د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ذكر الناقد الاجتماعي فانس باكار في كتابه "صانعو النفايات" أن المؤرخين قد يشيرون إلى وقتنا هذا بأنه عصر نَبْذ النفايات.

إن كثيراً من المواد الخام التي تدخل في الاقتصاديات الصناعية تخرج من الطرف الآخر كنفايات، ورغم أن النفايات أو القمامة ليست أكبر ولا أخطر فئة من فئات المواد المبدّدة في الدول الصناعية، فإنها بالتأكيد مؤشر للتبذير.

كما أن السلع التي تؤول في نهاية الأمر إلى قمامة يسهم في الكثير من النفايات الأخرى التي تولدها المجتمعات الصناعية، فعلى حين يبدو أن كثافة استعمال المواد تتناقص في الإنتاج الصناعي، إلا أن التنامي المستمر في تولد النفايات الصلبة يوضح أنه يتزايد على الأرجح في قطاع السلع الاستهلاكية، وعلى ذلك فالمجتمعات التي ترغب في تحسين الكفاية الإجمالية لمواردها قد يكون من الأفضل لها أنّ توجه عنايتها إلى خفض ناتجها من القمامة.

والأكوام المتراكمة من القمامة قد تكون سمة مميزة لكل دول السوق الصناعية، وفي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أوضحت 14 من الدول الأعضاء التي لديها بيانات متاحة أن هناك زيادات في تولد النفايات الصلبة للفرد الواحد، يقول جون يونج: التصنيع والنمو الاقتصادي لم يؤديا إلى حدوث زيادات في القمامة فحسب، بل وإلى تغيرات في خصائصها.

وعلى حين يظل الورق والكرتون عادة هما أكبر مكونين لنفايات البلديات الصلبة في الدول الصناعية، فإن أنواعاً أخرى من النفايات تتزايد بسرعة أعلى، فالألمونيوم والبلاستيك ومواد أخرى جديدة نسبياً يتزايد إحلالـها محل المواد التقليدية مثل الزجاج، والفولاذ والألياف الصناعية.

كذلك فإن كثيراً من السلع الاستهلاكية الحديثة تحتوي على مواد سُمِّية قد تثير مشكلات في التخلص منها، فالبطاريات الكهربائية تحتوي على فلزات ثقيلة مثل الرصاص والزئبق، والمكانس الكهربائية المنزلية والمبيدات الحشرية، تحتوي غالباً على كيماويات خطرة.

وتتفاوت مقادير القمامة الناتجة تفاوتاً واسعاً في أنحاء العالم، وتوضح بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لسنوات منتصف الثمانينيات أنّ الفرد الأمريكي والكندي يولّد من القمامة ضعف ما يولده الفرد في أوروبا الغربية أو اليابان، وتكمن أعظم هُوّة في تولد القمامة بين العالمين الصناعي والنامي، ورغم أن القمامة لا تنفرد بها الدول الغنية، فإنها تتولد هناك على نطاق مختلف.

وفي الدول النامية، نجد أن النفايات ترف لا يتاح إلا للأقلية الثرية، وإعادة الاستعمال وإعادة الدوران أسلوبان للحياة، والكثيرون يعيشون على النبش في قمامة الأغنياء بحثاً عن فتات قيّم.

ويتشارك كثير من الدول الصناعية في انتهاج تصرف رسمي تجاه القمامة، يسمى تسلسل إدارة النفايات، ويتضمن ذلك قائمة من الخيارات الإدارية ترتب فيها الأولويات: الخفض من المنبع أي تجنب توليد القمامة، وإعادة الاستعمال المباشر للنواتج وإعادة الدوران، والحرق، ثم استخدام المقالب كملاذ أخير، ويقر برنامج البيئة هذا التسلسل كما تقره جماعات المواطنين وكثير من قادة الصناعات.

وللأسف، فإن الممارسة قد سارت في اتجاه مضاد تماماً للمبدأ، فمعظم الحكومات تواصل التركيز على الإدارة بدلاً من خفض النفايات، وعندما تواجهها أزمات النفايات، فإنها تجنح إلى تمويل خيارات إدارة النفايات بنسبة عكسية لموضعها في التسلسل، حيث ترقى درجة إلى أعلى على السلم، من استخدام المقالب إلى الحرق.

ختاماً أقول: إنّ الـمسار السلس للمواد يتيح للمجتمعات فرصة لحل مشكلات القمامة دون وجود مخاطر بيئية جديدة، إنه ينقلنا تجاه الهدف المرتجى، وهو كما وصفه شوماخر: أقصى درجة من الرفاهية بأقل قدر من الاستهلاك. 

يعيش عالم اليوم ظلماً اقتصادياً متعدد الأشكال والألوان، حيث إن 75% من دخل العالم يتركز في يد ربع سكان العالم، في حين يتبقى 25% فقط لبقية دول العالم الفقير.

إنّ الاستقلال السياسي الذي حصلت عليه بعض الدول الإسلامية، لم يتبعه استقلال اقتصادي بل اتسمت معظم العلاقات الاقتصادية الدولية بالتبعية بين دول المركز ممثلة في الدول المتقدمة، ودول المحيط ممثلة في الدول النامية، وتشكل الدول الإسلامية الجزء الرئيس من الدول النامية، في إطار ما عرف بالعلاقة بين الجنوب الفقير والشمال الغني .

وتُعدُّ مشكلة الديون من أخطر مشكلات العالم المعاصر، فقد بلغت هذه الديون 1.4 تريليون دولار حسب ما أعلن في مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية الاجتماعية في كوبنهاجن.

وقد شبّهت شريل بييار مشكلة الديون بنظام العبودية، حين قالت: إن بالإمكان مقارنة نظام الديون العالمي بنظام العبودية، إذ لا يستطيع العامل في النظام العبودي أن يترك العمل لدى رب عمله، لأن هذا الأخير يؤمن له السلفات الضرورية لشراء بضائع باهظة الثمن من مخزن الشركة لتكملة أجوره الزهيدة، وهدف رب العمل الدائن التاجر هنا ليس استرداد الدّين مرة واحدة ولا تجويع العامل، إنما إبقاء العامل مرتبطاً به بصورة دائمة عبر ديونه.

إنّ هذا النظام العبودي نفسه، يسود على المستوى الدولي، فالبلدان المستقلة حديثاً، نجد أن ديونها وعجزها الدائم عن تمويل حاجتها الراهنة تجعلها مرتبطة إلى الدائنين برباط صارم.

وإذا ظلت هذه البلدان النامية ضمن هذا النظام فإنها محكومة بالتخلف الدائم، وبتنمية صادراتها لخدمة المشروعات المتعددة القوميات، وعلى حساب التنمية لتأمين حاجة شعوبها.

وحقيقة الأمر فإن هناك عدداً كبيراً ومتشابكاً من العوامل التي أدت إلى هذه الديون الرهيبة على الدول النامية، منها: هروب رؤوس الأموال للخارج، وانخفاض صادرات الدول النامية، والتسلح والإنفاق الضخم على الأغراض العسكرية، والاقتراض غير الرشيد.

إذ يُعدُّ هروب رأس المال على نطاق واسع عاملاً مهماً من العوامل التي ساهمت في زيادة حدة أزمة الديون في العالم الإسلامي، إن كميات كبيرة من أموال العالم الإسلامي تستثمر في العالم المتقدم، وتقدر بما لا يقل عن 700 مليار دولار.

ولذا، وصف فيلي برانت التدفق السنوي للأموال من البلدان المدينة "النامية" إلى البلدان الدائنة "المتقدمة" بقوله: إنها بمثابة نقل دم عكسية من المريض إلى الطبيب.

وتذكر بعض الدارسات أن أكثر من 95% من الحروب والصراعات مسرحها العالم الثالث.

كما أشار تقرير التنمية في العالم أن الإنفاق العسكري كنسبة من الناتج الوطني الإجمالي بلغ أعلى معدلاته في العالم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أي في العالم الإسلامي.

ومن المفارقات المؤلمة أن ثمن صاروخ واحد عابر للقارات يمكن أن يزود 50 مليون طفل يتضورون جوعاً في أفريقيا وآسيا وأمريكا بالغذاء، ويشيد 65 ألف مركز طبي، و34 ألف مدرسة ابتدائية، وثمن غواصة ذرية تشيد 40 ألف مسكن شعبي، وثمن طائرة قاذفة نووية يمكن أن يقيم 75 مستشفى سعة الواحد منها مائة سرير.

وفي المقابل، فإن العالم ينفق على التسلح مبلغ أكثر من 400 مليون دولار كل 24 ساعة، والعجيب المؤسف أن ثلاثة أرباع هذه الأسلحة تشتريها دول العالم الثالث.

أما الاقتراض غير الرشيد، فقد أدى بالمستدينين إلى استخدام الأموال بتهور شديد، والأسوأ أن تستقرض الدول الأموال لتودعها في مصارف سويسرا أو غيرها ويحرم الشعب من خيراتها، يقول برنارد لويس: إن الشيء الذي لم يتغير خلال قرن من الزمن، رغم كل التغيرات التي حصلت هو جهل المستدينين وجشع الدائنين؟

وقد نتج عن هذه الديون الرهيبة آثار خطيرة على التنمية الاقتصادية في البلدان النامية وكذا على الاستقلال الاقتصادي، من حيث تزايد أعباء خدمة الديون الأجنبية على فاعلية نقل الموارد الحقيقية للبلاد النامية، وإضعاف القدرة على الاستيراد، وتزايد العجز في ميزان المدفوعات وارتفاع معدل التضخم، وإضعاف معدل الادخار المحلي، وخضوع البلدان النامية لتوجيهات المنظمات الدولية وتوجهاتها.

إن استمرار ظاهرة المديونية سيؤثر عكسياً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المدى الطويل لهذه الدول "النامية"، باعتبار أن هذا العجز يشكل نزيفاً مستمراً في إمكانات الدول النامية وقدراتها المادية.

وعلى الرغم من المقترحات الدولية والإقليمية والمبادرات الحكومية والحلول الاقتصادية؛ فإنّ علاج ظاهرة الديون في العالم الإسلامي يبدو أنه أصعب مما يعتقد.

إن النمو السكاني هو الوحيد الذي ينافس الاستهلاك المرتفع كسبب للتدهور البيئي، وعلى الأقل فإن كثيراً من حكومات العالم يعتبرون النمو السكاني الآن مشكلة، وتبايناً مع ذلك، فإن الاستهلاك يعتبر خيراً على النطاق العالمي، والواقع أن زيادته تعتبر الهدف الرئيس للسياسة الاقتصادية الوطنية، ومستويات الاستهلاك تظهر النمو الكامل لشكل جديد للمجتمع البشري، المجتمع الاستهلاكي.

لقد نشأ هذا الأسلوب الجديد للحياة في مجتمعات الغرب، والكلمات التي تمثل روح هذا الأسلوب على أحسن وجه هي التي قالها فيكتور ليبو: إن اقتصادنا الإنتاجي يتطلب بدرجة هائلة أن نجعل الاستهلاك هو أسلوبنا في الحياة، ويخوّل شراء السلع واستخدامها إلى طقوس نداوم على أدائها، ونلتمس رضاءنا الروحي، ورضا غرورنا في الاستهلاك، إننا في حاجة إلى استهلاك الأشياء وحرقها وبليها وتبديلها بمعدل دائم الزيادة· وللأسف، فقد تبارى في محاكاة أسلوب الحياة الذي ابتدع في الغرب أولئك الذين يطيقونه في مختلف أنحاء العالم، ولكن كثيرين لا يستطيعون ذلك، والصدوع الاقتصادية التي تمزّق العالم تستعصي على الفهم، فالعالم فيه 300 بليونيراً وأكثر من ثلاثة ملايين مليونيراً، وفيه أيضاً 500 مليون شخص بلا مأوى يسكنون الأرصفة ومقالب القمامة وتحت الجسور.

كذلك، فإن قيمة مبيعات السلع الفاخرة على النطاق العالمي أرقى الأزياء وأفخر السيارات وغيرها من علامات الثراء الأخرى، تفوق إجمالي النواتج الوطنية لثلثي دول العالم، يقول آلن درتنج في كتاب "ما وراء الأرقام": اليوم يوجد في العالم ثلاث طبقات "أيكولوجية" رئيسة؛ هي طبقات المستهلكين وطبقات ذوي الدخل المتوسط والفقراء، وكل طبقة لها خصائصها وسماتها التي تميِّزها اقتصاداً.

إن فقراء العالم البالغ عددهم 1.6 مليار شخص تقريباً، يحصلون على دخل مقداره 400 دولار سنوياً لكل فرد من أفراد الأسرة، ومن ثمَّ فإن هذه المجموعة البشرية التي تضم خُمس سكان العالم وأفقرهم تحصل على 2% لا غير من دخل العالم.

أما طبقة الدخل المتوسط في العالم، التي تضم 3.3 مليار شخص، فإن دخلها يتراوح بين 700 - 750 دولاراً سنوياً لكل فرد من أفراد الأسرة، وتشمل طبقة المستهلكين التي تضم 1.1 مليار شخص من أعضاء المجتمع الاستهلاكي العالم، جميع العائلات التي يزيد دخل كل فرد من أفراد أسرها على 750 دولاراً سنوياً.

إن الثغرة الواسعة التي تفصل بين استهلاك السعداء والبؤساء من الموارد تظهر واضحة في تأثيراتهم في العالم البيئي، فاتجاهات الاستهلاك المندفعة صعوداً تبعاً لزيادة عدد المجتمع الاستهلاكي هي من منظور آخر مؤشرات عارمة للضرر البيئي.

فاستغلال المجتمع الاستهلاكي للموارد يهدد باستنزاف الغابات والتراب والماء والهواء أو تسميمها أو تشويهها تشويهاً ثابتاً لا يمكن تغييره، وأعضاء المجتمع الاستهلاكي مسؤولون عن جزء غير متناسب من جميع التحديات البيئية التي تواجه الإنسانية.

حيث إن استخدام طبقة المستهلكين للوقود الحفري بأنواعه، على سبيل المثال، يتسبب فيما يقدر بثلثي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من هذا المصدر.

إن الاستهلاك المرتفع يحدث تأثيرات ضخمة في حياتنا، ورياش أسلوب حياتنا الاستهلاكي، تلك الأشياء كالسيارات والسلع ومواد التغليف والتعبئة التي يتم التخلص منها بعد استعمالها مرة واحدة، والقوت الغني بالدسم وتكييف الهواء، لا يمكن التنعّم بها إلا بخسارة بيئية فادحة، كما أن طريقتنا في الحياة تتوقف على مدخلات ضخمة ومستمرة من السلع نفسها التي يلحق إنتاجها أبلغ الأضرار بالأرض؛ وهي الطاقة والمعادن والورق والكيماويات، وهذه الصناعات الأربع تحتل المراكز الأولى في القوائم الخمس التي ترتب الصناعات.

وهكذا، فإن أعضاء المجتمع الاستهلاكي مسؤولون عن المحن التي تتعرض لها الأرض بدءاً من الدفء العالمي وانتهاء إلى انقراض الأنواع، ومع هذا، فإن استهلاكنا نادراً ما يحظى بانتباه أولئك الذين يساورهم القلق بشأن مصير الأرض، حيث إنهم يركزون على الأسباب الأخرى المسهمة في التدهور البيئي، والواقع، فالاستهلاك هو المتغير الذي أسقط من المعادلة البيئية العالمية.

إذ إن العبء الكلي الذي يثقل به نظام اقتصادي النظم الأيكولوجية التي يقوم عليها هو دالة لثلاثة متغيرات، هي: حجم السكان، ومتوسط الاستهلاك، ومجموعة التقنيات.

وما يحدث بصفة عامة، هو أن المهتمين بشؤون البيئة يبحثون في تنظيم التقنيات وتغييرها، ومؤيدي تنظيم الأسرة يركزون على إبطاء النمو السكاني، بَيْدَ أنه لا يمكن أن يكفي التغيير التقني وتثبيت عدد السكان وحدهما لإنقاذ الكوكب من دون تكميلهما.

وللأسف، فإن الاستهلاك المرتفع نعمة متناقضة الأوجه فيما يتعلق بالإنسان أيضاً، فالناس الذين يعيشون في التسعينيات هم في المتوسط أغنى من أسلافهم في بداية القرن أربع مرات ونصف المرة، ولكنهم ليسوا أسعد منهم أربع مرات ونصف المرة، وما هو أسوأ أن هناك مصدرين رئيسين للرضا الإنساني، وهما العلاقات الاجتماعية، ووقت الفراغ، ويبدو أنهما قد ضويا أو توقف تقدمهما في زحمة الاندفاع طلباً للثراء.

وعلى ذلك، فلدى كثيرين منَّا في المجتمع الاستهلاكي إحساس بأن عالم الوفرة الذي نعيش فيه أجوف بطريقة أو بأخرى، وبأننا قد خدعنا بالثقافة المحبذة لزيادة الاستهلاك·

فقد كنَّا نحاول بلا جدوى تلبية الاحتياجات الاجتماعية والنفسية والروحية أساساً بأشياء مادية فقط منقادين خلف خيالات وتصورات متوهَّمة.

وفي المقابل، فإن نقيض فرط الاستهلاك، وهو العوز بالطبع، ليس هو الحل للمشكلات البيئية أو الإنسانية، فهو أسوأ بلا حدود بالنسبة للكثير من الناس وسيء للعالم البيئي.

فإذا كان الدمار البيئي يحل عندما يكون ما لدى الناس أقل أو أكثر مما ينبغي، فليس أمامنا إلا أن نتساءل: ما مقدار ما يكفي؟ وما مستوى الاستهلاك الذي تطيقه الأرض؟ ومتى تتوقف زيادة الثراء عن زيادة رضا الإنسان بقدر محسوس؟ وهل يمكن لجميع السكان في العالم أن يعيشوا عيشة مريحة من دون أن يتسببوا في تدهور ازدهار الكوكب البيئي؟ وهل يوجد مستوى معيشي أعلى من الفقر والكفاف ولكن دون أسلوب الحياة الاستهلاكي؟ وهل يمكن أن يكون لدى جميع الناس في العالم تدفئة مركزية وثلاجات ومجففات ملابس، وسيارات وأجهزة تكييف الهواء وأحواض سباحة مياهها دافئة ومنزل لكل منهم؟!

الحقيقة، لا يمكن الإجابة بشكل قاطع عن كثير من هذه الأسئلة.

ولكن، التساؤل أساسي، على الرغم من ذلك، بالنسبة لأعضاء المجتمع الاستهلاكي، فإذا لم ندرك أن المزيد ليس دائماً أفضل، فإن جهودنا لإحباط التدهور البيئي ستطيح بمعظم شهواتنا، وإذا لم نتساءل، فالمحتمل أننا سنكون عاجزين عن إدراك القوى المحيطة بنا، والتي تثير هذه الشهوات مثل الإعلان المستمر بلا هوادة، والمراكز التجارية المتكاثرة والضغوط الاجتماعية لمجاراة الخلاَّن والجيران·

وللأسف، فقد لا ننتهز الفرص لتحسين مستويات حياتنا بخفض الاستهلاك المرتفع، وخفض ساعات العمل، وقضاء بعض الوقت مع الأسرة والأصدقاء، ومع هذا، فليست هناك مغالاة في أن التحوُّل من المجتمع الاستهلاكي إلى مجتمع متواصل صعب، فنحن المستهلكين ننعم بأسلوب حياة يطمح إليه كل إنسان تقريباً، ولِمَ لا؟! فمَنْ ذا الذي لا يسارع إلى اقتناء سيارة ومنزل كبير على مساحة واسعة من الأرض يتحكم في درجة الحرارة داخله طوال أيام السنة؟

إن زخم قرون التاريخ الاقتصادي وشهوات الخمسة بلايين ونصف البليون شخص المادية تنحاز إلى جانب زيادة الاستهلاك.

وعلى ذلك، فربما نكون أمام مشكلة لا تسمح بأي حال بعلاج مقبول، فالتوسع في أسلوب الحياة الاستهلاكي ليشمل الجميع من شأنه أن يعجِّل خراب المحيط الحيوي.

فالبيئة العالمية لا تستطيع إعالة 1.1 مليار شخص يعيشون على نمط حياة المستهلكين الغربيين، ولا بالتأكيد 5.5 مليار شخص أو سكان العالم في المستقبل الذين لن يقل عددهم عن 8 مليارات شخص·

ومن ناحية أخرى، فإن خفض مستويات استهلاك المجتمع الاستهلاكي وكبح الطموح المادي في المجتمعات الأخرى اقتراح خيالي غير عملي، ولو أنه مقبول أخلاقياً، ومع هذا فقد يكون هو الخيار الوحيد.

فإذا أريد لأحفادنا أن يرثوا كوكباً عامراً بالوفرة والجمال، فيتحتم علينا نحن المنتمين إلى طبقة المستهلكين أن نأكل ونتنقل ونستخدم الطاقة والموارد بأسلوب أقرب شبهاً للأسلوب المتَّبع في الدرجة الوسطى من السلم الاقتصادي العالمي.

ختاماً أقول: إن غنى المرء يتناسب مع الأشياء التي يطيق أن يدعها وشأنها!

الثلاثاء, 26 أبريل 2016 08:02

الاقتصاد الإسلامي والعجب العجاب!

العجب العجاب أن نرى في بلادنا الإسلامية كتَّاباً وأساتذة وفقهاء يختلفون في أصول الاقتصاد الإسلامي، فبعضهم يردها إلى أحد المذاهب المعاصرة؛ إذ يرى أنه اقتصاد زراعي إقطاعي، وبعضهم الآخر يرى أنه يعتمد في مبادئه وقواعده أصلاً كبيراً ألا وهو الاقتصاد الفردي الحر، في حين أن طائفة ثالثة ترى أن الاقتصاد في الإسلام يرتكز على الملكية الاشتراكية الجماعية.

إن هذا الاضطراب في التحليل الاقتصادي لا يزول إلا بالدراسة المعمقة لمقومات الاقتصاد الإسلامي وأُسسه الشرعية، ومن المقاصد الجليلة التي تتبين للمتعلم من دراسة الاقتصاد الإسلامي مقصد مهم يتمثل في مدى اتساع الفقه الإسلامي.

إذ كثيراً ما نسمع أن الفقه الإسلامي لا يتجاوز حدود الطهارة والصلاة، وسائر التعبُّدات، ومسائل الحيض والنفاس، أما الاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة والإعلام، فهذه ميادين متروكة بداهة لعلوم العصر.

يقول د. عبدالحميد بوزوينة في كتابه الرائع "ثقافة المسلم دراسة منهجية برامجية": إن هذا محض افتراء ولَّدته أسباب شتى أخطرها الجهل والتعصب، والحقد والدوائر الاستعمارية، ومراكز الغزو الفكري.

الاقتصاد الإسلامي مهم جداً؛ لكونه يتصل بأحد الجوانب الحيوية للحياة الإنسانية، ولا عجب إذا رأينا العلماء والمفكرين شرقاً وغرباً يولُونه أهمية خاصة، دراسة وتحليلاً؛ فقد ربط المفكرون الاقتصاديون كثيراً من المشكلات والظواهر التي تعرفها البشرية بدولاب الاقتصاد، وهذا يجعلنا نؤكد أن العلماء المسلمين مطالبون بتبصير أجيال الأمة الإسلامية بمعالم اقتصادنا الإسلامي.

وإن عدم القيام بهذا الواجب ينتج عنه أسوأ العواقب وعلى رأسها التبعية الفكرية، والتقليد الأعمى لمذاهب الغرب، ولا شك أن دراسة الاقتصاد الإسلامي ينبغي أن تحقق أهدافاً ومقاصد نافعة.

فمن خلال هذه الدراسة يتعرف المتعلم على شتى المذاهب الاقتصادية المعاصرة التي تسود عالمنا.

كما تفيد دراسة الاقتصاد الإسلامي في عملية الرد العلمي الموضوعي على مزاعم الأعداء والمستشرقين والمشككين.

إن المتعلم ليندهش من خلال التقدُّم في الدراسة والبحث والتحليل؛ حيث يكتشف أن للإسلام مذهباً اقتصادياً ونظاماً فريداً يمتاز بالعُمْق والاتساع والشمول.

وهذا أمر طبعي؛ لأن مبادئ الاقتصاد الإسلامي ربَّانية المصدر، بينما منطلقات الاتجاهات الاقتصادية بشرية المصدر، محدودة الأهداف، نسبية النتائج، ثم إن النظام الاقتصادي الإسلامي يمتاز إلى جانب الاتساع والشمول والعمق بالمرونة، ذلك أن الأحكام الاجتهادية في المجال الاقتصادي تتبع أحوال العصر، وتنسجم مع ظروف البيئة، وإمكانيَّات البشر، وطاقات الأمم، وفِقه المستجدات والنوازل.

علماً بأن هذه الأحكام الفرعية المتجددة لا تخرج عن نطاق المبادئ العامة والأصول الكبرى للنظام الاقتصادي الإسلامي، ومن خلال دراسة الاقتصاد الإسلامي أكثر فأكثر يكتشف الدارس والباحث أن الإسلام قادر على حَلّ جميع المشكلات، واستئصال شتى الأزمات التي تنخر في مجتمعاتنا الإسلامية.

إن دراسة الاقتصاد وَفْق المنظور الإسلامي تفيد أيَّما إفادة في فَهْمنا لكثير من القضايا التاريخية التي شوَّه معظمها أقطاب الفكر الغربي وسدنة المذاهب الوضعية، لمقاصد وغايات خبيثة، وإن كان بعض علماء الاقتصاد المعاصرين، ومنهم جاك أوستري اعترفوا أخيراً بأن الاقتصاد الإسلامي هو النظام الذي يحقق للإنسان السعادة والكفاية.

إن دراسة الاقتصاد الإسلامي تبيِّن بوضوح تام أن الإسلام وحدَه كفيل بإرساء دعائم العدالة الاجتماعية، بل إنه أكثر من ذلك يؤسس مجتمعاً متكافلاً يسعد فيه العاجز والضعيف، والأرملة والمسكين واليتيم، لقد أيقن الإنسان المعاصر بعد فشل النظم الاقتصادية المختلفة أن المخرج والمنقذ هو الاقتصاد الإسلامي.

إن عبودية الإنسان المعاصر للمادة هزت كيانه وجوهره، وعكرت صفاء فطرته السليمة، فضلاً عن القيم الروحية والأخلاقية التي لا تستقيم الحياة إلا بها.

والنظام الاقتصادي الإسلامي يتميز بأنه صالح وشامل للحياة والأحياء، وذلك لقيمه النبيلة وأخلاقه السامية ودقته، ومراعاته لأساليب الحياة والناس.

ولا غرو؛ فإن الاقتصاد في الإسلام فرع أصيل من فروع الشريعة الإسلامية السمحة الشاملة لكل الجوانب المادية والروحية، منهجاً وأخلاقاً، فكل ما اشتملت عليه من عبادات ومعاملات وحدود وفضائل، إنما هو وسيلة لغاية كبرى، هي: توحيد الله - تعالى - ثم البناء الأخلاقي المتكامل للبشرية في منهج تشريعي ربَّاني، إن اقتصادنا الإسلامي اقتصاد فريدُ نوعه، عريق في تاريخه، أصيل في ذاته، مستقل في تعاليمه، نسيجُ وحده، اقتصاد يقوم على تشريع رباني، اقتصاد يقوم على قواعد أساسية، اقتصاد متفرد بخصائص ذاتية.

وصدق الله - عز وجل - القائل سبحانه: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {153}) (الأنعام).

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top