د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإثنين, 04 يناير 2016 08:04

حبيبة.. وأبو تريكة

حفيدتي حبيبة عمرها أكثر قليلاً من سنتين، وحيدة والديها وتحب اللعب، عندما تزورني تطلب أن أكون الفريق الآخر الذي ينافسها، أقول لها: يا حبيبة، الفريق المنافس عمره سبعون عاماً ولا يستطيع الوقوف على قدميه إلا بصعوبة، وأقل جهد يرهقه ويضنيه ويجعله يلجأ إلى السرير لمدة طويلة.

أجلس على كرسي وأقذف الكرة بيدي، لتحضرها بعد قليل، وتتكرر العملية حتى ينقذني بعض من في البيت ليواصلوا اللعب معها، ولكني في كل الأحوال أضاحكها وأقول لها: سآتي بأبو تريكة ليلعب معك.

أبو تريكة من النماذج الرياضية المتفردة التي عرفتها كرة القدم خلقاً وسلوكاً وانتماء، في أواسط الستينيات كان هناك لاعب اسمه رضا في النادي "الإسماعيلي"، قضى نحبه في حادث سيارة، غمرنا نحن الشباب حينئذ حزن عظيم على موته، ونعيته في الإذاعة المدرسية قبل أن تظهر الصحف في اليوم التالي حاملة خبر رحيله، ظهر من بعده الشيخ طه، ولعلهم لقبوه بالشيخ لأدبه وأخلاقه، وسمعت حين صرت مجنداً في الجيش عقب الهزيمة الفاضحة الفادحة في عام 1967م أنه ضمن ضباط الاحتياط في معسكر التدريب الذي كنا نقضي فيه نحن المجندين مرحلة التدريب الأساسي، وكان محمد لطيف أشهر المعلقين الرياضيين وأخفهم دماً يشيد بالشيخ طه، وجاء محمود الخطيب ليحظى بحب الجماهير من المنتمين للأندية المختلفة، ومثله ربيع ياسين الذي اشتهر بحسن الخلق والتدين، الجماهير تحب اللاعب المحترم وترثي لشحاتة أبو كف، لأنهم يرون أن السلوك الخلقي جزء من تكوين الشخصية المصرية.

كان أبو تريكة نموذجاً للاعب الذي رأت فيه الجماهير تعبيراً عن أمانيها في المتعة الرياضية والسلوك الخلقي والتدين الفاعل، جماهير الزمالك والترسانة والمحلة والسكة الحديد والترماي والبحرية ترى فيه نموذجاً يوحدها، ويحظى بحبها.

علاقاته مع زملائه يسودها الود والاحترام والتسامح، اهتمامه بالقضية الأم – أعني قضية فلسطين - راسخ في وجدانه، وعبر عنه بتأييد أهل غزة - الذين يقتلهم اليهود النازيون الغزاة - من خلال القميص الذي ارتداه عام 2008م في مباراة تشد أنظار العالم، ولعله كان أول لاعب يسجد لله شكراً على أرض الملعب حين فاز فريقه، لم يحصل أبو تريكة على بطاقة حمراء طوال تاريخه (البطاقة الحمراء إنذار بالطرد من الملعب بسبب خطأ جسيم).. من المواقف النبيلة ارتداء قميص "فداك يا رسول الله" عند إعادة نشر الرسوم الدنماركية المسيئة عام 2008م، وقيامه بالسفر إلى الجزائر عام 2010م في مبادرة صلح بين الشعبين المصري والجزائري عقب أحداث أم درمان التي افتعلها بعض المرتزقة، وإعلان دعمه وتشجيعه للمنتخب الجزائري في بطولة كأس العالم التي انعقدت بجنوب أفريقيا، وعندما اختير أبو تريكة سفيراً لبرنامج الغذاء العالمي للأمم المتحدة لمحاربة الفقر، وصف أبو تريكة عمله قائلاً: "الإسلام يعالج الفقر من خلال الزكاة؛ لأن الغني يشعر بمحنة الفقراء، ويجب علينا أن نساعد الفقراء بقدر الإمكان حتى لا يشعروا بالغربة في المجتمع"، وقام أبو تريكة بتصوير إعلان إنساني تلفزيوني يركز على وفاة حوالي 25 ألف شخص يومياً من الجوع، منهم 18 ألف طفل، ويعلق أبو تريكة علي هذه المأساة قائلاً: إنه انتابه إحساس أثناء تصوير الإعلان برغبة عارمة لمساعدة هؤلاء المحتاجين بقدر الإمكان، كما أعرب عن استعداده التام لزيارة أي بلد أفريقي ليوجه رسالة إلى باقي نجوم الرياضة عن محنة ملايين الأشخاص ومعاناتهم من الفقر والجوع.

وتقول موسوعة "ويكيبيديا الحرة" عن دوره الإنساني: "في عام 2005م انضم أبو تريكة إلى اللاعب البرازيلي رونالدو واللاعب الفرنسي (الجزائري الأصل) زين الدين زيدان، إضافة إلى 40 من نجوم الكرة العالمية في "مباراة ضد الفقر" من أجل جمع التبرعات والتوعية بمحاربة الفقر في شتى أنحاء العالم، وانعقدت المباراة الإنسانية في ديسمبر بمدينة دوسلدورف الألمانية، بدعم من الاتحاد الدولي لكرة القدم وبرعاية برنامج الأمم المتحدة للتنمية، كما كان لأبو تريكة العديد من المساهمات الخيرية الأخرى، مثل تبرعه لإنشاء مسجد كوماسي في غانا عام 2008م، وقام بافتتاحه عام 2013م، ومسجد في رواندا عام 2009م، كما قام بالتبرع لصالح أسر ضحايا مذبحة بورسعيد عام 2012م، وعندما منحه نجيب ساويرس مكافأة تقدر بمليون جنيه عام 2013م تقديراً لإنجازاته، قام أبو تريكة بالتبرع بالمبلغ لصالح الجمعيات الخيرية".

شارك أبو تريكة مؤخراً في مباراة مع منتخب نجوم العالم في الكويت، ورفض أن يأخذ 50 ألف يورو مثل بقية اللاعبين الدوليين الذين شاركوا في المباراة قائلاً: إنه لم يفعل شيئاً، وجاء ليشارك الشعب الكويتي فرحته، مما حدا بأمير الكويت أن يطلب مصافحته والتصوير معه تقديراً لموقفه وعرفاناً بعفته.

لا شك أن هذا الموقف المتعفّف من مصري استحق إعجاب الجماهير في مصر وخارجها، لدرجة أن كتَّاب البيادة الذين جرّحوه وأهانوه وسبوه وشتموه انقلبوا على أعقابهم، وأشادوا بسلوكه الذي رفع من مكانة البلاد بعد أن هبط بها من مدّوا أيديهم للتسول وطلب المساعدة، وهذا تصويب حميد لخطأ شنيع ارتكبه الانقلاب ضد كثير من شرفاء الوطن من بينهم أبو تريكة.

لقد تمت مصادرة أموال أبو تريكة الحلال بحجة التحفظ عليها لأنه ينتمي إلى ما يسمونه الجماعة الإرهابية، وهو تصرف غير منطقي، وغير واقعي؛ لأن مهرجان المصادرات والاستيلاء على الجمعيات والمدارس والشركات والمؤسسات التابعة للإسلاميين، يعطي إشارة غير طيبة لمن يسمونهم بالمستثمرين في الداخل أو الخارج، ويجعلهم يسحبون أموالهم من السوق، ويفكرون في الخروج إلى دول أكثر أماناً، ويعزز ذلك ما تواتر عن تهريب كميات هائلة من الأرصدة خارج الحدود!

كانت المفارقة أن يفرج عن أموال بعض الجلادين الذين أذلوا الشعب المصري قبل ثورة يناير، وتُصادَر أموال الشرفاء الذين شاركوا في الثورة أو أيدوها.

على كل حال؛ فإن الإشادة بتصرف أبو تريكة في الكويت وتقدير الأمير له، يجعلنا لا نلتفت إلى تلك الأقلام التي لم تتوضأ أبداً، وتصر على أن الرجل إخواني ماسوني إرهابي يفضل الجماعة على الوطن، فهؤلاء من أردأ أنواع كتَّاب البيادة؛ لأنهم نسوا أن من لا دين له لا وطن له، وطالعوا التاريخ.

ومعذرة لحبيبة على استطرادي، فقد رافق أبوها بحكم عمله الصحفي اللاعب أبو تريكة في بعض المباريات الدولية وأحبه عن قرب لما لمسه فيه من دماثة وتواضع وأدب جم.

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

الأربعاء, 30 ديسمبر 2015 11:19

وزير "الفلنكات" في مهرجان "الفنكوش"!

لم تعد مشكلة النقل والمواصلات والمرور في بلادنا التعيسة هامشية أو يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى، أعداد الضحايا يومياً تفوق أعداد أمثالهم في أي بلد من بلدان العالم، وتتجاوز خسائر الجيوش في الحروب المهلكة.

وزير النقل الانقلابي الحالي يصنع من حوله ضجيجاً عالياً بدءاً من رفع ثمن التذاكر في المترو والقطارات، والإعلان عن خدمة الــV.I.P؛ أي الطبقة المترفة، إلى الحديث عن تعاقدات مع شركات عالمية لإدارة بعض المرافق البحرية وغيرها.

الرجل القادم من المؤسسة العسكرية - فيما يبدو - يتكلم كثيراً عن التطوير والتكنولوجيا والمحكمة الخاصة لنظر قضايا التحرش داخل القطارات والمترو، واستطلاع آراء المواطنين حول «رفع أسعار تذاكر المترو»، وتسويغ ذلك بوصول مديونيات وزارة النقل التي وصلت إلى 35 مليار جنيه، ثم لقاءاته مع المسؤولين الأجانب حول ما يسمى أنظمة النقل الذكية، وتنفيذ منظومة حديثة لرقابة الطرق إلكترونياً بإقامة شبكة الكاميرات المتطورة، وربطها مع مراكز للسيطرة لرصد المخالفات بدقة شديدة، والتنسيق مع الدوريات الراكبة ورجال المرور لضبط المخالفين فوراً، فضلاً عن حديثه حول الخطط القصيرة المدى والمتوسطة والطويلة المدى لتطوير مرفق السكك الحديدية, مشيراً إلى أن الوزارة تسير بشكل سريع للانتهاء من هذه الخطط خلال 4 سنوات, ليتحول للمنافسة المحلية (؟), وذلك في وجود التحديات التي تواجهها الوزارة، وإصابة السكة الحديد بشيخوخة وترهل شديدين في السنوات الماضية، والحاجة إلى ما بين 7 - 9 مليارات جنيه سنوياً لا تتحصل الهيئة منها إلا قليلاً؛ مما جعلها تعتمد على الضرائب والقروض فقط.

أكد الوزير وجود 808 جرارات نصفها معطلة تماماً، والنصف الآخر يحتاج أعمال صيانة وإحلال وتجديد؛ لأنها تعمل منذ أكثر من 30 عاماً، وتعرض بعضها لأعمال سرقة وتخريب, وأشار إلى أنه يوجد لدى المرفق أكثر من 3 آلاف عربة تحتاج 1500 منها لإحلال وتجديد عاجل، بينما يحتاج النصف الآخر للصيانة، مع وجود خطوط بمسافة 9500 كيلومتر منها 1500 كيلومتر تحتاج إلى إحلال عاجل، وهو ما يتطلب إيقاف خطوط عن العمل وإبطاء أخرى, كما تم تجهيز مسافة 400 كيلو فقط بنظام الإشارات الآلية، فضلاً عن المشكلات التي تواجه الورش والتدريب والعمالة والموارد البشرية.

كأنّ الوزير وهو يرصد الواقع المزري للنقل بالسكة الحديد يمهد للإعلان عن فشله مسبقاً وإبراء ذمته من التقاعس عن إنقاذ هذا المرفق المهم والخطير في حياة الناس خاصة الطبقة المطحونة، ولم يشر إلى شبكة المواصلات الممتازة التي وعد بها الجنرال ولم تتحقق في مهرجان "الفنكوش"!

احتفى الوزير بالطبقة الثرية فخصص لهم قطارات مرفهة، أما الفقراء، فقد ألغى خطوطاً ريفية عديدة؛ بحجة أنها لا تأتي للهيئة بعائد لقلة الركاب، ونسي أنه يقدم هدية ثمينة للصوص الصغار والكبار حين يرون قضباناً مهجورة لا تسير عليها القطارات ولا يحرسها أحد، وأظن أن تفكيكها، والظفر بـ"فلنكاتها" من أيسر الأمور، ولا أدري هل يعتقد السيد الوزير أنه وفَّر شيئاً من الخسائر؟ وهل يستطيع حماية العربات المتوقفة التي سيتم نهبها بالجملة والقطاعي بدءاً من الكراسي حتى الأبواب والشبابيك.. وما أكثر اللصوص وما أذكاهم!

تصورت مثلاً أن ينقل سيادته هذه الخطوط إلى مناطق أخرى لتعميرها وتخفيف الزحام، سيناء مثلاً تحتاج إلى مجموعة من الخطوط بين الوادي وشرم الشيخ وطابا وغزة، وكان هناك في زمن السلطان العثماني خط يتواصل من مصر مع سكة حديد الحجاز يمر بفلسطين والشام حتى إسطنبول، أدرك أن معاليه يصعب عليه أن يتكلم مجرد كلام عن إنشاء خطوط في سيناء الحزينة، فالأمر مرهون بإرادة العدو النازي اليهودي في فلسطين وليس بيد الأشاوس والنشامى، كما أدرك أن الفشل "الفنكوشي" الذريع الذي يعيشه الانقلاب العسكري الدموي الفاشي لا يسمح بترف الكلام في تعمير سيناء المحرم يهودياً.

بيد أني أوجه نظر معاليه إلى أن هناك مناطق مكتظة بالسكان في الدلتا، وتضمن تشغيل القطارات على مدار الساعة، وكان هناك مثلاً مشروع في التسعينيات لإنشاء خط حديدي في المسافة بين طنطا ودسوق مروراً بمركز بسيون، هناك طلاب وموظفون ومسافرون من كل الطبقات يتحركون يومياً على هذه المسافة التي كانت قديماً تضم خطاً لسكة حديد الدلتا، ينقل الركاب والحيوانات والبضائع، ويوفر كثيراً من الحوادث المفزعة والدماء التي صارت رخيصة، هل فكر معاليه في نقل الخطوط التي ألغاها إلى هذه المنطقة بدلاً من تركها للصوص الأذكياء؟

أما الطرق المرصوفة فقد صار السير فيها تعذيباً لا مثيل له في أي دولة في العالم المتقدم والمتأخر لأسباب يعرفها معاليه، وفي مقدمتها سيارات النقل الثقيل والمقطورة التي تسابق السيارات الصغيرة والنقل الخفيف والتوك توك والجرارات وعربات الحديد التي تجرها الحمير على الطرق السريعة.. الطرق المرصوفة الرئيسة والفرعية صارت أضيق وأضعف من احتمال العدد الضخم من المركبات، أضف إلى ذلك سوء هذه الطرق من حفر ونتوءات وقنوات بسبب انعدام الضمير لدى شركات الرصف، وأود من معاليه أن يقرأ – لو كان يقرأ – كتاب "فساد رصف الطرق" من تأليف المهندس أسامة فتحي، الصادر عن دار الكتب العلمية بالقاهرة، عام 2015م، ليرى من خلاله مأساة تدمير الطرق وقتل الأنفس بسبب هذا التدمير، وإن لم يستطيع معاليه أن يحصل على هذا الكتاب، فإنني أضع أمامه الرابط التالي ليقرأ ملخصاً وافياً له:

http://www.ahram.org.eg/News/131756/44/459984

ليت الوزير الهمام قبل أن يتحدث عن المراقبة الإلكترونية للطرق يصلحها ويوسعها أولاً، ويزيل المطبات التي تتسبب في قتل خلق الله، وسأضرب له مثلاً بطريق قصير هو طريق دمنهور دسوق، ويبلغ نحو 18 كم، ويوجد به اثنان وأربعون مطباً، لا يتوافر في واحد منها شروط المطب القانوني، بل هي سدود عالية مدمرة تشبه سد النهضة الإثيوبي الذي سيقتل المصريين عطشاً.

لديّ اقتراح لا أعرف هل يملك معاليه الشجاعة ليطالب به أو لا؟ وهو الإتاوات القانونية التي يفرضها رجال المرور على السيارات بوحشية وظلم فاحش، هذه الإتاوات يمكنها إصلاح الطرق وتوسيعها والتخلص من لصوص الطريق الذين أقاموا عليه مباني ضيقت الطريق أكثر مما هي ضيقة، وإذا استطاع معاليه أن ينتزع قراراً بإيقاف المقطورة، وتشغيل الشحن بالسكة الحديد والنقل النهري، فسيكون وزيراً ناجحاً في زمن "الفنكوش"، هل يستطيع أن يتصدى لحيتان النقل الثقيل، ويفعل بهم ما تفعله الدول المتحضرة بدلاً من اعتصار الفقراء والغلابة؟ أشك في ذلك!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

لم أفاجأ بما جرى لمخرج الفوتوشوب خالد يوسف، كان يظن نفسه آمناً على حجر الانقلاب العسكري الدموي الفاشي، حيث تحول إلى زعيم سياسي يقول والناس تسمع، ولكنه نسي أن الجنرال أعلنها بعد أن صعد إلى كرسي السلطة بأنه ليس مديناً بفواتير لأحد أياً كان!

الفواتير التي يطلبها الأنصار والأتباع بعد نجاح عملية الانقلاب لا محل لها لدى الجنرالات إلا بقدر السمع والطاعة والسير على الصراط العسكري المستقيم، ومن تنطبق عليه الشروط فهو في مأمن، ويلقى الرعاية في المناسبات المختلفة، أحد الكتَّاب طبق الشروط، فحظي بالرعاية الصحية خارجياً وداخلياً، ووضع في أفخم الأجنحة وزاره كبارهم، حتى لقي ربه، غيره ممن لا تنطبق عليه الشروط يئن ويصرخ ومعه الدنيا كي يلقى بعض ما لقيه الأول فلم يجد أذناً صاغية حتى الآن!

مخرج الفوتوشوب الذي حول ثلاثين ألفاً إلى ثلاثين مليوناً وأسهم في إسقاط الرئيس المنتخب ظن نفسه بطلاً، يتكلم عن الحرية والعيش والعدالة والكرامة والدستور، ولكن خاب ظنه فقد وجد نفسه في عصر"عودوا إلى مقاعدكم" وما قبله، وفاجأته الشرائط والفيديوهات وربما تظهر أشياء أخرى صحيحة أو غير صحيحة.. عندما كان يحتل وزارة الثقافة مع رفاقه برعاية أمنية، هدد الوزير الشجاع علاء عبدالعزيز - أول وزير يبسط سجادة الصلاة في وزارة الثقافة - بأنه يملك عليه سيديهات مشينة ولم يكن ذلك صحيحاً، وكله سلف ودين وما ربك بظلام للعبيد!

لن يكون خالد يوسف آخر من يسقط أو يذبح في معركة الفواتير غير المستحقة، فقد سبقه عدلي منصور حيث أعلن بشكل غريب اعتذاره عن رئاسة برلمان مرجان أو برلمان الكنيسة والمخابرات، ومن قبله هرب البرادعي حين استشعر النهاية، وخرج الببلاوي وزياد غير مأسوف عليهما وذهبا مع الريح، أما الحاج عمرو موسى صديق الغزاة اليهود فقد هبط إلى قاع الصمت والهدوء.

المناضل ورجل القانون وعضو التنظيم الطليعي وزعيم 9 مارس حسام عيسى الذي كان ينتفض شجاعة وقوة وهو يعلن أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، مع يقينه أن ما يقوله غير صحيح، ذهب إلى عالم النسيان، ولكنه للأمانة أصدر مؤخراً بياناً أو تصريحاً قصيراً يتضامن فيه مع مخرج الفوتوشوب ويمدح الجنرال ويذم الإخوان التي تمارس إرهاباً شنيعاً، حسب تعبيره، ويبدو أنه يريد أن ينتظر شيئاً بتصريحه القصير؛ دون أن يكون فاتورة مستحقة، المهم أن يصل هذا الشيء ولو كان التعيين في برلمان مرجان أو برلمان الكنيسة والمخابرات.

الحاج السيد البدوي، زعيم حزب الوفد الجديد، وصديق رجل الأمن الذي أخبره بمذبحة الإخوان قبل وقوعها كما جاء في التسريبات؛ لم ينل شيئاً ذا قيمة في انتخابات "محدش راح"، ومن حين لآخر ينازعه أحدهم في رئاسة الحزب الورقي ذي الأمجاد العريقة، ولا أحد يدري هل سيواصل طريق الزعامة الوفدية بعد تقديم التنازلات الكثيرة والانقلاب على النظام الديمقراطي وتأييد النظام العسكري أو ستتم الإطاحة به، فالفاتورة التي يطالب بها غير مستحقة.

أصحاب اللحى التايواني تآمروا على الرئيس المسلم، وظنوا أنهم سيرثون الجماعة الكبرى التي ذبحها العسكر، ولكنهم – يا للعار – تنازلوا عن كل شيء يتعلق بقضية الإسلام دون مقابل، لم يعودوا يتكلمون عن تطبيق الشريعة، وسكتوا عن حذف (المادة 219) في دستور زليخة، وكانوا يعلنون أن حذف هذه المادة دونه الرقاب! ولكن رقاب الآخرين هي التي قطعت من أجل الإسلام، لقد ظنوا أنهم سيكتسحون الانتخابات المرجانية ففاجأتهم الكنيسة والمخابرات بقائمة تكتسحهم ولم تبق منهم إلا "فاسوخة "على جبهة مرجان أحمد مرجان، ثم الصداقة الحميمة مع دولة الكنيسة وتهنئتها في السراء وتعزيتها في الضراء، وترشيح أتباعها ومنهم سافرات على قوائمهم، وبالطبع تم نسيان الأخوات المحبوسات في بيوت الخدمة.

ومؤخراً اتّهم صاحب اللحية الطويلة والزبيبة الكبيرة بأنه على علاقة مع "داعش"! ثم تمّ منعه من الخطابة في المساجد نهائياً، أي أن فاتورة اللحى الخائنة، لا تمنح أصحابها إلا العار والشنار، ولعنة كتاب البيادة ورب العباد!

مناضلو 6 أبريل الذين انحازوا إلى الانقلاب العسكري كراهية في التيار الإسلامي، أدركوا مبكراً أن الديمقراطية لا محل لها في حكم البيادة، فحاولوا أن يمارسوا السياسة كما كانوا في عهد الرئيس المسلم الأسير محمد مرسي – فك الله أسره – ولكنهم فوجئوا بمن يحنو عليهم ويدخلهم الفنادق خمس نجوم في طره وضواحيها!

أما الهانم تهاني صديقة الهانم سوزان - وكانت تعلن وتهيئ نفسها لتكون الرجل الثاني بعد الجنرال برئاسة برلمان مرجان - فقد رجعت بخفي حنين، وخسرت قائمتها كل شيء، ولم يشفع لها وجود رجل مخابرات سابق إلى جانبها، وتستعد الآن لإقامة تشكيل جديد يعتمد على التنظيم الطليعي بمقاييس صلاح نصر، ليتعلم الشباب كيفية كتابة التقارير إياها والولاء للزعيم الملهم!

في مواقف الزعماء أصحاب الآراء شبه المستقلة، فإن د. عبدالجليل مصطفى، ود. محمد غنيم، ود. محمد أبو الغار وبقية الفريق المشابه، فحالهم لا يخفى على أحد، وأعتقد أنهم الآن في طريقهم للتصديق أن الانقلاب على الديمقراطية لصالح الحكم العسكري جريمة لا تطهرها مياه الأنهار ولا البحار.

لدينا الآن زعماء من قبيل حمدي الفخراني، رئيس جمعية مكافحة الفساد، الذي رفع الحذاء على الشاشة في وجه محمد مرسي بعد أن انتهي من خطابه الأخير قبل الانقلاب، فإن وضعه الحالي يستحق الرثاء والتعاطف الإنساني في المحنة.

الزعيم الناصري المناضل الثوري الكبير جداً عبدالحليم قنديل الذي صور محمد مرسي منبطحاً على ظهره وفوق بطنه حذاء بيادة بحجم الصفحة الأولى من جريدته ولم يؤاخذه أحد، منعه الانقلاب من السفر وصادر جريدته، فعدّ ذلك وجهة نظر!

الروائي علاء الأسواني الذي شبه قائد الانقلاب بالجنرال أيزنهاور في عبقريته العسكرية الفذة، وسافر إلى باريس ليدافع عن حكم العسكر ويهجو الديمقراطية التي جاءت بالرئيس المسلم، مُنعتْ ندوته ورفضت الصحف التعاقد معه.

أما عبدالحي عزب الذي هدد بقصف الرقاب وسلم البنات الطاهرات إلى سجون الانقلاب فقد تمت إقالته، ولا بد أن تتخلى السيدة حرمه عن منصب المستشار!

بالطبع ذاق السنّيد والمسلماني وأبو عيطة والبرعي ومصطفى النجار وممدوح حمزة وعصام حجي وتوفيق عكاشة وحازم عبدالعظيم وغيرهم بعض العسل!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

الأربعاء, 16 ديسمبر 2015 08:06

مشرط الجراح.. وساطور الجزار!

ما بين يوسف زيدان، وحسام بدراوي؛ يتسلطن الجهل المقدس ويمد رجليه ويخرج لسانه ساخراً من الأمة ومن دينها ومعتقداتها وقيمها.

باح يوسف مؤخراً بسر الثورة الدينية التي أطلقها الجنرال، حين طلب من العمائم الحكومية الانقلابية أن تشعلها في أرجاء الإسلام والمسلمين، فلم يكن حديث يوسف - الذي ليس له من يوسف النبي عليه السلام إلا الاسم – يعبر عن نفسه، ولكنه كان يعبر عن الانقلاب الدموي الفاشي الحريص على ألا يزعج الكيان النازي الغاصب بأي شيء، أي شيء، حيث صار القتلة أصدقاء وأحباباً وأولاد عم!

يوسف أعلن أن الأقصى ليس هو المسجد المبارك الذي أسري إليه بمحمد – صلى الله عليه وسلم – وعرج منه إلى السماء، وذهب يوسف يردد دعاوى الأعداء القتلة ويزعم مدعوماً بحماية إعلامية آثمة للجهل المقدس؛ أن الصراع بين العرب وبينهم "بكش" ومفتعل، وأن القتلة هم أصحاب القدس، وأن اسمها "إيلياء" هو اسم عبراني!

حسام بدراوي على الجانب الآخر لم يقصر في التعبير من خلال الجهل المقدس أيضاً؛ عن ولائه للجنرال، والإعلان عن عودته في سياق عودة نظام مبارك إلى مقاعده في واقع السياسة الميت، فصرّح بأنه لا بد من تعديل الدستور لتكون مدة رئيس النظام الانقلابي عشرين عاماً، بدلاً من أربع سنوات تتجدد بالانتخاب كما تقرّر في دستور "زليخة"!

لا ريب أن شعب البيادة يبدع من أجل مزيد من العبودية في أفكاره وسلوكه وإنجازاته، وأهم إبداعاته على الإطلاق جمع الصفوة المختارة من أبناء الوطن وإلقائهم وراء الأسوار، ويقوم مقدم درك يومياً بالإعلان عن عمليات استباقية بالقبض على العشرات ممن يسميهم الخلايا النائمة أو خطفهم تحت دعاوى معلبة ومحفوظة، حتى اكتظت السجون بعشرات الآلاف، فأعلن عن تخصيص 103.22 فدان في أسيوط لبناء سجون جديدة بدلاً من المدارس الآيلة للسقوط أو التي اكتظت بطلابها الفصول.

ثم يدخل في هذا الإنجاز (العظيم) انعقاد المحاكم المدنية والعسكرية يومياً لمحاكمة مئات الشرفاء وأنبل الناس وأكثرهم علماً وثقافة؛ لأنهم يرفضون الانقلاب على الديمقراطية، والحكم العسكري الفاشي، وهو إنجاز ضخم لا مثيل في أي دولة من دول العالم المتقدم أو المتخلف!

إبداع شعب البيادة يجعل برلمان مرجان أو برلمان الكنيسة والمخابرات يتصارع على تكوين تحالف يدعم الجنرال ويصفق لقراراته الظالمة، وتحويله إلى زعيم ملهم كما فعل مع البكباشي الأرحل والصاغ المغدور والفريق المخلوع! وقلبي معهم وهم يبحثون عن الرائد موافي الذي يخرج المسرحيات الدكتاتورية ويقنع بها شعب البيادة ويقدم لهم حكمة الزعيم الذي يأتيه وحي إذلال الشعب وقهره من حيث لا يدري الناس، ثم وهم يبحثون عن كمال الفولي الذي يقود نواب الدعم ويحرضهم على من يخالف أدني مخالفة، وعندما يفشلون يقوم بنفسه وينظر بازدراء واحتقار للنائب المشاغب، ويذكر له شيئاً من سيرته العطرة ضمن نواب سميحة أو نواب الكيف أو نواب السيديهات أو نواب التأشيرات أو نواب..

إبداع العبيد لا يختلف عن إبداع الخلف غير الصالح الذين بايعوا بالإجماع، واخترعوا تغيير الدستور بأطول مادة في تاريخ دساتير العالم تضمن ألا يترشح أحد ضد فخامة صاحب الضربة الجوية الذي يجب أن يحكم مدى الحياة، فاقتراح عشرين سنة لتكون مدة رئاسة الجنرال للدولة، هو أمر غير جديد ولكنه جاء في صياغة جديدة تتناسب مع طبيعة الانقلاب الفاشي ودمويته الصارخة، وهو ما جعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي يقترحون على الأخ بدراوي أن تكون المدة إلى آخر العمر!

أما إبداع يوسف فقد صار محسوماً بولائه للعدو النازي اليهودي، وكراهيته الفاضحة للإسلام والمسلمين، ولم تعد المسألة مسألة القدس أو المسجد الأقصى أو الإسراء والمعراج، ولكنها معركة دين، فقد انزلق سعادته إلى ذكر رفيقه الراحل نصر حامد أبوزيد – يرحمه الله – الذي فسّر القرآن الكريم تفسيراً ماركسياً، وزعم أنه منتج تاريخي، أي ليس وحياً، وحين تصدى له أهل العلم قامت قيامة خصوم الدين من الشيوعيين والناصريين والليبراليين والانتهازيين ورجال كل العصور، ليتحدثوا عن حرية البحث وحق التفكير، ومواجهة الظلامية.. إلخ.

قال يوسف: إنه نصح رفيقه ألا يستخدم ساطور الجزار، يكفي استخدام مشرط الجراح، لتصل الأفكار تدريجياً إلى الناس خطوة خطوة؛ أي يجب أن تكون مهاجمة الإسلام وتدميره عن طريق الجرعات هينة لينة تشبه مشرط الجراح، وليس بالمواجهة المباشرة الخشنة التي تشبه ساطور الجزار كما فعل نصر حامد أبوزيد! المسألة إذاً فيها منهجان لتشويه الإسلام والتشهير به وتخريبه من الداخل.. الأول يعتمد فكرة التدرج في زعزعة الثوابت وخلخلتها مرحلة بعد مرحلة، والآخر المواجهة المباشرة والصريحة مثلما فعل نصر حامد أبوزيد، الذي استنكف أن يذكر اسم القرآن الكريم على كتابه فسمّاه النص، أي هو نص من نصوص أو مثل بقية النصوص!

لم يعد هناك إذاً سرّ مطويّ أو مكنون في هدف القوم من الثورة الدينية التي تجعل العبودية للجنرال وليس لله، ومن مقتضيات هذه العبودية استئصال الإسلام على المدى القريب والبعيد؛ لأن الإسلام هو العقيدة المزعجة لأهل الغرب والشرق جميعاً، ولأدعياء التحضر ومقاولي الدكتاتوريات والطغاة والفاشلين.

ثم وهو الأهم الاستجابة لمطالب الصهاينة الغزاة، بإزاحة الإسلام وتصوراته وفي مقدمتها الحرية والشورى؛ لأن ذلك يمثل خطراً على وجودهم الإرهابي الدموي، فقد دمروا قطاع غزة في ثلاث حروب وحشية حين فازت "حماس" الإسلامية في انتخابات الضفة والقطاع النزيهة، وأعلنت تسيبي ليفني أنها لن تسمح باستمرار نظام الديمقراطية الذي جاء بالرئيس الأسير محمد مرسي، ومن قبله الرئيس رجب طيب أردوغان، وقد أعلن آفي ديختر أنهم أنفقوا المليارات لإسقاط محمد مرسي وأسره وإهانته يومياً في محاكمات هزلية، ويحاولون الآن إسقاط رجب طيب أردوغان بكل الوسائل المحلية والإقليمية والدولية.

الجهل المقدس حين يسيطر على عقول البلاد والعباد؛ فبشّر بمستقبل لا يقل سواداً عن الليل، ويوسف زيدان، وحسام بدراوي من النماذج التي تتحرك بالجهل المقدس ولا تستحي، فالدنيا تحت أقدامهم تروّج لهم وتمنحهم ما يريدون، وإن كانوا لا يستحقونه.

ماذا قدم يوسف، وحسام للوطن البائس الفقير، الذي كان من أغنى البلاد وأجملها قبل الحكم العسكري الدموي الفاشي في عام 1952م؟

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top