محمد سالم الراشد

محمد سالم الراشد

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 26 مارس 2020 16:25

الإسلام.. وزمن "الكورونا"

نستقبل التقارير العالمية حول نجاح الصين في حصار فيروس "كورونا" الذي أردى 21.116 ضحية حول العالم، وأصاب 465.274 إنساناً -حتى تاريخ كتابة هذا المقال 26 مارس 2020م- لكن تظل الصين، بسبب سياستها الترويجية الخائفة من فقدان المصداقية والثقة بمنتوجاتها الاستهلاكية، لا تعترف أخلاقياً عن مسؤوليتها عن هذا الوباء العالمي؛ الذي أثر على حياة البشر في هذا العالم؛ بتأخرها عن إبلاغ منظمة الصحة العالمية عنه.

ومن جهة أخرى، يتضح قمة الكبر والغرور الإنساني في أوروبا والولايات المتحدة؛ حيث ظن قادة تلك الدول أن الوباء صينيّ؛ فليكن هذا الجنس الأصفر وقوداً لهذا المرض؛ وأن هذا الفيروس ربما يميز بين الجنس الأبيض والأصفر، وأتت التحذيرات متأخرة بعدما فتك الفيروس بالآلاف من الناس في أوروبا والولايات المتحدة؛ بسبب حمأة الرأسمالية المتوحشة، التي ترى أن امتصاص ملكية الإنسان من خلال العمل والضرائب هي الأولوية على حياة الإنسان؛ لأنها تخدم الطبقة الرأسمالية في مجتمعاتها، إنها تريد جني المال على حساب الحياة البشرية والإنسانية.

في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ما زال غرور ترمب مستمراً؛ إذ إنه على مضض يوافق على إيقاف العمل لمدة أسبوعين، لكنه مُصِرّ على أن تفتح الشركات والأعمال الحكومية مجدداً بعدها، ولا يضره ذلك، لأن الأساس هو الناتج الاقتصادي.

في الولايات المتحدة من أجل إنقاذ "وول ستريت" على حساب الإنسان تم ضخ تريليون ونصف تريليون دولار.

ولإنقاذ قطاعات الشركات الكبرى في النظام الرأسمالي فهو يسعى لتحقيق الأرباح، لقد كشف الفيروس عن عوار الرأسمالية والنظام العالمي السياسي، ففي الولايات المتحدة لا تستطيع الدولة تقديم الرعاية الصحية لكامل الشعب الأمريكي.

إذاً؛ أين رفاهية الرأسمالية؟! فغالبية الشعب الأمريكي إذا حاول طلب العلاج فإنهم سيصبحون مدينين؛ لأن كل شيء إما بالتأمين الصحي، وهذا يغطي فئة محدودة في الولايات المتحدة، أو الاقتراض من البنك، وهذا يركب فوائد كبيرة على المقترض، هذه هي حقيقة الرأسمالية المتوحشة، يهمها المنفعة المادية على حساب القيمة الحياتية للإنسان؛ الأرباح أهم من الناس.

فالرعاية الصحية الخاصة والرسمية لا تستطيع التعامل مع الأزمة بكل بساطة.

  • 30 مليون أمريكي لا يملكون تأميناً صحياً.
  • 15 مليوناً منهم لديهم تأمينات خاصة.
  • 60 مليوناً آخرون عليهم دفعات مسبقة عالية لدرجة أنهم سيصبحون مدينين بآلاف الدولارات إذا ما حاولوا أن يطلبوا العلاج.
  • 45 % لا يمتلكون أو يدخرون دولاراً واحداً.
  • 24 % لديهم أقل من 1000 دولار.

إن زيارة واحدة إلى غرفة الطوارئ أو العناية المركزة لفيروس "كورونا" تكلف الفرد الواحد 10 آلاف دولار، وهذا يهدد بمحو الملايين من مدخرات الأمريكيين، كما أن هناك 34 مليوناً من الناس في الولايات المتحدة لا يملكون يوماً واحداً إجازات صحية مدفوعة الأجر.

علماً بأن 45% من العاملين في فنادق الولايات المتحدة وخدمات المطاعم فقط يحصلون على تعويض إجازات مرضية، وهم أمام خيارين؛ فقدان العمل، أو الفيروس.

وكذلك فإن المدارس العامة في الولايات المتحدة، زعيم النظام العالمي، ظلت تعمل لأن الطلاب يعتمدون عليها لأجل الطعام المجاني؛ حيث إن 22 مليون طفل في الولايات المتحدة يعتمدون عليها.

وسيتم طرد 700 ألف من إيصالات الطعام المجانية في الأول من أبريل؛ وهذا سيشكل جزءاً من المجاعة، علماً بأن الملايين من الأطفال في الولايات المتحدة مشردون ويعيشون في مآوٍ مكتظة، وسيكونون على اتصال مع أشخاص حاملين للفيروس، كل ذلك لا يعادل قيمة "وول ستريت".

يقول جوزف إستيفال، الاقتصادي الحائز على جائزة "نوبل": "إن ديمقراطيتنا واقتصادنا في خطر كبير إذا استجبنا إلى مطالب الشركات ذات الأصوات الأعلى والأقوى، بدلاً من التفكير فيمن في الحقيقة يحتاجون الدعم".

الحقيقة أن النظام العالمي اليوم نظام أثبت فشله وفساده ومرضه وهو قادم على كارثة اقتصادية، ومن الطبيعي ستصبح جائحة اجتماعية متطرفة ربما تتحول إلى حرب شاملة لا يعلم مداها إلا الله؛ بسبب طبيعة وغايات تركيبة النظام الذي يقود البشرية إلى الصراعات والهاوية.

1- فعلى المستوى الصحي، فالفيروس ما زال يتفشى ويكسب الحرب ويثبت عجز أكبر العقول على حل معضلته.

2- وعلى المستوى السياسي، فإن هذا النظام أثبت أنانيته وفشله في قيادة ثقافية للعالم لمواجهة حرب الفيروس الصغير، وانحاز إلى الأنانية والمصلحة القومية.

3- وعلى المستوى الأخلاقي، فلا حدود للتفلت الأخلاقي العولمي؛ إذ إن كل شذوذ مباح وكل خبيث جائز أكله وشربه.

4- وعلى المستوى الاقتصادي، فالرأسمالية المتوحشة وبحثها عن المنفعة والربح أغلى من حياة الإنسان.

5- وعلى مستوى الحياة الاجتماعية، فإن التراحم والتكافل والاعتناء بالضعفاء والفقراء وكبار السن مفقود.

لقد كشف فيروس "كورونا" زيف البناء الحضاري الغربي والنظام العالمي السياسي وضعف النظام الصحي في العالم المتمدن وتراجع الأخلاقيات الاجتماعية والمدنية.

ولكن هل هذا سيدفع المسلمين إلى إعادة النظر في عمق الأخلاق الحضارية في دينهم "الإسلام العظيم"؟ وهل سيستطيع المسلمون أن يتقدموا بنموذجهم الحضاري في فرصة قد أزفت، وأن العالم اليوم يفكر بالحل الشامل لاحتمالات سقوط النظام العولمي وثقافة الحضارة الاستهلاكية المتوحشة؟

فعلى المستوى الصحي:

يستطيع المسلمون أن يقدموا للعالم أساسيات الطهارة التي يدرسها صغار أبناء المسلمين في مدارسهم ويتعلمونها في بيوتهم.

الطهارة البدنية والحسية التي أسست لنظافة البدن وصحة النفس ورقي التهذيب.

نحتاج اليوم إلى الفقيه والمفكر والطبيب من المسلمين الذين يجتمعون ليطلقوا مبادرة "الصحة الحضارية في الإسلام".

التي تقوم أساساً على "رفع الحدث وإزالة الخبث"، لقد قدم الإسلام تعاليم ثابتة في الاهتمام بالبدن والعورة ونظافة الملبس والمكان.

إن تلك التعليمات وضعت أساساً صحياً لمواجهة أي مرض وفيروس أياً كان نوعه ومصدره، لقد قدم الإسلام نموذجاً في الطيبات التي يجب أن تتناولها البشرية، والخبائث والمحرمات التي يجب أن تتركها في النظام الغذائي للإنسان المسلم، وآداباً صحية للمأكل والمشرب واللباس والزينة.

وعلى المستوى الاقتصادي:

فإن الإسلام وضع شرائع البيع والشراء، فأحل البيع وحرم الربا، ووضع قواعد العمل والكسب الحلال، وقدم نموذجاً في الاقتصاد المتوازن الذي يثبت الملكية ويطلق حرية السوق وضبطها بالأخلاق بعيداً عن الغرر والكسب الباطل "الحرام" والغش والاحتكار، لكنه أيضاً يضع المسؤولية الاجتماعية على عاتق المستثمر بأن يؤدي زكاة ماله للأصناف الثمانية في المجتمع.

وعلى المستوى الاجتماعي:

 

فالإسلام حث على التكافل والتعاون والحب والإخاء والتعارف بين البشرية، وإنّ رقابة الله أو تقواه مع البشر هي المعيار لكرامة الإنسان، فلا يترك ذا حاجة وإلّا على المجتمع أن يتعاون في استيفائها له.

وألا تعلو طبقة على طبقة أخرى في المجتمع الإنساني الذي ينشئه الإسلام مهما كانت ألوانهم أو لغتهم أو جنسهم أو دينهم.

إن لغة المساواة والحب والكرامة التي تشكلها المبادئ الحضارية للإسلام جاهزة لمعالجة الاهتزاز الاجتماعي العولمي.

أما على مستوى الصحة النفسية:

  • فإن العقيدة الإسلامية التي أساسها أن القدر مكتوب خيره وشره، وأن المسلمين يتقبلون قضاء الله وفق مشيئته، وأن الموت لا يؤخر أو يقدم لإنسان من غير أن يحل أجله المكتوب، لهي عقيدة تغذي روح الإنسان بالطمأنينة والراحة والسعادة.
  • وإذا عرفنا أن الإنسان إذا أمسى آمناً في سربه معافى في بدنه يملك قوت يومه فقد حيزت له الدنيا، فلا صراع على المال ولا المادة ولا صراع أو خوف أو هلع من جوع، فتصبح الروح الإنسانية آمنة مطمئنة، فأي صحة نفسية عالية تلك التي يؤسسها الإسلام في حياة الناس.

إذاً؛ من سيتجرأ لهذه المهمة "مهمة تبليغ العالم أن الإسلام لديه حل شامل لنظام الحياة الحضاري في العالم".

وأن قادم الأيام سيثبت أن النظام الحضاري الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة والغرب سيتهاوى، وسينشأ نظام عالمي جديد، إنها فرصة للمسلمين ليُهدوا العالم أغلى كنز للبشرية وهو "الإسلام العظيم".

إن لدينا مئات من المنظمات الإسلامية والعربية والأوروبية المتخصصة في الفكر الحضاري الإسلامي والأبحاث الشرعية سواءً كانت تلك المنظمات رسمية أم أهلية.

إننا ندعو المنظمة الإسلامية للعلوم والثقافة واتحاد الجامعات الشرعية والمؤسسات الإسلامية للقيام بواجب الوقت.

إن البشرية قد مرت بثلاث موجات حضارية؛ الموجة الزراعية، تلتها الموجة الصناعية، ثم أخيراً موجة "البتات"، فهل يستطيع المسلمون أن يقدموا للبشرية الموجة الرابعة؟ وهي موجة "عالم القيم"؛ حيث إن كل قيمة من قيم الإسلام العظيم لها وزن ماديّ ومعنويّ يعادل كل مكاسب الرأسمالية وتقنية "البتات" وحضارتها، وتستطيع البشرية أن تحول تلك القيم إلى "سلعة حضارية" قابلة للتداول بما يحقق الرفاهية والسعادة للبشرية.

 

عندما تضع مجلة «المجتمع» أقدامها على أعتاب يوم 17 مارس 2020م، فإنها تتجاوز بذلك خمسين عاماً من جهاد القلم المبارك في تفاعل حركة الدين مع الحياة، وهي في مسيرتها التاريخية إنما رسمت الحالة العامة للمسلمين في مختلف مراحلها خلال نصف قرن مضى، ولم تفتر لحظة عن الدفاع عن قضاياهم، وتعبر عن آلامهم، وتخاصم من يخاصمهم، وتحسن إليهم في محنهم، حتى أصبحت «مجلة كل المسلمين في العالم»، تحملت في سبيل ذلك ما يقارب 70 قضية رفعت ضدها وصبرت على أذى خصومها من العلمانيين، وجور المكابرين، والأعداء الحاقدين.

لقد كانت رعاية الله قبل كل شيء تحف هذا العمل، والعلم النافع للمسلمين، وكانت جهود مخلصة، وقلوب صادقة، خلف هذا السفر العظيم من تاريخ الفكر والتحليل والثقافة الإسلامية، تلكم هي جهود من تعاقبوا على رئاسة تحريرها من الإخوة الزملاء والعاملين، لقد كان لكل منهم بصماته الواضحة في توجيه مساراتها نحو أهدافها الإسلامية، فالأخ مشاري البداح (أبو أسامة) رحمه الله، الذي تولى رئاستها في نشأتها الأولى 17 مارس 1970م، حتى نهاية عام 1975م، استطاع أن يضعها هو وزملاؤه من العاملين بين مصاف المجلات الإسلامية؛ حيث بدأ الفكر الإسلامي يتفاعل مع حركة «المجتمع» على صفحاتها، وانتقل بها السيد بدر القصار (أبو أحمد)، الذي تولى رئاستها منذ يناير عام 1976، وحتى أكتوبر 1979م، ليضعها إصداراً متكاملاً يتفاعل فيه فقه الدعوة مع قضايا المجتمع الإسلامي، وفي فترة رئاسة د. إسماعيل الشطي (أبو عبدالله)، منذ أكتوبر 1979 وحتى عام 1992م، تمددت في عطائها المتزايد مع عالمية فكرتها وتأثيرها في السياسات المحلية، كما أثمرت جهود الدكتور  محمد البصيري (أبو عبدالله)، في 15 ديسمبر 1992، حتى عام 2009م، لتحقق عالميتها وتخترق في تأثيرها أسوار السياسة الدولية، وليتسع نطاق توزيعها ليشمل أكثر من 120 دولة إسلامية وغير إسلامية، ويرتفع رصيدها من القراء ليكونوا أكثر من ربع مليون قارئ، وقد كان خلف كل هذه الجهود المباركة رعاية العم عبدالله علي المطوع (أبو بدر) رحمه الله، الذي ظل طوال هذه الفترة يساند أبناءه رؤساء التحرير والعاملين في المجلة بخالص جهده وتوجيهه منذ نشأتها المحلية حتى شبّت ونمت وأينعت.

ومنذ أن ترأس تحريرها العم حمود الرومي (أبو محمد) منذ عام 2009 حتى نهاية عام 2014م، كانت المجلة تسير بين عواصف المتغيرات في المنطقة، ووجّه إدارتها بشكل آمن في محيط الصعوبات الإعلامية.

لقد انطلقت المجلة منذ عام 2012م لتدخل عالم التنافس الإلكتروني العالمي، واستطاعت إدارة المجلة ومحرروها أن يرتقوا بها في سلم التنافس والتقدم؛ حيث تقدمت المجلة في ترتيبها العالمي من المركز (8 ملايين) لتصبح اليوم في الترتيب (22.968)، وعلى المستوى المحلي من الترتيب (10.459) لتصبح رقم (5) على مستوى الصحف والمجلات المحلية مع نهاية فبراير 2020م.

لقد كانت «المجتمع» وهي تتحرك بحركة الفكر الإسلامي تتعامل مع معارك صعبة وتتصادم مع مصالح متضاربة، وكان القفز فوق هذه المعادلات والانحناء حولها وتحمل تبعات ما ينتج عن ذلك جهاداً صعباً، وعملاً معقداً، فالتعامل مع مخاطر السياسة الدولية (على سبيل المثال)، وتبيان أثرها السلبي على بلاد المسلمين في المنطقة، والوقوف مع المسلمين في قضاياهم العادلة، ونقد سياسة الكيل بمكيالين، والوقوف مع قضايا حقوق الإنسان والحريات والعدالة، احتاج منا -وما زال- إلى جهود بالغة، ولغة مناسبة، حتى نأمن وصول الكلمة الصادقة والرأي المتزن لقارئنا، وحتى نتكيف مع عدم مخالفة قوانين الصحافة، ونأمن فُجر الخصومة، وتأليب الحاسدين، وحتى تصل مطبوعتنا بسلاسة وسلامة إلى منازل قرائنا الكرام، إنها رحلة شاقة وصعبة منذ التفكير بالكلمة وصياغتها وإخراجها وطباعتها وإصدارها طيلة نصف قرن.

وإذا كانت تلكم جهود إدارتها، فإن كتَّابها الذين ساهموا في الكتابة فيها منذ نشأتها إلى اليوم، منهم من قضى نحبه بخاتمة سعيدة، وطواه الزمن تحت الثرى وتبقى أثره وعلمه في الناس، ومنهم ما زال يمتطي صهوة جواد الكلمة ويقارع ويصارع أفكار العلمانية، ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ولهؤلاء الأموات منهم والأحياء -الذين نتمنى لهم عملاً صالحاً مقبولاً- أدوار لم تكن بخافية على أحد، إنه تاريخ الكلمة الصادقة المجاهدة لحركة الدين في المجتمع الإسلامي.

أما قراؤها الكرام الذين تابعوها منذ صغرهم فقد كبروا معها، وأيقنوا أهميتها، ورسمت كلماتها في قلوبهم أبلغ الأثر الإيماني، وأنارت عقولهم بفكرها المتميز، وألهبت عواطفهم ومشاعرهم تجاه إخوانهم وتواصلهم من خلال صفحاتها بالمسلمين في كل مكان، لقد كبروا معها وكبرت عواطفهم وشعورهم الإيماني وعقولهم.

وكبرت معهم «المجتمع»؛ لتصبح «قصة» تتلوها أجيال الصحوة الإسلامية عن جهاد مجلتهم في بحار اضطراب عالم السياسات الدولية والمحلية المتعاقبة، وخصومة الكثير من المنافقين والمخالفين، وثباتها على كلمة الحق.

فيروس «كورونا» أرعب العالم بسرعة انتقاله وانتشاره من مكان ظهوره في مدينة «ووهان» بالصين منذ منتصف ديسمبر 2019م، التي يقطنها نحو 10 ملايين نسمة، وحوّلها إلى مدينة أشباح، وحصد عشرات الأرواح في الصين، وانتشر الفيروس في مقاطعات صينية ودول أخرى كاليابان وكوريا وتايلاند وفيتنام وأستراليا وسنغافورة وفرنسا ونيبال وماليزيا والولايات المتحدة الأمريكية، لأشخاص زاروا أو عادوا من ووهان الصينية، حسب التقرير الذي نشرته منظمة الصحة العالمية.

وتعتبر الأوبئة عاملاً مؤثراً في إعادة توازن الحياة البشرية؛ إذ إن طغيان الحياة المادية على الإنسان في كل عصر ينشئ أصناماً من اللذة التي تُنسيه حقيقة وجوده وما رسمه الخالق لمساره، فتأتي الكوارث الطبيعية منبهة للإنسان، ومن أجل إعادة التوازن في الحياة الإنسانية والبشرية، وليتعامل الإنسان مع ذاته الإنسانية وعلاقته بالأرض والكون والناس والأشياء بالعدل والحق وإرجاع مساره إلى ما هو صحيح، وإن ما جرى ويجري من نتائج كارثية إنما هو نتاج ما كسبته يداه.

إن ما كسبت يد الإنسان في صناعته وتطوير حياته وإقامته لشؤون الناس إما سبّب الدمار والهلاك، وإما أدى إلى الصعود والرقي في الحياة الإنسانية والبشرية.

فالتوجه البشري للخبائث التي نهى الله عنها وأمرنا أن نجتنبها والإمعان في صناعتها وتداولها ستسبب في نهاية المطاف كوارث إنسانية وأوبئة تدمر حياة الإنسان، فاليوم تعاني الإنسانية من سباق في تطوير أسلحة الدمار الشامل، والأسلحة التي تدمر الحياة البشرية؛ حيث أصبح الحجر والمدر أهم من حياة الإنسان! فهذا بالطبع من صنع البشر.

وإن ما تعانيه البشرية اليوم من انتشار أمراض السرطان والأوبئة وأمراض لم يصل الإنسان لعلاج لها؛ هو بسبب نتائج استخدام تلك الأسلحة الفتاكة في حروب مدمرة، خذ على سبيل المثال حرب الخليج الثانية واحتلال العراق؛ حيث خلفت نحو 273 طناً من اليورانيوم المنضب المستخدم في القذائف ضد الدروع، وهذه بقعة جغرافية صغيرة في العالم، لكنها خلفت نسباً مرتفعة من أمراض السرطان في الكويت والعراق.

كما تعاني البيئة العالمية للأرض من آثار مدمرة وغازات وسوائل سامة تدمر النبات وتلوث الفضاء، وتخلق اختلالاً في توازن فصول السنة، وتهدد بارتفاع درجة حرارة الأرض إلى ما يتوقع منه الخطر على حياة وبقاء الإنسان، وإن مساحات هائلة من الأراضي الصالحة للزراعة قد دمرت بشكل كامل بسبب العوامل الكيميائية للتلوث، كما أن ذلك غيَّر الطبيعة الخاصة بفصول السنة، وندرة الأمطار؛ مما يؤثر بشكل كبير على الإنتاج الزراعي، وكذلك على حياة الحيوان المنتج للحوم التي تحتاجها البشرية.

وقد ارتفعت معدلات تلوث الهواء في العالم بنسبة %8 بين عامي 2008 و2013م، وسجل أنه لا يتنفس %92 من سكان المدن هواء مأموناً، وأن مستويات تلوث الهواء تتجاوز الحدود التي وضعتها منظمة الصحة العالمية.

إن تلوث الهواء، وفق الإحصائيات العالمية، تسبب في 2.2 مليون إصابة بالسكتة الدماغية، ويتسبب الهواء الملوث في وفاة مليوني شخص سنوياً جراء الإصابة بأمراض القلب، وإصابة 1.7 مليون شخص بأمراض الرئة والسرطان.

وتأتي تلك النتائج بسبب الصراع بين قوى المال والسلطة في مجتمعنا الإنساني، فالشركات الكبرى المتنافسة على صناعة الأدوية سعت وتسعى للتسابق والتنافس على حساب الأرواح البشرية.

إن تطوير الأدوية اللازمة لعلاج فيروسات غامضة بسبب تدبير بشري خاطئ لإدارة الحياة خلفه شركات عالمية تدر من ورائه مليارات الدولارات، علماً بأن نسبة المصابين بهذا الفيروس لا تساوي شيئاً في المقاييس العالمية؛ فرغم أن عدد سكان الصين 1.386 مليار نسمة، وفق إحصائية عام 2017م، فإن الإحصاءات الرسمية الصادرة إلى يوم 27 يناير الماضي لا يتجاوز عدد الوفيات 80 شخصاً، وعدد المصابين 2700 شخص، وذلك بسبب استخدام محرمات غذائية يعتقد أنها تسببت في توالد فيروس «كورونا» القاتل، وانتقلت العدوى إلى مناطق عدة من العالم، ومع ذلك فإن حجم الخوف والذعر والهلع بين الناس كبير؛ مما سيدفع بكل الدول لشراء كل وسائل الوقاية والدواء لهذا الداء القاتل، لنعرف بعد ذلك أن هذا الفيروس لا يستحق كل هذه المعاناة والخوف والرعب لو أن الإنسان أدار حياته بالشكل الذي أراده الله من العدل والرحمة وكسب الخير والتوزيع العادل للثروات والاستخدام الصحيح للبيئة والموارد، لا الطغيان فيها، وإن لكل طغيان طوفاناً يتغير شكله بالزمان والمكان، اللهم الطف بالإنسان الذي كرمه القرآن؛ {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء: 70)

الأربعاء, 08 يناير 2020 16:05

مقتل سليماني تموضع جديد

منذ مقتل سليماني، الجمعة 3 يناير 2020م، في عملية نوعية لوحدات من الجيش الأمريكي والتحليلات لا تتوقف عن صدام وشيك بين إيران والولايات المتحدة، ولمن يتعمق في معرفة طبيعة السياسة الأمريكية والإيرانية في المنطقة منذ عقود، فإنها في الحقيقة قائمة على التفاهم لا الصراع.

فإيران بالأساس تقع في الفراغ الإستراتيجي بين النفوذ الأمريكي ونفوذ الدول الكبرى المنافسة للولايات المتحدة كروسيا والصين، وعلى هذا الأساس، فإن الولايات المتحدة لم ولن تفرط بإيران باعتبار إيران جزءاً من الكتلة الإقليمية التي لها دور في ترتيبات مصالح الولايات المتحدة في جغرافية السياسة لهذه المنطقة.

ولذا، فإن طبيعة التعامل بينهما منذ اعتلاء الخميني للسلطة وتيار ولاية الفقيه في إيران قائمة على التفاهمات السياسية والمصلحية وكانت هي الأساس في الصراع، ويتبقى كل العمليات وأدوات الصراع ما بين الولايات المتحدة وإيران هو من أجل تحسين القدرات التفاوضية، وتحقيق أكبر المكاسب أو تقليل الخسائر من الطرفين، وهدفها أن تكسب إيران محيطاً حيوياً في الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية، وتحافظ الولايات المتحدة على نفوذها، وأن تكون إيران تحت السيطرة وتشذيب قدراتها لتحقيق المصالح المشتركة.

خذ كل المسارات التصادمية بين إيران وأمريكا منذ احتلال السفارة الأمريكية بطهران، في 4 نوفمبر 1979، إلى مقتل سليماني (يناير 2020)، كلها عملية ضغط وتفاوضات مستمرة ومحاولات كسب المصالح والتفاهمات على الدور الحيوي لإيران في المنطقة كدولة لديها القدرة على رعاية مصالح أي دولة عظمى بديلاً عن أي قوة إقليمية أخرى في محتوى ديمغرافي سُني يملك تاريخياً العداء ضد المصالح الأمريكية وضد "إسرائيل".

منذ قيام الثورة الإسلامية إلى اليوم لم نشهد مقتل إسرائيلي واحد داخل "إسرائيل" من إيران، لدى إيران سجل نظيف من قتل الأمريكيين بشكل مباشر، العمليات التي شنت على الأمريكيين من أطراف ذات طبيعة ولائية لإيران هي منضبطة وموجهة لتحقيق هدف التفاوض السياسي والإستراتيجي بين الطرفين.

المكاسب التي حققتها الولايات المتحدة من قتل سليماني تتمثل في قدرتها على تغيير رموز التفاوض الإيراني عندما يحدث خلاف على الإستراتيجية علماً بأن قاسم سليماني كان القائد الأعلى الذي ينسق ويتفاوض مع الأمريكيين في المنطقة ميدانياً، وبذلك أكدت الولايات المتحدة هيبتها كدولة بيدها قرار التغيير والسيطرة، وحققت لترمب نصراً انتخابياً ووضعاً مريحاً للانتخابات القادمة بتقديم أكبر رأسين مصنفين كإرهابيين من الدرجة الأولى في الولايات المتحدة (البغدادي، وسليماني)، ووضع الديمقراطيين في الولايات المتحدة في حالة حرج وفوضى سياسية في كيفية التعامل مع رد الفعل من قرار ترمب.

كما أن الولايات المتحدة أرضت حلفاءها العرب بأنها اتخذت إجراءً لمعاقبة إيران على أعمالها العدائية في الخليج، وجعلت تلك الدول تلتحف بشكل كبير وبخوف أكبر تحت عباءة الحماية الأمريكية.

أما المكاسب الإيرانية، فقد تحققت منذ الثورة الإيرانية، الأولى حيث لم يخرج الشعب الإيراني متضامناً مع المرشد وقيادته الحالية إلا بمشهد التضامن الشعبي لجنازة سليماني؛ إذ وُحِّدت إيران شعبياً وحكومياً وقيادة تجاه التهديد الأمريكي، وبالرغم من آثار الحصار الكارثي والوضع الاقتصادي المنهار، فإن ملايين من الشعب الإيراني تضامنت مع القيادة الإيرانية، وكأنها رسالة اعتذار للقيادة الإيرانية بأننا نقف معكم رغم كل الحصار والظروف.

أما في العراق، فإن قرار إنهاء التعاون العسكري المفتوح للقوات الأجنبية وخصوصاً الأمريكية قد اتخذ، وإن كان في الحقيقة هو إعادة تموضع تكتيكي، وهو نصر مادي ومعنوي لإيران في العراق، بالإضافة إلى إضعاف الحراك السياسي الشبابي الشعبي في العراق ولبنان ضد إيران مما يؤدي إلى إعادة تنظيم إيران لنفسها شعبياً وسياسياً وإستراتيجياً في الجغرافيا العربية.

إن المفاوضات التي تمت في سويسرا برعاية قطرية بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام الماضية ظاهرها الفشل وحقيقتها اقتسام النفوذ والمواقع في الجغرافيا العربية، وتحقيق المصالح للطرفين الأمريكي والإيراني على حساب بقايا النظام السياسي العربي وآمال الحراك العربي الشعبي، لكنها لعبة السياسة في العقد الجديد 2020 مرحلة جديدة بمتغيرات جديدة ستبدأ معها مجموعة من التحولات وننتظر حدوثها على أساس هذا الصراع.

إنها لعبة السياسة الدولية التي تضبط الدولة الإقليمية تحت نفوذ السيطرة الدولة، وهو ما بين سيطرة وانفلات والقدرة على ضبط المسار في اتجاه المصالح.

لقد استفرغت التفاهمات السابقة بين الولايات المتحدة وإيران أغراضها في العقود الأربعة الماضية إلى إنهاء الحالة العربية السُّنية إلى وضع ضعيف ومنهك، يلتحف تحت إيران والولايات المتحدة، مع إنهاء الطاقات الشبابية والجهادية السُّنية المتطرفة منها والمعتدل (بما فيها حركة "حماس"؛ إذ إنها أصبحت تحت الضبط الإيراني والخشية أن تتحول إلى مليشيا إيرانية في المستقبل) التي كانت تواجه "إسرائيل" ومقاومة المستعمر، كما أنها أضعفت الحراك السياسي المعتدل وقهرت مسارات الثورات العربية.

إن إيران ضمنت محيطها الحيوي وموقعها التفاوضي في أي إجراءات وترتيبات سياسية قادمة.

لكن ستظل السياسة الإيرانية والأمريكية في المنطقة تعاني من أكبر مشكلتين إستراتيجيتين:

الأولى: أنهما يديران مصالحهما في ديمغرافية وجغرافية ليست لصالحهما على المدى البعيد.

الثانية: التناقضات في مستوى المشروعين الإيراني والأمريكي الإسرائيلي في المنطقة.

وهو ما يجعل الكتل الحية في هذه المجتمعات أن تستفيد منها لتبني رؤية تغيير إستراتيجية في المستقبل إذا توافرت العوامل المناسبة للتغيير.

الخميس, 26 ديسمبر 2019 15:55

المدرسة الصامتة

توفي، يوم الثلاثاء 24 ديسمبر 2019م، أخي في الله الداعية الصابر المحتسب الأستاذ وليد المير، رحمه الله ورفع درجته في عليين.

لقد كان في أيام مرضه صابراً محتسباً بالرغم من الآلام الشديدة المبرحة التي ألمّت به، إلا أنه ظل ثابتاً مؤمناً برحمة الله.

كان الأخ وليد المير، رحمه الله، منذ تأسيس جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت عام 1963م، ورفيق دربه الأستاذ خالد القطان، شابين في رحاب دعوة الإصلاح المباركة، لم يفرقهما إلا الموت الحق، وأسأل الله أن يطيل في عمر الأخ الكبير خالد القطان، ويحسن عمله وخاتمته، فإن هذين الرجلين مباركان في عملهما ودورهما في مجال الدعوة وتربية الشباب والأجيال.

وللأخ وليد المير، رحمه الله، التأثير الكبير في فُتُوَّة الدعوة؛ وذلك بنقله لفنون المدرسة الكشفية ومهاراتها ورجولتها إلى شباب الدعوة، وقد أنتجت تلك المدرسة شباباً رجالاً تخشنوا من نعومة الحياة المرفهة التي طالت المجتمع الكويتي.

أسس مع ثلة من إخوانه مركز الشباب لجمعية الإصلاح الاجتماعي في منتصف السبعينيات ليأوي إليه شباب الدعوة المباركة، وكانت جهوده في الدعوة والتربية جادة ومعتبرة، أثمرت جيلاً تسلم مراكز الخدمة والتأثير في المجتمع الكويتي.

كما كان لعضويته في مجلس إدارة جمعية الإصلاح الاجتماعي لسنين عديدة دور في تطوير عملها المؤسسي، وتدبير شؤون التنظيم الإداري والمالي فيها، وكانت بصماته واضحة في تأسيس "لجنة العالم الإسلامي" في مجال البر والإحسان والعمل الخيري في عام 1983م، التي نمت بذورها لتصبح جمعية الرحمة العالمية في يومنا هذا.

ولقد صاحبته سنين عديدة في أغلب هذه المجالات؛ فرأيته عن قرب رجلاً عاملاً صامتاً محتسباً، ولكن منذ تحرير الكويت عام 1991م كان سندي وعضدي في مجلة "المجتمع"؛ حيث أدار شؤونها المالية والإدارية إلى حين تقاعده ومرضه.

كل ذلك العمل في كفة، ولكن الأكثر تأثيراً هو عمله الصامت والهادئ، ووجهه الباسم الضاحك، وقدرته على حل المشكلات وتبسيطها، وفتح آفاق الطموح والتفاؤل في كل المواقف التي عاصرته فيها؛ حيث انتصب أستاذاً وقدوة لنا جميعاً، محبوباً بين جميع إخوانه لدماثة خلقه وتواضعه وسعيه الدؤوب لوحدة الكلمة والصف، وستفتقد الدعوة برحيله رجلاً كبيراً من رجالها.

إن كل ذلك النشاط والعمل المتواصل منذ عام 1963 إلى عام 2019م ما يقارب 56 عاماً قضاها رجل الدعوة بصمت وهدوء دون إعلان ولا إعلام ولا ضجيج، ودون دعوى الأسبقية في العمل والمزاحمة في القيادة وتكلف التصدر لمواقع المسؤولية، ولكنها كانت أيام عمل تتجسد فيها الأخلاق والمسؤولية والتضحية والوفاء، فكانت أعماله تضعه تاجاً على رؤوس الدعاة دون تكلف.

إن الأخ وليد المير، رحمه الله، يمثل نموذجاً قلَّ مثيله في عالم الدعاة، فعزاؤنا لزوجته وأولاده وأهله وأحبائه، وإنا لفراقك يا أبا خالد لمحزونون.

نهنئ سمو رئيس مجلس الوزراء تقلده منصبه وثقة أمير البلاد به، وستكون كلمة أمير البلاد له بأن "ثوبك نظيف؛ فحارب الفساد، وحارب المفسدين" هي بمثابة رؤية لمرحلة جديدة لمواجهة الفساد، وهي العلامة البارزة التي سيسعى لها سمو رئيس مجلس الوزراء، وكلنا ثقة بذلك.

وأنوه إلى أنه في 30 أكتوبر 2018م، سطرت مقالاً نشرته في هذه الزاوية حول "الإصلاح الوطني في الكويت"، واقترحت جهوداً تُبذل من أجل مسارات نحو الإصلاح الوطني، منها:

أولاً: إن عفواً خاصاً يتكرم به أمير البلاد على أبنائه الذين صدرت بحقهم أحكام خاصة؛ بلا شك سيكون الأساس الذي تنطلق منه باقي الجهود لمسار تفاهم وطني وشعبي، وستكون تلك المبادرة السامية اللبنة الأولى في إعادة ترتيب أولويات العمل الوطني القادمة.

ثانياً: أن يقوم مجلس الأمة -برئيسه وأعضائه- بواجباتهم المنشودة في ترتيب أولويات التفاهم مع الحكومة لإصدار القوانين المهمة التي تساند عملية التفاهم السياسي بين الحكومة ونواب الشعب؛ على أساس نجاح مهمة الحكومة وإنجاز المشاريع، في مقابل خدمة الشعب الكويتي، وتنمية المجتمع، وتطوير أداء الحكومة، والالتزام بالقانون ومحاربة الفساد الإداري.

ثالثاً: دعم مسار استقلال القضاء وإصدار القوانين التي تؤكد هذا الاتجاه.

رابعاً: إعادة النظر في مسارات التضييق القانوني لمساحات الحريات، وتنظيم حالة التعبير في المجتمع، وإعادة وضعها في مساقها المنسجم مع الدستور الكويتي.

خامساً: أن يقوم مجلس الأمة بدراسة نتائج عشر سنوات من تنفيذ القوانين الانتخابية، وفرز الإيجابيات وطرح السلبيات، والخروج برأي موحد مع الحكومة؛ لتطوير حالة انتخابية ناجحة تعبر عن المرحلة الجديدة من الإصلاح والتفاهم الوطني.

سادساً: إن إقرار قانون ينظم العمل السياسي ويؤسس للانتساب للمشاركة الشعبية الحقيقية على أساس من الوعي والانضباط القانوني سيساهم بشكل مباشر في تنظيم عمل القوى السياسية المختلفة، بما فيها قوى المعارضة، ويضعها تحت مسؤولياتها القانونية، ويجسد حالة الرقابة القانونية، والاختيار الشعبي لقيادات هذه التيارات السياسية، ولفرز نواب يمثلون الشعب على قدر من الوعي والنضوج والمسؤولية.

وقد تتبعت واطلعت على الكثير من الآراء المنشورة في الصحافة المحلية حول الرؤى والنصائح التي تناقش التوجهات لتشكيل وزارة سمو رئيس الوزراء الشيخ صباح الخالد؛ فوجدت أغلبها يصب في نفس الاقتراحات والمسارات التي اقترحتها منذ عام.

فهي تشكل انسجاماً وتفاهماً لكل محبي الكويت، فاستقرار الكويت والحفاظ على أمنها الوطني أولوية قصوى لا يقتصر على الوسائل الدفاعية العسكرية، وإنما منهج يحافظ على التماسك الاجتماعي والوطني للشعب والدولة معاً، ولكن ضمن رؤية للإصلاح، وهو بالضبط ما نريده من سمو رئيس مجلس الوزراء أن تكون له رؤية جديدة تميز بين عهدين.

إن الرؤية الوطنية للحكومة الجادة ستجعل المسار السياسي والعلاقة بين الدولة والشعب يسير على وضوح كامل في تحقيق الأهداف السابقة التي اقترحناها.

لكن من أهم التحديات التي ستواجه الرئيس هي مراكز القوى التي تحتضن الفساد السياسي والمالي والاجتماعي، مما يقتضي الحاجة إلى دعم شعبي مساند، وهذا يؤكد من جديد أن توافر السياسة الرشيدة والقوية غير كاف مع عدم توافر الأدوات المساندة لتنفيذها، وهذا يعني عدة أمور:

- نهج جديد في اختيار الوزراء القادرين على تنفيذ رؤية سمو رئيس الوزراء في مواجهة الفساد.

- سياسة رشيدة في قيادة مجلس وزراء متناسق ومتفاهم ومتكامل ويعبر عن الرؤية السياسية لسموه.

- دعم شعبي من خلال ممثلي الأمة الذين أثبت التاريخ السياسي لهم أنهم واجهوا الفساد ونهج المكاسب المصلحية الخاصة.

- إطفاء الملفات الداخلية الساخنة، وخصوصاً ما يتعلق بطبيعة العلاقة مع المعارضة وبعض أعضائها الذين طالتهم أحكام السجن بسبب مواقفهم السياسية.

إن التفاؤل يستنهض بنا بعد تولي الشيخ صباح الخالد الصباح هذه المسؤولية الثقيلة لنظافة ثوبه وجديته وكفاءته، وأنه قادر -بإذن الله تعالى- أن يخطو بالحكومة إلى وضع أفضل في ظل أوضاع داخلية وخارجية صعبة.

الثلاثاء, 30 أكتوبر 2018 14:03

الإصلاح الوطني في الكويت

منذ عام 2008م، وبدءاً من تحركات المعارضة الكويتية في مسارات الحراك السياسي، في مواجهة الحالة الحكومية وإدارتها للملفات السياسية، ومع بدء دور الانعقاد العادي الثالث من الفصل التشريعي الـ15 لمجلس الأمة في 30 أكتوبر 2018م، فإن الكويت قد مرت خلال هذه الفترة بأحداث جسام، عصفت باستقرار المجتمع والدولة، والعلاقة بين السلطة ومختلف الأطراف السياسية، وانتهت إلى حالة من الجمود، تخللها تردٍّ سياسي وإعلامي وحقوقي، وانتهت بحسم تلك الجولة السياسية لتصبح الملفات السياسية المحلية بيد الحكومة، وتراجع دور المعارضة السياسية مع تضييق لحالة الحريات الإعلامية، واتساع نطاق الجزاءات القضائية في مجال الخلاف السياسي، كل ذلك أدى إلى اضمحلال حالة الوفاق والسلام الوطني الاجتماعي.

ونتيجة لهذه الأحداث منذ عشر سنين من الصدام السياسي والاجتماعي، فقد قُسّمَ المجتمع إلى كتل متنافرة لم يعهدها المجتمع الكويتي منذ عقود طويلة، وتتسم هذه الفترة أيضاً بأنْ صاحبتها متغيرات خارجية ضاغطة على الأمن الوطني والاجتماعي مؤثرة على وجود الدولة؛ منها تحديات حقيقية على المستوى السياسي والإستراتيجي والأمني.

وكانت حكمة أمير البلاد هي صمام الأمان في إدارة هذه التحديات وإدارة الملفات الإقليمية والدولية المحيطة بالكويت، والمؤثرة على الأمن الوطني، والاستقرار الاجتماعي والسياسي، واستقر الوضع السياسي إلى حالة من الترقب والأمل والطموح، في أن تتم معالجة مخلفات العقد الماضي من الزمن إلى معادلة استقرار وطني، تعتمد مسارات سياسية ودستورية تكون منسجمة مع طبيعة روح الدستور، ومتناسبة مع انفتاح المجتمع الكويتي، وأن تتجه معادلة التوازن بين السلطة والمجتمع نحو مسارات الاستقرار والتنمية.

لقد نادت أصوات عاقلة وحكيمة في أكثر من وقت للعمل على التوافق والإصلاح الوطني؛ وذلك لمزيد من السلام الاجتماعي وتماسك المجتمع الكويتي ووحدته.

وانطلاقاً من أن عقداً قد مضى -بما فيه من إخفاقات وتراجعات- فإنه يتوجب على العاملين في مجال النشاط الوطني التفاهم والتوافق ما بين الدولة والمجتمع، كمرحلة جديدة تعيد للكويت حالتها التي تميزت بها عبر تاريخها السياسي والاجتماعي، وهذه خطوط نقترحها لتضاف إلى الجهود والنداءات المبذولة في مسار الإصلاح الوطني:

أولاً: إن عفواً خاصاً يتكرم به أمير البلاد على أبنائه الذين صدرت بحقهم أحكام خاصة؛ بلا شك سيكون الأساس الذي تنطلق منه باقي الجهود لمسار تفاهم وطني وشعبي، وستكون تلك المبادرة السامية اللبنة الأولى في إعادة ترتيب أولويات العمل الوطني القادمة.

ثانياً: أن يقوم مجلس الأمة -برئيسه وأعضائه- بواجباتهم المنشودة في ترتيب أولويات التفاهم مع الحكومة لإصدار القوانين المهمة التي تساند عملية التفاهم السياسي بين الحكومة ونواب الشعب؛ على أساس نجاح مهمة الحكومة وإنجاز المشاريع، في مقابل خدمة الشعب الكويتي، وتنمية المجتمع، وتطوير أداء الحكومة، والالتزام بالقانون ومحاربة الفساد الإداري.

ثالثاً: دعم مسار استقلال القضاء وإصدار القوانين التي تؤكد هذا الاتجاه.

رابعاً: إعادة النظر في مسارات التضييق القانوني لمساحات الحريات، وتنظيم حالة التعبير في المجتمع، وإعادة وضعها في مساقها المنسجم مع الدستور الكويتي.

خامساً: أن يقوم مجلس الأمة بدراسة نتائج عشر سنوات من تنفيذ القوانين الانتخابية، وفرز الإيجابيات وطرح السلبيات، والخروج برأي موحد مع الحكومة؛ لتطوير حالة انتخابية ناجحة تعبر عن المرحلة الجديدة من الإصلاح والتفاهم الوطني.

سادساً: إن إقرار قانون ينظم العمل السياسي ويؤسس للانتساب للمشاركة الشعبية الحقيقية على أساس من الوعي والانضباط القانوني سيساهم بشكل مباشر في تنظيم عمل القوى السياسية المختلفة، بما فيها قوى المعارضة، ويضعها تحت مسؤولياتها القانونية، ويجسد حالة الرقابة القانونية، والاختيار الشعبي لقيادات هذه التيارات السياسية، ولفرز نواب يمثلون الشعب على قدر من الوعي والنضوج والمسؤولية.

إن استقرار الكويت والحفاظ على أمنها الوطني أولوية قصوى، في مرحلة زمنية تموج بالأخطار والتحديات من حولنا، وإن إدارة الحوار الوطني والتفاهم السياسي بين الحكومة والتيارات الوطنية لمهمة تاريخية، يجب أن تبدأ ولا تتأخر تحت رعاية سامية حكيمة.

التحليلات والتفسيرات التي صدرت من أفراد وجهات عديدة حول أحداث البصرة متحيزة بشكل كبير إلى اتجاه واحد من التحليل الإستراتيجي، وتمكين هذا التحليل من التوصل إلى أن إيران وحلفاءها محركو هذه الأحداث؛ وذلك من أجل مواجهة إجراءات الولايات المتحدة الأخيرة ضد إيران بإيقاف الإنتاج النفطي لبعض دول المنطقة.

وباعتقادي أن الكثير من هذه التحليلات تنقصها الدقة التحليلية، والمعلومات المؤكدة، وهذا يؤدي إلى تحليل غير منطقي، ومن ثم تقدير موقف خاطئ، يضلل أصحاب القرار السياسي في الداخل العراقي أو دول الجوار.

وما لم تفصح جهة معينة عن مسؤوليتها عن تحريك الأحداث أو ظهور دلائل على تدخلات إيرانية أو أمريكية أو حزبية؛ فإن اتهام جهة ما يصبح عرضاً غير لائق بالتحليلات الإستراتيجية.

لذا يجب التطلع للتأكد مما يلي:

- أن هذه التحركات عفوية ومطالب مقبولة حقيقية، سارت بها مجموعات غير منظمة، ثم تحولت إلى نقطة التقاء مشتركة في الأهداف، وهو الضغط على صناع القرار في بغداد لاتخاذ حلول للمشكلات الآنية والسريعة لحياة المواطن، كالكهرباء والماء والنقل والأسعار.. وغيرها، بالإضافة إلى جور الشركات النفطية التي اقتصرت في التعيينات على الأجانب دون أهل البصرة وشبابها؛ مما يعني أن مطالب هذا التحرك هي مطالب شعبية وليست حزبية أو سائرة في سيناريوهات إقليمية ودولية.

- أن كلاً من إيران والولايات المتحدة لديهما مصالح وبينهما صراعات وتحديات داخل العراق، وهذا لا يمنع كلا الطرفين من دفع سيناريو حركة الاحتجاجات؛ للحصول على مكاسب لصالحهما، ولكن الدخول إلى سيناريو الحشد على الحدود الكويتية والسعودية كغطاء لمواجهة الاحتجاجات من أجل صراع دولي وإقليمي يجب دراسته بعناية ودقة، حتى لا يتخذ صاحب القرار إجراءات غير سليمة للتكيف مع الأحداث، وهذا لا يعني عدم اتخاذ الاحتياطات والحذر، ولكن من المهم عدم تصعيد الإجراءات غير الضرورية فتحدث أزمة داخلية في الكويت ودول الجوار، تعرض الأمن الوطني والتماسك الاجتماعي ومستوى الحالة السياسية لحالة من الاضطراب، والنزوع نحو إجراءات يستغلها البعض لرفع الكلف الاقتصادية والمالية والاجتماعية على الدولة والمجتمع.

- كما أن الحراك الاجتماعي في البصرة غير "مُسيَّس" لكن لا يستبعد أن تستغله أطراف محلية لحسم صراعات في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، أو لصنع حكومة طوارئ مؤقتة لتجاوز أزمة سياسية أو مالية أو استحقاقات غير قادرة عليها الحكومة العراقية أو الأحزاب الأخرى، وعليه؛ فإن أطرافاً عدة في العراق تود استغلال مثل تلك الاحتجاجات لحسم الصراعات، ولتتقدم في المفاوضات لتشكيل الحكومة أو إعادة تشكيل ملفات داخلية داخل العراق.

وللعلم، فإن محطة التكرير في منطقة بيجي تم تدميرها من قبل تنظيم "داعش" في العراق منذ فترة الصراع السابق، وتعهدت إيران بتزويد المحطة بالبنزين المكرر من محطات إيرانية، ونتيجة للإجراءات الدولية والإقليمية الأخيرة، فإن إيران توقفت عن تزويد محطة بيجي بالنفط المكرر؛ مما أدى إلى توقف الكهرباء في المناطق الحيوية وفي البصرة، وإذا أضفنا فشل الحكومة العراقية في إلزام الشركات الأجنبية بتعيين العراقيين في المشروعات التي تديرها في جنوب العراق والبصرة، فإن ذلك أدى إلى حالة من الحراك الشعبي للمطالبة بحقوق واحتياجات طبيعية للعراقيين في البصرة وما حولها، فهي مشكلة إدارة لسياسات الدولة العراقية.

وعليه؛ فالمطلوب ما يلي:

1- من المهم للكويت ولأي دولة جوار للجنوب العراقي تشكيل فريق أزمة متخصص للتعامل مع هذا الحدث، ومدى انعكاساته على الأمن الوطني والعلاقة مع العراق ضمن هذا الحدث.

2- إجراء التحليل الإستراتيجي المنطقي لمثل هذه الاحتجاجات، ووضعها في سياقها الطبيعي والحقيقي لاتخاذ تقدير موقف صحيح وسليم.

3- اتخاذ الاحتياطات والاحترازات اللازمة لاحتمالات تطور الأحداث.

4- التواصل مع الدولة المركزية في العراق للتعرف على تطورات الحدث والتعاون في استقرار الوضع.

5- إجراء الاتصالات اللازمة مع دول الخليج لتفهم الوضع الجديد والتشاور فيه.

6- عدم التسرع في إصدار أي بيانات أو تصريحات تتعلق بأزمة داخلية في العراق ما لم تمس أمننا الوطني.

السبت, 31 مارس 2018 13:10

المهمة لم تنتهِ بعد!

إن النداءات المتكررة لـ"علمنة" العمل الحركي الإسلامي بعيداً عن السياسة جزء متناسق مع "علمنة" الدين التي يبذل النظام الفكري الغربي جهداً كبيراً في تأسيسه بين المثقفين والساسة وحتى رجال الدين وقادة العمل الإسلامي.

كما أن عزل الأحرار والمخلصين وحاملي الفكرة الإسلامية عن جهاد العمل الوطني الجاد في الإصلاح والتغيير السياسي هدف ترمي له الكثير من القوى المحلية والدولية للسيطرة على مسار المصالح فيما بينها.

إن إعطاء الحق لكل إنسان أياً كان انتماؤه الفكري أو السياسي أو الاجتماعي حق ممارسة السياسة وتأسيس الأحزاب والعمل من خلالها إلا الإسلام السياسي، فعليهم بسبب فشلهم في مرحلة ما أو لموقف سياسي خاطئ أن يتركوا السياسة.

المشكلة ليست في فشل فصائل من العاملين الإسلاميين في ميدان السياسة، المشكلة أن النظام السياسي العربي من جميع جهاته قد حكم منذ ما يقارب 100 عام وهو يفشل فشلاً ذريعاً في نهضة سياسية أو تنموية حقيقية، ومع ذلك لا ينصح بعض الكتَّاب هذا النظام بأن يرحل وينشغل حتى بالتجارة ويترك السياسة!

لقد كتبت عدة مقالات ناصحة أو منتقده أو متطرفة عن الأخطاء الإستراتيجية التي أخطأها ويُخطئها النظام السياسي العربي في منطقتنا، لكن لم يخلص إلى النتيجة أن يترك هذا النظام عن ممارسة لعبة إدارة السياسة الإستراتيجية في المنطقة.

إذن، أين المشكلة؟!

المشكلة ليست بممارسة السياسة.

إذ لا يعقل أن يطلب من حركات إسلامية منتشرة في العمق الاجتماعي وممتدة في جغرافيا المنطقة العربية والإسلامية أن تترك السياسة، تكمن المشكلة في أن الطبقات القيادية أياً كان انتماؤها أو إن كانت في السلطة أو خارجها لا تنتهج نهج الممارسة السياسية الصحيحة والمطلوبة في عالم السياسة المحلية والإقليمية والدولية، ولا تولي أو تفرز وفق الكفاءة المقتدرة على إدارة عمل سياسي يقود الدولة بشكل صحيح، وهذا يقودنا إلى دراسة النتائج لا تشريح المواقف، فنتائج الحرب العراقية الإيرانية مثلاً في الثمانينيات التي وقف ضدها بعض الجماعات الإسلامية أدت إلى إضعاف العراق وغزو الكويت من قبل صدام، وتم خلالها بناء القواعد والاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة، في حين أن كل القوى ودول المنطقة كانت تؤيد الحرب التي عارضتها هذه الجماعات.

النتيجة أن موقفها كان صحيحاً، والمنطقة دخلت في مأزق الصدام الحتمي نحو تمزيق العرب وجغرافيتهم.

أما في حرب الخليج الثانية، فلنكن عادلين ومنصفين أن غالبية الإخوان وقفوا ضد غزو صدام للكويت، ومهما كان هناك دعم من إعلام الطرفين لتضخيم موقف على آخر، فالإخوان لا يملكون أكثر من البيانات ومهرجانات الشجب التي مارستها كل الأحزاب العربية الأخرى.

وكان اعتراض الإخوان المعترضين على الاستعانة بالقوات الأمريكية كان اقتراحهم أن تكون قوة عربية لحل الأزمة.

لكن لنعود للنتائج، وإن كنا ننظر في هذه الوقائع بالطبع من زوايا تقدير مختلفة؛ إذ إننا ننظر إلى أهمية تحرير الكويت لأن الكويت كانت ولا تزال بقعة إستراتيجية مهمة، بل ومهمة للنشاط الإسلامي في العالم العربي والإسلامي؛ لذا وجب تحريرها، ماذا كانت النتيجة؟

بالطبع، تحرير الكويت أدى لتحطيم العراق عسكرياً وبسط الولايات المتحدة نفوذها بشكل كامل على المنطقة ميدانياً وخضوع الحالة السياسية لمنطق القوة الأمريكية، ووضع دول المنطقة تبعاً للمجهود الحربي للولايات المتحدة وحلفائها.

وأما الحرب الثالثة التي أيضاً عارضها الإخوان التي شكل الأمريكيون والدول العربية فيها حلفاً كان نتيجته إسقاط العراق نهائياً تحت تفاهم النفوذ الإيراني الأمريكي وإشعال المنطقة بحروب المليشيات المتطرفة الطائفية السُّنية والشيعية، وكشف الدرع الأمنية الإستراتيجية حول منطقة دول الخليج للنفوذ الإيراني، والتحامه مع النظام السوري ممتداً للبحر الأبيض المتوسط في قلب بيروت، إذن ماذا بقي للعرب؟ وهل كان الإخوان يفهمون السياسة والإستراتيجيا أكثر ممن بيده السلطة والسياسة؟!

وعندما قامت الثورات العربية في مناطق الظلم والطغيان في بعض بلدان جغرافية العرب، ودعمها الإخوان، ووجهت بثورات مضادة مدعومة من النظام السياسي العربي، فهل نتائج هذه المواجهة التي أديرت بتوافق مع النظام الدولي بطريقة ما، هل كانت من صالح استقرار المنطقة وشعوبها؟ وأين العقل السياسي من غير الإخوان؟ ألم تتمزق المنطقة وتتأسس فيها كتلة نظام عربي يعمل بشكل غير مفهوم لسيطرة إيران و"إسرائيل" على المنطقة؟

وهل منطق إزاحة الإخوان عن السياسة يستدعي كل هذه الكلف السياسية والاقتصادية والبشرية والتغيير الديمجرافي كله من أجل إزاحة الإخوان عن ممارسة السياسة؟

إن هذا يجعل المثقف الواعي أن يعيد دراسة تقدير الموقف بشكل صحيح معتمداً على النتائج لا على المواقف.

وأتفق مع بعض الإخوة الأعزاء على أن السياسة مجال احتراف لا هواية، وأن من يريد ممارسة السياسة عليه أن يكون محترفاً ويؤسس احترافه على كفاءة واقتدار عملي، وألا تترك هذه البضاعة لكل أحد، وعلى جماعات الإسلام التي تُمارس السياسة أن تحترفها بشكل صحيح وناضج ولا تتركه لقادة لا يستوعبون الواقع.

لقد فشل الإخوان في إدارة الدولة في مصر بعد الثورة، وهذه نتيجة حقيقية لا تُنكر، لا بسبب الفكر السياسي للإخوان، وإنما بسبب العجز القيادي والجمود التنظيمي، ويجب أن يترك الفاشلون العمل للكفاءات المقتدرة في العمل السياسي، ولكن لا يمكن أن يتم التجاوز على أكبر جماعة إسلامية في التاريخ الحديث ويطلب منها أن تنزوي في المساجد والجمعيات الخيرية لأنها فشلت في مرحلة زمنية، إذ إننا عرفنا من كتاب الله هزيمة المسلمين في "أُحد"، ولكن لم يترك المسلمون الجهاد لأنهم هزموا في معركة، وإنما التوبة وتصحيح الأخطاء واجب.

والأمر الآخر، وهو هل نجح الإخوان في مهمتهم كما عبر عنها بعض الكتَّاب المخلصين لهم؟

أعتقد أنهم نجحوا جزئياً، وتبقى أن يُكملوا مهمتهم، لكن ليس وحدهم، فأصل المهمة أساسها مواجهة المشروع الغربي الذي دخل المنطقة منذ إصلاحات وغزو نابليون لمصر الذي هدفه تغيير هوية المنطقة من إسلامية لتصبح تحت سيطرة الفكر الغربي تشريعياً وسياسياً واجتماعياً ليسهل السيطرة على مواردها وإمكاناتها وتعجز عن استقلالها وسيادتها ونهضتها وتكون وعاءً استهلاكياً لكل منتجات الغرب، ولذا فإن المواجهة كانت جهادية في بدايتها، وبعد إخمادها تحولت إلى إعداد فكري وتربوي، ومنها تأسس العمل السياسي.

في حين أن النخب التي أسسها الغرب فكرياً أنتجت جيلاً سياسياً يُؤْمِن بالعلمانية الغربية، وينسجم ويتكيف مع مطالبه؛ ولذلك تم تسليمها إدارة الحياة والسياسة، والناتج هو تخلف وتمدد للطغيان، وتبعية متواصلة، ومع امتداد الزمن وضعف النظام السياسي أصبح اختراق الثقافة والمجتمع العربي في هويته ليصبح اليوم خامة جاهزة للتغريب الكامل، كما حدث في المجتمعات الأخرى عندما خضعت بكامل هويتها للنظام الثقافي الغربي، ومثال على ذلك اليابان، فقد حدثني أحد الإخوة المفكرين والناشط في ميدان تحليل الهوية والمجتمع، أن سرطان الثدي بين النساء في اليابان قد انتشر بعد الحرب العالمية الثانية بشكل كبير، وعند دراسة نتائج التحليلات الطبية تبين أن 80‎%‎ منها بسبب تغير ثقافة الأكل اليومي من الغذاء الياباني إلى الغذاء الغربي الذي غزا الهوية الاستهلاكية للمجتمع الياباني.

إن المجتمعات العربية تواجه هجمة على هويتها وصلت إلى محاولة تمكين الإلحاد والهجوم على ثوابت الدين والقرآن والسُّنة وتغيير واقع المرأة بتغريبها وإطلاق تيار الشهوات والاستهلاك وفق أفق الثقافة الغربية، ولا توجد حماية لمجتمعاتنا من نظام سياسي عربي، بل إن إدارة تغيير الهوية يتم بإدارة نظام سياسي عربي تابع، لذا فالمهمة لم تنتهِ، فمن سيقوم إذن بمهمة الإصلاح في ميدان الفكر والسياسة والمجتمع؟ لا بد من كتل حية في المجتمعات العربية والإسلامية، ولذا فمهمة الجماعات الإسلامية لم تنتهِ، ويجب أن تُمارس دورها في كل المجالات، ولكن عليها أن تتعظ من أخطائها، وأن تبادر إلى تصحيح مناهجها وأساليبها وقياداتها.

لكن من يعيد كل العرب؛ جماعات ودول، إلى وعي السياسة وفهم الإستراتيجيا ومنهج العمل بالسنن؟

المنشد المعروف مشاري العرادة يرحمه الله، وجعل صوته مثقالاً لميزانه يوم القيامة.. فكم أسعد الملايين بنشيده العذب! وكم أثار دوافع العمل والهمة لدى الشباب! وكم فتح آمال مَنْ أنهكهم تعب المعاناة وقيدتهم إسارات النفس!

وكم دعت له ملايين الأمهات بسبب شحذ الهمم لنصرة المظلوم، وارتاعت من صوته قلوب المنافقين الجدد الذين نشروا رذيلة الغناء الفاسد!

فأسأل الله أن يثقل ميزانه، بقدر ما وصل من صوته آفاق العالم بلا حدود، واستمر هذا الصوت بالحداء الصادق إلى يوم القيامة.

الصفحة 1 من 6
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top