروت.

6- محمد أنيس، الدولة العثمانية والشرق العربي، ص. ص 12 - 13.

7- مراد الشوابكي، من هم العثمانيون، 1 مارس 2015، رابط: https://bit.ly/2JuRzfG

 


رسمت خطبة الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه معالم الدولة الإسلامية الأولى ودستورها الرشيد بعد وفاة النبي الكريم (ص). فقد خشي جموع الصحابة ورجالات الأمة الكبار والمسلمين على مسيرة الدعوة وتماسك المجتمع الإسلامي، لكن الجواب أتى من خليفة رسول الله الصديق (ر). فقد بدت في خطبته سمات ومعالم طريق دولة الخلافة في عباراته: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله»1. فإن من أهداف دولة الصّدِّيق الحرص على إقامة مقاصد القرآن الكريم التي تساهم في إقامة المجتمع الإسلامي وتوطيد دعائم الحكم الإسلامي، فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل. وإن إقامة العدل بين الناس أفرادًا وجماعات ودولًا، ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه، بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل 2. يقول الفخر الرازي: أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل3، وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة.
إن من أهداف دولة الإسلام إقامة المجتمع الإسلامي الذي تسود فيه قيم العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته بجميع أشكاله وأنواعه كافة، وعليها أن تفسح المجال وتيسر السُبل أمام كل إنسان يطلب حقه، أن يصل إليه بأيسر السبل وأسرعها دون أن يكلفه ذلك جهدًا أو مالًا، وعليها أن تمنع أية وسيلة من الوسائل من شأنها أن تعيق صاحب الحق عن الوصول إلى حقه. لقد أوجب الإسلام على الحكام، أن يقيموا العدل بين الناس، دون النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم أو أحوالهم الاجتماعية، فهو يعدل بين المتخاصمين ويحكم بالحق، ولا يهمه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء، أو أعداء، أو أغنياء أو فقراء عمالاً أو أصحاب عمل4. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة، آية: 8).
لقد كان الصّدِّيق رضي الله عنه قدوة في عدله يأسر القلوب، ويبهر الألباب، لأن العدل في نظره دعوة عملية للإسلام والسلام، فيه تفتح قلوب الناس للإيمان. لقد عدل بين الناس في العطاء، وطلب منهم أن يكونوا عوناً له في هذا العدل، وعرض القصاص من نفسه في واقعة تدل على العدل والخوف من الله سبحانه وتعالى5. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أن أبا بكر الصّدِّيق رضي الله عنه قام يوم جمعة فقال: إذا كنا بالغداة، فأحضروا صدقات الإبل نقسمها، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن، فقالت امرأة لزوجها: خذ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملاً، فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد دخلا إلى الإبل فدخل معهما، فالتفت أبو بكر فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسم الإبل دعا الرجل، فأعطاه الخطام وقال: استقد ..... فقال عمر: والله لا يستقد ولا تجعلها سنة، قال أبو بكر: فمن لي من الله يوم القيامة؟ قال عمر: أرضه، فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلته ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها6.
أما مبدأ المساواة الذي أقره الصّدِّيق في بيانه الذي ألقاه على الأمة، فيُعدُّ أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر. وممّا ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات، آية: 13). وإن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، والرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس، أو اللون أو النسب، أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء7.
كما جاءت ممارسة الصّدِّيق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك، وكان رضي الله عنه ينفق من بيت مال المسلمين فيُعطي كل ما فيه سواسية بين الناس، فقد كان توزيع العطاء في عهده على التسوية بين الناس وقد ناظر الفاروق عمر رضي الله عنه أبا بكر في ذلك فقال: أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح؟، فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ للراكب. ورغم أن عمر رضي الله عنه غيّر في طريقة التوزيع، فجعل التفضيل بالسابقة إلى الإسلام والجهاد إلا أنه في نهاية خلافته قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لرجعت إلى طريقة أبي بكر فسويت بين الناس 8.
وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيحمل في سبيل الله، واشترى عاماً قطائف (القطيفة كساء مخمل) أتى بها من البادية، ففرّقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء، وقد بلغ المال الذي ورد على أبي بكر في عهده مائتي ألف وزعت في أبواب الخير9، لقد اتبع أبو بكر رضي الله عنه المنهج الرباني في إقرار العدل، وتحقيق المساواة بين الناس وراعى حقوق الضعفاء، فرأى أن يضع نفسه في كفة هؤلاء الواهنة أصواتهم، فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد وإرادة واعية، لا تستذلها عوامل القوة الأرضية فتملي كلمتها ... إنه الإسلام في فقه رجل دولته النابه، الذي قام يضع القهر تحت أقدام قومه، ويرفع بالعدل رؤوسهم فيُؤمِّن به كيان دولته ويحفظ لها دورها في حراسة الملة والأمة10.
لقد قام الصّدِّيق رضي الله عنه، منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصّدِّيق رضي الله عنه سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردِّد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل، آية: 90). وكان أبو بكر يريد أن يطمئن المسلمون إلى دينهم، وحرية الدعوة إليه، وإنما تتم الطمأنينة للمسلمين ما قام الحاكم فيها على أساس من العدل المجرد عن الهوى. والحُكم على هذا الأساس يقتضي من الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي، وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين في حكمه، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات والتجرد لله تجردًا مطلقًا جعله يشعر بضعف الضعيف وحاجة المجتمع ويسمو بعدله على كل هوى، وينسى في سبيل ذلك نفسه وأبناءه، وأهله، ثم يتتبع أمور الدولة جليلها ودقيقها، بكل ما أتاه الله من يقظة وحذر11.
وبناء على ما سبق رفع العدل لواءه بين الناس، فالضعيف آمن على حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لا يمنع حقه ولا يضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة ذي سطوة أو مكانة. وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض 12. ومن أجمل ما قاله ابن تيمية رحمه الله: إن الله ينصر الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة، ولو كانت مسلمة.. بالعدل تستصلح الرجال، وتستغزر الأموال13 .فكيف إن كانت دولة مسلمة وعادلة بآن معًا؟ هنا تتحقق عزة وقوة ورخاء ساكنيها جميعًا.

- المراجع:
1- البداية والنهاية (6/ 305).
2- فقه التمكين في القرآن الكريم، ص: 455.
3- تفسير الرازي (10/ 141).
4- فقه التمكين في القرآن الكريم، ص: 459.
5- أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 128.
6- المصدر نفسه، ص: 128.
7- فقه التمكين في القرآن الكريم، ص: 461.
8- الأحكام السلطانية للماوردي، ص: 201.
9- الأحكام السلطانية للماوردي، ص: 201.
10- أبو بكر رجل الدولة، ص: 48.
11- أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 130.
12- المصدر نفسه، ص: 130.
13- المصدر نفسه، ص: 130.

الإثنين, 15 أكتوبر 2018 11:36

رجل النهضة في عصره.. نظام الملك

عند حديثنا عن الدولة السلجوقية وسلاطينها ألب أرسلان وابنه ملكشاه، لا بد من تناول دور الوزير الكبير الأتابك نظام الملك. إذ يعد الوزير نظام الملك حجر أساس في الدولة السلجوقية وأحد أهم ركائز نهضتها القانونية والعمرانية والإدارية، فقد قال له السلطان ملكشاه: "قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد. وحلف له، ولقّبه ألقابًا من جملتها: أتابك، أيّ الأمير الوالد". وقال عنه الذهبي: (الوزير الكبير، نظام الملك، قوام الدين، أبو علي الحسن بن علي ابن إسحاق الطوسي، عاقل، سائس، خبير، سعيد، متدين، محتشم، عامر المجلس بالقرّاء والفقهاء. أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغّب في العلم، وأدرّ على الطلبة الصلات، وأملى الحديث، وبعُد صيته).

تنقلت الأحوال بالوزير نظام الملك إلى أن وزر للسلطان ألب أرسلان، ثم لابنه ملكشاه، فدبر ممالكه على أتم ما ينبغي، وخفف المظالم، ورفق بالرعايا، وبني الأوقاف. وأشار على ملكشاه بتعيين القواد والأمراء الذين فيهم خلق ودين وشجاعة، وظهرت آثار تلك السياسة فيما بعد، فقد كان من هؤلاء القواد الذين وقع عليهم الاختيار آق سنقر جد نور الدين محمود، الذي ولي على حلب وديار بكر والجزيرة. والذي قال عنه ابن كثير: (من أحسن الملوك سيرة وأجودهم سريرة).

وكذلك كان آق سنقر البرسقي أبرز قواد السلطان محمود السلجوقي، وكان أميرًا للموصل، واشتغل بجهاد الصليبيين، وفي سنة 520هـ قتله الباطنيون، وهو يصلي في الجامع الكبير في الموصل. قال عنه ابن الأثير: "وكان مملوكًا تركيًّا خيِّرًا، يحب أهل العلم والصالحين ويرى العدل ويفعله، وكان خير الولاة، يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلي من الليل متهجدًا".

- الوزير الكبير وتنظيم شؤون الدولة:

لما تولى ملكشاه أمور الدولة، انفلت أمر العسكر وبسطوا أيديهم في أموال النَّاس، وقالوا ما يمنع السلطان أن يعطينا الأموال إلا نظام الملك، وتعرض الناس لأذىً شديد. فذكر ذلك نظام الملك للسلطان، فبين له ما في هذا الفعل من الضعف، وسقوط الهيبة، والوهن، ودمار البلاد، وذهاب السياسة، فقال له: افعل في هذا ما تراه مصلحة! فقال له نظام الملك: ما يمكنني أن أفعل إلا بأمرك فقال السلطان: قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك. وسماه أتابك الدولة. وفعلًا برزت كفايته وشجاعته وحسن سيرته، مما أثلج صدور الناس، فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت به، فوقف يكلمها وتكلمه، فدفعها بعض حجّابه، فأنكر ذلك عليه وقال: إنما استخدمتك لأمثال هذه، فإن الأمراء والأعيان لا حاجة لهم إليك، ثم صرفه عن حجابته.

- نظام الملك والحركة العلمية والأدبية في أيامه:

كان يحب العلم وخصوصًا علم الحديث، فقد كان شغوفًا به، وكان يقول: إني أعلم بأني لست أهلاً للرواية، ولكني أحب أن أربط في قِطار ناقلة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع من القشيري، أبي مسلم بن مهر بزد، وأبي حامد الأزهري.

وكان حريصًا على أن تؤدي المدارس النظامية التي بناها رسالتها المنوطة بها، فعندما أرسل إليه أبو الحسن محمد بن علي الواسطي الفقيه الشافعي أبيات من الشعر يستحثه على المسارعة للقضاء على الفتن التي حدثت بين الحنابلة والأشاعرة قام نظام الملك وقضى على الفتنة، ومما قاله أبو الحسن الواسطي من الشعر:

يا نظام الملك قد حــلّ ببغداد النظــــــام

وابنك القاطن فيهــــا مستهان مستضام

وبها أودى له قتلــــى غلام، وغــــــلام

عظُم الخطبُ وللحرب اتصـــــال ودوام

فمتى لم تحسم الــــداء أياديك الحســــام

ويكف القوم فـــــــي بغداد قتل وانتقام

فعلى مدرسة فيهــــــا ومن فيها السلام

لقد كان مجلس نظام الملك عامرًا بالفقهاء والعلماء، حيث كان يقضي معهم جُلّ نهاره، فقيل له: (إن هؤلاء شغلوك عن كثير من المصالح، فقال: هؤلاء جمال الدنيا والآخرة، ولو أجلستهم على رأسي لما استكثرت ذلك، وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني قام لهم وأجلسهما معه في المقعد، فإن دخل أبو علي الفارندي قام وأجلسه مكانه، وجلس بين يديه، فعوتب في ذلك فقال : إنهما إذا دخلا عليّ قالا: أنت وأنت، يطروني ويعظموني، ويقولوا فيّ مالا فيّ، فأزداد بهما على ما هو مركوز في نفس البشر، وإذا دخل عليّ أبو علي الفارندي ذكرني عيوبي وظلمي، فأنكسر فأرجع عن كثير مما أنا فيه...).

قال عنه ابن الأثير: (وأما أخباره، فإنه كان عالماً، ديِّناً، جواداً، عادلاً، حليماً، كثير الصفح عن المذنبيين، طويل الصمت، كان مجلسه عامراً بالقرّاء، والفقهاء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح...).

كما كان الوزير الكبير من حفظة القرآن، ختمه وله إحدى عشرة سنة، واشتغل بمذهب الشافعي، وكان لا يجلس إلا على وضوء، وما توضأ إلا تنفَّل، واذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وتجنبه، فإذا فرغ لا يبدأ بشيء قبل الصلاة، وكان إذا غفل المؤذن ودخل الوقت أمره بالأذان، وهذا قمة حال المنقطعين للعبادة في حفظ الأوقات، ولزوم الصلوات، وكانت له صلة بالله عظيمة وقال ذات مرة: رأيت ليلة في المنام إبليس فقلت له : ويحك خلقك الله وأمرك بالسجود له مشافهة فأبيت، وأنا لم يأمرني بالسجود له مشافهة وأنا أسجد له في كل يوم مرات، وأنشأ يقول: من لم يكن للوصال أهلاً فكلُّ إحسانه ذنوب.

وكان يتمنى أن يكون له مسجد يعبد الله فيه، ومكفول الرزق، قال في هذا المعنى: كنت أتمنى أن يكون لي قرية خالصة، ومسجد أتفرد فيه لعبادة ربي، ثم تمنيت بعد ذلك أن يكون لي رغيف كل يوم، ومسجد أعبد الله فيه.

ومن تواضعه أنه كان ليلة يأكل الطعام، وبجانبه أخوه أبو القاسم، وبالجانب الآخر عميد خُراسان، وإلى جانب العميد إنسان فقير، مقطوع اليد، فنظر نظام الملك فرأى العميد يتجنب الأكل مع المقطوع، فأمره بالانتقال إلى الجانب الآخر، وقرّب المقطوع إليه فأكل معه. وكانت عادته أن يحضر الفقراء طعامه ويقربهم إليه، ويدنيهم.

ومن شعره:

تقوس بعد طول العُمر ظهري وداستني الليالي أيَّ دَوْسِ

فأُمسي والعصا تمشي أمامي كأن قوامها وتر بقوسِ

وكان يتأثر بسماع الشعر، فعندما دخل عليه أبو علي القومَسَاني في مرضةٍ مرضها، يعوده فأنشأ يقول:

إذا مرضنا نوَينا كل صالحةٍ فإن شفينا فمِنَّا الزيغ والزَّلَلُ

نرجو الإله إذا خفنا ونسخطه إذا أمنَّا فما يزكو لنا عمل

فبكى نظام الملك وقال: هو كما يقول.

- الإصلاحات الإدارية والقانونية للوزير الكبير:

اهتم نظام الملك بالتنظيمات الإدارية، فكان اليد الموجهة لأداء الدولة في عهد ألب أرسلان، واتسعت سلطاته في عهد خلفه ملكشاه. فأشرف بنفسه على رسم سياسة البلاد الداخلية والخارجية مستفيدًا من فهمه ودرايته في شؤون التخطيط والتنظيم الإداري. وقد تضمن كتاب سياسة نامه الذي ألفه هذا الوزير في الآراء والنظريات الإدارية التي تعتبر أساسًا لنظام الحكم، وعمادًا لإدارة الأمم، وتظهر في صفحات الكتاب أهم الطرق الإدارية التي اتبعها الوزير الكبير في هندسة الدولة. ويأتي في مقدمتها وقوفه بشدة ضد تدخل أصدقاء السلطان المقربين في شؤون الدولة حتى لا يتسبب ذلك في اضطراب إدارتها. كذلك كان يهتم بشكل خاص بنظام البريد الذي كان رجاله يوافون الحكومة بكل أخبار المناطق التابعة لهم. هذا فضلًا عن حرصه الشديد بإرسال المخبرين إلى الأطراف في هيئة التجار والسياح والمتصوفة والعقارين، يتنسمون الأخبار ويرسلونها للسلطان ولوزيره. وكما نجح الوزير بإحباط العديد من المؤامرات ضد الحكم بفضل ما كان يصله منهم.

عمل نظام الملك على الحد من استغلال الموظفين والولاة لسلطاتهم حتى لا يجوروا على الرعية، حيث كان يغير العمال مرة كل سنتين أو ثلاث ضمانًا لعدم تلاعبهم في أعمالهم، ولما ألغى السلطان ألب أرسلان وظيفة صاحب البريد وصاحب الخبر رتب الوزير نظام الملك في كل منطقة رجلًا نزيهًا لمراقبة تصرفات العمال والقضاة وأصحاب الحسبة. وكان نظام الملك يصرف رواتب مجزية للموظفين في المناصب الحساسة خشية الاختلاس أو الرشوة، وكان حريصًا على مراجعة حسابات الدولة في نهاية كل عام لمعرفة الدخل والمنصرف والموازنة بينهما.

- نظام الملك والنهضة الاقتصادية في عهده

كان لنظام الملك دور مهم في إصلاح الأراضي في الدولة، وتنظيم توزيعها بين الناس. وجرت العادة لدة الخلفاء والأمراء أن تجني الأموال في البلاد، وتجمع في العاصمة. فلما اتسعت رقعة الدولة السلجوقية في عهد الوزير الكبير لاحظ أن دخل الدولة من خراج الأراضي قليل لحاجتها إلى الإصلاح، فضلًا عن عدم اهتمام الولاة بها، فوجد أن من الأصلح للدولة أن توزع النواحي على شكل إقطاعات على رؤساء الجند. وبالتالي يدفع كل مُقطع مبلغًا من المال لخزانة الدولة مقابل استثماره للأراضي التي أقطعت له، فكان هذا الإجراء سببًا في تنمية الثروة الزراعية، إذ اهتم المقطعون بمعارتها مما أدى إلى زيادة انتاجها، وظل هذا النظام قائمًا حتى نهاية الدولة السلجوقية. وكما طلب الوزير الكبير من العمال والولاة أن يكونوا على تواصل مباشر مع المزارعين، ويمدوا لهم المساعدة بتزويد من يحتاج منهم بالبذور والدواب، وأن يحسنوا معاملة الزراع حتى لا يضطروا إلى هجر مواطنهم. فالوزير استهدف من توزيع الأراضي على معظم أفراد الجيش لأنه أدرك أنه من قبائل مختلفة العناصر، فأراد أن يجعل الجماعات تستقر في أراض تقطع لها، فترتبط بالأرض وتشعر بشعور المواطنة مما يسهل على الدولة الإمساك بكل مفاصل البلاد، والتخفيف من المنازعات فيما بينها وكذل التخفيف من المصاريف والتكاليف الباهضة. والأهم من كل ذلك حماية الدولة من الأخطار المحدقة بها.

- وفاة الوزير نظام الملك:

يقال: إنه أول مقتول قتلته الإسماعيلية (الباطنية)، فانبث الخبر في الجيش، وصاحت الأصوات، وجاء السلطان ملكشاه حين بلغه الخبر، مظهراً الحزن، والنحيب والبكاء وجلس عند نظام الملك ساعة، وهو يجُود بنفسه، حتى مات، فعاش سعيداً، ومات شهيداً فقيداً حميداً. وكان قاتله قد تعثر بأطناب الخيمة، فلحقه مماليك نظام الملك وقتلوه. وقال بعض خدامه: كان آخر كلام نظام الملك أن قال: لا تقتلوا قاتلي، فإني قد عفوت عنه وتشهد ومات.

ولما بلغ أهل بغداد موت نظام الملك حزنوا عليه، وجلس الوزير والرؤساء للعزاء ثلاثة أيام ورثاه الشعراء بقصائد، منهم مقاتل بن عطية حيث قال:

كان الوزير نظامُ الملكِ لؤلؤة يتيمة صاغها الرحمن من شرفٍ

عزَّت فلم تعرفِ الأيامُ قيمتها فرَّدها غيره منه الى الصــــدف.

قال عنه ابن عقيل: بهر العقول سيرة النظام جوداً وكرماً وعدلاً، وإحياءً لمعالم الدين، كانت أيامه دولة أهل العالم، ثم ختم له بالقتل وهو مارٌّ إلى الحج في رمضان فمات ملكاً في الدنيا، ملكاً في الآخرة، رحمه الله.

 

المراجع:

  1. علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط.
  2. الذهبي، سير أعلام النبلاء.
  3. ابن كثير، البداية والنهاية.
  4. محمد العبده، أيعيد التاريخ نفسه.
  5. ابن الأثير، الكامل في التاريخ.
  6. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى.
الصفحة 1 من 6
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top