د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإثنين, 02 سبتمبر 2019 16:01

من يرفع راية الارتقاء بالتعليم؟!

 

لا يختلف اثنان على أهمية التعليم، إنما الكلام يدور حول آليات التعليم والتعلم، فمنذ آلاف السنين والتعليم يتغير أسلوباً وشكلاً ومحتوى بحسب الخبرات التراكمية، والتجارب الميدانية، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه، خبرات شارك فيها فلاسفة وعلماء دين وعلماء نفس واجتماع وتربية.. ومع ذلك، فما زالت تعقد المؤتمرات تلو المؤتمرات التربوية في العالم للخروج بأفضل سبل ونظم التعليم.

وكلما ظهر جديد نسف ماضيه، فكما بدأ تركيز العملية التعليمية على المنهج، ثم المعلم، ثم الطالب، بدأت عودة جديدة للمعلم والمنهج.. وهكذا، بمعنى أنه لا توجد قاعدة نهائية في التعليم والتربية، إنما هي متجددة بتجدد الزمان والمكان والبشر.
ونتيجة لذلك، أصبحت كل جامعة عالمية تضع لها معايير خاصة بها لتقييم مستوى التعليم ومخرجاته، حتى أصبحت منظمتا «اليونسكو»، و«البنك الدولي»، متأخرتين عن التقديرات العالمية، واتسعت الاختلافات بين التربويين الأصوليين والمناهج والنفسانيين؛ كل يثبت رأيه ونظريته.
وتركز كل هذه التنافسات على المنتج النهائي؛ وهو طالب متميز متفوق علمياً، لديه مهارات وقدرات متنوعة، لكنْ قليل من عالج مشكلة الطلبة ضعاف التعلم، والمعلم ضعيف التعليم، وقليل من ركز على تنمية القيم والأخلاق بشكل أساس، فالتعليم بلا أخلاق لا قيمة له.
ولطالما أصبح التعليم وظيفة لا مهنة، فلن نحقق الأهداف المرجوة، فكل من يحمل شهادة يستطيع العمل بها معلماً، لكن من منهم حاز حقاً على ترخيص (License) لذلك من جهة معتمدة، كما هي الحال مع الاجتماعيين والنفسانيين؟!
النماذج التعليمية المتميزة في العالم كثيرة، وكل يدعي الأفضلية، فقد سمعنا عن تفوق اليابان تعليمياً بعد تدميرها في الحرب العالمية الثانية، وظهرت الفصول الدراسية وسط الأنقاض تحدياً نحو العلم، فغرسوا قيمة مهمة في الأجيال، وسادوا العالم صناعياً.
وأعادت سنغافورة البناء التعليمي من جديد بأسلوب مدهش، يلبي جميع قدرات الطلبة، واحتياجات المجتمع.
وتنافست الدول الإسكندنافية في تصدر دول العالم تعليمياً، من خلال تخفيض سنوات الدراسة، وتقليل الحصص التعليمية، وزيادة ساعات اللعب والأكل والراحة!
وترك التعليم البريطاني مساحة كبيرة لإدارة المدرسة لاختيار نمط التعليم، والمناهج الدراسية، والكتب المدرسية، وتعيين المعلمين، (قانون بتلير 1944م).
أما دولة الإمارات ودولة قطر، فقد اختصرتا الطريق نحو تعليم أفضل، باختيار أرقى المؤسسات التربوية عالمياً، لتدرس واقعهما الحاليين، وتضع تصوراً لمستقبل أفضل؛ فتصدرتا الدول العربية، وبالاتجاه صعوداً نحو العالمية.
وما نحن ببعيد عن ذلك التنافس والتطور، فكم نفخر باستعانة البنك الدولي وجامعات غربية عريقة بأساتذة عرب ومسلمين في أبحاثهم ومؤتمراتهم، ومنهم د. علي الكندري، ود. غازي الرشيدي (مشاركان بمقالين بهذا العدد).
وظهرت أساليب عدة تدعم العملية التعليمية، كالتعليم باللعب والضحك، وبالقصة والرواية، والتعليم بالقدوة.. وغير ذلك، وكم نحن بحاجة لاستخدام علم «أنماط الشخصية» في التعليم، الذي أدعو لتدريب المعلمين عليه ليكون جزءاً من الشهادة أو الترخيص.
وأمام هذا التمايز الكبير في عالم التربية والتعليم، أستمتع باستشهادات المختصين بتراثنا الإسلامي المليء بالأقوال والتوجيهات العميقة، ومنهم د. إبراهيم الخليفي، ومن الأقوال الرائعة في التعلم للإمام سفيان بن عيينة (شيخ الإمامين الشافعي، وابن حنبل): «أدوات التعلم خمس: الاستماع، والفهم، والحفظ، والتطبيق، والنشر».
يعيش في الغرب ملايين المسلمين، وعليهم استثمار هذه الفرصة للاستزادة من خبرات التميز التعليمي عندهم، ونقلها لأجيالهم ومدارسهم، وعلى وزارات التربية الاستفادة من خبرات الأكاديميين والميدانيين في تحفيز المعلمين، والارتقاء بأدائهم، حتى نحقق نتائج إيجابية على أرض الواقع، فمن يرفع راية الارتقاء بالتعليم؟!>

خلال زيارتي لبعض الجهات الحكومية، وجدت فئة قليلة تخالف الأعراف العامة لأي مؤسسة في الملابس والأشكال والسلوك، مما يدل على أمرين مممين: ضعف الرقابة الإدارية، وجهل الموظف بمعنى السلوك الخاص والعام.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، رأيت نساء يلبسن بنطلوناً للركبة، ونعال صبع، وقميصاً بدون كُم، وآخر شفافاً، وجينزاً ضيقاً وممزقاً، وفستاناً فوق الركبة، وبنطلوناً ضيقاً دون تغطية الخلفية بقميص، وقصات شعر غريبة، ومكياجاً صارخاً.. إلخ.

ورأيت شباباً يلبسون دشداشة بدون غترة، وملابس رياضية، وشنبات عريضة جداً، أو مدببة، ووشماً، وقصات شعر غريبة.. إلخ، وبالطبع كل ذلك لا يتناسب تماماً مع قيم العمل.

أذكر قبل عامين تقريباً انتشرت صورة لامرأة بلبس رسمي وقد حلقت نصف شعرها، وأوقفت الشعر الآخر، ولولا انتشار الصورة بوسائل التواصل، لما تم إيقافها ونقلها، فأين المسؤول؟!

أنا أقدر أن هؤلاء الشباب ليس لديهم علم بمعنى قيم العمل، لأنهم لم يتعلموها في البيت، ولا في المدرسة، ولا في المعاهد والكليات، ولا في أي مكان آخر، كما لم ينبهوا عليها قبل استلام العمل.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لم لا يبادر المسؤولون –بشكل أخوي وأبوي– بنصح هؤلاء الشباب بأن ذلك السلوك لا يتسق مع أدبيات وقيم العمل، وإلا فعليهم البحث عن مكان آخر؟! الجواب: ما عنده قانون يحميه.

طيب.. لم لا نجد هذا السلوك السلبي في البنوك والشركات الكبرى؟ ولا تجد أحداً يقول: حرية شخصية!

الجواب ببساطة: أن تلك المؤسسات وضعت لها نظماً من البداية لكل موظف يعمل لديها، يوقع عليها، وإذا خالفها إما أن يتأخر في ترقيته، أو يخسر وظيفته.

اعتاد مدير عام أحد البنوك الكبرى أن ينزل دورياً إلى القاعة المصرفية.. الواجهة الأولى للبنك، قبل أن تفتح الأبواب، ويلف على الموظفين، وأي موظف يلبس نعالاً، أو دشداشة بدون غترة وعقال، أو يلبس قميصاً بدون ربطة عنق، يناديه بالاسم للخروج وتعديل هندامه، حتى وضع الغترة لها شكل معين، وكل ذلك مبين بالصور عند بداية العمل.

الرسالة باختصار: إن الجهة التي تعمل بها لا تمثلك، إنما أنت تمثلها، وبالتالي ينبغي الالتزام بقوانينها، وتقديم الصورة الأمثل لها، والسلوك واللبس والشكل الخارجي للموظف جزء رئيس فيها.

طيب.. لِمَ لا يطبق ذلك في المؤسسات الحكومية؟! لِمَ نرى العشوائية في الملابس والأزياء والمكياج والوشم والشنب واللحية.. إلخ؟ لِمَ لا يحترم الموظف الجهة التي يعمل بها بلبس لائق؟ لِمَ نرى الموظفين يدخنون في كل مكاتب الوزارات والهيئات الحكومية، بما فيها المستشفيات والمستوصفات، رغم أن مرسوماً أميرياً يمنع ذلك؟! لِمَ لا يحترم الموظف القانون في المؤسسات الحكومية، ويحترمه في القطاع الخاص؟!

لأنها باختصار أصبحت ثقافة مجتمع لم يردعها أو ينظمها أحد، بالضبط كما يحصل للمسافر المؤدب في الخارج، وأول ما يدخل مطار الكويت ولع السيجارة! ونحن لا نقبل أن تكون هذه ثقافتنا وقيمنا وسلوكنا.

وبالمقابل.. فقد دخلت عدة سفارات كويتية بالخارج، ولم أجد فيها تلك المخالفات في الملابس والأزياء والمكياج الصارخ (باستثناء التدخين)، وذلك يعني أننا يمكن أن نلتزم بالقانون والسلوك العام الحسن لو وجدنا من وجهنا إليه من البداية.

ومن المؤسسات المهمة جداً في ذلك "تلفزيون الكويت" بجميع قنواته، لأنها الواجهة الأولى لبلدي ووطني أمام العالم، فظهور مذيعة بلبس غير لائق (وغير لائق كلمة واسعة)، أو شاب كله وشم، فإنه يسيء لنا جميعاً، فالظهور باللبس المحتشم (لا بد من توصيفه)، رجالاً ونساءً، وظهور المذيعين بالغترة البيضاء والعقال، (يستثنى البرامج الحركية)، ومكياج هادئ، فإن ذلك يعطي صورة إيجابية عن المؤسسة أولاً، وعن المجتمع الكويتي ثانياً.

ويشمل ذلك الأمر القنوات التلفزيونية الأخرى، وهم يتحملون مسؤولية ما يبث عبر قنواتهم الفضائية، فسمعة الكويت أهم.

وحتى التمثيليات والمسرحيات؛ ينبغي أن يستشعر منتجوها المسؤولية تجاه الوطن، والأجيال القادمة، لأنها تعرض في قنوات فضائية، فالفنان الكويتي يمثل وطنه في كل ما يقدم من أعمال، وعليه أن يحذر من الزلل، وكلنا نعرف أن غالب جمهور المسرح من الشباب والأطفال، وغالب جمهور التمثيليات النساء، فعندما تسيء بعض التمثيليات للمجتمع الكويتي من خلال لقطات سلبية، شكلاً ولبساً وشعراً ..إلخ، فإنها تروج لها في المجتمع، وتعطي صورة سلبية عن البلاد.

ولا أعرف هل يوجد قانون يمنع إعطاء صورة سلبية عن المجتمع، أو تسويق قيم سيئة، أو تصوير مشاهد بأعمال فنية غير كويتية يمنع مثلها داخل الكويت؟! مثل تلك الممثلة التي تبجحت بأنها صورت لقطة في فيلم أمريكي وهي لابسة "مايوه بكيني"! أو مثل ذلك المذيع الذي يحاور الفنانات بعلاقاتهن الخاصة!

ليس هذا فقط، فالموضوع أكبر من ذلك.. فالوفود التي تمثل الحكومة في الخارج، ينبغي لها الالتزام بالزي الوطني بالدرجة الأولى، أو "بدلة" وربطة عنق، واللبس المحتشم بشكل عام، بدءاً من ركوب الطائرة، وحتى الرياضيون الذين يحملون شعار وعلم دولة الكويت ينبغي لهم مراعاة ذلك، فلا يليق مشاركة فتاة برياضة السباحة مثلاً وهي لابسة "مايوه" أمام وسائل الإعلام.. وغير ذلك.

الموضوع ليس له علاقة بالحرية الشخصية، وكل موظف يلبس الذي يريد، وكل مذيع يعمل ما يشاء، إنما هي ضوابط عامة.

يقول أستاذ الإعلام د. محمد البلوشي: ينبغي للدولة وضع محددات لقيم العمل، وضوابط اللبس والشكل والمكياج والوشم والسلوك وحتى الشنب وقصة الشعر خلال فترة العمل، تحمل خلالها الهوية الوطنية، وإصدار تشريعات لذلك كما هو معمول في البنوك والشركات الكبرى، فالدولة مسؤولة بأدواتها لضبط الأمور.

والأمر ليس بالصعب، فكل شيء يأتي بالتدرج، ويمكن ترتيبها كالتالي:

1- في البداية، ينبغي وضع التشريعات الإدارية والقانونية اللازمة لكل ما مضى، ووضع اللوائح المناسبة، والمذكرة التفسيرية والتفصيلية لكل أمر، مع مراعاة جميع الوظائف.

2- عمل عقود خاصة بتلك اللوائح والقوانين؛ يوقع عليها جميع الموظفين الحاليين (القدامى)، ويوقّع عليها الموظفون الجدد عند استلام العمل.

3- تعد دورات للموظفين الجدد خاصة بالقيم الوظيفية، تشمل تلك اللوائح والقوانين، وحقوق وواجبات الموظف، وذلك قبل استلامه العمل، كويتياً كان أو غير كويتي، ويوقع على علمه بكل التفاصيل.

وأنا أشكر وزارة الإعلام على اهتمامها بهذا الأمر بالنسبة للمذيعين، وبالأخص الاحتشام، وقد لاحظت اهتمام المخرجين بعدم إظهار اللقطات السلبية لبعض الضيوف، وأحياناً يطلب من الضيف تغيير لبسه، أو إخفاء بعض الأمور، أو تعديل جلسته، وما زلنا نطمح بالمزيد.

كما أن للضيوف دوراً ورأياً في المذيعة إن كان وضعها غير مناسب، فأذكر أكثر من ضيف اعتذر عن الظهور مع بعض المذيعات غير المحتشمات، فاضطر المخرج لإخراجها وتغييرها بمذيع آخر، أو مذيعة محتشمة.

الخلاصة: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، فلن يلتزم أحد بدون قرار أو لوائح أو سلطة قانونية، مع الاعتذار عن الإطالة، إلا أن الموضوع متشعب، ويستحق التفصيل، والكويت أهم، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "أحوال الكويت".

اطلعت على لقطات متفرقة من مسلسل وثق حياة الفنان المصري إسماعيل يس، وصدمت عندما رأيت كيف هي حياته، فقد عاش بين الذل والهوان، ذلك الفنان الكبير الذي أضحك الملايين، وامتلأت شاشات السينما بلوحات أفلامه في العالم العربي، وعشنا نتابع أفلامه صغاراً، كنا نظن أنه عاش ملكاً لكثرة تلك الأفلام، إلا أنه كان يعمل "مونولوجيست" في الكازينوهات بأزهد الأسعار ليحصل على لقمة عيشه، وكانت شركات الإنتاج الفني تتعامل معه بامتهان بعكس كبار الممثلين الآخرين الذين كان لوجوده معهم أثر في نجاح أفلامهم.

ولما مرض لم يجد من يدفع له رسوم العلاج، فكانت مبادرة سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، يرحمه الله، بالتكفل بعلاجه.

وكما قيل.. عاش ذليلاً، ومات مفلساً.

لقد امتهن العديد من الممثلين أنفسهم باسم الفن لحب الظهور أو لأجل لقمة العيش، رغم أنها متاحة بأماكن أخرى أكثر احتراماً لهم، فتجد الممثلين الكبار "يتمسخرون" من الممثلين الصغار، وخلعت بعض الممثلات الحياء باسم الفن، وانتزعت القيم من أعمالهم الفنية.

كتبت قبل يومين الزميلة دلال العياف في الصفحة الفنية موضوعاً بعنوان «قتل وانتحار ومرض.. نهايات مفجعة للفنانين»، ذكرت فيها نماذج من الفنانين الذين انتهت حياتهم بمأساة، ولم يستمتعوا بأموالهم، وهذه نماذج منهم:

٭ المخرج نيازي مصطفى، مات مقتولاً.

٭ الفنانة وداد حمدي، ماتت مقتولة ومفلسة، وحياتها شبيهة بإسماعيل يس، فكانت أدوارها خادمة ممتهنة.

٭ الفنان عبدالحليم حافظ، أصيب بالوباء الكبدي وتوفي.

٭ الفنانة سعاد حسني، عاشت مريضة بقية حياتها، وحملت معها أسراراً كثيرة، فكان مصيرها الانتحار بسبب الاكتئاب، أو القتل بسبب تلك الأسرار.

٭ الفنان أنور وجدي، تمنى أن يكون عنده مليون جنيه حتى لو فقد صحته، فكان له ما أراد، وعاش مريضاً فترة طويلة حتى توفي.

٭ الفنان عماد حمدي، أصيب بحالة اكتئاب، وتوفي مفلساً.

٭ الملحن بليغ حمدي، أصيب بالوباء الكبدي وتوفي.

٭ الفنان عمر الشريف، أصيب بمرض الزهايمر، وقضى بقية حياته في دار المسنين حتى توفي.

٭ الفنان سعيد صالح، توفي مريضاً ومفلساً.

وهناك عشرات الفنانين الذين أصيبوا بأمراض مختلفة، وأدمنوا المخدرات، واعتزلوا الفن، منهم من توفي، ومنهم من لا يزال يعاني.

ولعلها رسالة استذكار لكل من يعمل في هذا المجال، أن يضع الله بين عينيه، ويجعل الدنيا بين يديه، ولتكن لكل فنان بصمة إيجابية في حياته، وتكون له خبيئة مع الله عز وجل، مع تذكر أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

وبحمد الله، فإن معظم فناني الكويت يتمتعون بخلق جميل، ولا يقبلون بالدنية، ولا يقبلون بالإساءة للمجتمع الكويتي، ولا لقيم الإسلام، فلنجعل هذه سمة كل فنان كويتي، قبل أن يفوت الفوت.

_____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الأربعاء, 14 أغسطس 2019 13:40

نصائح شايب قبل قدوم سهيل

غادر رجل القرية متجهاً نحو المدينة لكسب الرزق، وعمل فيها سنوات عدة كسب فيها فقط 4 من الإبل، فقرر العودة إلى أهله.

وصادف في طريق العودة الصحراوي خيمة منصوبة وبجوارها شيخ جالس أمام النار، فنزل عنده وشرب عنده الماء والقهوة وتسامرا، وحكى له قصة رحلته الطويلة التي لم يكسب منها إلا الشيء القليل، فقال له الشيخ: سأعطيك 3 نصائح تفيدك في حياتك، وكل نصيحة ببعير.

تردد الرجل قليلاً، ثم قرر أن يشتري النصائح، فعودته بهذه الإبل الأربعة لا تسر أحداً، فقال له: هات ما عندك.

فقال الشيخ: الأولى: «إذا طلع نجم سهيل، لا تأمن للسيل»، والثانية: «إذا رأيت أبو عيون برق وأسنان فرق، لا تأمن له»، والثالثة: «نام على الندم ولا تنام على الدم».

أعطى الرجل الشيخ الجمال الثلاثة، وانطلق في طريقه عائداً لقريته، وأدرك بعد يومين قوماً قد نصبوا خيامهم في قاع واد كبير، وبعد أن تعشى عندهم، أخذ يتأمل في السماء فشاهد نجم سهيل، فتذكر النصيحة التي قالها له الشيخ، فذهب إلى كبيرهم وحذرهم وطلب منه أن يخرجوا من قاع الوادي إلى الأعلى، فسخر منه ولم يكترث لكلامه.

فقال في نفسه: والله لقد اشتريت النصيحة ببعير، ولن أنام في قاع هذا الوادي، وانطلق وبعيره إلى مكان مرتفع ونام فيه.

وفي آخر الليل ارتعدت السماء وأمطرت، وجاء السيل الهادر كنهر جار، فاقتلع البيوت وغرق من فيها، وهربت المواشي إلى الأعلى، حتى إذا طلع النهار وجد الجميع قد ماتوا، فساق معه ما تبقى من المواشي.

وسار في طريقه عدة أيام حتى وصل إلى بيت شعر في الصحراء، فرحب به صاحب البيت، وزاد بالتودد إليه حتى أوجس منه خيفة، فنظر إليه وإذا به «ذو عيون برق وأسنان فرق»، فقال: هذا الذي حذرني منه الشيخ.

وتظاهر الرجل بالنوم ليلاً، ثم وضع حجارة تحت اللحاف واختبأ، فاقترب صاحب البيت منه بعد أن ظن أنه قد نام، وطعنه بخنجره، وتفاجأ بالحجارة، وإذا بالرجل يقف وراءه، فضربه بسيفه فقتله، وضم ماشيته إلى غنمه، وانطلق عائداً إلى أهله.

وعندما وصل إلى قريته ليلاً، ترك ماشيته خارج الحي، وسار ناحية بيته ورفع الرواق، فوجد زوجته نائمة وبجانبها شاب طويل الشعر، فاغتاظ لذلك ووضع يده على حسامه وأراد أن يهوي به على رأسي الاثنين، فتذكر النصيحة الثالثة «نام على الندم ولا تنام على الدم»، فتركهما وعاد إلى أغنامه.

وبعد شروق الشمس ساق أغنامه واقترب من البيت، فرحب به جيرانه، واستقبلته زوجته وقالت: لقد تركتنا فترة طويلة، انظر كيف كبر ابنك خلالها حتى أصبح رجلاً.

ونظر الرجل إلى ابنه وإذا به ذلك الشاب الذي كان ينام بالأمس بجانب زوجته، فحمد الله على سلامتهما، وشكر ربه أن هداه إلى عدم قتلهما، وقال بينه وبين نفسه: والله إن كل نصيحة أحسن من بعير.

كان العرب في الماضي يروون القصص لإيصال العبر للأجيال المتوالية، ويرسلون من خلالها قيماً وخلقاً وأدباً وتراثاً كبيراً.

ذكرت هذه القصة ونحن على أبواب سهيل، وتأويل سهيل هنا هو ضياع الأمانة، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قيل: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله»، وهذا واقع، فلننتظر الساعة.

وعليكم أن تؤولوا «أبو عيون برق وأسنان فرق»، وكيف «ننام على الندم ولا ننام على الدم»، وعساكم من عواده.

 

_____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top