د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الحكمة في فرض شهر رمضان أنَّ الله تعالى أمرنا أن نصوم فيه ونجوع، لأن الجوع ملاك السلامة في باب الأديان والأبدان عند الحكماء والأطباء، فما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطنه، والحكمة ملك لا يسكن إلا في بيت خال.

وقد قيل شعراً:

تجوّع فإن الجـوعَ يُورث أهله     عواقب خير عمّها الدهرُ دائمُ

ولا تكُ ذا بطن رغيب وشهوة     فـتصبح في الدنيا وقلبُك هائمُ

مَرَّ الحسن البصري رحمه الله بقوم يضحكون فوقف عليهم وقال: إن الله تعالى قد جعل شهر رمضان مضماراً لخلقِه يستبقون فيه بطاعته، فسبق أقوام ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه الباطلون.

يقول ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "رياض السامعين": الله الله عباد الله، صوموا جوارحكم عن المنكرات، واستعملوها في الطاعات، تفوزوا بنعيم الأبد في قرار الجنات، والتمتع بالنظر إلى جبار الأرض والسماوات.

وشهـر الـصـوم شاهـده عـلينا      بأعمال القبائح والذنوبِ

فـيا رباه عـفـواً مـنك وألطف       بفضلك للمجير والكئيب

وهذا الصوم لا تجعله صوماً     يُصيِّرنا إلى نـار اللهيب

وقد قيل: ليس في العبادات أفضل من الصيام، لأنه باب العبادة، وقد جعل الله تبارك وتعالى هذا الشهر العظيم كفارة للذنب العظيم وليس في الذنوب إلا عظيم، لأننا إنما نعصي بها الرب العظيم، وقد قالوا: لا تنظر إلى صِغر ذنبك ولكن انظر إلى من عصيت!

أتى شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران شهر البر والإحسان، شهر مغفرة الديّان، شهر العتق من النيران.

قـل لأهـل الذنـوبِ والآثـام         قابلوا بالمتابِ شهر الصيام

إنه في الشهور شهرٌ جـليلٌ       واجــبٌ حــقه وكـيدُ الزِّمام

شهر فيه جزيل الثواب، وهو شهر المتاب، لياليه أنور من الأيام، وأيامه مطهرة من دنس الآثام، وصيامه أفضل الصيام، وقيامه أجل القيام.

قال ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "بستان الواعظين" عن شهر رمضان: شهرٌ فضّل الله به أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، شهرٌ جعله الله مصباح العام، وواسطة النظام، وأشرف قواعد الإسلام، المشرق بنور الصلاة والصيام والقيام.

في شهر رمضان أنزل الله كتابه، وفتح للتائبين أبوابه، فلا دعاء فيه إلا مسموع، ولا عمل إلا مرفوع، ولا خير إلا مجموع، شهرٌ السيئات فيه مغفورة، والأعمال الحسنة فيه موفورة، والمساجد معمورة، وقلوب المؤمنين مسرورة.

السبت, 27 مايو 2017 13:11

أخلاق الصوم وآدابه

لقد نظمت الشريعة الإسلامية الفقه في المعاملات والعقود، فوضعت له منهجاً عاماً يسلكه الأفراد في معاملاتهم المختلفة لبناء أخلاقهم من خلال قضاء حاجاتهم وتحقيق أغراضهم. وهذا المنهج الإسلامي في بناء الأخلاق اقتضى أن يكون الأساس في عقود المعاملات هو مصالح المجتمع ومقاصد الأفراد.

فلا عجب أن يكون من أخلاق الإسلام: غرس التعاون والإخاء والمحبة والتكافل والرحمة والعدل وما يؤدي إلى إزالة الفوارق الشاسعة بين الأفراد  فلا إسراف ولا ترف ولا تبذير، بحيث يبلغ الغني حد النعيم والرخاء المنهي عنه، وينزل بالفقير الجوع والمسغبة، فما جاع فقير إلا بما متع أو منع غني وكل سرف فبإزائه حق مضيع.

والله تعالى جل شأنه أكّد على القوام العدل بقوله ((والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً))، وقال سبحانه محذِّراً من التبذير ((ولا تبذِّر تبذيراً، إن المبذرِّين كانوا إخوان الشياطين)) وقال سبحانه في شأن الترف هادم المجتمعات ((وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً)).

لذا، فإن من الأخلاق الاجتماعية التي تنميّها فريضة الصوم الصبر وقوة العزيمة وأسمى أنواع الأمانات، وكلها من مبادئ الأخلاق في العقود والمعاملات، فالصبر يغرس في النفس احتمال الجوع والعطش وهما من ضروريات حياتها وبقائها، والصبر على الضروريات من أشد ما تكابره النفس وتعانيه، وبهذا يكون الصبر عليها أقوى وأشدّ.

والصبر الذي يغرسه الصوم له دور فعّال في مجال العقود والمعاملات، فهو سلاح قوي يقاوم الشطط في الأسواق ويحارب شهوات النفس في حبها للمال وجمعه بشتى الوسائل ويوزن التصرفات المالية على أساس من الحكمة والاتزان ووضع الأمور في نصابها الصحيح. وإذا كان أحد المتعاقدين صابراً يضبط نفسه فإن النجاح والتوفيق يكون حليف المتعاقدين في العقود والتصرفات والمعاملات.

وكذلك الصوم يربّي في النفس أسمى أنواع الأمانات وما أحوجنا في العقود والمعاملات إلى هذا النوع السامي من الأمانة التي يغرسها الصيام في النفس، بحيث يتعامل الناس فيما بينهم ابتغاء مرضاة الله عز وجل وتحت مراقبته، فلا تظالم ولا أكل لأموال الناس بالباطل   ولا هوى أو رياء أو مظاهر كاذبة.

إنّ الأخلاق التي تنميّها العبادات في النفس ليس المقصود منها أن تكون أخلاقاً أنانية ذاتية للشخص نفسه فحسب، ولكن المقصود منها هو أن تكون أخلاقاً اجتماعية يتعامل بها مع الناس.  لهذا كان المقصود من العبادات والغاية منها هو تربية الأخلاق في النفس وتنميتها لكي تحسن المعاملات والعقود التي تجري مع الناس تبعاً لسنة الحياة وناموس الطبيعة الإنسانية الاجتماعية.

 

للتواصل : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

السبت, 13 مايو 2017 13:33

بيع الأحلام!

لقد أصبح الإعلان صناعة تقوم على أسس فنية وعلمية، وتعمل فيها فرق متعددة الاختصاصات.

حيث تقوم جماعة من الخبراء بإطلاق العنان لخيال أعضائها كي تولّد الأفكار الأكثر طرافة وجِدّة، وإمكانية تأثير ونفاذ، أو خروج عن المألوف، كي تصاغ في إعلانات مشغولة عن مختلف السلع.

ومن ثم، تكتسب السلعة (موضوع الإعلان) قيمة استهلاكية وخيالية ووجدانية ليست لها بالأصل، فالبيبسي تركز على مرح الشباب وجمال الصورة واللون وإرواء العطش، حتى صارت تعتبر مشروب الشباب.

والعطورات ومساحيق الجمال أصبحت ترتبط بالحسناوات وملكات الجمال، وأما أغذية الأطفال فإنها ترتبط بالطفل المدهش جمالاً وصحة وسعادة.

وهكذا تقوم سياسة الإعلان على بيع الأحلام، ودغدغة المشاعر وإثارة الرغبات من خلال مختلف أشكال الربط ما بين السلعة والصحة أو الجمال أو الجاه أو الشباب.

والإعلان ابنٌ لاقتصاد السوق، فهو إعلان استهلاكي، ندر أن وجدنا إعلانات عن الأداء أو الإنتاج، وإذا أغرق المشاهد بالإعلانات الاستهلاكية، فإننا سنكون أمام صناعة ثقافة الاستهلاك ليس إلّا، الاستهلاك يصبح إذن هو القيمة وهو المرجع والموجّه.

ولكن، ماذا بخصوص من لا يملكون القدرة على الاستهلاك؟ كيف سيمارسون حقهم في الاختيار إذاً؟ إنها أسئلة تظل مطروحة على الساحة في حاجة ملحة لإجابات مقنعة.

والحقيقة، فليس هناك من حالة تعبِّر عن ثقافة السوق بقدر الإعلانات التي تدعو إلى متعة الاستهلاك الآني، إننا بصدد الإثارة والمتعة، على الأقل إذا استعرضنا واقع الإعلان التجاري الذي يغمر الثقافة المرئية.

لقد سيطر الإعلام المرئي على الثقافة وسيطر الإعلان على الإعلام.

إن المشكلة ليست في الإعلان بحد ذاته، بل في توجهاته والقيم الاستهلاكية التي يروِّجها.

والمشكلة أن العالم العربي، كالعالم الثالث، يستهلك هذه الثقافة الجديدة عن طريق الاستيراد أساساً نظراً لفقر إمكاناته في مجال الإنتاج.

إننا لا ندعو إلى حظر التسلية والترويج والمتعة وبهجة الحياة، بل ندعو إلى بذل الجهد للاستفادة من الفرص التي توفرها تقنية الإعلام للارتقاء بنوعية الحياة في العمل والجهد التدريب والتأهيل، كما في الانتماء والتسلية والترفيه والتثقيف.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

السبت, 06 مايو 2017 14:20

ثقافة الجهد والإنتاج

مضى القرن العشرون وما زال يطرح الملف الثقافي وقضية العقل العربي وأدبيات هائلة حول هذين الموضوعين: الهوية الثقافية، مسائل الثقافة، إشكاليات الفكر، أزمات الثقافة، الغزو الثقافي، والتثاقف.. وتطول قائمة القضايا والمفاهيم والطروحات.

إنّ ثقافة الصورة، في قوة تأثيرها وانتشارها تمثّل فرصة غير مسبوقة في تاريخ البشرية للإعلام والتوعية والتثقيف، إنها فرصة للتوعية والتربية والتنشئة.

فقد دخلت التكتلات الصناعية الكبرى إلى مجال الإعلام وثقافة الصورة وفرضت سيطرتها عليه من خلال مداخل متعددة: قنوات التلفزيون الرئيسية ذات السياسة الإعلامية الموّجهة نحو ثقافة الاستهلاك، وشركات المعلوماتية ذات الطابع التجاري الربحي، وشركات التليفزيون التي تموّل إنتاج مسلسلات تليفزيونية خاصة، والشركات الكبرى المهتمة بنشرات الأخبار، وشركات البث المعنية بالتغطية الإعلامية للأحداث التي تتصف بالإثارة والإبهار وشد انتباه المشاهدين.

يقول مصطفى حجازي في كتابه "حصار الثقافة": إنّ المقاربة البحثية لبرامج القنوات الدولية التي تتخصص في الأخبار، وتلك التي تتخصص في التسلية والترويج، تبيّن أن هناك مكونات أساسية، أصبحت تشكّل ملامح البرامج ومحتوياتها.

نشرة الأخبار، على سبيل المثال، أصبحت مقنّنة في عناصرها في العديد من المحطات: أخبار الأحداث، الإعلانات، سوق المال، والطقس، الرياضة.

إننا بصدد تكثيف المعلومات، وإحاطتها بأكبر قدر من الزخم في المحتوى وضغط الزمن إلى أقصى الحدود الممكنة، سواء في الأخبار أو الإعلانات.

لقد أصبحت أخبار الأسهم وأسواق المال مكوّناً أساسياً من مكونات نشرات الأخبار عالمياً، كما محلياً، تحمل الشاشات في بنية أخبارها مشاهد أسواق المال وأسعار العملات والمؤشرات صعوداً وهبوطاً كما تحمل حركة وكلاء البورصة ومشاهدة آلات عدّ النقود.

والسؤال الملحّ: لماذا هذا التركيز على أخبار أسواق المال؟! مع العلم أن الخبراء والمتعاملين في هذه الأسواق لهم شاشاتهم الدائمة التي توافيهم بتحركات السوق المالية الكونية، فهل المقصود التثقيف المالي؟ أم أن المقصود هو جعل المال والسوق المالية مرجعية أساسية عند المشاهد سواء أكان يملك أم لا يملك؟!

ثم، ألا يفتح هذا الأمر الباب لتحويل الناس إلى قنّاصين للفرص: هوس الأسهم والاستثمارات المالية؟ أو لا يفتح شهية تجربة الحظ الذاتي في الدخول إلى حلبة رأس المال الطيار، وإحلال الحس المالي محل العلم والجهد والعمل والإنتاج.

الغائب الأكبر في كل ذلك هو ثقافة الجهد والإعداد والتدريب والإنتاج، أمام إغراءات الربح السريع.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top