محمد سالم الراشد

محمد سالم الراشد

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عادة ما تكون المحن والابتلاءات أو المتغيرات الكبرى في حياة البشرية وقفات تفكير وتقويم لتعديل مسارات خاطئة في نظام الحياة البشري، أو مجالاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث تتشكَّل الكثير من النظم والسياسات والأدوات على نتائج جدليات الأحداث الكبرى عندما تقوم النظم السياسية بمراجعة موقفها الواقعي وتطلعها المستقبلي، واليوم تأتي جائحة "كورونا" أمام العالم لتصيبه بعدم اليقين، وتختبر قدرته البشرية بإعادة النظر في مجمل قيم وأساسيات بناء النظام الدولي والاقتصادي والاجتماعي.. العالم الذي يبدو عاجزاً تماماً أمام هذه الجائحة، منتظراً جهود الباحثين الأطباء والمتخصصين، لاكتشاف علاج للبشرية ربما يطوِّق اجتياح هذه الجائحة وانتشارها في كل دول العالم.

هذه مقدمة لازمة للانتقال إلى ما يمر به عالمنا العربي في ظل هذه الأزمة، فهو عالم من البشر في جغرافيا ممتدة من الخليج العربي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، لا يختلف عن باقي دول العالم في تأثير هذه الجائحة عليه صحياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

إلا أن العالم العربي منذ عقود وهو يعيش أزمة النظام السياسي العربي، إذ إنه بالإضافة إلى الكارثة الصحية المتوقعة؛ لضعف بنيان النظام الصحي في هذه المنطقة، وضعف البنيان الاجتماعي؛ من نظام العدالة، وتوزيع الثروة، وانتشار الفقر، والأمية فيه، فإن النظام السياسي العربي ما زال يتمتع بخصائص تختلف عن النظام السياسي الدولي، حيث يعجز النظام العربي السياسي عن دراسة واقعه من جديد، فهو لا يفكر في إعادة حساباته ومراجعاته، ويفكر في طريق صحيح للنهضة واستثمار ما لديه من إمكانات اقتصادية، وقوى اجتماعية، وبنيان سكاني من الشباب الطامح للعمل والتغيير، وللأسف فإن أزمة هذا النظام ما زال عند كل فشل في إدارته للأزمات، يلقي بعجزه على شماعات من الأوهام والفزَّاعات، ويعتقد أنه بذلك يلقي عن كاهله تحمل مسؤولية ما آلت إليه أوضاع المنطقة العربية، من ضعف في البنيان الصحي والاقتصادي والاجتماعي، ويحيل ذلك الفشل إلى فزَّاعات الإرهاب والإخوان، والجماعات السياسية المعارضة، والليبرالية والعلمانية، والتدخل الأجنبي، ويقوم بدلاً من الإصلاح إلى تغذية الانقلابيين ومجموعة من الجماعات الدينية المحسوبة على النظام السياسي، ودعم الحروب الأهلية، وتفتيت الجغرافيا والاقتصاد والمجتمعات العربية، وانشغال هذا النظام بحروب وهمية، ويستخدم إعلاماً أقرب إلى تطويع المجتمعات للاستكانة والخضوع لنظريات الواقع من السلام المزيف مع الكيان الصهيوني، أو تفتيت الوحدة الوطنية في مجتمع عربي تتدهور حالته ومناعته الفكرية أمام العولمة ومنتجاتها، حتى تحوّل النظام السياسي العربي اليوم إلى كتل متشاكسة لا يجمعها مشروع ولا نهضة ولا جامع واحد.

إن المستقبل لمنطقتنا العربية غامض غير وامض، وهو ما يدعو إلى أن تقوم كل القوى الحيّة في هذه المجتمعات بالتوقف والاستفادة من فرصة ابتلاء جائحة "كورونا"، لتعيد ترتيب حساباتها، وتعيد حيويتها للنظر في مشتركات نهضوية تضع لهذه المنطقة إطاراً سياسياً جديداً يدفع بها نحو نهضة اقتصادية واجتماعية وصحية وثقافية، وإلا فإن عقوداً طويلة من الكوارث ربما ستسود المنطقة في هذا القرن الذي نعيشه.

الخميس, 26 مارس 2020 16:25

الإسلام.. وزمن "الكورونا"

نستقبل التقارير العالمية حول نجاح الصين في حصار فيروس "كورونا" الذي أردى 21.116 ضحية حول العالم، وأصاب 465.274 إنساناً -حتى تاريخ كتابة هذا المقال 26 مارس 2020م- لكن تظل الصين، بسبب سياستها الترويجية الخائفة من فقدان المصداقية والثقة بمنتوجاتها الاستهلاكية، لا تعترف أخلاقياً عن مسؤوليتها عن هذا الوباء العالمي؛ الذي أثر على حياة البشر في هذا العالم؛ بتأخرها عن إبلاغ منظمة الصحة العالمية عنه.

ومن جهة أخرى، يتضح قمة الكبر والغرور الإنساني في أوروبا والولايات المتحدة؛ حيث ظن قادة تلك الدول أن الوباء صينيّ؛ فليكن هذا الجنس الأصفر وقوداً لهذا المرض؛ وأن هذا الفيروس ربما يميز بين الجنس الأبيض والأصفر، وأتت التحذيرات متأخرة بعدما فتك الفيروس بالآلاف من الناس في أوروبا والولايات المتحدة؛ بسبب حمأة الرأسمالية المتوحشة، التي ترى أن امتصاص ملكية الإنسان من خلال العمل والضرائب هي الأولوية على حياة الإنسان؛ لأنها تخدم الطبقة الرأسمالية في مجتمعاتها، إنها تريد جني المال على حساب الحياة البشرية والإنسانية.

في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ما زال غرور ترمب مستمراً؛ إذ إنه على مضض يوافق على إيقاف العمل لمدة أسبوعين، لكنه مُصِرّ على أن تفتح الشركات والأعمال الحكومية مجدداً بعدها، ولا يضره ذلك، لأن الأساس هو الناتج الاقتصادي.

في الولايات المتحدة من أجل إنقاذ "وول ستريت" على حساب الإنسان تم ضخ تريليون ونصف تريليون دولار.

ولإنقاذ قطاعات الشركات الكبرى في النظام الرأسمالي فهو يسعى لتحقيق الأرباح، لقد كشف الفيروس عن عوار الرأسمالية والنظام العالمي السياسي، ففي الولايات المتحدة لا تستطيع الدولة تقديم الرعاية الصحية لكامل الشعب الأمريكي.

إذاً؛ أين رفاهية الرأسمالية؟! فغالبية الشعب الأمريكي إذا حاول طلب العلاج فإنهم سيصبحون مدينين؛ لأن كل شيء إما بالتأمين الصحي، وهذا يغطي فئة محدودة في الولايات المتحدة، أو الاقتراض من البنك، وهذا يركب فوائد كبيرة على المقترض، هذه هي حقيقة الرأسمالية المتوحشة، يهمها المنفعة المادية على حساب القيمة الحياتية للإنسان؛ الأرباح أهم من الناس.

فالرعاية الصحية الخاصة والرسمية لا تستطيع التعامل مع الأزمة بكل بساطة.

  • 30 مليون أمريكي لا يملكون تأميناً صحياً.
  • 15 مليوناً منهم لديهم تأمينات خاصة.
  • 60 مليوناً آخرون عليهم دفعات مسبقة عالية لدرجة أنهم سيصبحون مدينين بآلاف الدولارات إذا ما حاولوا أن يطلبوا العلاج.
  • 45 % لا يمتلكون أو يدخرون دولاراً واحداً.
  • 24 % لديهم أقل من 1000 دولار.

إن زيارة واحدة إلى غرفة الطوارئ أو العناية المركزة لفيروس "كورونا" تكلف الفرد الواحد 10 آلاف دولار، وهذا يهدد بمحو الملايين من مدخرات الأمريكيين، كما أن هناك 34 مليوناً من الناس في الولايات المتحدة لا يملكون يوماً واحداً إجازات صحية مدفوعة الأجر.

علماً بأن 45% من العاملين في فنادق الولايات المتحدة وخدمات المطاعم فقط يحصلون على تعويض إجازات مرضية، وهم أمام خيارين؛ فقدان العمل، أو الفيروس.

وكذلك فإن المدارس العامة في الولايات المتحدة، زعيم النظام العالمي، ظلت تعمل لأن الطلاب يعتمدون عليها لأجل الطعام المجاني؛ حيث إن 22 مليون طفل في الولايات المتحدة يعتمدون عليها.

وسيتم طرد 700 ألف من إيصالات الطعام المجانية في الأول من أبريل؛ وهذا سيشكل جزءاً من المجاعة، علماً بأن الملايين من الأطفال في الولايات المتحدة مشردون ويعيشون في مآوٍ مكتظة، وسيكونون على اتصال مع أشخاص حاملين للفيروس، كل ذلك لا يعادل قيمة "وول ستريت".

يقول جوزف إستيفال، الاقتصادي الحائز على جائزة "نوبل": "إن ديمقراطيتنا واقتصادنا في خطر كبير إذا استجبنا إلى مطالب الشركات ذات الأصوات الأعلى والأقوى، بدلاً من التفكير فيمن في الحقيقة يحتاجون الدعم".

الحقيقة أن النظام العالمي اليوم نظام أثبت فشله وفساده ومرضه وهو قادم على كارثة اقتصادية، ومن الطبيعي ستصبح جائحة اجتماعية متطرفة ربما تتحول إلى حرب شاملة لا يعلم مداها إلا الله؛ بسبب طبيعة وغايات تركيبة النظام الذي يقود البشرية إلى الصراعات والهاوية.

1- فعلى المستوى الصحي، فالفيروس ما زال يتفشى ويكسب الحرب ويثبت عجز أكبر العقول على حل معضلته.

2- وعلى المستوى السياسي، فإن هذا النظام أثبت أنانيته وفشله في قيادة ثقافية للعالم لمواجهة حرب الفيروس الصغير، وانحاز إلى الأنانية والمصلحة القومية.

3- وعلى المستوى الأخلاقي، فلا حدود للتفلت الأخلاقي العولمي؛ إذ إن كل شذوذ مباح وكل خبيث جائز أكله وشربه.

4- وعلى المستوى الاقتصادي، فالرأسمالية المتوحشة وبحثها عن المنفعة والربح أغلى من حياة الإنسان.

5- وعلى مستوى الحياة الاجتماعية، فإن التراحم والتكافل والاعتناء بالضعفاء والفقراء وكبار السن مفقود.

لقد كشف فيروس "كورونا" زيف البناء الحضاري الغربي والنظام العالمي السياسي وضعف النظام الصحي في العالم المتمدن وتراجع الأخلاقيات الاجتماعية والمدنية.

ولكن هل هذا سيدفع المسلمين إلى إعادة النظر في عمق الأخلاق الحضارية في دينهم "الإسلام العظيم"؟ وهل سيستطيع المسلمون أن يتقدموا بنموذجهم الحضاري في فرصة قد أزفت، وأن العالم اليوم يفكر بالحل الشامل لاحتمالات سقوط النظام العولمي وثقافة الحضارة الاستهلاكية المتوحشة؟

فعلى المستوى الصحي:

يستطيع المسلمون أن يقدموا للعالم أساسيات الطهارة التي يدرسها صغار أبناء المسلمين في مدارسهم ويتعلمونها في بيوتهم.

الطهارة البدنية والحسية التي أسست لنظافة البدن وصحة النفس ورقي التهذيب.

نحتاج اليوم إلى الفقيه والمفكر والطبيب من المسلمين الذين يجتمعون ليطلقوا مبادرة "الصحة الحضارية في الإسلام".

التي تقوم أساساً على "رفع الحدث وإزالة الخبث"، لقد قدم الإسلام تعاليم ثابتة في الاهتمام بالبدن والعورة ونظافة الملبس والمكان.

إن تلك التعليمات وضعت أساساً صحياً لمواجهة أي مرض وفيروس أياً كان نوعه ومصدره، لقد قدم الإسلام نموذجاً في الطيبات التي يجب أن تتناولها البشرية، والخبائث والمحرمات التي يجب أن تتركها في النظام الغذائي للإنسان المسلم، وآداباً صحية للمأكل والمشرب واللباس والزينة.

وعلى المستوى الاقتصادي:

فإن الإسلام وضع شرائع البيع والشراء، فأحل البيع وحرم الربا، ووضع قواعد العمل والكسب الحلال، وقدم نموذجاً في الاقتصاد المتوازن الذي يثبت الملكية ويطلق حرية السوق وضبطها بالأخلاق بعيداً عن الغرر والكسب الباطل "الحرام" والغش والاحتكار، لكنه أيضاً يضع المسؤولية الاجتماعية على عاتق المستثمر بأن يؤدي زكاة ماله للأصناف الثمانية في المجتمع.

وعلى المستوى الاجتماعي:

 

فالإسلام حث على التكافل والتعاون والحب والإخاء والتعارف بين البشرية، وإنّ رقابة الله أو تقواه مع البشر هي المعيار لكرامة الإنسان، فلا يترك ذا حاجة وإلّا على المجتمع أن يتعاون في استيفائها له.

وألا تعلو طبقة على طبقة أخرى في المجتمع الإنساني الذي ينشئه الإسلام مهما كانت ألوانهم أو لغتهم أو جنسهم أو دينهم.

إن لغة المساواة والحب والكرامة التي تشكلها المبادئ الحضارية للإسلام جاهزة لمعالجة الاهتزاز الاجتماعي العولمي.

أما على مستوى الصحة النفسية:

  • فإن العقيدة الإسلامية التي أساسها أن القدر مكتوب خيره وشره، وأن المسلمين يتقبلون قضاء الله وفق مشيئته، وأن الموت لا يؤخر أو يقدم لإنسان من غير أن يحل أجله المكتوب، لهي عقيدة تغذي روح الإنسان بالطمأنينة والراحة والسعادة.
  • وإذا عرفنا أن الإنسان إذا أمسى آمناً في سربه معافى في بدنه يملك قوت يومه فقد حيزت له الدنيا، فلا صراع على المال ولا المادة ولا صراع أو خوف أو هلع من جوع، فتصبح الروح الإنسانية آمنة مطمئنة، فأي صحة نفسية عالية تلك التي يؤسسها الإسلام في حياة الناس.

إذاً؛ من سيتجرأ لهذه المهمة "مهمة تبليغ العالم أن الإسلام لديه حل شامل لنظام الحياة الحضاري في العالم".

وأن قادم الأيام سيثبت أن النظام الحضاري الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة والغرب سيتهاوى، وسينشأ نظام عالمي جديد، إنها فرصة للمسلمين ليُهدوا العالم أغلى كنز للبشرية وهو "الإسلام العظيم".

إن لدينا مئات من المنظمات الإسلامية والعربية والأوروبية المتخصصة في الفكر الحضاري الإسلامي والأبحاث الشرعية سواءً كانت تلك المنظمات رسمية أم أهلية.

إننا ندعو المنظمة الإسلامية للعلوم والثقافة واتحاد الجامعات الشرعية والمؤسسات الإسلامية للقيام بواجب الوقت.

إن البشرية قد مرت بثلاث موجات حضارية؛ الموجة الزراعية، تلتها الموجة الصناعية، ثم أخيراً موجة "البتات"، فهل يستطيع المسلمون أن يقدموا للبشرية الموجة الرابعة؟ وهي موجة "عالم القيم"؛ حيث إن كل قيمة من قيم الإسلام العظيم لها وزن ماديّ ومعنويّ يعادل كل مكاسب الرأسمالية وتقنية "البتات" وحضارتها، وتستطيع البشرية أن تحول تلك القيم إلى "سلعة حضارية" قابلة للتداول بما يحقق الرفاهية والسعادة للبشرية.

 

عندما تضع مجلة «المجتمع» أقدامها على أعتاب يوم 17 مارس 2020م، فإنها تتجاوز بذلك خمسين عاماً من جهاد القلم المبارك في تفاعل حركة الدين مع الحياة، وهي في مسيرتها التاريخية إنما رسمت الحالة العامة للمسلمين في مختلف مراحلها خلال نصف قرن مضى، ولم تفتر لحظة عن الدفاع عن قضاياهم، وتعبر عن آلامهم، وتخاصم من يخاصمهم، وتحسن إليهم في محنهم، حتى أصبحت «مجلة كل المسلمين في العالم»، تحملت في سبيل ذلك ما يقارب 70 قضية رفعت ضدها وصبرت على أذى خصومها من العلمانيين، وجور المكابرين، والأعداء الحاقدين.

لقد كانت رعاية الله قبل كل شيء تحف هذا العمل، والعلم النافع للمسلمين، وكانت جهود مخلصة، وقلوب صادقة، خلف هذا السفر العظيم من تاريخ الفكر والتحليل والثقافة الإسلامية، تلكم هي جهود من تعاقبوا على رئاسة تحريرها من الإخوة الزملاء والعاملين، لقد كان لكل منهم بصماته الواضحة في توجيه مساراتها نحو أهدافها الإسلامية، فالأخ مشاري البداح (أبو أسامة) رحمه الله، الذي تولى رئاستها في نشأتها الأولى 17 مارس 1970م، حتى نهاية عام 1975م، استطاع أن يضعها هو وزملاؤه من العاملين بين مصاف المجلات الإسلامية؛ حيث بدأ الفكر الإسلامي يتفاعل مع حركة «المجتمع» على صفحاتها، وانتقل بها السيد بدر القصار (أبو أحمد)، الذي تولى رئاستها منذ يناير عام 1976، وحتى أكتوبر 1979م، ليضعها إصداراً متكاملاً يتفاعل فيه فقه الدعوة مع قضايا المجتمع الإسلامي، وفي فترة رئاسة د. إسماعيل الشطي (أبو عبدالله)، منذ أكتوبر 1979 وحتى عام 1992م، تمددت في عطائها المتزايد مع عالمية فكرتها وتأثيرها في السياسات المحلية، كما أثمرت جهود الدكتور  محمد البصيري (أبو عبدالله)، في 15 ديسمبر 1992، حتى عام 2009م، لتحقق عالميتها وتخترق في تأثيرها أسوار السياسة الدولية، وليتسع نطاق توزيعها ليشمل أكثر من 120 دولة إسلامية وغير إسلامية، ويرتفع رصيدها من القراء ليكونوا أكثر من ربع مليون قارئ، وقد كان خلف كل هذه الجهود المباركة رعاية العم عبدالله علي المطوع (أبو بدر) رحمه الله، الذي ظل طوال هذه الفترة يساند أبناءه رؤساء التحرير والعاملين في المجلة بخالص جهده وتوجيهه منذ نشأتها المحلية حتى شبّت ونمت وأينعت.

ومنذ أن ترأس تحريرها العم حمود الرومي (أبو محمد) منذ عام 2009 حتى نهاية عام 2014م، كانت المجلة تسير بين عواصف المتغيرات في المنطقة، ووجّه إدارتها بشكل آمن في محيط الصعوبات الإعلامية.

لقد انطلقت المجلة منذ عام 2012م لتدخل عالم التنافس الإلكتروني العالمي، واستطاعت إدارة المجلة ومحرروها أن يرتقوا بها في سلم التنافس والتقدم؛ حيث تقدمت المجلة في ترتيبها العالمي من المركز (8 ملايين) لتصبح اليوم في الترتيب (22.968)، وعلى المستوى المحلي من الترتيب (10.459) لتصبح رقم (5) على مستوى الصحف والمجلات المحلية مع نهاية فبراير 2020م.

لقد كانت «المجتمع» وهي تتحرك بحركة الفكر الإسلامي تتعامل مع معارك صعبة وتتصادم مع مصالح متضاربة، وكان القفز فوق هذه المعادلات والانحناء حولها وتحمل تبعات ما ينتج عن ذلك جهاداً صعباً، وعملاً معقداً، فالتعامل مع مخاطر السياسة الدولية (على سبيل المثال)، وتبيان أثرها السلبي على بلاد المسلمين في المنطقة، والوقوف مع المسلمين في قضاياهم العادلة، ونقد سياسة الكيل بمكيالين، والوقوف مع قضايا حقوق الإنسان والحريات والعدالة، احتاج منا -وما زال- إلى جهود بالغة، ولغة مناسبة، حتى نأمن وصول الكلمة الصادقة والرأي المتزن لقارئنا، وحتى نتكيف مع عدم مخالفة قوانين الصحافة، ونأمن فُجر الخصومة، وتأليب الحاسدين، وحتى تصل مطبوعتنا بسلاسة وسلامة إلى منازل قرائنا الكرام، إنها رحلة شاقة وصعبة منذ التفكير بالكلمة وصياغتها وإخراجها وطباعتها وإصدارها طيلة نصف قرن.

وإذا كانت تلكم جهود إدارتها، فإن كتَّابها الذين ساهموا في الكتابة فيها منذ نشأتها إلى اليوم، منهم من قضى نحبه بخاتمة سعيدة، وطواه الزمن تحت الثرى وتبقى أثره وعلمه في الناس، ومنهم ما زال يمتطي صهوة جواد الكلمة ويقارع ويصارع أفكار العلمانية، ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ولهؤلاء الأموات منهم والأحياء -الذين نتمنى لهم عملاً صالحاً مقبولاً- أدوار لم تكن بخافية على أحد، إنه تاريخ الكلمة الصادقة المجاهدة لحركة الدين في المجتمع الإسلامي.

أما قراؤها الكرام الذين تابعوها منذ صغرهم فقد كبروا معها، وأيقنوا أهميتها، ورسمت كلماتها في قلوبهم أبلغ الأثر الإيماني، وأنارت عقولهم بفكرها المتميز، وألهبت عواطفهم ومشاعرهم تجاه إخوانهم وتواصلهم من خلال صفحاتها بالمسلمين في كل مكان، لقد كبروا معها وكبرت عواطفهم وشعورهم الإيماني وعقولهم.

وكبرت معهم «المجتمع»؛ لتصبح «قصة» تتلوها أجيال الصحوة الإسلامية عن جهاد مجلتهم في بحار اضطراب عالم السياسات الدولية والمحلية المتعاقبة، وخصومة الكثير من المنافقين والمخالفين، وثباتها على كلمة الحق.

فيروس «كورونا» أرعب العالم بسرعة انتقاله وانتشاره من مكان ظهوره في مدينة «ووهان» بالصين منذ منتصف ديسمبر 2019م، التي يقطنها نحو 10 ملايين نسمة، وحوّلها إلى مدينة أشباح، وحصد عشرات الأرواح في الصين، وانتشر الفيروس في مقاطعات صينية ودول أخرى كاليابان وكوريا وتايلاند وفيتنام وأستراليا وسنغافورة وفرنسا ونيبال وماليزيا والولايات المتحدة الأمريكية، لأشخاص زاروا أو عادوا من ووهان الصينية، حسب التقرير الذي نشرته منظمة الصحة العالمية.

وتعتبر الأوبئة عاملاً مؤثراً في إعادة توازن الحياة البشرية؛ إذ إن طغيان الحياة المادية على الإنسان في كل عصر ينشئ أصناماً من اللذة التي تُنسيه حقيقة وجوده وما رسمه الخالق لمساره، فتأتي الكوارث الطبيعية منبهة للإنسان، ومن أجل إعادة التوازن في الحياة الإنسانية والبشرية، وليتعامل الإنسان مع ذاته الإنسانية وعلاقته بالأرض والكون والناس والأشياء بالعدل والحق وإرجاع مساره إلى ما هو صحيح، وإن ما جرى ويجري من نتائج كارثية إنما هو نتاج ما كسبته يداه.

إن ما كسبت يد الإنسان في صناعته وتطوير حياته وإقامته لشؤون الناس إما سبّب الدمار والهلاك، وإما أدى إلى الصعود والرقي في الحياة الإنسانية والبشرية.

فالتوجه البشري للخبائث التي نهى الله عنها وأمرنا أن نجتنبها والإمعان في صناعتها وتداولها ستسبب في نهاية المطاف كوارث إنسانية وأوبئة تدمر حياة الإنسان، فاليوم تعاني الإنسانية من سباق في تطوير أسلحة الدمار الشامل، والأسلحة التي تدمر الحياة البشرية؛ حيث أصبح الحجر والمدر أهم من حياة الإنسان! فهذا بالطبع من صنع البشر.

وإن ما تعانيه البشرية اليوم من انتشار أمراض السرطان والأوبئة وأمراض لم يصل الإنسان لعلاج لها؛ هو بسبب نتائج استخدام تلك الأسلحة الفتاكة في حروب مدمرة، خذ على سبيل المثال حرب الخليج الثانية واحتلال العراق؛ حيث خلفت نحو 273 طناً من اليورانيوم المنضب المستخدم في القذائف ضد الدروع، وهذه بقعة جغرافية صغيرة في العالم، لكنها خلفت نسباً مرتفعة من أمراض السرطان في الكويت والعراق.

كما تعاني البيئة العالمية للأرض من آثار مدمرة وغازات وسوائل سامة تدمر النبات وتلوث الفضاء، وتخلق اختلالاً في توازن فصول السنة، وتهدد بارتفاع درجة حرارة الأرض إلى ما يتوقع منه الخطر على حياة وبقاء الإنسان، وإن مساحات هائلة من الأراضي الصالحة للزراعة قد دمرت بشكل كامل بسبب العوامل الكيميائية للتلوث، كما أن ذلك غيَّر الطبيعة الخاصة بفصول السنة، وندرة الأمطار؛ مما يؤثر بشكل كبير على الإنتاج الزراعي، وكذلك على حياة الحيوان المنتج للحوم التي تحتاجها البشرية.

وقد ارتفعت معدلات تلوث الهواء في العالم بنسبة %8 بين عامي 2008 و2013م، وسجل أنه لا يتنفس %92 من سكان المدن هواء مأموناً، وأن مستويات تلوث الهواء تتجاوز الحدود التي وضعتها منظمة الصحة العالمية.

إن تلوث الهواء، وفق الإحصائيات العالمية، تسبب في 2.2 مليون إصابة بالسكتة الدماغية، ويتسبب الهواء الملوث في وفاة مليوني شخص سنوياً جراء الإصابة بأمراض القلب، وإصابة 1.7 مليون شخص بأمراض الرئة والسرطان.

وتأتي تلك النتائج بسبب الصراع بين قوى المال والسلطة في مجتمعنا الإنساني، فالشركات الكبرى المتنافسة على صناعة الأدوية سعت وتسعى للتسابق والتنافس على حساب الأرواح البشرية.

إن تطوير الأدوية اللازمة لعلاج فيروسات غامضة بسبب تدبير بشري خاطئ لإدارة الحياة خلفه شركات عالمية تدر من ورائه مليارات الدولارات، علماً بأن نسبة المصابين بهذا الفيروس لا تساوي شيئاً في المقاييس العالمية؛ فرغم أن عدد سكان الصين 1.386 مليار نسمة، وفق إحصائية عام 2017م، فإن الإحصاءات الرسمية الصادرة إلى يوم 27 يناير الماضي لا يتجاوز عدد الوفيات 80 شخصاً، وعدد المصابين 2700 شخص، وذلك بسبب استخدام محرمات غذائية يعتقد أنها تسببت في توالد فيروس «كورونا» القاتل، وانتقلت العدوى إلى مناطق عدة من العالم، ومع ذلك فإن حجم الخوف والذعر والهلع بين الناس كبير؛ مما سيدفع بكل الدول لشراء كل وسائل الوقاية والدواء لهذا الداء القاتل، لنعرف بعد ذلك أن هذا الفيروس لا يستحق كل هذه المعاناة والخوف والرعب لو أن الإنسان أدار حياته بالشكل الذي أراده الله من العدل والرحمة وكسب الخير والتوزيع العادل للثروات والاستخدام الصحيح للبيئة والموارد، لا الطغيان فيها، وإن لكل طغيان طوفاناً يتغير شكله بالزمان والمكان، اللهم الطف بالإنسان الذي كرمه القرآن؛ {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء: 70)

الصفحة 2 من 7
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

translate

Top