د. عماد الدين خليل

د. عماد الدين خليل

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 12 مارس 2020 10:14

رحلتي مع مجلة «المجتمع»

في منتصف سبعينيات القرن الماضي وبعد خمس سنوات فحسب من صدور مجلة «المجتمع»، بدأ تعاملي معها بمقال يحمل عنوان «القرآن والبعد الزمني»، ثم ما لبثت بعد أسابيع قلائل أن أعقبته بمقال آخر يحمل عنوان «مواقع العلم والدين»، راحت بعدها مقالاتي تترى من خلال مقال أو مقالين في كل شهر؛ حيث كانت المجلة تصدر أسبوعياً منذ تأسيسها وحتى سنوات قلائل.

في العقدين الأخيرين من القرن الجديد، تحولت لكتابة المقال الأسبوعي في صفحة المجلة الأخيرة، واستمر ذلك حتى عهد قريب عندما تحولت إلى مجلة شهرية إلكترونية، بجانب تقليص المنشور ورقياً منها إلى عدد محدود.

كنت أحس بسعادة غامرة وأنا أرى رئاسة تحرير المجلة وهيئتها ترحب بتواصلي المستمر معها؛ فكان ذلك بمثابة المحفز الذي يدفعني لبذل الجهد من أجل تغطية المطلوب عبر مقال يُنشر كل أسبوع، ولن أكون وفياً مع «المجتمع» إن لم أعلن أنها من بين عدد محدود من المجلات التي تعاملت معها بشكل شبه مستمر من مثل «الأمة» و»الدوحة» القطريتين، و»المسلم المعاصر» المصرية، و»العربي» الكويتية، كانت أحد العوامل الأساسية في استمراريتي على الكتابة والتأليف؛ حيث أتيح لي أن أنشر عشرات الكتب في سياقات التاريخ والحضارة والفلسفة والمنهج والفكر الإسلامي والأدب الإسلامي تنظيراً ونقداً وإبداعاً، ومن قبل هذه المجلات كانت «حضارة الإسلام» الدمشقية هي الأخرى مما كنت أنشر على صفحاتها مقالاتي المتواصلة شهراً بشهر على مدى عشرين عاماً قبل أن يصدر قرار بوقف المجلة.

المجلات المذكورة كلها توقفت عن الصدور فيما عدا «العربي» و»المجتمع»، وها هي أخراهما تجتاز رحلة الخمسين عاماً من الكفاح المتواصل في إيصال الخطاب الإسلامي الأصيل والفاعل إلى ضمير الأمة وعقلها ووجدانها، وما ذلك إلا بسبب من قدرة القائمين عليها في إخراجها بالشكل والمضمون الذي يعرف كيف يتعامل مع جماهير القرّاء والمثقفين.

وإذ تحتفل المجلة في عددها هذا بـ»يوبيلها الذهبي»، فإنني أدعو الله سبحانه أن يوفق العاملين عليها بأن يواصلوا الطريق إلى المحطة التالية؛ «اليوبيل الماسي»، بنفس القدرة من الإبداع الذي يعرف كيف يخاطب آلاف المتابعين في البلدان العربية والإسلامية، ويتابع بمعاييره الأصيلة ما يجري في الساحة الإسلامية عبر مشارق الأرض ومغاربها.

فهنيئاً للمجلة في عيدها الخمسيني هذا، وهنيئاً لكل من أسهم في الكتابة على صفحاتها، ولكل القائمين عليها، ودعواتنا القلبية بأن يوفقها الله سبحانه لكي تواصل رحلتها المباركة والميمونة هذه.

الأحد, 11 مارس 2018 08:55

العالم ينتظر البديل

 

في منتصف الخمسينيات بلغت الحضارة الغربية قمة منحناها، وكانت مقولة “أرنولد توينبي” حول تفوّقها، واحتمالات ابتلاعها للحضارات المنهارة التي تدور في فلكها، وبضمنها الإسلامية، أمراً معقولاً، وكانت قيادتها قد آلت إلى أمريكا، التي بدت بالمقارنة مع الدول الاستعمارية العتيقة، كبريطانيا وفرنسا، اللتين سامتا الشعوب المستضعفة المرّ والعذاب والابتزاز، وبالمقارنة مع الاتحاد السوفييتي بقسريته وآليته العاتية، بمثابة الدولة المحرّرة الواعدة بالخلاص!

كانت، بالنسبة للكثيرين من المبهورين بالحضارة الغربية، تمثل الوجه الجميل، وكانت أمريكا نفسها، من أجل التحقق بزعامتها، وإغواء دول العالم الثالث، والحلول محل الاستعماريات القديمة، تحرص على تلميع هذا الوجه، بحيث إن كتاباً كـ”أمريكا التي شاهدت” للشهيد سيد قطب، كُتب في تلك المرحلة (بداية الخمسينيات) يُسطى عليه من قبل المخابرات المصرية، ويُمنع نشره.

لم تكن أمريكا مستعدة لتشويه وجهها “الجميل” وهي مقبلة على تدشين قيادة العالم، وإخراج منافساتها من الساحة.

لكن بعد مرور أقل من عقد فحسب، وبخاصة في أعقاب اغتيال “كندي” وتسلّم “جونسون” السلطة، ومجازفة فيتنام، وانكشاف الوجه القبيح لأمريكا، واكتشاف دورها في العديد من الانقلابات العسكرية في دول العالم الثالث؛ تغيّرت الصورة، ولم تعد أمريكا نفسها تكتم تشويه صورتها، بعد أن تحققت بالقوة والسيطرة، بحيث إن رواية تؤلف بعنوان “الأمريكي البشع” تحكي عن مخازيها في فيتنام، تأخذ طريقها للنشر دون أن تكترث الجهات الأمريكية.

ثم تجيء المرحلة التالية، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتفرّد أمريكا بقيادة العالم، تحت مظلة النظام الدولي الجديد، حيث لم تعد تكترث بأي صورة مشوهة قد تُعطى عنها، بل على العكس، إنها تتعمد، كما حدث في عهد “بوش” الابن، أن تكشف عن هذا الوجه لكي تقول للناس: ليس ثمة ما يتهددني.. فأنا سيّدة العالم!

على المستوى الحضاري، تغيّرت المعادلة، بعد أن وصلت الحضارة الغربية إلى الطريق المسدود، والآن فإن العالم ينتظر البديل، قصر الوقت أم طال، ولن يكون هذا البديل إلا إسلامياً، أو على الأقل مشاركة إسلامية في إعادة صياغة مصير العالم، فيما يعترف به ويؤكده مفكرو الغرب وكتَّابه وفلاسفته، بعد أن درسوا كل صيغة واستعرضوا كل بديل فلم يجدوا فيها الجواب.

فنحن –إذن- المطالبون بصياغة المشروع الحضاري البديل وتقديمه للبشرية، بعد أن أخفقت كل النظم والمبادئ الغربية الواحدة تلو الأخرى: نظرية تفوق الرجل البيض، الاستعماريات العتيقة، الشوفينيات الكبرى، الوجودية، الماركسية اللينينية، ثم ها هو ذا النظام الرأسمالي يتعرض لاهتزازات عنيفة، ويصل إلى طرق مسدودة.

وإذا كان عالم الإسلام في خمسينيات القرن الماضي يلفظ أنفاسه، ويكاد يتلاشى في حضارة الغرب، فإنه اليوم يجد ذاته، أو –بعبارة أدق– يتحتم أن يجد ذاته، لأن العالم ينتظر منه إشارة الخلاص، وتلك هي سُنة الله في خلقه، ومداولة الأيام بين الناس.

إن محفّزات المحاولة كثيرة، ومن بينها وصول الحضارة الغربية إلى الطريق المسدود، وعجز النصرانية المحرّفة، وانقفال اليهودية، ولا واقعية البوذية والأديان الشرق أقصوية، وانهيار الوضعيات الاستعمارية، والشوفينية والوجودية والشيوعية، والهزّات العنيفة التي أصابت الرأسمالية، فضلاً عن وحدة العالم والتبادل السريع للتأثير في ظل العولمة، وازدياد الوعي وتراكم الخبرة، وتطابق مؤشراتها مع المعطى الإسلامي، وقوة الجذب في الإسلام، وانسجامه مع مطالب الإنسان، هذا إلى قيمة التوحيد الكبرى في هذا الدين باعتبارها عملاً تحريرياً في مجابهة كل صنوف الضغط، والابتزاز، والاستلاب، والقهر، والحتميات بأشكالها وصنوفها كافة.

ولكن، وبالتأكيد فإن هناك في المقابل معوّقات كثيرة لا يكاد يحصيها عدّ تقف أو ستقف في مواجهة المحاولة، بعضها يجيء من الداخل من مثل التشبث بالمظهرية الدينية بعيداً عن الجوهر والمغزى، وانعدام الثقة بالذات، وغياب الفقه الحضاري، وعدم اختيار عناصر التأثير في العقل والوجدان الغربي، وضياع أولويات العمل وخطط وبرامج التنفيذ، وإعاقة النخب المتغربة والزعامات المعادية للدين في الديار الإسلامية.

وبعضها الآخر يجيء من الخارج متمثلاً بدور الاستعمار الجديد والغزو الثقافي، والجهود الأسطورية التي تبذلها وترسم لها القوى الدينية المضادة صليبية وصهيونية.

لكن هذا كلّه لا يبرّر الكف عن المحاولة، ولا يدفع إلى وقفها عن المضي إلى أهدافها المشروعة لصالح الإنسان في العالم كله، فقط إذا خلصت النيّة وأحسنت صيغ العمل.

 

القرآن الكريم يقدم موقفه من النصارى بوجهيه معاً، وذلك هو العدل الإلهي في التعامل مع “الآخر”؛ ألَّا يكتفي بالتقاط الصورة من جانب واحد، وإنما هو يدير “الكاميرا” على الوجه الآخر؛ لكي يعطي تقييمه الموضوعي العادل، وليس كما يتصور السذّج والخبثاء من أن القرآن يناقض نفسه، وحاشاه، فهو ممحض للحق مع الخصوم والاتباع معاً.

إنه يقول تقييماً لرهبان النصارى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ {82}‏ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ {83}) (المائدة).

لكن هذه الصورة المضيئة عن الرهبان الذين أذعنوا للحق لا يمنع من تقديم الصورة المعتمة عن أولئك الرهبان الذين يكنزون الذهب والفضة، ويأكلون أموال الناس بالباطل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ {34} يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ {35}) (التوبة).

وفي مقطع آخر ينزل كتاب الله غضبه القاصم على النصارى الذين قالوا: إن المسيح ابن الله (وحاشاه)، والذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح بن مريم أرباباً من دون الله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ {30} اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ {31}‏ ‏ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ {32}) (التوبة).

ثم يعود كتاب الله سبحانه وتعالى لكي يقدّم تصوّره العادل للرهبانية النصرانية في جانبيها المضيء والمظلم على السواء: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ {27}) (الحديد).

الموقف الوسطي العادل يكرر نفسه مع اليهود، أولئك الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألحقوا بدعوته المتاعب والمنغصات، وحشدوا لضرب دولته الإسلامية الحشود والأعداء، بل قبل هذا وذاك وقفوا المواقف الخبيثة المسمومة، نفسها، تجاه أنبيائهم، ودينهم، وعقيدتهم؛ فقتلوا وحرّفوا وطمسوا على الحقائق، ووصل بهم الأمر إلى أن يلتوي سلوكهم مع أنفسهم ومع الآخرين، ويصل بهم إلى الطريق المسدود، الذي لا يرجى معه شفاء.

والقرآن الكريم يقدم عن هذه الممارسات السافلة لليهود عبر التاريخ الكثير، بدءاً من المساحات الكبيرة التي تتحدث عن سلوكهم الملتوي هذا في سورة «البقرة»، وحتى مقاطع القرآن الأخيرة، لكن هذا كله لم يمنع كتاب الله أن يقف مدافعاً عنهم، مبرّئاً ساحتهم من تهمة كاذبة ألحقها بهم بعض المحسوبين على المعسكر الإسلامي من المنافقين والضلال، منزلاً غضبه القاصم عليهم، متوعداً إياهم أن يعودوا لمثلها بكلمات تقدح شرراً وناراً (وقد عرضنا لهذا الموضوع بالتفصيل في بحث: الحياة التي يريدها كتاب الله).

بين العبادة وطلب الرزق:

في المقطع الأخير من سورة “الجمعة”، نلحظ التوازن المرسوم نفسه، ذلك الذي اعتمدته كلمات الله في التعامل مع الأمور؛ الدعوة الصارمة للتفرغ للعبادة وذكر الله، يوازيها أمر لا يقل صرامة للانتشار في الأرض وابتغاء الرزق، فبدون ذلك التوازن بين المطلبين، بدون تنفيذ مطالبهما بالجد المطلوب؛ لن يتحقق المؤمنون بالفلاح في هذه الدنيا التي أريد لها أن تكون مزرعة للآخرة، وساحة – في الوقت نفسه – للبناء والإنجاز والعمران على عين الله.

ولنقرأ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {9} فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {10} وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ {11}) (الجمعة).

(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) بحرف الفاء الاستئنافية التي تختزل الزمن والمكان، ولا تترك أي مساحة متطاولة بين نمطين من الأفعال، أحدهما تعبدي، والآخر تجاري.

ورغم ذلك، فإن هنالك في المنطوق القرآني أولويات معينة، تجعل من العبادة وذكر الله أساساً عميقاً متيناً تنهض عليه سائر الفعاليات، ومن ثم كان أي تهاون أو تساهل في هذه الحقيقة تعدهما كلمات الله لهواً وانفضاضاً عن هذا الهدف المركزي، الذي تغدو معه التجارة لهواً يتحتم ألا ينسحب المؤمنون إليه تاركين العبادة وذكر الله.

الأمر نفسه نلحظه في الآية الأخيرة من سورة «المزمل»: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {20}‏) (المزمل).

فها هنا أيضاً تلتقي كفتا الميزان؛ عبادة الله، والسعي في الأرض وابتغاء الرزق، والجهاد في سبيل الله، والاضطرار – بسبب الأوجاع والأمراض – إلى تقليص مساحة العبادة.

إن القرآن الكريم عندما يصدر أوامره، يلاحظ بالرؤية الإلهية العادلة كل الحالات التي يتقلب فيها الإنسان، كل المطالب التي تلح عليه في أن يستجيب لندائها، ومن ثم يعطيها المساحة المناسبة من أجل أن تمضي الحياة الإسلامية إلى غاياتها دونما أي قدر من الخلل أو الميل أو الانحراف.

إن إقامة الليل، وتلاوة القرآن، لهما هدف المؤمنين في هذه الدنيا، ولكن ماذا لو تفرغوا جميعاً لهذه المهمة فأهملوا الحركة في الأرض طلباً للرزق، وتخلوا عن الجهاد في سبيل الله، ومارس المرضى منهم نوعاً من تعذيب الذات بحجة التقرب إلى الله؟ ألا يقود هذا إلى تعطيل عجلة الحياة، وإصابتها بالمتاعب والشروخ؟!

إن الدلالة الزمنية التي ينطوي عليها هذا المقطع لتوحي، بأسلوبها المؤثر، بضرورة تقدير المؤمنين للزمن، وتقسيمه العادل، استجابة لمطالب الدين والدنيا معاً، إذا أردنا فعلاً أن نجعل من الدنيا طريقاً معبداً للآخرة.

الدنيا بين التفاخر والإعمار:

وطالما حدثنا القرآن الكريم عن تفاهة الحياة الدنيا، وأنها زينة وتفاخر، وبأنها متاع الغرور، وعرض لسرعتها وانصرامها، فكأنها لحظات من عمر الزمن، واصفاً إياها بأنها يوم أو بعض يوم، وبأنها ليلة أو ضحاها، وبأنها أشبه بحفل للتعارف ما يلبث بعد ساعة أو ساعتين أن ينفض، حيث ما تلبث أسماء المتعارفين أن تنسى، وتضيع ملامح وجوههم.

لكن هذا كله لا يعدو أن يكون أحد وجهي التصوير القرآني للحياة الدنيا، ويبقى ثمة الوجه الآخر؛ الإعمار والتنمية وتوظيف الخبرات العلمية للنهوض الحضاري، فيما نجده في كل الآيات المتعلقة بالتسخير والاستخلاف والاستعمار (بدلالته اللغوية وليست الاصطلاحية)؛ (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: 61)؛ أي خلقكم في هذا العالم لتنميته وإعماره من أجل أن يكون بيئة صالحة لعبادة الله تعالى، بدلالتها الحضارية وليست الطقوسية الشعائرية، حيث يصير كل فعل يمارسه الإنسان عبادة يتقرب بها إلى الله، فيما يذكرنا بحديث الرسول المعلم عليه أفضل الصلاة والسلام: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر».

العمل والإعمار وزراعة الأرض ماضٍ في المنطوق الإسلامي حتى اللحظة الأخيرة من عمر الحياة البشرية، وحتى لحظة النفخ في الصور.

فأي توازن مدهش هو هذا بين «تصغير» الحياة الدنيا (ولنلاحظ كلمة الدنيا هذه) في عيون المؤمنين من أجل ألا تأسرهم عن المضي بعيداً فيما وراءها، من آخرة، ومن حساب وثواب وعقاب، وبين «تكبيرها» من أجل ألا يتركوها للآخر، فيتمكن منها، ويحكم قبضته على رقابهم، ويسومهم سوء العذاب؟!

أي توازن مدهش هذا بين أن نضع الآخرة نصب أعيننا ونركل الدنيا بأقدامنا، فيما يذكرنا بعبارة النفّري في كتابه «المواقف والمخاطبات»: «يا عبدي إذا قمت إلى الصلاة فاجعل الدنيا كلها تحت قدميك»، وبين أن نقدّرها حق قدرها باعتبارها الفرصة الوحيدة لاختبارنا، ولتمكيننا من تنفيذ مشروعنا الحضاري الذي يلتقي فيه، من بين سائر المذاهب والأديان؛ الوحي بالوجود، والدنيا بالآخرة، والله سبحانه بالإنسان، والروح بالجسد، والفرد بالجماعة، والعدل بالحرية، والإيمان بالعلم، والمنفعة بالجمال؟!

أي توازن مدهش هذا الذي يمسك كتاب الله من طرفيه فيقدمه للناس في أوضح صورة، وأشدها إقناعاً، وأكثرها عذوبة وجمالاً؟!

هذه مجرد شواهد قرآنية ستة، وغيرها العشرات والمئات منبثة في ثنايا كتاب الله، على الرؤية القرآنية العادلة، المتوازنة، التي تعرف بعلم الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، كيف تتعامل مع كل حالة وفق مكوناتها وأطرافها جميعاً، أفتنقضي عجائب هذا الكتاب؟! 

الإثنين, 10 يوليو 2017 11:40

خطاب القوة والميزان والزمن

إننا بصدد نمطين أو نسقين من الآيات والمقاطع القرآنية التي تتعامل مع الزمن والمكان؛ نمط أو نسق يعتمد المعايير اليومية الآنية، وآخر يكسر الحواجز باتجاه كل زمن ومكان، وبالمعايير التي تتجاوز النسبي الموقوت إلى الفضاء المفتوح على مداه.

الشواهد القرآنية كثيرة، ومنبثة في كتاب الله من بدئه حتى منتهاه، ولذا سأقتصر في هذا البحث الموجز على عدد منها فحسب، وأترك للقراء الذين يملكون الذائقة الحساسة التي تعرف كيف تتعامل مع كلمات الله المدهشة أن يكتشفوا بأنفسهم المزيد.

خطاب القوة في القرآن:

في الآية الخاصة التي تخاطب المسلمين، أو تأمرهم بعبارة أدق بإعداد القوة في مجابهة خصوم الأمة، نلحظ مستويين للخطاب؛ أحدهما عام يُعنى بمطلق القوة سواء كانت خنجراً أم سيفاً أم رمحاً أم رصاصة أم قنبلة أم صاروخاً عابراً للقارات.. القوة على إطلاقها بغض النظر عن الزمن الذي تتشكل فيه، وثانيهما خاص يعنى بالقوة الأساسية لعصر التنزيل، وربما للعصور التي تليه: سلاح الفرسان الذي ظل يعمل عمله حتى الحرب العالمية الثانية: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ {60}) (الأنفال).

فلو أن الأمة الإسلامية في عصورها الأخيرة، انتبهت إلى هذا الخطاب ولاحقت، بل سبقت القوى الغربية في ابتكار السلاح الأكثر قدرة على الضرب، لما كان هذا الذي كان من تفوقّهم علينا، وازدياد هذا التفوّق بمعدلات المتواليات الهندسية، وإمساكهم بنابقوة السلاحمن رقابنا، وإرهابنا، وتحكمهم في مصائرنا.

والمدهش أن كتاب الله يقطع ألسنة القائلين بدعوة القرآن إلى الإرهاب، مما تلوكه ألسنة الخصوم وإعلامهم صباح مساء، في الآية التالية تماماً لآية الإعداد: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {61}‏) (الأنفال)، فالقاعدة الإسلامية هي الجنوح للسلم، ولكن بسبب من نزعة الإسلام الواقعية فإنه يأخذ بكل مسألة أو ظاهرة بأطرافها كافة، ولا بد في هذه الحالة من إعداد القوة على إطلاقها لمجابهة الخصوم الذين يكيدون لهذا الدين.

إن القرآن يقودنا دائماً عبر رحلة تخرج بنا من التاريخي إلى الحضاري، من الزمني الموقوت إلى الفضاء المفتوح على سائر الفعاليات الحضارية التي تمكّن الأمة من حماية نفسها ومجابهة خصومها، بكل ما يتمخض عنه العقل البشري من قدرات على الكشف والابتكار، وتلك هي الظاهرة التي جعلت الغربيين الفجرة يتفوقون علينا بها، وقد أراد كتاب الله لنا أن نسبقهم ونقطع عليهم الطريق.. ولكن!

من موازين الأشياء إلى الموازين الكونية:

في الآيات الخاصة بـ«الميزان» نلحظ الخطاب الثنائي نفسه، الموازين التي نزن بها حاجياتنا اليومية وتلك التي قامت عليها سنن الكون والحياة والوجود على إطلاقها.

دعوة مؤكدة لأن نزن ما يباع ويشترى من مأكل وطعام بما لا يلحق غبناً بالبائعين والمشترين على السواء، يقابلها تأكيد على الموازين الكبرى التي أريد للكون أن تنضبط حركته بها فلا يميل ولا يجور، إنه العدل الإلهي المركوز في بنية الكون، والذي أريد للبشرية أن تلتزم به، وأن تحكم بالقسط، فلا يطغى بها الميزان.

ما أجمل الحياة وأسعدها، عندما يتحقق هذا الوفاق المرتجى في الحالتين؛ موازين الأشياء والموازين الكونية، حيث لا غش، ولا ابتزاز، ولا سرقة، ولا تدليس، ولا ظلم، ولا طغيان، هذا ما سعت الرسالات السماوية إلى تنفيذه في العالم، وجاء خاتمها الإسلام لكي يضع بصماته النهائية عليه، ولكن ماذا نقول للكفرة والعلمانيين الذي يسعون إلى فك الارتباط بين الدين وقدرته على إدارة الحياة بقوة السياسة وآليات الدولة؟

إنها - إذا أردنا اختصار المحاولة بأقل الكلمات - خيانة للإنسان والبشرية، ومحاولة لابتزازهما والانحراف بهما عن منطق العدل، ومطالب الميزان!

في الخطاب الأول يتعامل القرآن الكريم مع عالم الأشياء وفي الثاني مع القيم الكبرى، والأمر سواء، ما دام أن الهدف في الحالتين هو تحقيق العدل في هذه الحياة، وحماية الإنسان من كل صنوف الغدر والابتزاز سواء في أموره اليومية المعيشية، أو في نشاطه السياسي والاجتماعي العام، ولنقرأ: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ {1} الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ {2} وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ {3} أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ {4} لِيَوْمٍ عَظِيمٍ {5} يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ {6}‏) (المطففين).

ورغم أن هذا المقطع يعنى بشؤون الناس اليومية في البيع والشراء، وضرورة الوزن لهم بالحق والعدل؛ فإنه ما يلبث أن ينقل البائعين، بل يتهددهم بأنهم مبعوثون بغشّهم وخيانتهم ليوم الحساب العظيم الذي سيقوم فيه الناس لرب العالمين، جلّ في علاه.

إنها نقلة مؤثرة من اليومي إلى الأبدي، ومن الراهن إلى المطلق، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن التاريخ إلى الزمن المفتوح، كل ذلك من أجل أن ينبه الناس إلى قيمة العدل في موازينهم وتجاوز كل ما من شأنه أن يمسّها بسوء.

ولكن القرآن لا يقف عند هذا الحدّ، بل يمضي مصعّداً من أجل تأكيد «الميزان» الذي خلقت به وله السماوات والأرض: (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ {7} أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ {8} وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ {9}) (الرحمن)، الميزان في مستوياته العليا؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإستراتيجية من أجل جعل الحياة البشرية، التي افترسها اللصوص الكبار - باسم رفض تدخل الدين في السياسةجديرةً حقاً بأن تعاش!

الزمن المحدود والزمن المنفتح:

في الآيات والمقاطع القرآنية الخاصة بالزمن نلحظ ثنائية الخطاب القرآني نفسه ما بين الزمن الأرضي التافه، المنصرم، المحدود، وبين الزمن الكوني المنفتح على مداه، ما بين الثواني والدقائق والساعات والأيام والأسابيع والشهور والسنين المأسورة بالثلاثمائة والستين يوماً وبين الزمن الكوزمولوجي الذي يقاس بالسنين الضوئية ذات المديات التي تعجز العقل عن ملاحقتها وتصوّرها!

في الأولى نقرأ: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ) (التوبة: 36)، فنجد أنفسنا إزاء معيار زمني قصير، محدود، أراده الله سبحانه وتعالى كذلك، لكي يتلاءم مع حياتنا الأرضية القصيرة المحدودة، إنه معيار مناسب لحجمنا تماماً في هذه الحياة الدنيا، لهمومنا ومطامحنا ولهاثنا المحموم وراء مغريات الحياة.

وحدته الزمنية هي السنة المكونة من اثني عشر شهراً، والتي تمضي إلى غاياتها المنصرمة بعد ستين أو سبعين دورة زمنية، ومع ذلك يتكالب الطواغيت والفراعنة والمـتألهون في الأرض من أجل الإمساك بهذه السنوات كي لا تتفلت من بين أيديهم، فماذا لو مدّ في الأعمار إلى ألف سنة أو ألفين؟ ماذا كانوا سيفعلون؟ تلك هي حكمة الله سبحانه ومشيئته العليا، أن يحجّم الأعمار وفق هذه النسبة التافهة المحدودة كي لا تتحول الحياة البشرية إلى غابة موحشة يفترس فيها القوي الضعيف، وينزو السفلة حتى على البهائم والأطفال!

إنها حياة سريعة منصرمة، حتى لتبدو للناظرين إليها يوم الحساب يوماً أو بعض يوم، أو ساعة من زمن، أو حفل تعارف ما يلبث المنفضون عنه أن ينسوا حتى أسماء وملامح الوجوه التي تعرفوا عليها: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ) (يونس: 45)،  (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً {52}) (الإسراء)، (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ {113}) (المؤمنون)، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) (الروم: 55)،  (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ‏) (الأحقاف: 35)، (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا {46}‏) (النازعات)، (يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً {103} نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً {104}) (طه).

في الثانية نقرأ: (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ {5}) (السجدة)، (وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ {47}) (الحج).

بل إن اليوم الواحد ليغدو في العرض القرآني 18.250.000 يوم أرضي: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ {1} لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ {2} مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ {3} تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ {4} فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً {5} إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً {6} وَنَرَاهُ قَرِيباً {7}) (المعارج).

والقرآن يحدثنا في أكثر من موضع عن الأيام الكونية التي تمّ خلالها خلق السماوات والأرض، إنها أيام قلائل لا تتجاوز الستة، ولكن أي أيام هذه التي تم فيها بناء السماوات وتهيئة الأرض لاستقبال الإنسان الذي كلف بالخلافة في هذا العالم، إنها بالتأكيد أيام كونية لا تقاس مطلقاً بأيامنا الأرضية السريعة، العابرة: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ {9} وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ {10} ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ {11}‏ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {12}) (فصلت)، (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) (الأعراف: 54).

ويجيء علماء الفيزياء والكوزمولوجي الكبار في القرن العشرين، وعلى رأسهم «آينشتاين» لكي يؤكد في نظرية «النسبية» حقيقة الفارق الهائل بين الزمن الأرضي والزمن الكوني، ومع تأكيد هذا الفارق، كشف لحقائق أخرى لا تقل أهمية تجيء مطابقة تماماً لما سبق وأن أورده كتاب الله، من مثل حقيقة الانفجار الكوني العظيم الذي يعكس مصداقية الآية: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ {30}) (الأنبياء)، ومن مثل حقيقة التمدّد الكوني، والكون المتسع، والمنحنيات الكونية التي تعكس مصداقية الآية: (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ {47}) (الذاريات).

السبت, 27 أغسطس 2016 13:26

حرية الرأي وعدم الإكراه

من بداية كتاب الله وحتى نهاياته يجد المرء نفسه أمام التأكيد المتواصل على «حرية الرأي» وعدم «الإلزام»: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ {28}‏) (هود).

وعبر مسيرة الأنبياء كافة كان النداء نفسه بالدعوة إلى القناعة الحرّة، بعيداً عن أي قدر من القسر والإكراه، ومن ثم تتدفق كلمات الله سبحانه وتعالى وآياته مؤكدةً على رسله وأنبيائه الكرام بعدم إرغام الآخرين، مهما كانوا على درجة من الضلال، على قبول الدين الجديد، والانتماء إليه.

فمهمة الرسل والأنبياء، والدعاة من بعدهم، أن يبيّنوا معالم الصراط، ويكشفوا إزاءه عن الطرق المعوّجة، ويقدّموا للناس منظومة القيم التي بعثوا بها، ورفضهم للمعايير البشرية الضالة المنحرفة، ثم يتركوا – بعد ذلك – حرية الاختيار لمن يشاء: (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) (الكهف:29).

ولطالما أكد كتاب الله على رسوله الأمين محمد عليه أفضل الصلاة والسلام أن يلتزم هذا الأمر، وألاّ تدفعه الغيرة على دينه إلى إكراه قومه على الانتماء إليه، وناداه: (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ) (ق:45)، (قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ {66}) (الأنعام)، (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ {107}) (الأنعام)، (وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ {108}) (يونس)، (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ) (الزمر: 41)، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً {54}) (الإسراء)،  (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً {43}) (الفرقان).

ولطالما بيّن له أنه ليس هو المسؤول عن هداية الناس - هداية القلوب - وإنما عليه أن يبذل جهده في حدوده القصوى - هداية الإرشاد - ويترك الباقي على الله سبحانه وتعالى، ونتائج سعيه ليس بالضرورة أن يحصد ثمارها في حياته، على هذه الأرض، إنما عليه أن يسعى، والله سبحانه وتعالى هو الكفيل بترتيب النتائج على مقدّماتها؛ (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) (يونس:46)، (وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ {40}) (الرعد)، (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ {77}) (غافر).

الرسول في المنطوق القرآني مبلّغ، مطلوب منه أن يوصّل بلاغه للناس كافة، أما ما يترتب على هذا البلاغ من حصاد فهو من أمر الله وحده، بمعنى فتح باب حرية الاعتقاد على مصراعيه أمام المدعوين، فليس ثمة أي قدر من القسر والإكراه والإرغام بعد إذ اتضح الحق والباطل، والصراط المستقيم والطرق المعوجة، وترك الأمر بعدها للمخاطبين في أن يسلكوا بحريتهم وإرادتهم وخيارهم هذا الطريق أو ذاك: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ‏) (البقرة:256).

يكفي أن يبيّن القرآن عذوبة الحياة، وطهرها، ووضاءتها، وسعادة الناس الذين يتحركون في جنباتها في ظلال الإيمان، بإزاء مرارة الحياة، وعفنها، وظلمتها، وتعاسة الناس الذين يذوقون بؤسها يوماً بيوم وساعة بساعة، في ظلال الكفر والمروق، ثم يترك هذا الخيار الحرّ في الذهاب عبر هذا الطريق، أو الارتداد إلى نقيضه.

ومن أجل ذلك كانت حركة الفتح، التي هي التعبير المنطقي السليم عن رؤية الإسلام الانتشارية في العالم لإزاحة الطواغيت وترك حرية الاعتقاد للأمم والجماعات والشعوب، انعكاساً عملياً عن هذا التوجه الأصيل في دين الله: حرية الاعتقاد.

ومن أجل ذلك كان الفاتحون يخيّرون تلك الجماعات والشعوب قبل بدء القتال بإحدى ثلاث: الانتماء إلى هذا الدين، أو البقاء على أديانها مقابل دفع الجزية التي هي إشعار عملي بقبول هذه الشعوب للانضواء تحت السلطة الإسلامية وليس الدين الإسلامي الذي فتح أمام الخيار العقائدي الأبواب الدينية والمدنية على مصارعها، أو القتال.

وإزاء هذا الخطاب الثلاثي المستمد من تعاليم كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجدنا الكثير من الشعوب تختار بحريتها المطلقة الانتماء إلى هذا الدين الذي جاء فاتحوه لكي يزيحوا من طريقها الطواغيت والأرباب الذين حجبوا عنها طويلاً حق الاختيار.

ونقرأ عبارة ذات دلالة في كتاب "الدعوة إلى الإسلام" للمستشرق البريطاني المعروف السير توماس أرنولد، يقول فيها: «إنه على مدى ثلاثة عشر قرناً من متابعته لانتشار الإسلام في العالم، لم يعثر على حالة واحدة، حالة واحدة فقط أكره فيها غير المسلم على اعتناق الإسلام».

إنه دين التحرير، وعقيدة الحرية، تلك التي رفع شعارها سفراء الإسلام وهم يتحاورون مع هرقل، ويزدجرد، ورستم: «لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده».

هذه الثلاثية التي تنبض دلالاتها بتحرير الإنسان من ضيق الدنيا وجور الأديان والنظم والمذاهب والحتميات، وعبادة كسرى وقيصر، ونقله إلى سماء الله الكبيرة، وعدل الإسلام، وعبادة الله وحده، حيث لن تقدر قوة في الأرض على أن تجعله ينحني لمطالبها الجائرة، ومقولاتها المعوجة، إنه دين التحرير.

 

مفكر إسلامي وأكاديمي عراقي

الخميس, 09 يونيو 2016 13:21

إلا الصيام..!

من بين كل العبادات الإسلامية.. من بين كل صيغ التقرب إلى الله تعالى.. من بين كل أساليب التطهر الروحي.. يبرز الصوم جهداً متميزاً وسعياً خالصاً وكفاحاً صعباً لنيل رضا الله سبحانه وثوابه.

فما من عبادة يمارسها الإنسان إلا وهي تنطوي، بما ينفخ فيها الشيطان من أساليبه الماكرة، على هامش للرياء الذي تتداخل في جنباته النيات الحسنة بمقاصد السوء من حب الظهور والتباهي وكسب رضا الناس.

الصلاة التي يمكن أن يرائي بأدائها الإنسان، وأن ينفلت من إلزامها أنى شاء دون أن يلحظه أحد، الزكاة التي يمكن أن يدلس الإنسان في دفع مستحقاتها دون أن يلحظه أحد، الحج الذي يمكن أن يكون وسيلة لتغطية سلوك معوج بديكور خارجي جميل دون أن ينتبه إليه أحد، شهادة لا اله إلا الله التي اخترقت عبر التاريخ وجدان آلاف الناس بعشرات الممارسات الشركية ومئاتها وألوفها دون أن يكتشفها أحد.

لماذا «إلا الصيام»؟

هذا الجهد المكافح والملزم بالامتناع الصارم عن الطعام والشراب وكل صيغ السلوك الملتوية من أجل أن يمضي لتأدية مهمته الأساسية في كسب رضا الله، فلا يقدر الإنسان أن يدلس فيه أو يمارس غشاً من أي نوع كان؛ لأن عملاً كهذا سيخرجه من التزامه بمطالب الصيام.

من أجل ذلك ورد في الحديث القدسي أن كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لله تعالى وهو يجزي به، يقول الله عز وجل فيما يرويه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» (متفق عليه).

هكذا يحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة بهذه الكلمات القاطعة التي تعد وتنذر في الوقت نفسه، ومن أجل ذلك شمر المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها عن سواعدهم وهم يستقبلون رمضان سنة بعد أخرى، وعلى مدار التاريخ؛ فامتنعوا عن الطعام والشراب، وتمحضوا لغسيل خبراتهم الروحية من كل ما من شأنه أن يمسها بسوء، واضعين نصب أعينهم خصوصية هذه العبادة وارتباطها المباشر بالله «إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به».

رمضان.. واستعادة الدور الحضاري

وبالانتقال من الخاص إلى العام، فإن هذه العبادة المتميزة المكافحة الصبورة كان يمكن أن تنفخ النار في جسد الأمة الإسلامية الممزقة، المتهالكة، المترعة بالشروخ والهزائم والأحزان، وأن تشد أواصرها وهي تمارس هذا الجهد المشترك من الصبر والتحمل، وأن تذكرها بأن صيامها هذا الذي يعدها الله سبحانه بأعلى درجات الثواب إن أحسنت القيام به؛ يجب أن يدفعها إلى المزيد من التوحد وتجاوز الخلافات والمضي قدماً لاستعادة دورها الحضاري الضائع.

فهذا الشهر الكريم الذي يطرق أبواب الأمة سنة بعد أخرى، يجب أن يعلمها الصبر والكفاح المتواصل والتمحض من أجل تحقيق الأهداف الكبرى لهذه الأمة التي غدت عبر القرون الأخيرة قصعة يولم عليها المولمون من مشارق الأرض ومغاربها كما تنبأ يوماً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

سلوكيات خاطئة

ويدهش الإنسان وهو يرى بعض أولئك الذين يتحدثون عن حكمة الصيام كيف أنهم يضيقون عليه الخناق، فيجعلونه مجرد دافع للإحساس بمأساة الفقراء والجائعين، وكأننا كمسلمين لا بد أن نجوع لكي نحس بما يعانيه الآخرون دون التفات إلى نبض هذا الدين الذي يجعل من العدل الاجتماعي واحداً من مرتكزاته الكبرى على مستويي التشريع والتوجيه على السواء!

ويدهش الإنسان وهو يرى الشعوب الإسلامية تتسابق في مد موائد الطعام مساء كل يوم من أيام رمضان، لا يؤكل سوى العشر، وترمى الأعشار الأخرى في سلال المهملات، بينما الآلاف من المسحوقين يتضورون مسغبة وجوعاً!

ويدهش الإنسان كيف تصبح ملاهي الأمسيات الرمضانية والعروض التلفازية وكأنها هي المقصودة من جهد النهار فتنتشر تقاليدها وبدعها في مشارق الأرض ومغاربها انتشار النار في الهشيم!

التوازن النفسي والجسدي

ونحن نتحدث عن شهر الصيام هذا، لا بد أن نتذكر ذلك التوافق المدهش بين هدف كل عبادة في هذا الدين وتساوقها مع الحاجات والمطالب البيولوجية والنفسية والاجتماعية للإنسان؛ الصلاة، الحج، الزكاة، والصيام الذي طالما أكدت الدراسات الطبية والنفسية ضرورته لاستعادة السوية الطبيعية للإنسان في صحته وعافيته، في تكوينه النفسي، وعبر علاقاته الاجتماعية.

إن كل عبادة تنطوي على جملة من الترميزات التي تبدو لأول وهلة أن لا علاقة لها بهذا الذي نتحدث عنه، مجموعة من الرموز المنفصلة عن مطالب الإنسان الحيوية والتي يراد منها فقط الاستجابة لأمر الله سبحانه، ولكن بالإيغال في شرايين كل عبادة يتبين ذلك التوافق المدهش بين الرمز والمطلب البشري، بين الاستجابة لأمر الله والتحقق بالمطالب الجسدية والنفسية والاجتماعية على السواء، وتلك هي واحدة من معجزات هذا الدين.

إن الصيام عقد مقدس بين العبد وربه، وإنه يتطلب استجاشة أعمق نقطة في خلايا العقل والقلب والروح والوجدان من أجل أن يكون بحجم رمضان كما يريده الله ورسوله، لا كما اعتاده المقلدون.

«فإنه لي وأنا أجزي به»؛ لأنه - جل في علاه - يعلم ما يكلفه الصوم من مشقة وما يتطلبه من صبر، ليس فقط عن الطعام والشراب، وإنما عما اعتاد عليه الناس وأصبح جزءاً أساسياً من حياتهم اليومية عبر أحاديثهم ومعاملاتهم من رياء وغيبة وتنابز وغيرها من عشرات الممارسات الخاطئة التي يجيء التوقف عنها بقوة الإرادة الإيمانية، بمثابة إعلان للحرب على «الخطيئة» مهما ضؤلت ودقت، وهذا يتطلب جهداً فائقاً لن يكون جزاؤه إلا ذلك الذي يجيء من عند الله سبحانه، وما أعظمه من جزاء.

ومرة أخرى؛ فلو قدر لهذه الأمة أن تعرف كيف تتلقى هذه المنحة الكبرى، وهي تكافح الجوع والعطش والتطهر من الآثام، بأن «تتوحد» وتتجاوز كل صيغ الخلاف والتقاتل، وتمضي صوب تغيير واقعها البائس هذا صوب ما أراده لها الله الذي قال في أجيالها الأولى: إنها خير أمة أخرجت للناس؛ لكانت قد وضعت خطواتها على الطريق الصحيح.

الأحد, 08 مايو 2016 15:58

حول العلمانيين

(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21)) (الشورى).

ودائماً نقول: إن من حق العلمانيين أن يدعوا إلى فصل الدين عن الدولة، وأن يؤكدوا مذهبهم هذا صباح مساء في الصحف والإذاعات والفضائيات والندوات والمؤتمرات، وأن يكدّوا حتى تجف ألسنتهم وتنشف حلوقهم في الهجوم على مفاهيم الدولة الإسلامية، ومحاولة تفنيدها وإثبات بطلانها، وليؤلفوا الكتب والبحوث في ذلك، فليس ثمة من يمنعهم لأن هذه هي قناعتهم الحرّة في تصوّرهم – الخاطئ – هذا!

وإذا كان كتاب الله قد سمح بالوجود حتى للكفر والكافرين بقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف:29)، أفلا يسمح لفئة موازية من الناس تؤمن بالله وباليوم الآخر، ولكنها تدين بالعلمانية، وتدعو إلى فصل الدين عن الدولة؟!

لكن ليس من حقهم مطلقاً أن يسعوا إلى تخلّي الإسلاميين عن عقيدتهم الثابتة والمؤكدة في كتاب الله وسُنة رسوله "صلى الله عليه وسلم" بخصوص الدولة الإسلامية.. ألّا يلاحقوهم ويسلطوا عليهم أشد النظم والممارسات البوليسية دموية لكفّهم عن قناعتهم تلك، فكما أعطى الإسلاميون خصومهم الحق في تبني العلمانية، والدعوة لها، فإن على هؤلاء أن يعطوا الإسلاميين الحق في تبني الارتباط المحتوم بين الدين والدولة، والدعوة إليه، والسعي لتنفيذه في واقع الحياة.

ولكن أليس من حق الإنسان أن يتساءل: كيف يبرّر العلمانيون لأنفسهم هذا الالتواء العقلي المناقض – ابتداء – للبديهيات الإسلامية، فيما يشبه تبرير حاصل جمع برتقالة إلى تفاحتين بأنه يساوي 3!

إذا كان ذلك تقليداً لما شهدته الساحة الغربية حيث جاءت العلمانية دواءً ناجعاً للقضاء على تسلط الكنيسة اللاعقلاني واللاعلمي على مقدّرات العلماء والباحثين، وإرغامهم على التسليم بمقولاتها الرجعية الخاطئة، فذلك هو الخطأ الكبير الذي يقول عنه الداهية الفرنسي العجوز «تاليران»: «إنه خطأ والخطأ أكبر من الجريمة»، لأنه في الإسلام، وكما يقول الباحث البريطاني المعاصر «روم لاندو» في كتابه «العرب والإسلام»: مضى الدين والعلم معاً على الطريق، يعزّز أحدهما الآخر، لأنهما معاً كانا يسعيان إلى تأكيد وجود الله سبحانه وتعالى، أما إذا كان ذلك سوء فهم لمطالب هذا الدين، وعدم إدراك لمقاصده الأساسية، فهو الموقف الذي يتطلب نقاشاً.

أتراهم لم يقرؤوا كتاب الله بعقل منفتح مرةً واحدةً.. مرةً واحدةً فقط، حيث تترى فيه هذه الآيات: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)) (المائدة)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)) (المائدة)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)) (المائدة)؟ أتراهم لم يقرؤوا الآية الكريمة التي تجعل الحكم في السماوات والأرض، أي التشريع، بيد الله سبحانه وتعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)) (الزخرف)؟ أتراهم لم يتساءلوا يوماً كيف يمكن تنزيل أحكام الشريعة الإسلامية على كافة مفاصل الحياة الفردية والجماعية والفردية، دونما دولة تقوم مؤسساتها بتنفيذ ذلك التنزيل؟

أتراهم لم يقرؤوا التاريخ الإسلامي، بالجهد المطلوب، ذلك التاريخ الذي بدأ منذ عصر الرسالة بالبحث عن البيئة الملائمة لإقامة دولة الإسلام، وكيف جاءت رحلة رسول الله "صلى الله عليه وسلم" إلى الطائف، واتصاله ببضع عشرة قبيلة، ثم مبايعته للأنصار في بيعتي العقبة الأولى والثانية، تأكيداً على ضرورة إقامة الدولة التي لا تكتفي بتنزيل شريعة الله على أرض الواقع، وإنما – أيضاً – تسعى لحمايتها من التآكل والعدوان؟

ثم ألم يروا كيف أن المسلمين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وجثمان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوارَ التراب بعد، لحلّ إشكالية الخلافة، ثم ما لبثوا أن انتخبوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه الذي مضى خطوات واسعة، ومن بعده إخوانه الراشدون، في تأكيد مفاهيم الدولة الإسلامية؟

أتراهم لم يطلعوا ولو عرضاً، على منظومة الفقه الإسلامي الخصبة في سياقاته كافة: الفقه المقاصدي، وفقه الموازين، وفقه سدّ الذرائع والمصالح المرسلة، وفقه الفتوى.. لكي يروا بأم أعينهم كيف تمت الإجابة عن كل الأسئلة المتعلقة بالدولة الإسلامية، صغيرة كانت أم كبيرة؟

مهما يكن فإن من حقهم ألاّ يقرؤوا، ولا يروا، ولا يتفحصوا.. وأن يظلوا على عماهم بخصوص هذه القضية الأم من العقيدة والفقه والتاريخ الإسلامي، لكن ليس من حقهم أن يسعوا إلى إرغام الإسلاميين على التخلّي عما هو معلوم من الدين بالضرورة.

أليس ذلك – مرةً أخرى – هو الخطأ الأكبر من الجريمة؟

حقاً إن هؤلاء العلمانيين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله، فيمارسون بذلك الظلم الذي يتوعدهم الله عليه بالعذاب الأليم.. وصدق الله العظيم.

الإثنين, 04 أبريل 2016 16:20

حول القدر والحرية

{إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النحل: 104)، {... فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} (الصف: 5)، {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} (يونس: 100)، {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً} (النساء: الآية 115)، {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} (النساء: الآية 155)، {وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} (الشورى: الآية 8)، {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت: الآية 69)، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا...} (السجدة: الآية 24)، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ ب...} (يونس: الآية 9)، {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (الأعراف: 146-147)، {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (الشورى: 30)، {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}

(الزخرف: الآية 55)، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} (الزخرف: 76).

فهل ثمة أكثر من هذا تأكيداً على منطقية القدر في المنظور الإسلامي، ودقته وإحكامه؟ ها هنا حيث ترتبط النتائج بأسبابها، لا تشذ عنها ولا تعاكسها، وإنما تتساوق معها وتنبني عليها من أجل أن تضع كل شيء في مكانه المناسب تماماً.

ها هنا نجد – مثلاً – أن الله سبحانه وتعالى لا يهدي من لا يؤمن بآياته، طواعية وباختياره المطلق، سواء كانت آيات الله في الكون والعالم والطبيعة والإنسان، أو في كتابه المعجز، وما أكثرها، ولكن العمى هو العمى، وعندما تعمى البصيرة فلن يكون بمقدور ألف من حواس البصر أن تُري صاحبها الحق؛ فهو والهدى على طرفي نقيض.

ها هنا لا يزيغ الله سبحانه وتعالى إلا القلوب التي اختارت أن تزيغ عن أمر الله تعالى، وآياته، ودلائل وجوده، ووحدانيته سبحانه، والذين لا يعرفون كيف يستعملون عقولهم للوصول إلى الحق يحيقهم الله بالرجس، ويصدّهم عن الإيمان؛ لأنهم اختاروا بإرادتهم ألا يستجيبوا لنداء الإيمان.

وها هنا يكون نقض المواثيق، وقتل الأنبياء بغير حق، وتغليف القلوب بطبقة من الران والصدأ سبباً لكي يطبع الله على قلوب أصحابها بالكفر، وها هنا يصير الظلم الذي يمارسه الإنسان بحريته واختياره سبباً لطرده من رحمة الله تعالى، ويصير التكبر في الأرض بغير الحق، والعزوف عن سلوك سبيل الرشد واستبدال سبيل الغي به، والتكذيب بآيات الله ولقاء الآخرة، والغفلة عنها، سبباً في الجزاء الذي يستحقونه وفق قاعدة «الجزاء من جنس العمل».

والمصائب التي تحيق بالناس لا تأتي جزافاً، وحاشا لله، إنما تأتي بما كسبت أيديهم، وبالأسباب التي سهروا على صنعها، والتي كان لا بد أن تؤول إلى هذه النهايات المفجعة.

وبالمقابل؛ فإن الله يهدي من يجاهد فيه.. الجهاد على إطلاقه.. الأكبر والأصغر، وبذل ما في الوسع للاستقامة على الطريق، والذين قدّر لهم أن يصيروا أئمة يهدون بأمر الله سبحانه، ما كان لهم أن يتربعوا القمة ويصيروا كذلك لولا أنهم صبروا على البأساء والضرّاء، وحوّلوا حياتهم إلى جهد مكافح في مجابهته لكل صنوف الأذى والعدوان، هذا إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يهدي إلا أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات وجعلوا حياتهم كفاحاً موصولاً من الإيمان والعمل الصالح.

وهكذا تتدفق الآيات لكي ترسم التصوّر العادل، الصحيح، لمسألة القدر والحرية، تلك التي طاشت مسالك أولئك الذين اتبعوا الظنون والأهواء، أو انتموا إلى المذاهب المعوجّة والأديان المحرفة، فلم يعد بمقدورهم أن يتبيّنوا مسالك الطريق، وطاشت بموازينهم الأحكام بخصوص هذه المسألة التي بين أيدينا، والتي لا يتسع المجال للخوض في تفاصيلها، في مقال موجز كهذا.

وفي آيات ثلاث من سورة «القصص»، يحسم القرآن الكريم ظاهرة القدر والحرية، ويضع النقاط على الحروف التي تزيد ما ورد في الآيات السابقة تأكيداً ووضوحاً:

 {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (سورة القصص: الآية 56)، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} (سورة القصص: الآيتان 68-69).

ومحور هذه الآيات هو علم الله سبحانه وتعالى الذي يسبق الحكم على المصائر، وهو علم مطلق بالباطل والظاهر على السواء.

وبناء على هذا العلم الذي لا يتقاطع مع إرادة الإنسان واختياره، يجيء الجزاء العادل هدايةً أو ضلالاً.

وفي كل الأحوال، فإن فعل الإنسان هو الذي ينبني عليه الجزاء: فـ{هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (الأعراف: 147).

الصفحة 1 من 2
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top