إقليم تجراي يخطط للاستقلال عن إثيوبيا
إثيوبيا.. هل تقف على شفا التفكك؟

19:00 08 سبتمبر 2020 الكاتب :   ترجمة- جمال خطاب:

بقلم- ديستا جبريميدين:

 

ما زال الخلاف بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والحزب الحاكم في منطقة تيجراي ذات الأهمية الإستراتيجية يتصاعد، مما يثير المخاوف من مواجهة عسكرية وتفكك ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان.

وتدور التوترات في إثيوبيا حول قرار الحكومة الإقليمية في إقليم تيجراي للمضي قدماً في تنظيم انتخاباتها الخاصة لبرلمان تيجراي، يوم الأربعاء، في عمل غير مسبوق من التحدي للحكومة الفيدرالية.

وهذه هي أحدث علامة على أن آبي أحمد يكافح للاحتفاظ بسمعته كوسيط سلام، بعد حوالي عام من فوزه بجائزة "نوبل للسلام" لإنهائه الحرب الحدودية مع إريتريا وجهوده لإضفاء الطابع الديمقراطي على إثيوبيا.

ويقول نشطاء حقوقيون: إن حوالي 9 آلاف شخص اعتقلوا في إثيوبيا في الاشتباكات الدامية التي أعقبت مقتل المغني الإثيوبي الشهير هاشالو هونديسا، في يونيو الماضي، مما أدى إلى مخاوف من احتمال عودة الحكم الاستبدادي الذي وعد آبي أحمد بإنهائه عندما تولى منصبه في عام 2018.

وقد أرسل الحزب الحاكم في المنطقة، جبهة تحرير تيجراي الشعبية (TPLF)، موجات صدمة سياسية متتالية لجميع أنحاء إثيوبيا، عندما أعلن عن إجراء انتخابات لبرلمان إقليمي على الرغم من إعلان الحكومة الفيدرالية والمجلس الانتخابي عن تأجيل جميع الانتخابات.

فمنذ نهاية الحكم الماركسي في عام 1991 وحتى وقت قريب، بقيت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي في التحالف الحاكم من باقي الأحزاب العرقية، وكل منها يسيطر على منطقته في نظام فيدرالي؛ لذا فإن خلافها مع آبي أحمد سيشكل شرخاً عميقاً في صميم السلطة في إثيوبيا.

وقد جادلت جبهة التحرير الشعبية لتحرير تيجراي -مثل جماعات المعارضة- بأن تفويض آبي أحمد يجب أن ينتهي هذا الشهر مع انتهاء المدة البرلمانية، وأن تأجيل الانتخابات التي كان من المفترض إجراؤها في أغسطس، يعتبر انتهاكًا للدستور وأثار احتمالية أن يصبح آبي أحمد حاكماً "غير شرعي".

يقول حلفاء آبي أحمد: إن اللجنة الانتخابية أجلت الانتخابات بسبب تفشي فيروس كورونا، وليس لأن رئيس الوزراء يريد التمسك بالسلطة، كما تقول أحزاب المعارضة.

ويرون أنه لا يزال حاكمًا شرعيًا، حيث مدد البرلمان الفيدرالي فترة ولايته لمدة 12 شهرًا أخرى، حتى ينحسر التهديد الذي يمثله وباء كورونا ومن ثم تُجرى الانتخابات.

إذن ما أهمية قرار جبهة التحرير الشعبية لتحرير تيجراي؟

وأثارت مخاوف من أن الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي قد تمهد الطريق لإنشاء دولة انفصالية، مع تولي برلمان وحكومة مهامهما فيها دون موافقة الحكومة الفيدرالية.

وتصر الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي على أنها ملتزمة بالحفاظ على المنطقة جزءاً من إثيوبيا، لكنها ستدافع عن "الحكم الذاتي" وتعارض ما تسميه محاولة السيد آبي أحمد لبناء دولة "موحدة" قوية.

وقال زعيم المنطقة، ديبريتسيون جيبريمايكل، الشهر الماضي: "لن نتراجع أبدًا عن مواجهة أي شخص ينوي قمع حقنا في تقرير المصير والحكم الذاتي".

وجاء بيانه بعد أيام قليلة من قيام قوات الأمن الإقليمية -المسلحة ببنادق "AK-47" وقاذفات صواريخ "آر بي جي"- بمسيرة في المدن الرئيسة في تيجراي، في عرض للقوة العسكرية التي زادت من المخاوف بشأن مواجهة مسلحة محتملة.

وكتب مكتب أمن المنطقة على "فيسبوك" يوم العرض: "نحن مستعدون لدفع الثمن اللازم لسلامنا".

ماذا كان رد حكومة آبي أحمد؟

أعلنت أن انتخابات تيجراي غير شرعية، قائلة: إن المجلس الانتخابي الوطني هو الوحيد الذي يملك سلطة تنظيم الاقتراع.

ومع ذلك، استبعد آبي أحمد إرسال قوات فيدرالية إلى المنطقة لوقف الانتخابات، قائلاً: إنه سيكون من "الجنون" القيام بذلك.

وقال في 25 يوليو: "ليس لدى الحكومة الفيدرالية أي نية أو مصلحة في مهاجمة شعبها".

لكن المتشددين المؤيدين لأبي أحمد، ومن بينهم الجنرال السابق بالجيش كاساي تشيميدا، دعوا إلى التدخل العسكري في تيجراي.

وقال في مقابلة مع تلفزيون "والتا" الموالي للحكومة: "على الحكومة أن تخطط جيداً لمهاجمتهم".

تقول مجموعة الأزمات الدولية (ICG): إن بعض المسؤولين الفيدراليين أثاروا إمكانية الانتقام من خلال اتخاذ إجراءات "عقابية" ضد حكومة تيجراي، على سبيل المثال، من خلال حجب المنح المالية، التي تصل إلى نصف ميزانية المنطقة.

ورداً على دعوة من مجلس الشيوخ للحكومة الفيدرالية للاجتماع يوم السبت لمناقشة انتخابات تيجراي، حذرت الحكومة الإقليمية من أن أي قرار بوقف أو تعطيل الانتخابات الإقليمية هو بمثابة "إعلان حرب".

علاوة على ذلك، قال أعضاء مجلس الشيوخ التيجرايين: إنهم سيقاطعون الاجتماع.

لماذا توترت العلاقات توتراً كبيراً؟

شعرت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي -التي كانت مؤثرة للغاية في الحكومة الفيدرالية منذ انتهاء الحكم الماركسي في عام 1991، مع زعيمها ميليس زيناوي، كرئيس للوزراء من عام 1995 إلى عام 2012- بشدة بفقدان السلطة في عهد آبي أحمد.

ورأت أن حملة رئيس الوزراء التي تم الترحيب بها على نطاق واسع لإنهاء انتهاكات حقوق الإنسان والفساد هي إيذاء لأعضاء جبهة التحرير الشعبية لتحرير تيجراي، خاصة بعد تطهير كبار ضباط الجيش والأمن أو اعتقالهم بعد فترة وجيزة من تولي آبي أحمد لمنصبه في عام 2018 في أعقاب الاحتجاجات الجماهيرية ضد النظام السابق.

وقد تمكن الشيف الجاسوس السابق جيتاشيو أسيفا من الإفلات من الاعتقال بعد أن هرب إلى تيجراي، حسبما ورد.

يضاف إلى ذلك ضعف نفوذ الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي في المركز أكثر بعد أن أطلق السيد آبي أحمد حزب الازدهار، وهو اندماج للأحزاب العرقية التي كانت تشكل الائتلاف الحاكم.

وقد رفضت جبهة تحرير تجراي الانضمام إلى حزب الشعب، وتركت دون أي تأثير في الحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ انتهاء الحكم الماركسي، وأقال السيد آبي أحمد بعض أعضائها من الحكومة، بينما استقال آخرون من تلقاء أنفسهم.

ونتيجة لذلك، تراجعت الجبهة الشعبية لتحرير تجراي بشكل متزايد لتنحسر في مقرها الإقليمي، ميكيلي، مما أثار مخاوف من أن علاقاتها مع بقية إثيوبيا آخذة في التراخي.

وكذلك أدت حملة الحكومة الفيدرالية بعد مقتل هاشالو إلى تأجيج ما يسميه بعض المحللين عقلية الحصار داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي.

فقد داهمت القوات الأمنية وأغلقت مكتب قناة "ديمتي وويان" التلفزيونية التابعة لجبهة تحرير تيجراي في العاصمة، كما أغلقوا محطة تلفزيون "شبكة أورومو الإعلامية" المرتبطة بالسياسي المعارض المعتقل جوار محمد.

واتهم مسؤولون فيدراليون وحزب الشعب الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي بالتورط في مقتل هاشالو و"العمل على زعزعة استقرار البلاد".

وردت جبهة التحرير الشعبية لتحرير تيجراي بالقول: إن الحزب كان كبش فداء بسبب حكم آبي غير الكفء، والفوضى التي خلقتها إدارته.

خطر الانفصال

أدت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي دورًا محوريًا في الإطاحة بالنظام الماركسي عام 1991، وصياغة الدستور الذي يمنح الجماعات العرقية الحق في تقرير المصير، وكذلك الحق في تأسيس دولها الخاصة.

وعلى الرغم من أن الحزب لم يعرب أبدًا عن رغبته في انفصال تيجراي، فإنه قال دائمًا: إنه يجب احترام هذا الحق.

وعلاوة على ذلك، ظهر حزب معارضة جديد، هو حزب استقلال تيجراي (TIP)، لخوض الانتخابات الإقليمية، ويصف الحزب إثيوبيا بأنها "إمبراطورية" ويقول: إن مهمته الأساسية هي تأمين استقلال تيجراي.

بعض الأكاديميين في تيجراي سعداء بفكرة الانفصال؛ لذلك ولأول مرة منذ عام 1991، أصبح الموضوع على جدول أعمال السياسة السائدة في تيجراي.

يقول حزبان قوميان آخران لتيجراي، وهما سالساي ووياني تيجراي وبيتونا: إنهما يريدان أن تتمتع المنطقة بمزيد من الحكم الذاتي لتأمين وحدة أراضيها وتعزيز لغتها والحفاظ على تراثها.

وتسيطر الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي حاليًا على جميع المقاعد في البرلمان الإقليمي، وستتم مراقبة الانتخابات بعناية لمعرفة ما إذا كانت الأحزاب القومية والمؤيدة للانفصال ستفوز ببعض المقاعد لمواصلة أجندتها.

أما بالنسبة للسيد آبي أحمد، فقد قال مرارًا وتكرارًا: إن إثيوبيا "لن تتفكك أبدًا"، مشيرًا إلى أنه واثق من قدرته على الحفاظ على تماسك الأمة، على الرغم من العنف العرقي والديني والسياسي الذي يضرب أجزاء مختلفة من البلاد، تاركًا نحو مليوني شخص بلا مأوى منذ أن تولى آبي أحمد منصبه.

وتقول الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي: إن النازحين يشملون حوالي 120 ألفاً من أهالي تيجراي، الذين يشكلون، وفقًا لتعداد عام 2007، حوالي 6% من السكان.

جهود الوساطة

في 16 أغسطس، سافر أكثر من 50 من القادة الدينيين والشيوخ والشخصيات البارزة من العاصمة الفيدرالية أديس أبابا إلى مدينة ميكيلي في محاولة لتخفيف التوترات، ولكن ثمرة جهودهم لم تظهر بعد.

وقالت مجموعة الخبراء الدولية (ICG): إنه قد تكون هناك حاجة إلى وسطاء "أثقل وزناً".

وأضافت أن "رجال الدولة الأفارقة البارزين الذين تربطهم علاقات قوية بكل من جبهة التحرير الشعبية لتحرير تيجراي وأبي أحمد يمكن أن يمارسوا هذا الدور".

ويقول محللون آخرون: إن هذا أمر حيوي؛ لأن نجاح مبادرة السلام بين إثيوبيا وإريتريا يتوقف على الاستقرار في تيجراي.

تقع منطقة تيجراي على حدود إريتريا، وكانت في قلب الحرب في عام 1998 بين البلدين.

وقد قتل عشرات الآلاف في الصراع بعد أن شنت إريتريا هجوماً للسيطرة على بلدة بادمي الواقعة في منطقة تيجراي الإثيوبية.

وقد وقع آبي أحمد صفقة في عام 2018 مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لإنهاء "حالة الحرب"، مما أدى إلى إعادة فتح المعابر الحدودية بين البلدين.

لكن المعابر الحدودية عادت للإغلاق مرة أخرى لأسباب غير واضحة، إلا أن الحكومة الإثيوبية قالت في وقت سابق: إن البلدين يعملان على إنشاء مراكز جمركية مناسبة.

ولم يتم حل وضع مدينة بادمي حتى الآن، وتريد إريتريا أن تلتزم إثيوبيا بقرار لجنة الحدود المدعومة من الأمم المتحدة بتسليم المدينة، لكن هذا لا يمكن أن يتحقق بدون تعاون الحكومة في إقليم تيجراي، لأنها هي التي تدير المنطقة.

لذلك، قد يجد آبي أحمد الحائز على جائزة "نوبل" أنه لتحقيق سلام دائم مع إريتريا، أنه سيحتاج أولاً إلى حل خلافاته مع الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي.

 

__________________________

المصدر: "BBC".

  • عنوان تمهيدي: إقليم تجراي يخطط للاستقلال عن إثيوبيا
عدد المشاهدات 2929

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

translate

Top