د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كلما جلس في الديوانية انتقد العمل الخيري، فلما تقاعد ارتبط بمؤسسة خيرية، وبدأ يفتخر بأن عملهم داخل الكويت وينتقد الجمعيات الأخرى، ثم انتقل عملهم خارج الكويت وهو يتفاخر بإنجازاتهم الخارجية، وبعد سنوات أصبحت مؤسستهم معتمدة لدى الأمم المتحدة.

هذا وأمثاله كثيرون، ينتقدون العمل الخيري متأثرين بالإعلام السلبي المعاكس، دون تثبت أو دليل، أو من باب إذا خاصم فجر، رغم ما نراه من زيادة في أعداد الجمعيات والمبرات واللجان الخيرية والتطوعية، ورغم ما نشاهده عيانا من إنجازات محلية وعالمية بحسب التخصص، وإشادات دولية بالعمل الخيري الكويتي، حتى منح صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد لقب «قائد إنساني عالمي»، والكويت «مركز العمل الإنساني».

يضم العمل الخيري الكويتي جميع أطياف المجتمع، ففيه المؤسسات الحكومية والأهلية والفردية، وفيه جميع التيارات الاجتماعية والسياسية والفكرية، وفيه الرجال والنساء، والمتقاعدون والشباب والصغار، وفيه التنوع بين الإغاثة العاجلة والحملات الاستراتيجية، كما يركز على التنمية البشرية وكرامة الإنسان، ويهتم بالتعليم والمهنية والعلاج وتشغيل العاطلين، وبناء البشر قبل الحجر، وإقامة المشاريع المستدامة، حتى أصبح العمل الخيري الكويتي مرجعا للعديد من المؤسسات الإنسانية الدولية.

كفل أهل الكويت خلال نصف قرن ملايين الأيتام حول العالم، وبنوا عشرات الآلاف من الآبار والمساجد، وآلاف المراكز الصحية والمساكن الصغيرة، ومئات المدارس والكليات والمعاهد المهنية والمزارع والوقفيات، إضافة إلى المشاريع الزمنية مثل إفطار الصائم في رمضان، والأضاحي، والإغاثات العاجلة عند الزلازل والفيضانات والمجاعات وغيرها، فيا لها من إنجازات يفتخر بها كل فرد.

كما استضافت الكويت عدة مؤتمرات للمانحين لعدة دول، بالتعاون مع الأمم المتحدة، وهي من أكثر دول العالم التزاما بصرف ما تعلن عنه دون خصومات إدارية.

ومن المؤسف أن هناك من ينتقد مؤسسات محددة بعينها دون دليل، مما يؤكد الخصومة الشخصية، ويتمسك بأخطاء فردية وبشرية، رغم أن أبناءهم وأصدقاءهم أعضاء فيها، ورغم دعوتهم للاطلاع على الدفاتر والتقارير المعتمدة من وزارتي الشؤون والخارجية ومكاتب تدقيق محاسبية دولية، ودعوتهم للمشاركة في حملات التوزيع المحلية والمشاريع الخارجية، والشهادة الإيجابية لكل من سافر معهم من رجال أعمال وصحافيين وإعلاميين وكتاب وفنانين ورياضيين.

وأعجبني عدم تأثر الناس بهذه الاتهامات الباطلة، واستمرارهم بدعم العمل الخيري الكويتي المتميز محليا ودوليا، وظهور اتحاد يجمع الجمعيات والمبرات الخيرية برئاسة العم خالد العيسى الصالح، حفظه الله، ومركز دراسات خيرية كويتي «فنار» برئاسة د.خالد الشطي، وممثلا للعمل الإنساني الكويتي في الأمم المتحدة د.عبدالله المعتوق، واضعين نصب أعينهم كلمة سمو الأمير «العمل الخيري تاج على رؤوس الكويتيين».

عندما قدمت البرنامج التلفزيوني «سفراء الخير» اكتشفت حجم العمل الخيري الكويتي الكبير بأشخاصه الكرام، وأعماله المتعددة، وشعرت بمزيد من الفخر والاعتزاز بهذا الوطن المعطاء، وتأكد لي أن «العمل الخيري صناعة كويتية» فكرا ومنهجا، يشترك فيه التجار والشيوخ والإسلاميون والليبراليون وكل فئات المجتمع، دون هدف مادي أو إعلامي سوى رضا الله عز وجل.

احتار الحساد في نقد العمل الخيري، فقالوا «يا أحمر الخدين»، ولم أجد تفسيرا لانتقاد القليل للعمل الخيري سوى الغيرة، وصدق من قال «عذروب خلي حسنه الفتان»، فقليلا من العدل معشر النقاد، وارحموا العمل الخيري من ظلمكم، ووجهوا سهامكم لمن حارب الخير والوطن.

 

 

___________________________________________ 

ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 15 سبتمبر 2020 12:22

لا تتركوهم بعدما كبروا

أنهت وزارة الصحة قبل بضع سنوات عمل طبيب وافد استشاري وحيد في تخصصه بقانون العمر، فعاد إلى بلده وشعروا بمشكلة كبرى لهذا النقص، فأعادوه باستثناء بعقد خاص براتب أعلى من قبل، وما زال على رأس عمله بكل إخلاص.

وتكرر الأمر مع عدة أطباء أنهيت خدماتهم بسبب العمر، فاتجه بعضهم إلى القطاع الخاص، وخسرنا خبراتهم، واستفاد ديوان الخدمة المدنية من هذه التجربة، وصدرت تعديلات العمر والعقود الخاصة، التي شملت أساتذة الجامعة والقضاء.. وغيرهم.

وتتكرر الأمور مرة أخرى اليوم بقرارات إنهاء الخدمات لعموم الموظفين الوافدين بالدولة للعمر، بسبب ردود فعل شعبية، دون دراسة متأنية بربط الحاجة أو الخدمة، أو الوضع النفسي والاجتماعي والإنساني لهم، فلكل واحد منهم ظروفه وحكايته، فلا تعمموا القرار بلا حدود.

كنت عائداً قبل 30 سنة من إحدى الدول العربية، فتحاورت مع الجالس بجانبي، فقال: إنه نشأ في الكويت منذ كان طفلاً صغيراً مع والده، ولم يذهب لبلده منذ 20 عاماً، فلما ذهب في إجازة لبلده لم يستطع البقاء هناك أسبوعين وعاد مباشرة للكويت بهذه الرحلة، فقلبه معلق هنا، وهذا شأن عشرات الآلاف ممن نشؤوا هنا وعاشوا في كنف الراحة والأمن والاستقرار النفسي والاجتماعي في الكويت، ويتمنون الموت على أرضها.

وأعرف شخصاً أصيب بجلطة دماغية بسبب إنهاء خدماته بعد عمر 70 سنة، حتى توفي.

نعم.. أصبحت قلوبهم معلقة بالكويت صدقاً ومحبة، ولا يلامون في ذلـك، فلا تتركوهم بعدما كبروا وعشقوا هذه الأرض التي هم على استعداد للبقاء فيها ولو على الخبز والشاي.

وأقصد هنا العمالة الوسطى والدنيا، ولست معمماً على جميع الوافدين، ولكنني أتكلم عمن قدم خدمات تجاوزت 30 عاماً أفنى فيها زهرة شبابه في العمل في خدمة الكويت، مع حسن سيرة وسلوك، وغالباً لن يجدوا وظائف جديدة تناسبهم بعد الستين، فالكل يبحث عن الشباب، ولديهم من الخبرات التي تفيد أعمالهم، فلا نهملهم في شيبتهم بعد أن أخذنا شبابهم.

وكثير من الناس يحتفظون بخدمهم الكبار بالبيت دون عمل تكريماً لخدمتهم الطويلة، وكذلك بعض المسؤولين الذين ينقلون إقامة بعض الموظفين بعد تقاعدهم تكريماً لهم.

رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه شيخاً ذمياً يسأل الناس، فسأله: ما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر رضي الله عنه بيده، وذهب به إلى منزله وأعطاه مما وجده، ثم أرسل به إلى خازن بيت المال، وقال له: «انظر هذا وضرباءه فضع عنهم الجزية، فوالله ما أنصفناه، أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم»، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ثم وضع عنه الجزية وعن ضربائه.

فلا أقل من السماح لأولئك الوافدين ممن تجاوزت خدمتهم 30 عاماً، أو ولدوا بالكويت، والراغبين بالبقاء في الكويت بمنحهم إقامة دائمة، باشتراطات أمنية محددة، أهمها عدم الشحاذة، ودفع الرسوم الصحية والإدارية المطلوبة، أو الالتحاق بعائل كأبنائهم وأقاربهم من الدرجة الأولى، أو البحث عن بدائل تكرمهم ولا تهينهم «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، فلا تتركوهم بعدما كبروا.

الكويت بلد الإنسانية، فلنبدع في ذلك قدر المستطاع، مع حفظ الأمن والأمان لبلدنا الحبيب.

 

_______________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

قد نستغرب تفوق أناس على آخرين في مجال دون آخر، كيف تفوقوا وتميزوا دون أقرانهم؟ هل هي تربية أم وراثة أم تعلم؟ هل هي خبرات أم قدرات أم مهارات أم ملكات؟ وهل يمكن اكتسابها؟ الجواب: «إنما العلم بالتعلم».

سأركز هنا على أمرين، الرسم والتعبير، فبداية أي طفل التقليد، فلنبدأ أولًا بتعليمه كيف يمسك القلم الرصاص، ويبدأ بالشخابيط على أي أوراق مستعملة حتى يألف القلم والورقة (بدل الحائط)، ثم نعلمه الخطوط المستقيمة والدوائر واستخدام ألوان الرصاص، والوالدان يشاركانه التدرج، هنا يبدأ تشكيل «الخيال» لدى الطفل، ويرسم رسومات غريبة بالنسبة لنا، لكنها تمثل شيئًا كبيرًا بالنسبة له، فاقبلوا خياله مع التوجيه.

سيتدرج أداؤه كلما كبر في السن وسيزيد خياله، سيرسم السمك وسط البحر، والعائلة داخل البيت، وهكذا حتى يكبر وخياله يكبر معه، وكلما كبر خياله زادت قدراته التحليلية والتخطيطية، فإما أن يعشق الرسم ويأخذ هذا الاتجاه.. وهم قلة، أو في حده الأدنى ما نرسمه على الأوراق عشوائيًا في الاجتماعات والمحاضرات.

ويمكن الاستعانة ببرامج من الإنترنت لتعلم الأطفال التدرج في الرسم، وفق أعمارهم تحت إشراف الوالدين.

ولا مانع من الرسم عبر الأجهزة الرقمية الحديثة تدريجيًا، وعدم الاعتماد عليها كليًا حتى أعمار معينة، كي لا يفقد الحس اليدوي للرسم.

سيتعلم مع النمو الكتابة، والأحرف عبارة عن رسم بشكل آخر.. خط مستقيم ودوائر ومثلثات وأقواس.. إلخ، فإذا تعلم الرسم بشكل جيد سيكون من السهل عليه تعلم الكتابة، وإذا أحب الكتابة سيحب التعرف على أنواع الخطوط، ولن يتم ذلك إلا بالتمرين والتشجيع والمتابعة.

وسيتعلم بعدها القراءة تدريجيًا، بدءًا من بابا وماما إلى ما هو أكثر، ويأتي دورنا في تنمية معرفته الكلمات والمعاني ولا نستصغره، ونشجعه على قراءة القصص والاستماع لها، وشرح المترادفات إن صادفته، ولا أفضل من الكلمات المتقاطعة.

سنطلب منه بعد قراءة كل قصة أو موضوع ملخصًا مكتوبًا لها، ونطلب منه بعد كل سماع ملخصًا كلاميًا، حتى خطبة الجمعة، ثم نتدرج معه عمريًا بتنمية الكتابة وتحويلها إلى خطابة مسموعة، لتنطلق معه الملكات اللفظية، ولا أفضل من الإذاعة المدرسية في تنميتها.

ننتقل بعدها إلى مرحلة «التعبير»، فنحدد له موضوعًا معينًا ليكتب فيه من معلوماته وخبراته، ونبدأ معه بالبسيط، ونعلمه ونشجعه، ونبين له الأخطاء، ونعزز لديه الصواب، ونحفز البلاغة عنده، واستخدام الأمثال والشعر، وكلما كبر كبرت معه المعاني وتعزز لديه التعبير الكتابي، الذي سيرى أثره لفظيًا عند الكلام مع الآخرين، حيث إنه يمتلك كلمات وتعبيرات لا يملكها غيره، وستتعزز لديه الثقة بالنفس، وهنا نجد الفارق بين القادة والخطباء والمحاورين في قدراتهم التعبيرية من دون ورقة.

وينبغي مراعاة الفروق الفردية بين الأبناء، فمنهم سريع التعلم والتلقي، ومنهم المتوسط والبطيء، فلا نقسُ عليهم ولكن لنبدأ معهم كل حسب قدراته، فكلٌ ميسر لما خلق له، ولا تنسوا الدعاء لأبنائكم.

 

__________________________

ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 01 سبتمبر 2020 12:22

هل يكون الفاسد حسن النية؟

تساؤل في محله.. هل يكون الفاسد حسن النية؟!

بالتأكيد هناك فاسدون حسنو النية، ولكن هل هذا سبب كافٍ ومسوغ لفسـادهم، أو دعمهم للفساد؟ وهل يوجد في الواقع نماذج لهم؟ سأذكر لكم هذه القصة.

دعت إحدى الشركات مديراً بإحدى الوزارات للعمل معها لإدارة أحد صناديقها الاستثمارية، مستفيدة من خبرته وذكائه براتب مغرٍ، فوافق وباشر العمل معهم، وهو معروف بالصدق والأمانة والإخلاص، وحقق لهم في السنة الأولى أرباحاً هو شخصياً لم يتوقعها، فباع بيته القديم واشترى منزلاً جديداً وسيارة فارهة.. إلخ.

وحقق في السنة الثانية ضعف الأرباح السابقة، فحدثته نفسه أنه هو سبب تلك الأرباح، وأنه مغبون ومن حقه أن يأخذ نصيبه، فوضع في حسابه بطريقة ما مليون دينار ظاناً أنهم لن يكتشفوه.

استدعاه الرئيس في نهاية السنة المالية، ومعه المحامي، وواجهه بالمبلغ المختلس، فلم ينكر وقال بكل ثقة وتأويل وحسن نية: هذا جهدي، ولولاي لما حققتم تلك الأرباح.

فقال الرئيس: أنت تأخذ على عملك راتباً كبيراً وعمولة، وأخبره المحامي أن التهمة لابسته، فإما يرجع المبلغ أو يحال للنيابة، فاستسلم وأعاد المبلغ واستقال من الشركة، وعاد لوظيفته الحكومية، وانزوى عن الناس، وخسر كل شيء بسبب تأويله الحسن بأنه صاحب حق، مع وسوسة الشيطان، وحينها لم ينفعه الندم.

القصة مركبة لكنها واقعية، ولو راجع كل واحد منا ذكرياته لسمع وقرأ مثلها الكثير، بسبب حسن النية، وكل ذلك جرى دون تخطيط أو سبق إصرار وترصد، وإنما بتأويل ساذج.

ومن النماذج القصصية الشهيرة في حسن نية الفاسد «روبن هود» الذي يسرق المال من الإقطاعيين، ويوزعه على الفقراء، والناس تتعاطف معه رغم أنه فاسد، لكنه في النهاية سارق.

وأستذكر هنا الرجل الذي أحضر صدقة البادية، فلما قدم ومعه زكاة الماشية قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر: "ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول هذا لكم وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟! والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر" (الحديث).

هذا الرجل كان حسن النية (أهدي لي)، ولكن فعله فاسد، ومثله كثير في حياتنا اليومية.

وردت كلمة «فسد» ومشتقاتها في القرآن الكريم 25 مرة، وهي موجودة منذ بدء الخليقة، فما علينا سوى الحذر أن يصيبنا من شررها ولو قل، وعلينا أن نربي أبناءنا على الانتباه للتأويلات السلبية، التي هي مصدر الفاسد حسن النية، الذي سيستغله الآخرون من الفاسدين الحقيقيين، فيقع فيها ويخرج منها الآخرون، وحينها لا ينفع الندم ولا حسن النية ولا التأويل الحسن، والضحية هو المجتمع والوطن.

 

________________________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 25 أغسطس 2020 10:15

هل ننصر "الأقصى" بنفس الطريقة؟!

إذا فقدت شيئاً ما، فمن الخطأ أن تبحث عنه بالمكان نفسه وبالطريقة نفسها لأن في ذلك إضاعة للوقت والجهد، دون الاستفادة من أي خبرات سابقة، لكن ينبغي تغيير إستراتيجية التفكير في البحث.

وينطبق هذا الأمر على حياتنا كلها، اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية وثقافية، فلا بد من تطوير تفكيرنا الإستراتيجي وفق متغيرات الحياة، وعدم العمل بنفس الآلية الجامدة.

والتغيير سُنة الحياة، ولن يكون ذلك إلا برغبة حقيقية وصادقة بالتغيير إلى الأفضل؛ (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، سواء على مستوى دول أو منظمات أو أفراد.

استطاعت أمريكا أن تتفوق على العالم كله، رغم أنها عالم جديد لم يتجاوز عمره 300 سنة، ورغم أقدمية الدول الكبرى ذات الحضارات، فتفوقت على نفسها، وتجاوزت خلافاتها وحروبها الداخلية، وأصبحت الأولى في مختلف علوم الطب والفضاء والكيمياء.. وغيرها، وأضحت الأولى في الأنظمة العسكرية والأمنية والتقنية، فأمست تقود العالم، رغم وجود المنافسين الأقوياء روسيا والصين.

استفادوا من تجارب الحروب العالمية الأولى والثانية وفيتنام، وتركوا الاستعمار المباشر، وغيروا إستراتيجية التفكير، وانتقلوا إلى صناعة الفكر واختراق العقل وتوجيه السياسة بكل احترافية، عبر توجيه ثقافات المجتمع المحلي أولاً، ثم العالمي، من خلال الإعلام والسينما والثقافة والمطاعم والملابس، فأصبحت يضرب فيها المثل في المهارة والإتقان، حتى تبنى الناس فكرتهم وثقافتهم.

ثم ظهرت «منظومة» جديدة ليس لها بلد محدد، ولا عناصر بشرية كثيرة، استطاعت أن تسيطر تدريجياً على مؤسسات العالم المالية والإعلامية، فهي لم تيأس من فشلها وتشردها سنوات طويلة من التيه بين مختلف دول العالم، تعرضت خلالها للذل والقتل (لأفعالهم)، وغيرت إستراتيجيتها وسيطرت على المال فقط، وجعلت التنافس على الصناعة والعلوم والخدمات لدى غيرها، وهي التي توجهها عن بُعد.

وصنعت لها واجهة اسمها "إسرائيل" على أرض فلسطين، ومؤسسات أخرى تساندها أسمتها الصهيونية والماسونية.. وغيرها، وغيرت إستراتيجيتها، ونقلت الحروب بينها وبين الآخرين إلى حروب بالوكالة تقوم الشعوب بتنفيذها نيابة عنها في مختلف دول العالم، وبالأخص في العالم الإسلامي والعربي الذي اخترقته بجدارة.. وما زالت.

وما زال العرب والمسلمون يتعاملون مع المتغيرات والمستجدات بنفس الآلية، وما زالوا يبكون على اللبن المسكوب، حتى ألفوا السكينة والاستسلام، فلم تعد تخرج المظاهرات ولا بيانات الشجب والتنديد، سوى «الكويت» بموقفها المبدئي تجاه فلسطين والأقصى.

لست خائفاً على الأقصى، فله رب يحميه، ولكني قلق على الجمود الفكري في التعامل مع الأحداث بنفس الآلية المكررة، دون تطور إستراتيجي.

هل ما زلنا ننشد: من أجلك يا قدس يا مدينة الصلاة أصلي.. لأجلك يا بهية المساكن يا زهرة المدائن..

عيوننا إليك ترحل كل يوم.. تدور في أروقة المعابد.. وتمسح الحزن عن المساجد..

وبدأت أتساءل: هل فعلا ما زال الغضب الساطع آت بجياد الرهبة؟! وهل ما زلنا متشبثين بأن البيت لنا والقدس لنا، وبأيدينا سنعيد بهاء القدس؟!

إنها دعوة لإعادة إستراتيجية التعامل مع القضية على مستوى عالمي، فالواجهات تغيرت، والوجوه تبدلت، والأجيال تطورت، والكيانات تجددت، ولنعد إلى الله، وإلا سنعود إلى المربع الأول، وليس لنا سوى الدعاء بقلب صامت.

 

 

_________________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

 

 

 

 

 

الثلاثاء, 18 أغسطس 2020 17:06

هل التعلم عن بُعد أمر جديد؟

انتشر مصطلح «التعليم عن بُعد إلكترونيًا» عالميًا في الأشهر الماضية بعد انتشار جائحة كورونا، ورغم أن المفهوم جديد في بعض الدول، لدرجة أنهم لم يستطيعوا التعامل معه، إلا أنه بالفعل قديم متجدد لمن أراد أن يستثمر هذا العلم، فمنذ انتشار عالم الإنترنت بين الناس مطلع التسعينيات، بدأ البحث العلمي في هذا العالم المفتوح، بدأ عشوائيًا ثم أخذ بالانتظام تقنيًا وفنيًا وعلميًا في مختلف المجالات، وانتشر نقل المحاضرات العامة، ثم الدورات العلمية والتخصصية، حتى ظهرت الأكاديميات والمعاهد والجامعات المفتوحة التي تقدم محاضراتها عن بعد عبر الإنترنت، ويحصل بموجبها الطالب على شهادة رسمية، ولم يكن معترفًا بها في كثير من الدول آنذاك خوفًا من عدم الالتزام والجدية في التعلم.

وبالمقابل هناك ما يسمى بـ «التعليم المنزلي»، وهو منتشر في دول العالم الغربي، وفكرته رغبة الوالدين في عدم ذهاب الابن للمدرسة إما لأسباب قيمية أو صحية أو بعد السكن.. أو غير ذلك، ويتكفل الوالدان بالتعليم، والاستعانة بالمدرسة عند الحاجة، مع الالتزام بالمناهج المدرسية الحكومية وطرق التعليم ومواعيد الاختبارات، واستفاد الناس من الإنترنت في التعليم بوجود أرشيف تعليمي إلكتروني هيأته وزارات التعليم لعموم الطلبة.

كانت هاتان الفئتان مهيأتين عالميًا لمرحلة «التعليم عن بعد» بشكل رسمي في مختلف المراحل الدراسية، على مستوى الهيئة التعليمية والفنية والطلبة وأولياء الأمور، فباشر الجميع عملهم فور إيقاف التعليم في المدارس والجامعات الحكومية والخاصة، واستمرت الدراسة، وانتهى العام الدراسي الماضي بنجاح، وتخرج من تخرج، من الابتدائي حتى الدكتوراه.

وتشجيعًا لهذه المرحلة من التعليم الإلكتروني عن بعد، فقد أعلنت العديد من الشركات العالمية عن اعتماد تلك الشهادات، واعتماد التعاقدات الخاصة وفق الكفاءة لا الشهادة، خصوصًا في مجال الإلكترونيات والتسويق.

ولم تكن الكويت بعيدة عن ذلك، فلوزارة التربية محاولات سباقة منذ السبعينيات عبر التعليم التلفزيوني (المراجعة أيام الاختبارات)، متقدمة على دول عربية كثيرة، وفي الألفية الثالثة حاولت ترسيخ التعليم الإلكتروني عبر الفلاش تارة، والتابلت تارة أخرى، لكنها لم تلق النجاح رغم الجهود الكبيرة المبذولة آنذاك من كفاءات محلية، لعدم انتشار تلك الثقافة في المجتمع ككل، والذي كان يحتاج حملة إعلامية متواصلة.

لذا.. نشبت صراعات فكرية بين مختلف الأطراف عند طرح مشروع التعليم عن بعد، كان وزير التربية ضحية سياسية لها، والطلبة ضحية تعليمية، والنتيجة إنهاء العام الدراسي بشكل غريب وغير عادل، والإعلان عن بدء الدراسة إلكترونيًا عن بعد.

لن ينجح التعلم عن بعد إلا إذا كان مشروع دولة، بالتعاون بين القطاع الحكومي والخاص، بعيدًا عن الصراعات الفكرية والسياسية والاقتصادية والمصالح الخاصة، ولدينا من الخبرات والكفاءات الوطنية والعربية الكثير ممن يستطيعون إثراء هذا التعلم بأحدث الأساليب وأسهلها، وتحقيق أفضل النتائج الإيجابية، فهل من مبادر؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــ

ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

تساؤل مستحق.. ما الذي تغير بعد 30 عاماً من الاحتلال العراقي الغاشم للكويت، على المستوى المحلي والإقليمي والدولي؟

تعودنا على نمطية التعامل مع هذه الذكرى، واسترجاع المعلومات المكررة، دون أي مستجدات فكرية أو إستراتيجية، فقد قامت وزارة الإعلام بتوثيق المرحلة عدة مرات تلفزيونياً وإذاعياً بشكل احترافي، وأجرت الصحف لقاءات تاريخية مع الرموز داخل الكويت وخارجها، وتميز مركز البحوث والدراسات الكويتية بإصداراته الوثائقية العلمية بهذا الشأن بمختلف الاتجاهات السياسية والاقتصادية والأمنية والتاريخية والاجتماعية، وآخرها «موسوعة تاريخ الغزو العراقي للكويت» إعداد د. فيصل الوزان التي حوت تفاصيل كثيرة من عدة مراجع.

وأعتقد أننا بحاجة للخروج من الصندوق، والتفكير بأسلوب استشراف المستقبل، فبعد الخروج من المراحل الحرجة «التعمير بعد التحرير»، و«الإنسان قبل البنيان»، والقفزات الاقتصادية والمعمارية والسكانية والعواصف البرلمانية التي عاشتها البلاد، وأخيراً الأزمة العالمية «كورونا»، واستنزاف للموارد المالية، لا بد من النظر الجاد لمستقبل البلاد والعباد، والأجيال القادمة، وحتى لا تصدق نبوءة السفيرة الأمريكية بأن الكويت ستنتهي في 2020م.

لقد لعبت الكويت بكل اقتدار بضبط السياسة الخارجية بحكمة وحيادية، وإصلاح ذات البين، وتخفيف التوترات السياسية الخليجية، وسط خبرة دبلوماسية عريقة من صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، شافاه الله، ونحن بحاجة لاستمرار هذا النهج الوسطي خصوصاً مع دول الجوار، فلسنا نعيش وحدنا في العالم، فالكل يتحرك ويتطور، وينبغي مواكبة الواقع بحكمة وذكاء.

وحتى يتحقق النجاح لا بد من تعاون كل المؤسسات الأمنية والاقتصادية والإعلامية والتيارات والرموز لتحقيق الأمن الخارجي، الذي سينعكس بلا شك على الأمن الداخلي، «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» (حديث شريف)، ولن يتحقق ذلك بتفرد الرأي وإقصاء الآخر، وتصنيف المواقف والناس حسب هوى المسؤول، ولن ينجح بقبول الاختراق الخارجي بأي شكل، فالكويت استوعبت الجميع منذ بدايتها، وتوحدت حول أسرة الحكم دون خلاف، وأنشأت لها دستوراً توافق عليه الجميع، وقد آن الأوان لإعادة النظر في هذه الهيكلية البشرية الفكرية الإنسانية القيمية.

لقد أبلى الشعب الكويتي بلاءً حسناً فترة الاحتلال العراقي الغاشم داخل الكويت وخارجها، لفت فيه أنظار العالم، والتاريخ شاهد على ذلك، ويستحق هذا الشعب أن نعمل لأجله الكثير الكثير، فمن عمل بإخلاص معروف، فلنضع ثقتنا به للمشاركة في إدارة البلاد مستقبلاً، فميوله السياسية أو الفكرية شأن خاص به، ولا نجعلها وسيلة تفكك للمجتمع وضرب إسفين في الوحدة الوطنية.

لا يختلف اثنان أن التيار الإسلامي هو الأبرز في العمل الشعبي داخل الكويت وخارجها، وتقديم الخدمات اللوجستية، وإدارة البلاد بكل اقتدار، مع المشاركة السياسية والجولات البرلمانية بشهادة الجميع، ومع ذلك فقد انسحب من الواجهة وسلم مقاليد الأمور للحكومة التزاماً واحتراماً لها، وتم استخدام تيارات أخرى لتشويه سمعته ببث الشائعات والأكاذيب، ثم التفرقة بين القبائل والتيارات السياسية، كل ذلك لخبط الحياة السياسية الداخلية، فانشغل الناس ببعضهم بعضاً بدلاً من أن ينشغلوا باستشراف المستقبل الذي أشعل المنطقة بأسرها، حتى لم نعد نعرف فيها الصديق من العدو «الخفي».

اتقوا الله في الكويت، ولنفكر في المستقبل بشكل أكثر جدية وواقعية، بعيداً عن المصالح الفردية أو الرؤى الشخصية وعدم التوحد بالقرار، فالكويت تجمعنا، وستجدون البدائل الإيجابية كثيرة عند محبي هذا الوطن، دون المساس بمصالح أصحاب المال والنفوذ، والله خيرٌ حافظاً، وهو أرحم الراحمين.

 

______________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 28 يوليو 2020 13:49

لا يكن التعميم سلوكك اليومي

أذكر عند الامتحانات المدرسية إذا ضبط طالب يغش، فورًا يقول: كلهم يغشون، وهذا يسمى في علم النفس «الإسقاط»، هو حيلة دفاعية من الحيل النفسية اللاشعورية، وعملية هجوم يحمي الفرد بها نفسه بإلصاق عيوبه ونقائصه ورغباته المحرمة أو المستهجنة بالآخرين، وينتهي الأمر بالتعميم على الآخرين.

وقد يصدق التعميم أو يفشل بحسب المعلومات المتوافرة، فعندما أعمم على أصدقاء الديوانية «كلهم مقصرون، لم يتصل بي أحد وأنا مريض»، فهذا التعميم مبني على معلومة دقيقة وواضحة، لكن الإشكالية تقع عند التعميم السلبي دون معلومة، والأسوأ دون تثبت، فهذا التعميم آفة المجتمعات، يستغلها بعض الخصوم لضرب منافسيهم عبر الآخرين، حتى أصبحت عادة لدى معظم شعوب العالم، إلا ما رحم ربي.

تذكرت ذلك لما تواصل معي أحد التجار عندما شن الناس حملة ضد الفساد والعمالة السائبة، متهمين التجار بأنهم وراء ذلك، وقال: هذا أمر مشين التعميم على كل التجار، فالتجار ليسوا سواء، وكل يتحمل وزره ومسؤوليته.

وهذا كلام صحيح، فأنا أعرف العديد من التجار ورجال الأعمال الشرفاء بعيدين كل البعد عن المخالفات القانونية والشرعية، وملتزمين بالقانون، وهذا الكلام بلا شك يؤثر عليهم نفسيًا لما فيه من تعميم جائر، وإهانة غير مباشرة، وخلط بين الناس، وتأثر سمعتهم.

ويجري الأمر على كل تعميم.. كله من الشيوخ، ما باقونا إلا الجنسية الفلانية، المتدينون ضيقوا علينا، الليبراليون وراء الفتن، بدو.. حضر.. عجم.. والعائلة الفلانية، والقبيلة العلانية، ويتبع ذلك تصنيف الناس حسب جنسياتهم.. كله من الأمريكان، الأتراك.. وحسب أديانهم وألوانهم وتياراتهم وأحزابهم وأفكارهم، ولم يسلم من لسانهم أحد، حتى أرحامهم وأبناؤهم يصيبهم التعميم، وهذا بلا شك من الأخطاء الجسيمة في التعامل مع الآخرين.

لقد نهى الله عز وجل عن ذلك، فالعدالة مطلوبة؛ "وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!"، فهل أنا مضطر للمشاركة باتهام الآخرين؟

قد يستشهد البعض بالآية (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً) (التوبة: 97) لما فيها من تعميم، إلا أن لها خصوصية، فقال سبحانه عن الأعراب: (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {98} وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة)، فانظر إلى العدل والإنصاف وعدم تعميم الأحكام للجميع.

العدل مطلوب، والله يحكم ويحاسب المخطئ (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ) (العنكبوت: 40)، وجاء في التعميم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أعظمَ الناسِ عند اللهِ فِريةً لرجلٌ هاجى رجلًا فهجا القبيلةَ بأسرِها»، فقبل أن ننفعل بتعليقاتنا ونندفع بتعميماتنا، لنتذكر قول الله عز وجل: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (فاطر: 18).

فلا نجعل التعميم هو الأصل في الحكم على الآخرين، حتى لا ندخل في إطار الفتن ونشر الإشاعة، ولا نبني آراءنا على خلفيات محدودة، وردود فعل سريعة، وظنون نفسية؛ (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) (يونس: 36).

ولننشر هذه الثقافة بين الناس برفض التعميم الجائر، بدءًا من أنفسنا وأبنائنا، ولا نجعل التعميم سببًا في نشر الفتنة والإشاعة والإساءة للوطن.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الخميس, 05 مارس 2020 10:55

«المجتمع».. إنجازات بلا حدود

عندما ظهرت مجلة «المجتمع» عام 1970م، ظهرت وسط صحافة قومية يسارية ليبرالية سيطرت على العالم العربي والإسلامي، قادت الرأي العام لصدورها اليومي الكثيف، والأسبوعي المنوع، وكانت الصحافة آنذاك -وما زالت- صراعاً بين التجار والحكومات، ولا تنشر من القضايا الإسلامية إلا النزر اليسير.

وكانت الساحة الإسلامية تفتقد لصحافة تنشر قضاياها ومشاريعها، حيث كانت معظم المجلات الإسلامية آنذاك تختص بنشر المقالات الفكرية والبحوث العلمية، وهذا جهد مشكور، فبقي النقص قائماً فيمن يتابع قضايا الأمة من زوايا إنسانية وسياسية وفكرية وحقوقية بشكل مستمر.

فكان ظهور مجلة «المجتمع» بمثابة قفزة صحفية كبيرة على مستوى العالم الإسلامي، فلا تبقى شاردة ولا واردة إلا وتنشر فيها، وكانت المتنفس الوحيد لهواء الفكر الإسلامي المتجدد، حيث حوت على تغطيات لقضايا المسلمين، والاهتمام بالأقليات المسلمة في العالم، بالأخص التي تتعرض للظلم والاضطهاد، وفضح مخططات أعداء الدين، وتقديم بدائل ومشاريع واقتراحات، حتى لا تكون مجلة ناقدة دون مشاركة في الحل.

وفي الوقت الذي تفتخر فيه الصحف اليومية والأسبوعية بانضمام كاتب عالمي أو مفكر أو أديب إليها؛ فإن «المجتمع» ضمت بين دفتيها كتابات ولقاءات وأبحاث مئات العلماء والمفكرين والأدباء الذين أثروا الساحة الإسلامية، فكانوا منارات للاعتدال والفكر الوسطي، وعشرات التربويين الذين أصَّلوا المناهج التربوية على التسامح والعفو، رجالاً ونساء، من مختلف جنسيات العالم.

وأضافت الكتابات النسائية في شؤون الأسرة والطفل والمجتمع خطوة جديدة شجعت الصحف النسائية الأخرى للعمل مثلها، وارتفع عدد متابعي المجلة من الجنسين، ومن مختلف الأعمار.

ولأي زيارة لأرشيف «المجتمع» ترى عشرات الآلاف من الوثائق التي تحتاج من يبحث فيها، التي يمكن أن يستخرج منها آلاف الأبحاث والدراسات للعالم الإسلامي.

كما واكبت المجلة التقدم التقني، فخصصت لها موقعاً إلكترونياً، ورخّصت صحيفتها الإلكترونية، فزاد انتشارها في العالم، وسهل وصولها مجاناً لجميع القراء، وزادت أخبارها اليومية بعد أن كانت أسبوعية ثم شهرية مطبوعة، وما زالت أرقامها ترتفع يوماً بعد يوم على مستوى الصحافة الإلكترونية المحلية والدولية.

ودخلت عالم التواصل الاجتماعي عبر «فيسبوك»، و»تويتر»، و»إنستجرام»، وبدأت مؤخراً بإنتاج مقاطع فيديو توعوية وقصصية وفكرية، تنشرها عبر الموقع الإلكتروني و»يوتيوب».

رؤساء التحرير

أما رؤساء التحرير، فقد كانوا قامات صحفية راقية، اتسمت بالفكر المتزن، والطرح الرزين، والرأي العميق، والنظر إلى مصلحة الأمة، والحرص على وحدة الوطن؛ فلم يثيروا الفتن، ولم يؤلبوا الشعب على الحكومة، ولم يتاجروا بالمواقف المبدئية، وكان كل واحد منهم إضافة للساحة الصحفية المحلية والدولية بفكره وإدارته.

وقد التقيت خلال 30 سنة مضت بعشرات المسؤولين في مراكز إسلامية بالعالم، عرباً وغيرهم، في زيارات ومناسبات متفرقة، في الكويت وخارجها، فكانوا يجمعون على أنهم تربوا وتتلمذوا وتعلموا على مجلة «المجتمع» مذ كانوا شباباً في المرحلة الثانوية، حتى غدوا قيادات إدارية وتربوية.

مضى نصف قرن على صدور مجلة «المجتمع»، حققت من خلالها آلاف الإنجازات الصحفية والفكرية والثقافية والتربوية والعلمية، وما زالت تنافح وتكافح رغم النقص المتوالي لميزانيتها وطاقاتها البشرية، وما زالت «مجلة المسلمين الأولى على مستوى العالم»، وستبقى كذلك بإذن الله.

فالحمد لله على هذا النجاح الكبير لهذه المجلة العريقة والعميقة، وجزى الله خيراً من أسسها، وكل من قام عليها ودعمها مالياً وفكرياً وشارك فيها، خلال نصف قرن، وأدعو الله لهم التوفيق والنجاح في مرحلتهم المقبلة.


أصبحت مصطلحات التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية من القواعد العامة في مختلف دول العالم، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 سبتمبر 2015م، ووضعت خطة التنمية المستدامة لعام 2030م، التي تتكون من 17 هدفاً للتنمية المستدامة، و169 هدفاً متصلاً بها، وضمان مشاركة جميع دول العالم في تحقيق تلك الأهداف.

ومحور تلك الأهداف هو "الإنسان"، وتوفير بيئة نظيفة وتعليم وصحة وحياة كريمة، ومكافحة الفقر، وضمان حقوق الإنسان، والأمن والسلام، ومساعدة اللاجئين والنازحين، وإغاثة المنكوبين.
لذا.. تعمد الحكومات وضع مفاهيم التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية ضمن خططها السنوية، وتعممها على جميع قطاعات الدولة، بما فيها المناهج الدراسية.
كما وضعت الأمم المتحدة مقاييس للشركات الكبرى المعتمدة، وهو ما تقدمه تلك الشركات لدعم تلك الأهداف محلياً ودولياً، فالشركات التي تضع في نظامها الأساس بنداً رئيساً في المسؤولية الاجتماعية (CSR)، والعمل المسؤول المستمر (SRB)، وتوثق ما قامت به في التقرير السنوي للشركة، فإنها تحظى بأولوية في التقدير العام، وفي العقود الكبرى.
ونحن نفخر في دولة الكويت أن الحكومة تولي اهتماماً كبيراً لتعميم مفاهيم التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية في مختلف قطاعاتها، وتقدم دعماً إعلامياً ولوجستياً وسياسياً وإدارياً لكل المشاريع ذات الارتباط، ولا يفوت يوماً إلا وتجد تلفزيون الكويت يتكلم عن ذلك.
وبخط مواز.. يحرص رجال الأعمال في الكويت مشكورين من خلال الشركات والبنوك والمؤسسات الكبرى على مواكبة هذا الاهتمام، واستشعار دورهم في المسؤولية المجتمعية، التي تقوم بدور ملموس وواضح في تحقيق هذا المفهوم بشكل تطوعي، فالمؤسسات الاقتصادية تدعم العديد من المشاريع التنموية داخل الكويت وخارجها، لأجل المصلحة العامة، وتساهم بتشجيع نمو وتطور المجتمعات، دون النظر إلى أي تصنيف سياسي أو فكري أو ديني أو مذهبي أو إقليمي أو قبلي أو غير ذلك، لا يبتغون غير الأجر من الله عز وجل.
وتقوم الجمعيات الخيرية الكويتية بدور رائد في هذا المجال، فهي إن صحت التسمية خلاصة كل تلك الجهود، فإن كانت أجهزة وقطاعات الدولة تقدم الخدمات الإعلامية والإدارية، وإن كانت المؤسسات التجارية والمتبرعين من أهل الخير يقدمون الدعم المالي، فإن الجمعيات الخيرية والفرق التطوعية هي من تقوم بالجانب التنفيذي لكل ذلك، فهي من تقوم بتنفيذ الحملات الإغاثية للاجئين والمنكوبين، ودفع رسوم تعليم وعلاج الفقراء، وبناء المدارس والمراكز الصحية، وحملات تنظيف البيئة البرية والبحرية.. وغير ذلك.
إذاً هو مثلث متساوي الأضلاع، متساوي الزوايا، يعمل من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية، وبقدر نجاح تنسيق هذه الأضلاع بشكل موضوعي، وتخطيط مسبق، يتم تحقيق نتائج إنسانية عالمية متميزة.
ولعلها دعوة لرجال الأعمال أفراد وشركات، وبنوك ومؤسسات، لمضاعفة العطاء في هذا المجال الإنساني، وتنويع الاختصاصات والمجالات، والمشاركة بحضور تنفيذ بعض تلك الفعاليات، داخل الكويت وخارجها، فبمشاركتهم واختلاطهم مع الجمعيات والفرق التطوعية، سيكتشفون مجالات كثيرة كانت غائبة عنهم، خصوصاً مع فئة الفقراء والمنكوبين، حتى لا يتركز الدعم في مشاريع التدريب والتنمية البشرية، والمعارض الفنية والثقافية.
كلمة قالها سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح، حفظه الله، لا أنساها: "العمل الخيري تاج على رؤوس الكويتيين"، وقد صدق فيما قال، وأنا أؤكد أن "العمل الخيري صناعة كويتية"، وهو كذلك.
وإذا كنا نحتفي هذه الأيام بذكرى توقيع اتفاقية التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية في الأمم المتحدة في 25 سبتمبر 2015م، فإن الكويت تعيش كل يوم احتفالات خيرية وإنسانية تحقق هذه الأهداف، فالعمل الخيري لم يتوقف يوماً ما بحمد الله، وسط أكثر من 150 جمعية خيرية ومبرة ووقفية، وأكثر من 500 فريق تطوعي، حتى منح أمير الكويت سمو الشيخ صباح الأحمد الصباح لقب "قائد الإنسانية"، والكويت "مركزاً إنسانياً عالمياً"، وما زال العمل الإنساني قائماً بكل خير.
_____
ينشر بالتزامن مع مجلة "فنار" الكويتية.

الصفحة 1 من 27
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

translate

Top