د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 23 سبتمبر 2017 14:03

الجزء الأعظم من علم الاقتصاد

 

 إن إيمان علماء الاقتصاد بالتأثير القوي للتحفيز يقدم لهم الكثير، فهم يعتمدون عليه كمرشد في المجالات المجهولة لهم، في عام 1965، نشر رالف نادر كتاباً يلفت انتباه القارئ إلى عدة أمور في تصميم السيارات تزيد خطورة القيادة عن الحد المقبول، واستجابت الحكومة الفيدرالية سريعاً بإصدار عدة تشريعات لتحقيق القيادة الآمنة، ومنها إلزام مصانع السيارات بتركيب حزام الأمان، واستخدام عجلات القيادة المتحركة ونظام الكوابح الثنائية، وزجاج الأمان الأمامي المقوى.

وقبل أن يبدأ تفعيل هذه القوانين، كان بإمكان أي عالم اقتصاد التنبؤ بإحدى النتائج المترتبة عليها، وهي زيادة عدد حوادث السيارات، والسبب في ذلك أن الخوف من الموت في حادث سيارة يمثل حافزاً قوياً للقيادة الآمنة، في حين أن القائد الذي يضع حزام الأمان لا يخشى هذا الخطر بنفس الدرجة، ولأن الناس تستجيب للتحفيز، فإن قيادتهم تصبح أقل حذراً ومن ثم يرتفع عدد الحوادث.

إن المبدأ المطبق هنا هو المبدأ ذاته الذي تنبأ باختفاء طوابير البنزين، فعندما ينخفض سعر البنزين، يزداد إقبال الناس عليه، كذلك فعندما ينخفض سعر حادث السيارة (ويقصد بذلك احتمالات الوفاة أو القيمة المتوقعة للفواتير الطبية)، تزداد نسبة وقوع حوادث السيارات.

بعد هذا الاستطراد عن التحديات التي تواجه البحث التجريبي، أعود إلى الموضوع الأساس وهو: قوة التحفيز، إن طبيعة عالم الاقتصاد أن يفسر هذه القوة، هل تقلل السيارات الموفرة للطاقة استهلاكنا من البنزين؟ ليس بالضرورة، فهذه السيارات إنما تقلل ثمن القيادة، فيختار الناس الإكثار من القيادة.

في عام 1983، قام البروفيسور إدوارد ليمر من جامعة كاليفورنيا بولاية لوس أنجلوس، بنشر مقالة طريفة بعنوان "لنبعد الأهواء عن الاقتصاد القياسي"، حذر فيها من أن التحيزات المسبقة للباحث قد تؤثر بشدة فيما يتوصل إليه من نتائج.

إن التحفيز أمر له أهميته، وتحوي مؤلفات علم الاقتصاد عشرات الآلاف من الدراسات التجريبية التي ترسخ هذا الرأي، ولا توجد دراسة واحدة تجعلنا نفنده بطريقة مقنعة، وعلماء الاقتصاد دائماً يختبرون هذه المقولة (في حين أنهم ربما يتمنون سراً لو يكونون أول من يثبت عدم صحتها ليجنوا لأنفسهم الشهرة بذلك)، ويعملون دائماً على توسيع مجال تطبيقها.

وفيما كنا سابقاً لا نفكر إلا في استجابة المشتري لأسعار اللحوم، فقد أصبحنا الآن نفكر في استجابة سائق السيارة لحزام الأمان.

وقد درس علماء الاقتصاد الأسس التي يعتمد عليها الناس في اختيار شريك الحياة، أو تحديد حجم الأسرة (وبالغ بعض الباحثين في الاهتمام بهذا الاتجاه لدرجة أن جريدة "جورنال أوف بوليتيكال إكونومي" نشرت مقالة ساخرة حول اقتصاديات تنظيف الأسنان، و"قدّرت" هذه المقالة أن الناس يقضون نصف ساعات يقظتهم بالكامل في تنظيف أسنانهم، وقد تباهى مؤلف هذه المقالة بأنه "ما من نموذج اجتماعي يستطيع الوصول إلى مثل هذه النتائج الدقيقة"، ومع كل هذه التغيرات، هناك شيء واحد ثابت، ألا وهو قوة التحفيز.

"الناس يستجيبون للتحفيز"، تبدو عبارة مقبولة وسوف يقر الجميع تقريباً بصلاحيتها كمبدأ عام، وما يميز عالم الاقتصاد عن غيره هو إصراره على أخذ هذا المبدأ على محمل الجد طوال الوقت.

إذن؛ يتلخص الجزء الأعظم من علم الاقتصاد في جملة يسيرة، وهي أن "الناس يستجيبون للتحفيز"، وما دون ذلك هو تعليق على هذه الجملة.

 

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(*) المستشار الاقتصادي، وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

الإثنين, 28 أغسطس 2017 13:30

الحج.. النظام والترتيب

الحج يدعو إلى النظام والترتيب وضبط الميعاد، ومتى صبغت أعمالنا ومجتمعاتنا ومنازلنا بصبغة النظام والترتيب أتت بالفائدة المرجوة منها وأصبحنا في أحسن حال بفضل الله تعالى ثم بفضل إحياء شعيرة الحج في نفوسنا.

وفضلاً عن تيسير السبل وتمهيد الطرق لراحة الحجاج، فإنّ استتباب الأمن والطمأنينة على النفس والمال، كان لهما اليد الطولى في ازدياد عدد الحجاج سنة بعد سنة.

وإن ما نسمعه مما تفيض به ألسنة الحجاج من قصص وحكايات وما نقرأه في صحفنا ومجلاتنا عن تعميم الأمن وكفالة الطمأنينة في هذا البلد الأمين ليجعلنا نؤمن بانفراده في هذا الأمر المحروم منه غيره من سائر البلاد الشرقية والغربية.

وليس بغريب على بلد ركن إلى الدين الإسلامي ورجع إليه وطبق تعاليمه الصحيحة أن يكون هذا حاله سراجاً منيراً يهتدي به كل ضال بعيد عن الطريق المستقيم ليحذوا حذوه وينسج على منواله.

إنّ من تمام الحكمة الرياضية في الحج مجيئه في سائر فصول السنة صيفاً وشتاءً، وما بين ذلك مرتبط بالأشهر القمرية ليعتاد المسلم العمل والجهاد والسعي في كل وقت غير عابئ بتقلب الفصول وتبدُّل الأجواء وليألف النظام والترتيب حيث حددت بعض شعائر الحج بزمن معين ووقت معلوم، كالوقوف بعرفة والإفاضة إلى مزدلفة ورمي الجمار.

أليس الحج في حكمته هذه خليقاً بعناية المربين والرياضيين ومن يريدون لأمتهم قوة ونخوة وشجاعة وعزة (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون: 8)، لقد رصدت الدول الأموال على الرياضة البدنية والتدريبات العسكرية، فالرياضة قوة ورجولة ومروءة.

وربط الرياضة بالعبادات مطلوب لتشترك العاطفة والشعور مع القلب في أدائها، فتكون الرياضة قوة بدنية وعبادة روحية لها في الدنيا منافعها ولها في الآخرة ثوابها، وإذا غرق الناس في المادة، بحيث تشغلهم عن الإنتاج النافع في الحياة، فإن الحج يوجه المادة لخدمة الحق.

إن الإسلام لا يكتفي بالنظريات يقررها ولا يقف عند حد الدعوة للحق، بل يقرن القول بالعمل والتطبيق الفعلي، لذا، دعا إلى التآلف والتعارف والتعاون ثم أوجد للتعارف اجتماع الصلاة، وأوجب الجمعة والعيدين لأبناء البلد الواحد وأوجب الحج ليكون مؤتمر البلاد الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(*) المستشار الاقتصادي وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

الأربعاء, 23 أغسطس 2017 14:59

الحج.. الآداب والأخلاق

إن من الآداب في الحج أن يتعلم الحاج كيفية الحج وأحكامه وما يحرم عليه وما يحل له، وما يجب وما يُسن، وهذا فرض قد فرضه الله على مريد الحج، إذ لا تصح العبادة ممن يجهلها، وأن يستصحب معه كتاباً واضحاً في مناسك الحج، جامعاً لأحكامه ومقاصده، يُديم مطالعته مع سؤاله لأهل العلم والفتوى في جميع أعمال الحج.

لذا يؤكد الأستاذ محمد الحجار في كتابه "صوت المنبر" ذلك بقوله: "ومن أخلّ بهذا وتساهل، خفنا عليه أن يرجع بغير حج، لإخلاله بشرط من شروط الحج أو ركن من أركانه، وربما قلد  كثير من الحجاج بعض عوام أهل مكة".

ومن تلك الآداب أن يطلب الحاج له رفيقاً صالحاً موافقاً راغباً في الخير كارهاً للشر، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإن كان من أهل العلم والصلاح فليتمسك به، فإنه يعينه على مبار الحج ومكارم الخُلُق يمنعه بعلمه وخلقه من سوء ما يطرأ على راحته في جميع الطرق، ويحتمل كل واحد منهما صاحبه.

ومن ذلك أن يستعمل الحاج الرفق وحسن الخلق مع الرفقة والأصحاب ويتجنب المخاصمة مع الناس، والمخاشنة والمزاحمة في الطريق وموارد الماء.

وعلى الحاج أن يصون لسانه من الشتم والغيبة والألفاظ القبيحة.

قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حجّ فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه ليوم ولدته أمه".

قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: إنّ لحج بيت الله آداباً إذا روعيت وقام الحاج بها؛ عاد - بإذن الله - موفور الحسنات، مقبول الأعمال.

ومن هذه الآداب: إذا استقر عزم الحاج على السفر، البدء بالتوبة النصوح عن جميع المعاصي والذنوب، ويخرج من مظالم العباد برد الحقوق لأهلها مع قضائه لديونه وردّ الودائع والأمانات لأهلها، ويستحل كل مَنْ بينه وبينه معاملة غير صحيحة ويكتب وصيته ويشهد عليها، ويوكل مَنْ يقضي عنه ديونه، إذا لم يتمكن هو من قضائها ويترك لأهله ومَنْ تلزمه نفقته من زوجة ووالد وولد شيئاً من المال إلى حين رجوعه.

ومن الآداب المستحبة أن يجتهد الحاج في إرضاء والديه ومن يتوجب عليه بره وطاعته من أستاذ ومعلم ورحم قريب.

ومنها أن تكون نفقته حلالاً خالصة من الشبهة، فإن خالف وحج بما فيه حرام لا يكون حجاً مبروراً ويبعد كل البعد أن يكون مقبولاً، ولله در القائل:

إذا حججت بمال أصله سحتُ           فما حججت ولكن حجتْ العير

لا يـقـبـل الله إلا كـل خـالصةٍ             ما كل من حج بيت الله مبرور

لذا، فعلى الحاج أن يستكثر من الزاد، والنفقة من المال، ليواسي من كان محتاجاً من القاطنين في تلك البقاع المباركة، ويأخذ بيد البائسين.

وعلى الحاج أن يترك المماحكة والمشاححة فيما يشتريه، بأن يكون سموحاً في البيع والشراء سموحاً في الأخذ والعطاء، فإن أهالي تلك البقاع ينتظرون موسم الحج ليغتنموا منافع الحج، ويفيدوا الحجيج بتوفير المأكولات اللازمة والملبوسات المناسبة والأدوات الضرورية مقابل ربح معقول مقبول.

الخميس, 29 يونيو 2017 11:50

استهلاك السعداء والبؤساء

إن النمو السكاني هو الوحيد الذي ينافس الاستهلاك المرتفع كسبب للتدهور البيئي، وعلى الأقل فإن كثيراً من حكومات العالم يعتبرون النمو السكاني الآن مشكلة. وتبايناً مع ذلك، فإن الاستهلاك يعتبر خيراً من النطاق العالمي تقريباً.

والواقع أن زيادته هو الهدف الرئيس للسياسة الاقتصادية الوطنية.

ومستويات الاستهلاك تظهر النمو الكامل بشكل جديد للمجتمع البشري "المجتمع الاستهلاكي".

لقد نشأ هذا الأسلوب الجديد للحياة في مجتمعات الغرب، والكلمات التي تمثل روح هذا الأسلوب على أحسن وجه هي التي قالها فيكتور ليبو: إن اقتصادنا الإنتاجي بدرجة هائلة يتطلب أن نجعل الاستهلاك هو أسلوبنا في الحياة، ونحول شراء السلع واستخدامها إلى طقوس نداوم على أدائها، ونلتمس رضاءنا الروحي، ورضا غرورنا في الاستهلاك. إننا في حاجة إلى استهلاك الأشياء وحرقها وبليها وتبديلها بمعدل دائم الزيادة.

وللأسف، فقد تبارى في محاكاة أسلوب الحياة الذي ابتدع في الغرب أولئك الذين يطيقونه في مختلف أنحاء العالم، ولكن كثيرين لا يستطيعون ذلك.

والصدوع الاقتصادية التي تمزّق العالم تستعصي على الفهم. فالعالم به 220 بليونير وأكثر من أربعة ملايين مليونير. وبه أيضا 200 مليون شخص بلا مأوى يسكنون الأرصفة ومقالب القمامة وتحت الجسور.

وكذا فإن قيمة مبيعات السلع الفاخرة على النطاق العالمي أرقى الأزياء وأفخر السيارات وغيرها من علامات الثراء الأخرى، تفوق إجمالي النواتج الوطنية لثلثي دول العالم. يقول آلن درننج في كتاب " ما وراء الأرقام": اليوم يوجد بالعالم ثلاث طبقات أيكولوجية رئيسية: هي طبقات المستهلكين وذوي الدخل المتوسط والفقراء، وكل طبقة لها خصائصها وسماتها التي تميزها اقتصادياً.

إن فقراء العالم البالغ عددهم 1.3 بليون شخص تقريباً، يحصلون على دخل مقداره 500 دولار سنوياً لكل فرد من أفراد الأسرة. ومن ثم فإن هذه المجموعة البشرية التي تضم "خمس" سكان العالم وأفقرهم تحصل على 2% لا غير من دخل العالم.

أما طبقة الدخل المتوسط في العالم، التي تضم 3.5 بلايين شخص، فإن دخلها يتراوح بين 700 و750 دولاراً سنوياً لكل فرد من أفراد الأسرة.

وتمثل طبقة المستهلكين التي تضم 1.5 بليون شخص من أعضاء المجتمع الاستهلاكي العالمي، جميع العائلات التي يزيد دخل كل فرد من أفراد أسرها على 800 دولار سنوياً.

إن الثغرة الواسعة التي تفصل بين استهلاك السعداء والبؤساء من الموارد تظهر واضحة في تأثيراتهم في العالم البيئي. فاتجاهات الاستهلاك المندفعة صعوداً تبعاً لزيادة عدد المجتمع الاستهلاكي هي من منظور آخر مؤشرات عارمة للضرر البيئي. فاستغلال المجتمع الاستهلاكي للموارد يهدّد باستنزاف الغابات والتربة والماء والهواء أو تسميمها أو تشويهها تشويهاً ثابتاً لا يمكن تغييره. وأعضاء المجتمع الاستهلاكي مسؤولون عن جزء غير متناسب من جميع التحديات البيئية التي تواجه الإنسانية.

حيث إن استخدام طبقة المستهلكين للوقود الحفري بأنواعه، على سبيل المثال، يتسبّب في ما يقدر بثلثي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من هذا المصدر.

إن الاستهلاك المرتفع يحدث تأثيراً ضخماً في حياتنا، ورياش أسلوب حياتنا الاستهلاكي، تلك الأشياء كالسيارات والسلع ومواد التغليف والتعبئة التي يتم التخلص منها بعد استعمالها مرة واحدة، والقوت الغني بالدسم وتكييف الهواء، لا يمكن التنعّم بها إلا بخسارة بيئية فادحة.

كما أن طريقتنا في الحياة تتوقف على مدخلات ضخمة ومستمرة من السلع نفسها التي يلحق إنتاجها أبلغ الأضرار بالأرض: وهي الطاقة والمعادن والورق والكيماويات. وهذه الصناعات الأربع تحتل المراكز الأولى في القوائم الخمس التي ترتّب الصناعات.

وهكذا، فإن أعضاء المجتمع الاستهلاكي مسؤولون عن المحن التي تتعرض لها الأرض بدءاً من الدفء العالمي إلى انقراض الأنواع.

ومع هذا، فإن استهلاكنا نادراً ما يحظى بانتباه أولئك الذين يساورهم القلق بشأن مصير الأرض حيث إنهم يركزون على الأسباب الأخرى المساهمة في التدهور البيئي. والواقع، فالاستهلاك هو المتغير الذي أسقط المعادلة البيئية العالمية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top