د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 05 يوليو 2018 11:34

الرضا بالقضاء والقدر

تقدير الله تعالى وقضائه في الأمور منوط بإرادته وتقدير آجال خلقه وأوقات وأماكن القضاء والقدر. ويمكن إدراك معنى الرضا بالقضاء والقدر من خلال قياسها بالميزان الإلهي الحق ووصايا النبي الكريم لأمته.

الفكرة الأولى: القَدر في الميزان الإلهي

يطلق القدر على الحكم والقضاء أيضًا، ومن ذلك حديث الاستخارة "فاقْدُرُه ويسرّه لي". والمعنى الشرعي للقضاء والقدر: هو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة وكتابته سبحانه لذلك ومشيئته لها ووقوعها على حسب ما قدرها جلّ وعلا و خلقه لها. ومراتب القدر أربع: كما هو ظاهر في التعريف: العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق والتكوين.

أما أدلة القرآن على وجوب الإيمان بالقدر، فهو في قوله سبحانه وتعالى:" إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" (القمر: 49). وفي قوله جل وعلا: "سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا" (الأحزاب، آية 38)؛ أيّ قضاء مقضيًا، وحكمًا مبتوتًا وهو كظل ظليل، وليل أليل، وروض أريض في قصد التأكيد.

والأدلة من السنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر في حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.

الفكرة الثانية: وصايا نبوية لتدريب النفس على الرضا بالقضاء والقدر:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم مربيًا ومزكيًا لنفوس أصحابه، وهي المهمة التي شرفه الله سبحانه بها، وتتجلى هذه التزكية، بأوضح صورها من خلال هذه الوصايا الثلاثة التي تُعد بحق نماذج العلاج النبوي لأمراض النفوس وتدريبها عملياً على التسليم لقضاء الله وقدره والرضا به.

- الوصية الأولى: قوة الإيمان ومجاهدة النفس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شئ فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان .

وفي هذا الحديث النبوي يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن من أراد نيل محبة الله ورضوانه فعليه أن يبادر إلى تقوية إيمانه ومجاهدة نفسه، وطلب القوة في العلم والجسم، وغير ذلك من عناصر القوة النافعة التي تتضافر جميعها لتكوين شخصية المسلم الذي يحبه الله سبحانه

- الوصية الثانية: دعاء الاستخارة: فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم إن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، ويسمي حاجته.

وهذه الوصية النبوية تعد تدريبًا عمليًا على توطين النفس ورضاها بالقضاء والقدر، وتسليمها لما يقدر الله، اعتقادًا بأن ذلك هو الأصلح، والأنفع للعبد، فإذا همَّ المسلم بأمر من الأمور المباحة، من سفر أو زواج، أو تجارة أو غير ذلك فعليه أن يبادر إلى العمل بهذه الوصية النبوية، فيدعو بدعاء الاستخارة متذللاً أمام ربه، متواضعاً بين يديه، مستسلمًا لأمره، راضيًا بحكمه، داعياً أن يختار الله له ما فيه الخير في دينه ومعاشه وعاقبة أمره، وأن يصرف عنه هذا الأمر إن كان فيه شر، ثم يعزم على هذا الأمر، فإن انشرح صدره له، ويسر الله طريقه، وهو الخير الذي اختاره الله، وإن جاء الأمر على عكس ذلك، فعليه أن يفرح، لأن الله صرف عنه شرًا واختار له ما يصلحه، ولو لم يدرك الحكمة فلتطمئن نفسه ولا يبقى متعلقاً بهذا الأمر، أو قلقاً من أجله، وبهذه الوصية النبوية، يدرب المسلم نفسه عملياً على الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمره، ويجاهد نفسه على مخالفة هواها ويربيها على الالتزام بأمر الله، لأن في ذلك صلاح دنياه وآخرته .

الفكرة الثالثة: القدر خير وشر

لا بدَّ هنا من البيان أن تقسيم القدر إلى خير وشر، إنما هو بإضافته إلى الناس والمخلوقات، أما بالنسبة لله عز وجل، فالقدر كله خير وحكمة وعدل ورحمة من الله سبحانه الذي قضى بتقدير المصائب والبلايا وكل ما يكرهه الإنسان لحِكم كثيرة من أبرزها:

- الابتلاء لعباده: واختبارهم وتمحيص الإيمان في قلوبهم وزيادة درجاتهم وثوابهم إذا صبروا، قال تعالى: "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" (الأنبياء : 35).

- التربية والتأديب: والجزاء المعجل لكي يثوب الإنسان إلى رشده، ويرجع عن خطئه، قال تعالى: "فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّاكَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ" (النحل : 34).

ما يصيب الإنسان إن كان يسره فهو نعمة بينه، وإن يسوؤه فهو نعمة، لأنه يكفر خطاياه، ويثاب عليه بالصبر. ومن جهة إن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها العبد، قال تعالى: "وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكم" (البقرة: 216). وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى صبر وفي بيان قوله تعالى: "مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ" (النساء: 79). نلاحظ: فرّق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله وهذه من نفس الإنسان، لأن الحسنة مضافة إلى الله، إذ هو أحسن بها من كل وجه.. أما السيئة فهو إنما يخلقها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن الرب لا يفعل سيئة قط بل فعله كله حسن وخير.

وللقضاء والقدر مراتب أعلاها:

  1. العلم من مراتب القدر

الإيمان بعلم الله عز وجل المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون ومالم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عالمون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم ومن قبل أن يخلق الجنة والنار، علم دق ذلك وجليله وكثيره وقليله وظاهره وباطنه وسره وعلانيته ومبدأه ومنتاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علّام الغيوب. والأدلة من القرآن الكريم كثيرة منها قوله تعالى:" وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" (الأنعام: 59) .

  1. الإرادة والمشيئة

إن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله، سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته الكونية شيء. ومن الأدلة في القرآن الكريم: قال تعالى:" إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس: 82) . أي: إنما يأمر بالشيء، أمراً واحداً لا يحتاج إلى تكرار. وفي قوله تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً" (هود: 118). وورد في الحديث النبوي: عن أبي موسى الأشعري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء.

  1. الكتابة

وهي أن الله تعالى كتب مقادير المخلوقات، والمقصود بهذه الكتابة الكتابة في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه الله من شيء، فكل ما جرى ويجري فهو مكتوب عند الله وأدلة هذه المرتبة كثيرة نذكر منها:

قوله تعالى: " مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (الأنعام: 38)، على أحد الوجهين، وهو أن المقصود بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، فالله أثبت فيه جميع الحوادث، فكل ما يجري مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ. وقوله تعالى: "وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ" (يس: 12)؛ أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هَهُنا: هو أم الكتاب.

  1. مرتبة الخَلق:

وهو الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرّة في السماوات وفي الأرض إلا والله سبحانه وتعالى خالقها وخالق حركتها وسكونها، سبحانه لا خالق غيره ولا ربّ سواه، كما في قوله تعالى: "قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ* وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (الصافات: 95 - 96)؛ أي خلقكم وعملكم، فتكون ما مصدرية، وقيل: إنها بمعنى الذي، فيكون المعنى: والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيديكم وهو الأصنام. ووردت أدلته في قول البراء بن عازم رضي الله عنه، حيث قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ينقل معنا التراب وهو يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا

والمشركون قد بَغَوْا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا

وفي رواية أخرى للبخاري: ولا تصدقنا ولا صلينا، بدل: ولا صمنا ولا صلينا، وبهذه الرواية يستقيم الوزن، قال ابن حجر: وهو المحفوظ. ودليل هذه المرتبة قوله: لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فإنها دليل على أن الله هو خالق العباد وأفعالهم ومنها: الهداية، والصدقة، والصلاة.

تبرز لنا آيات وأحاديث القضاء والقدر عظمة الخالق وحسن تقديره لحياة الخلق ومراتب الميزان الإلهي، فهو المعطي والمانع والغائب والشاهد ومقدر الأقدار لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.


إن أصل الإيمانِ هو دخول العبد في الإسلام، وبه يكونُ اعتبارُ سائرِ الأعمال، وبصلاحِ ما في القلب أو فساده يكون صلاح الأعمال أو فسادُها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إنَّ في الجسدِ مضغةٌ إذا صَلَحتْ صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَتْ فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهيَ القلبُ». فكيف يمكننا الأخذ بأسباب قوة الإيمان بالله جل وعلا؟
هذا الأمر عظيمُ النفعِ والحاجةِ، بل الضرورةُ ماسّةٌ إلى معرفته والعناية به معرفًة واتصافًا، وذلك أنّ الإيمانَ هو كمالُ العبدِ، وبه ترتفعُ درجاته في الدنيا والآخرة، وهو السببُ والطريقُ لكلِّ خيرٍ عاجلٍ وآجل، ولا يحصلُ، ولا يقوى، ولا يتمُّ إلا بمعرفةِ ما منه يُسْتَمَدُّ، وإلى ينبوعه وأسبابه وطُرُقه، والله تعالى قد جعلَ لكلِّ مطلوبٍ سببًا وطريقًا يوصِلُ إليه، والإيمانُ أعظمُ المطالِبِ وأهمُّها وأعمُّها. ويقوى الإيمان بالله بأمور أهمها:
1 ـ فهم أسماء الله الحسنى في القرآن والسنة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ للهِ تسعةً وتسعين اسمًا، مئًة إلاّ واحدًا، مَنْ أحصاها دخلَ الجنّة» أيْ مَنْ حفظَها، وفهمَ معانيها، واعتقدها، وتعبَّدَ اللهَ بها دخل الجنّةَ. والجنّةُ لا يدخلُها إلا المؤمنون، فعَلِمَ أنَّ ذلك أعظمُ ينبوعٍ ومادّةٍ لحصولِ الإيمان وقوّته وثباته. ومعرفةُ الأسماء الحسنى هي أصلُ الإيمانِ، فكلّما ازداد العبدُ معرفةً بأسماءِ الله وصفاته ازدادَ إيمانه، وقويَ يقينُه. وهذه المعرفةُ النافعةُ تجعلُ المؤمنَ في زيادةٍ في إيمانه، وقوّةٍ في يقينه، وطمأنينة في أحواله.
2 ـ تدبّر آيات القرآن الكريم:
إنَّ المتدبّرَ لا يزالُ يستفيدُ من علوم القرآن ومعارفه ما يزدادُ به إيمانًا، كما قال تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ*} [الأنفال :2]. وهل هناك أبلغ من الموعظة الربانية، فهي الشفاءُ لأمراضِ الشبهاتِ والشهواتِ، وأمراض الهوى والانحراف، وأمراض الشكِّ والشرك، وأمراضِ القلوبِ والنفوسِ، والجوارحِ، والحواسِ، وأمراض السياسة والاقتصاد والأخلاق والاجتماع والحياة والحضارة، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء :82]، فهو غذاءٌ للروح، وعلاجٌ يشفي النفوسَ من عللِّها، ويكسبُها المناعةَ القويّةَ.
ومن ثمراتِ تدبُّرِ القرآن: أنّه وسيلةٌ لمعرفة ما يريدُ الله منا، وكيفيّةُ عبادَته سبحانه وتعالى، ومعرفة ما أنزل الله إلينا؛ لأنّ القرآن الكريم منهجُ حياةِ أنزله الله عز وجل، وهو أساسُ التشريع الذي يجبُ على العبادِ أن يتدبّروه، ويلتزموا بأوامره، ويجتنبوا نواهيه.

3 ـ معرفةُ سيرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وشمائله:
فإنَّ مَنْ عرفه حقَّ المعرفةِ لم يَرْتَبْ في صدقه، وصدقِ ما جاء به، قال تعالى: أي: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ*}. وأقسم الله سبحانه وتعالى بكمال هذا الرسولِ، وعظمةِ أخلاقه، وأنّه أكملُ مخلوقٍ قال تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ*مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ*وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ*وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ*} [القلم :1 ـ 4]، فهو صلى الله عليه وسلم أكبرُ داعٍ للإيمان في أوصافه الحميدة، وشمائِله الجميلةِ، وأقوالِهِ الصادقةِ النافعةِ، وأفعالِهِ الرشيدةِ، فهو الإمامُ الأعظمُ، والقدوةُ الأكملُ.
4 ـ التفكّرُ في الكونِ والنظرُ في الأنفسِ:
إنَّ التفكُّرَ في الكونِ، وفي خَلْقِ السماواتِ والأرضِ وما فيهنَّ من المخلوقاتِ المتنوّعةِ، والنظرَ في الإنسان، وما هو عليه من الصفات: يُقوِّي الإيمانَ، لما في هذه الموجوداتِ من عظمةِ الخَلْق الدّالِ على قدرة خالِقها وعظمته، وما فيها مِنَ الحُسْنِ والانتظام والإحكام الذي يحيِّرُ الألبابَ، الدالَّ على سَعَةِ علم الله، وشمول حكمته، وما فيها من أصنافِ المنافع والنعمِ الكثيرة التي لا تعدُّ ولا تحصى، الدالة على سَعَةِ رحمة الله وجودِه وبره، وذلك كلُّه يدعو إلى تعظيم مبدعها وبارئها وشكره، واللهج بذكره، وإخلاص الدِّين له، وهذا هو روحُ الإيمان وسرُّه.
5 ـ الإكثارُ مِنْ ذكرِ الله والدُّعاء الذي هو روح العبادة للإنسان المسلم:
إن ذكرَ الله يغرسُ شجرةَ الإيمانِ في القلب، ويغذّيها وينمّيها، وكلّما ازدادَ العبدُ ذكرًا للهِ، قوي إيمانُه، كما أنَّ الإيمانَ يدعو إلى كثرةِ الذكر، فمن أحبَّ الله أكثرَ مِنْ ذكرِه، ومحبّةُ اللهِ هي الإيمانُ، بل هي روحُه.
وللذكرِ آثارٌ نافعةٌ في حياة المسلمين الدنيوية والأخروية منها:
أ ـ الحياة الطيبة الحقيقية:
فالحياة هي حياةُ الروحِ المتغذّية بالوحي الإلهي، المتعلِّق قلبُ صاحبها بذكر الله، وهي التي وصفَها الله بالحياةِ الطيبة بقوله سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*} [النحل :97]
ب ـ القّوةُ في الأبدانِ وإحياءَ المعاش والجهاد:
إنّ الذكرَ يعطي الذاكرَ قوّةً حتى إنّه ليفعلُ مع الذكر ما لم يكن يظنُّ فعلَه بدونه، وشاهِدُ ذلك موقفُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع ابنته فاطمة وعلي رضي الله عنهما، لما سألته خادمًا، وشكت إليه ما تقاسيـه من الطحـن والسعي والخدمة، فعلمَّهما أنْ يسبِّحَا كلَّ ليلةٍ إذا أخذا مضاجعهما ثلاثًا وثلاثين، ويحمدا ثلاثًا وثلاثين، ويكبِّرا أربعًا وثلاثين، وقال لهما: «فهذا خيرٌ لكما من خادمٍ»، فقيل: إنَّ مَنْ داومَ على ذلك وجدَ قوّة في يومه مغنيةٌ عن خادمٍ.
ج ـ رقَّةُ القلبِ وخشوعُه:
إنَّ ذكرَ اللهِ يوجِبُ خشوعَ القلب وصلاحَه ورِقَّتَه، ويذهِبُ الغفلةَ عنه، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ *} [الرعد :28].
ه ـ تكثيرُ الشهودِ يومَ القيامة:
فكلُ معالمِ الأرضِ تأتي شاهدةً للذاكرين يومَ تحدِّثُ الأرض أخبارها، فالجبالُ والقِفارُ تتباهى وتستبشِرُ بمن يذكرُ الله عزّ وجلّ عليها، قال ابن مسعود: إنَّ الجبلَ لينادِي الجبلَ باسمه، يا فلان! هل مرَ بكَ اليومَ أحدٌ يذكرُ الله عزّ وجلّ؟ فإذا قال: نعم استبشرَ.
6 ـ معرفة محاسن الدين:
من الأسبابِ المقوّية للإيمانِ معرفةُ محاسنِ الدين، فإنَّ الدينَ الإسلاميَّ كلُّه محاسنُ، عقائدُه أصحُّ العقائدِ وأصدقُها وأنفعُها، وأخلاقهُ أحمدُ الأخلاقِ وأجملُها، وأعمالُه وأحكامُه أحسنُ الأحكامِ وأعدلُها، وبهذا النظرِ الجليلِ يزيِّنُ اللهُ الإيمانَ في قلبِ العبدِ، ويحبّبه إليه، كما امتنّ به على خيار خلقه بقوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات :7]. فيكونُ الإيمانُ في القلبِ أعظمَ المحبوباتِ، وأجملَ الأشياءِ، وبهذا يذوقُ العبدُ حلاوةَ الإيمانِ، ويجدُها في قلبه، فيتجمَّلُ الباطنُ بأصولِ الإيمانِ وحقائقه، وتتجمّل الجوارحُ بأعمالِ الإيمانِ، وفي الدعاء المأثور: «اللهمّ زيّنا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هداةً مهتدين»، وهو ما تبعه جعفر بن أبي طالب حين ناظره وفد كفار قريش في حضرة النجاشي ملك الحبشة، وكشف أمامه عيوب الجاهلية والضلال ومحاسن الدين الجديد وعظمتها.
7 ـ التحقُّق من مقامِ الإحسان في عبادة الله، والإحسانُ إلى خلقه:
إنه يجتهدُ أن يعبدَ الله كأنّه يشاهده ويراه، فيجتهدُ في إكمالِ العملِ وإتقانه، ولا يزالُ العبد يجاهِدُ نفسه ليتحقّق بهذا المقام العالي، حتى يقوِّمَ إيمانَه ويقينَه ويصلُ في ذلك إلى حقِّ اليقين الذي هو أعلى مراتبِ اليقين، فيذوقَ حلاوةَ الطاعاتِ، ويجدَ ثمرةَ المعاملاتِ، وهذا هو الإيمانُ الكامِلُ.
وكذلك الإحسانُ إلى الخلقِ بالقول والفعل والمال والجاه وأنواع المنافع هو من الإيمان، ومن دواعي الإيمان، والجزاء من جنس العمل، فكما أحسنَ إلى عبادِ اللهِ، وأوصلَ إليهم من برّه، أحسنَ الله إليه أنواعًا من الإحسانِ، ومن أفضلها: أن يقوّيَ إيمانه ورغبتَه في فعل الخير، والتقرّب إلى ربه، وإخلاص العمل له، وبذلك يتحقّق العبدُ بالنصح لله ولعباده، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل :90].
8 ـ الدعوة إلى الله:
إن من دواعي الإيمان وأسبابه الدعوةُ إلى اللهِ وإلى دينه، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والدعوة إلى أصل الدين، والدعوة إلى التزام شرائعه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإنّ طريقَ الدعوة إلى الله والنصيحة لعباده من أكبر مقوّمات الإيمان. وصاحبُ الدعوة لابدَّ أن يسعى لنشر هذه الدعوة، ويقيمَ الأدلّة والبراهينَ على تحقيقها، ويأتيَ الأمور من أبوابها، ويتوسّلَ إلى الأمورِ من طرقها، وهذه الأمورُ من طرق الإيمان وأبوابه. وإنّ الجزاءَ من جنسِ العمل، فكما سعى إلى تكميلِ العبادِ ونصحِهم وتوصيتهم بالحق، وصبر على ذلك لا بّد أن يجازيه الله من جنس عمله، ويؤيّده بنورٍ منه وروحٍ وقوةٍ وإيمانٍ وحُسنِ التوكُّل عليه، فإنَّ الإيمانَ وحُسْنَ التوكل على الله يحصلُ به النصرُ على الأعداء، وعلى شياطينِ الإنس وشياطين الجن، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ*} [فصلت :33 ـ 35].
9 ـ توطينُ النفس على مقاومة ما ينافي الإيمان:
من أهمِّ موادّ الإيمان ومقوياته توطينُ النفس على مقاومة ما ينافي الإيمان من شُعَبِ الكفر والفسوق والعصيان. فكما أنّه لا بدّ في الإيمان من فعلِ جميعِ الأسباب المقوّيةِ المنمّية له، فلا بدَّ مع ذلك من دفعِ الموانعِ والعوائق، وهي الابتعاد عن المعاصي، والتوبةُ ممّا يقع منها، وحفظُ الجوارح كلِّها من المحرّمات، لرغبةُ في الخير ومحبته، والسعي فيه ـ وإن استولت عليه النفس الإمارةُ بالسوء، ووقع في فتن الشبهات أو الشهوات أو كليهما، انطبق عليه هذا المثل، وهو قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ *} [البقرة :266].
10 ـ معرفة حقيقةِ الدُّنيا واعتبارُها ممراً للآخرة:
إن من مقوِّيات الإيمانِ معرفةُ حقيقةِ الدنيا، وأنّها مهما طالتْ فهي إلى زوالٍ، وأنّ متاعَها مهما عَظُمَ، فإنّه قليلٌ حقيرٌ، قال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ*} [يونس:24]. وأخبرنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بقول الله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا*} [الكهف :45].

إنّ هذه الحقيقةَ التي أشارت إليها الآيات الكريمة عكست أسباب قوة الإيمان بالله تبارك وتعالى. وبينت حقيقة الحياة الدنيا بكلِّ متاعها وزينتِها، وما تشتهيه النفسُ منها. وإنَّ كلَّ ذلك بالنسبة لنعيم الآخرة شيءٌ قليلٌ وزائلٌ. هكذا فهم المسلمون القرآن والإيمان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبصّرهم، ويذكّرهم بدورهم ورسالتِهم في الأرض، ومكانتِهم عند الله، فانطلقوا عاملين بالليل والنهار بكلِّ ما في وسعهم وما في طاقتهم دون فتور أو توانٍ أو ممل، ودون خـوفٍ من أحـدٍ إلا الله، ودونَ طمعٍ في مغنـم أو جـاه، إلا أداء هـذا الـدور وهذه الرسـالـة لتحقيق هذه الغـايـة في الدنيا، والفوز والنجاة في الآخرة.

مراجع المقال:
1. ابن قيم الجوزي، الأمثال القرآنية، 1 / 418.
2. السعدي، شجرة الإيمان، ص 39.
3. سيد سعيد، حقيقة الولاء والبراء، ص 1560.
4. صحيح البخاري، كتاب: الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه، ص52.
5. صحيح مسلم، كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات، 1599.
6. علي الصلابي، الإيمان بالله جل جلاله، دار ابن كثير، بيروت، ص. ص 176 – 190.
7. علي الصلابي، السيرة النبوية، دار ابن كثير، بيروت، 1 / 361.
8. محمود الدوسري، هجر القرآن العظيم، ص 567.
9. مصطفى مسلم، مباحث في إعجاز القرآن، ص 216.
10. مجدي الهلالي، الإيمان أولاً فكيف نبدأ به، ص 119.

الثلاثاء, 05 يونيو 2018 15:51

دروس وعبر من فتح مكة

إنَّ حركة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في بناء الدَّولة، وتربية المجتمع، وإرسال السَّرايا، وخروجه في الغزوات تعلِّمنا كيفيَّة التَّعامل مع سنَّة الأخذ بالأسباب، سواءً كانت تلك الأسباب مادِّيَّة أو معنويَّةً، ففي غزوة الفتح نلاحظ هذه السُّنَّة واضحةً في هديه صلى الله عليه وسلم ، فعندما قرَّر صلى الله عليه وسلم السَّير لفتح مكة؛ حرص على كتمان هذا الأمر حتَّى لا يصل الخبر إلى قريش، فتعد العدَّة لمجابهته، وتصدُّه قبل أن يبدأ في تنفيذ هدفه.

ارتكبت قريش خطأً فادحاً عندما أعانت حلفاءها بني بكرٍ على خُزاعة حليفة المسلمين بالخيل، والسِّلاح، والرِّجال، وهجم بنو بكرٍ، وحلفاؤهم على قبيلة خُزاعة عند ماءٍ يقال له: الوَتير، وقتلوا أكثر من عشرين من رجالها، ولمَّا لجأت خُزاعة إلى الحرم الآمن، ولم تكن متجهِّزةً للقتال، لتمنع بني بكرٍ منه؛ قالت لقائدهم: يا نوفل! إنَّا قد دخلنا الحرم، إلهك، إلهك! فقال نوفل: لا إله اليوم، يا بني بكر! أصيبوا ثأركم، عندئذٍ خرج عمرو بن سالم الخُزاعيُّ في أربعين من خُزاعة، حتَّى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأخبروه بما كان من بني بكرٍ، وبمن أصيب منهم، وبمناصرة قريشٍ بني بكرٍ عليهم، ووقف عمرو بن سالم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ في المسجد بين ظهراني النَّاس، فقال:

يَا رَبِّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا حِلْفَ أَبِيْنَا وأَبِيْهِ الأَتْلَدَا

قَدْ كُنْتُم وُلْداً، وَكُنَّا وَالِدا ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يدا

فانْصُرْ هَدَاكَ الله نَصْراً أَعْتَدَا وادْعُ عِبَادَ الله يأْتُوا مَدَدَا

فِيْهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدا إِنْ سِيْم خَسْفاً وَجْهُهُ تَرَبَّدَا

فِيْ فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يَجْرِي مُزبِدَا إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا

ونقَضُوا مِيْثَاقَك المُؤَكَّدا وجَعَلُوا لي في (كَدَاءٍ) رُصَّدا

وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أدْعُو أحدَا وَهُمْ أَذَلُّ وأَقَلُّ عَدَدَا

هُمْ بَـيَّـتُونَا بالوَتِيْرِ هُجَّدَا وقَتَلُونَا رُكَّعاً وسُجَّدَا

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «نُصرتَ يا عمرو بن سالم! لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب!» ولمَّا عرَض السَّحاب مِنَ السَّماء؛ قال: «إنَّ هذه السَّحابة لتستهلُّ بنصر بني كعبٍ».

شرع النبي صلى الله عليه وسلم في الأخذ بالأسباب الآتية لفتح مكة ولتحقيق مبدأ المباغتة:

1- أنَّه كتم أمره حتَّى على أقرب النَّاس إليه:

فقد أخذ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بمبدأ السِّرِّيَّة المطلقة، والكتمان الشَّديد حتَّى عن أقرب النَّاس إليه، وهو أبو بكر رضي الله عنه أقربُ أصحابه إلى نفسه، وزوجتُه عائشة رضي الله عنها أحبُّ نسائه إليه، فلم يعرف أحدٌ شيئاً عن أهدافه الحقيقية، ولا اتِّجاه حركته، ولا العدوِّ الَّذي ينوي قتاله، بدليل أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه عندما سأل ابنته عائشة رضي الله عنها عن مَقْصَدِ الرسول صلى الله عليه وسلم قالت له: ما سمَّى لنا شيئاً، وكانت أحياناً تصمت، وكلا الأمرين يدلاَّن على أنَّها لم تعلم شيئاً عن مقاصده صلى الله عليه وسلم

ويستنبط من هذا المنهج النبوي الحكيم أنَّه ينبغي للقادة العسكريين أن يخفوا خططهم عن زوجاتهم؛ لأنهنَّ ربما يُذِعْنَ شيئاً من هذه الأسرار عن حسن نيَّةٍ، فتتناقلها الألسن حتَّى تصير سبباً في حدوث كارثةٍ عظيمةٍ.

2- أنه بعث سريَّةً بقيادة أبي قتادة إلى بطن إِضَم:

بعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قبل مسيره إلى مكَّة سَرِيَّةً مكوَّنةً من ثمانية رجال، وذلك لإسدال السِّتار على نياته الحقيقيَّة، وفي ذلك يقول ابن سعد: «لمَّا همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو أهل مكَّة بعث أبا قتادة بن ربْعِي في ثمانية نفرٍ سَرِيَّةً إلى بطن إِضَم، لِيَظُنَّ الظَّانُّ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توجَّه إلى تلك النَّاحية، فمضوا، ولم يلقوا جمعاً، فانصرفوا حتَّى انتهوا إلى ذي خُشُب، فبلغهم: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجَّه إلى مكَّة، فأخذوا على (بيبن) حتَّى لقُوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بالسُّقيا».

وهذا منهجٌ نبويٌّ حكيمٌ في توجيه القادة من بعده إلى وجوب أخذ الحذر، وسلوك ما يمكن من أساليب التَّضليل على الأعداء والإيهام، الَّتي من شأنها صرف أنظار النَّاس عن معرفة مقاصد الجيوش الإسلاميَّة الَّتي تخرج من أجل الجهاد في سبيل الله، حتى تُحقِّق أهدافها، وتَسْلَم من كيد أعدائها.

3- أنَّه بعث العيون لمنع وصول المعلومات إلى الأعداء:

بثَّ صلى الله عليه وسلم رجال استخبارات الدَّولة الإسلاميَّة داخل المدينة، وخارجها؛ حتَّى لا تنتقلَ أخبارُه إلى قريشٍ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنقاب(1)، فكان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يطوف على الأنقاب قيماً بهم، فيقول: لا تَدَعُوا أحداً يمرُّ بكم تنكرونه إلا رددتموه، إلا مَنْ سلك إلى مكَّة فإنَّه يُتَحفَّظ به، ويُسأل عنه، أو ناحية مكَّة.

إنَّ جَمْعَ المعلومات سلاحٌ ذو حدَّين، وقد استفاد الرَّسول صلى الله عليه وسلم من حدِّه النافع لصالح المسلمين، وأبطل مفعول الحدِّ الآخر باتباعه السِّرِّيَّة، واتخاذها أساساً لتحرُّكاته، واستعداداته؛ ليحرم عدوه من الحصول على المعلومات الَّتي تفيده في الاستعداد لمجابهة هذا الجيش بالقوَّة المناسبة.

4- دعاؤه صلى الله عليه وسلم بأخذ العيون والأخبار عن قريش:

وبعد أن أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسباب البشريَّة الَّتي في استطاعته؛ توجَّه إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ بالدُّعاء والتَّضرُّع قائلاً: «اللَّهُمَّ! خذ على أسماعهم، وأبصارهم فلا يَرَوننا إلا بغتةً، ولا يسمعون بنا إلا فجأة». [البيهقي في الدلائل (5/11)](2).

وهذا شأن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في أموره يأخذ بجميع الأسباب البشريَّة، ولا ينسى التَّضرُّع، والدُّعاء لربِّ البريَّة؛ ليستمدَّ منه التَّوفيق والسَّداد.

5- إحباط محاولة تجسُّس حاطبٍ لصالح قريش:

عندما أكمل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم استعداده للسير إلى فتح مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكَّة يخبرهم فيه نبأ تحرك النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إليهم، ولكنّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ أطلع نبيَّه صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي على هذه الرِّسالة، فقضى صلى الله عليه وسلم على هذه المحاولة وهي في مهدها، فأرسل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليّاً، والزُّبير، والمقداد فأمسكوا بالمرأة في روضة خاخٍ على بعد اثني عشر ميلاً من المدينة، وهدَّدوها أن يفتِّشوها إن لم تُخرِج الكتاب؛ فسلَّمته لهم، ثمَّ استدعى حاطباً رضي الله عنه للتَّحقيق، فقال: يا رسول الله! لا تعجل عليَّ، إنِّي كنت امرأً مُلصَقاً في قريشٍ ـ يقول: كنت حليفاً ـ ولم أكن من أنفُسِها، وكان مَنْ معك من المهاجرين مَنْ لهم قراباتٌ يحمون بها أهليهم، وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النَّسب فيهم أن أتَّخذ عندهم يداً يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أما إنَّه قد صدقكم».

وهذا منهجٌ نبويٌّ حكيمٌ، فلم ينظر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى حاطب من زاوية مخالفته تلك فحسب، وإن كانت كبيرةً، وإنَّما راجع رصيده الماضي في الجهاد في سبيل الله تعالى، وإعزاز دينه، فوجد: أنَّه قد شهد بدراً، وفي هذا توجيهٌ للمسلمين إلى أن ينظروا إلى أصحاب الأخطاء نظرةً متكاملـةً، وذلك بأن ينظروا فيما قدَّموه لأمَّتهم من أعمالٍ صالحةٍ في مجال الدَّعوة، والجهاد، والعلم، والتَّربية، فإنَّ الَّذي يساهم في إسقاط فروض الكفاية عن الأمَّـة يستحقُّ التَّقديـر، والاحترام، وإن بدرت منـه بعـض الأخطاء، هذا فيما إذا كان ما صدر من هؤلاء خطـأً محضاً، وزلَّـة قدمٍ، فكيف إذا كان ما صدر منهم رأياً علميّاً ناتجاً عن الاجتهاد؛ وهم أهلٌ لذلك؟!

دخولٌ خاشعٌ متواضعٌ، لا دخول فاتحٍ متعالٍ:

دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعليه عمامةٌ سوداءُ بغير إحرامٍ، وهو واضعٌ رأسه تواضعاً لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتَّى إنَّ ذقنه ليكاد يَمَسُّ واسطة الرَّحل. ودخل وهو يقرأ سورة الفتح. مستشعراً نعمة الفتح، وغفران الذُّنوب، وإفاضة النَّصر العزيز(3)، وعندما دخل مكَّة فاتحاً ـ وهي قلبُ جزيرة العرب، ومركزُها الرُّوحيُّ، والسِّياسيُّ ـ رفعَ كلَّ شعارٍ من شعائر العدل والمساواة، والتَّواضع، والخضوع، فأردف أسامة بن زيدٍ، وهو ابن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يردف أحداً من أبناء بني هاشم، وأبناء أشراف قريشٍ، وهم كثير.

الهوامش

(1) الأنقاب: جمع نقب ، وهو كالعريف على القوم.

(2) انظر: البداية والنِّهاية (4/282)، ومحمَّد صلى الله عليه وسلم (غزوة فتح مكة)، لمحمَّد رضا.

(3) انظر: صور وعبر من الجهاد النَّبوي في المدينة ، ص 396.

تمر ذكرى فتح القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية بتاريخ 30 مايو ذكرى عزيزة على المسلمين. ذلك الفتح الذي وَصفتُه بفتح الفتوح العثماني والإسلامي لم يأت من فراغ، وإنما هو نتيجة جهود تراكمية قام بها المسلمون منذ العصور الأولى للإسلام رغبة من تلك الأجيال في تحقيق بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد الاهتمام بفتح القسطنطينية مع ظهور دولة بني عثمان، إذ تحقق وعد الله تعالى لتصبح تلك المدينة العظيمة دار الإسلام وإلى يومنا هذا.

1- من هو السلطان محمد الفاتح؟

هو محمد بن مراد الثاني ولد في أدرنه عام 1481م، ويعتبر السلطان العثماني السابع في سلسلة آل عثمان يلقب بالفاتح وأبي الخيرات. حكم ما يقرب من ثلاثين عامًا كانت خيرًا وعزة للمسلمين. تولى حكم الدولة العثمانية بعد وفاة والده بتاريخ 18 فبراير 1451م وكان عمره آنذاك 22 سنة ولقد امتاز السلطان محمد الفاتح بشخصية فذة جمعت بين القوة والعدل كما أنه فاق أقرانه منذ حداثته في كثير من العلوم التي كان يتلقاها في مدرسة الأمراء وخاصة معرفته لكثير من لغات عصره وميله الشديد لدراسة التاريخ، مما ساعده فيما بعد على إبراز شخصيته في الإدارة وميادين القتال حتى أنه اشتهر أخيرًا في التاريخ بلقب محمد الفاتح، لفتحه القسطنطينية.

انتهج محمد الفاتح المنهج الذي سار عليه أجداده في الفتوحات، ولقد برز بعد توليه السلطة بقيامه بإعادة تنظيم إدارات الدولة المختلفة، واهتم كثيرًا بالأمور المالية فعمل على تحديد موارد الدولة وطرق الصرف منها بشكل يمنع الإسراف والبذخ أو الترف. وكذلك ركز على تطوير كتائب الجيش وأعاد تنظيمها ووضع سجلات خاصة بالجند، وزاد من مرتباتهم وأمدهم بأحدث الأسلحة المتوفرة في ذلك العصر. وعمل على تطوير إدارة الأقاليم وأقر بعض الولاة السابقين في أقاليمهم وعزل من ظهر منه تقصيرًا أو إهمال وطور البلاط السلطاني وأمدهم بالخبرات الإدارية والعسكرية الجيدة مما ساهم في استقرار الدولة والتقدم إلى الإمام وبعد أن قطع أشواطًا مثمرة في الإصلاح الداخلي تطلع إلى المناطق المسيحية في أوروبا لفتحها ونشر الإسلام فيها، ولقد ساعدته عوامل عدة في تحقيق أهدافه، منها الضعف الذي وصلت إليه الإمبراطورية البيزنطية بسبب المنازعات مع الدول الأوروبية الأخرى، وكذلك بسبب الخلافات الداخلية التي عمت جميع مناطقها ومدنها ولم يكتف السلطان محمد بذلك بل إنه عمل بجد من أجل أن يتوج انتصاراته بفتح القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، والمعقل الاستراتيجي الهام للتحركات الغربية الصليبية ضد العالم الإسلامي لفترة طويلة من الزمن.

2- الاستعداد لفتح القسطنطينية:

شجع العلماء الربانيون مثل أحمد بن إسماعيل الكوراني "معلم الفاتح"، وآق شمس الدين "الملهم الروحي للفتح" في تشجيع السلطان على مضاعفة حركة الجهاد، والإيحاء له بأنه الأمير المقصود بحديث النبي الكريم.

ومن بداية تسلمه للسلطنة، قام السلطان محمد الفاتح بإعداد جيش كبير بلغ حوالي مئتين و خمسين ألف مقاتل، وشرع بتجهيز الحصون والقلاع على أطراف القسطنطينية، ولم تفلح محاولات الإمبراطور البيزنطي في ثنيه بالأموال ومعاهدات الصلح، وقام الفاتح ببناء قلعة روملي حصار على البوسفور من الطرف الأوروبي مقابل قلعة عثمانية شيدت على البر الآسيوي زمن السلطان بايزيد الثاني.

كذلك اعتنى محمد الفاتح بجمع الأسلحة اللازمة لدك حصون المدينة، واعتمد على مهندسين لتطوير صناعة المدافع المتطورة. ومن هؤلاء اعتماده على مهندس مجري اسمه أوربان. كما طور الأسطول العثماني وزاد في تسليحه حتى وصل لقرابة أربعمائة سفينة حربية ليكون مؤهلاً للقيام بدوره في الهجوم على القسطنطينية.

من ناحية أخرى وقع السلطان الفاتح قبيل هجومه على القسطنطينية معاهدات وهدن مع أعدائه المختلفين ليتفرغ لعدو واحد، فعقد معاهدة مع إمارة (غلطة) المجاورة للقسطنطينية من الشرق ويفصل بينهما مضيق القرن الذهبي، كما عقد معاهدات مع (المجد) و(البندقية) وهما من الإمارات الأوروبية المجاورة، ولكن هذه المعاهدات لم تصمد حينما بدأ الهجوم الفعلي على القسطنطينية.

3- الهجوم على القسطنطينية:

كانت القسطنطينية محاطة بالمياه البحرية في ثلاث جبهات، مضيق البسفور، وبحر مرمرة، والقرن الذهبي الذي كان محمياً بسلسلة ضخمة جداً تتحكم في دخول السفن إليه، بالإضافة إلى ذلك فإن خطين من الأسوار كانت تحيط بها من الناحية البرية من شاطئ بحر مرمرة إلى القرن الذهبي، يتخللها نهر ليكوس، وكان بين السورين فضاء يبلغ عرضه 60 قدماً ويرتفع السور الداخلي منها 40 قدمًا وعليه أبراج يصل ارتفاعها إلى 60 قدماً، وأما السور الخارجي فيبلغ ارتفاعه قرابة خمسة وعشرين قدماً وعليه أبراج موزعة مليئة بالجند، وبالتالي فإن المدينة من الناحية العسكرية تعد من أفضل مدن العالم تحصيناً، لما عليها من الأسوار والقلاع والحصون إضافة إلى التحصينات الطبيعية، وبالتالي فإنه يصعب اختراقها، ولذلك فقد استعصت على عشرات المحاولات العسكرية لاقتحامها ومنها إحدى عشرة محاولة إسلامية سابقة كان السلطان الفاتح يكمل استعدادات القسطنطينية ويعرف أخبارها ويجهز الخرائط اللازمة لحصارها، كما كان يقوم بنفسه بزيارات استطلاعية يشاهد فيها استحكامات القسطنطينية وأسوارها، وقد عمل السلطان على تمهيد الطريق بين أدرنه والقسطنطينية لكي تكون صالحة لجر المدافع العملاقة خلالها إلى القسطنطينية، وقد تحركت المدافع من أدرنه إلى قرب القسطنطينية، في مدة شهرين حيث تمت حمايتها بقسم الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية في يوم الخميس 26 ربيع الأول 857هـ الموافق 6 أبريل 1453م.

وحاول البيزنطيون أن يبذلوا قصارى جهدهم للدفاع عن القسطنطينية ووزعوا الجنود على الأسوار، وأحكموا التحصينات وأحكم الجيش العثماني قبضته على المدينة. وبرزت عبقرية الفاتح أثناء الحصار، حيث لاحت للسلطان فكرة بارعة وهي نقل السفن من مرساها في بشكطاش إلى القرن الذهبي، وذلك بجرها على الطريق البري الواقع بين الميناءين مبتعدًا عن حي غلطة خوفًا على سفنه من الجنوبيين، وقد كانت المسافة بين الميناء نحو ثلاثة أميال، ولم تكن أرضاً مبسوطة سهلة ولكنها كانت وهاداً وتلالاً غير ممهدة.

لقد جُرت السفن من البوسفور البر حيث سحبت على تلك الأخشاب المدهونة بالزيت مسافة ثلاثة أميال، حتى وصلت إلى نقطة آمنة فأنزلت في القرن الذهبي، وتمكن العثمانيون في تلك الليلة من سحب أكثر من سبعين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من العدو، بطريقة لم يسبق إليها السلطان الفاتح قبل ذلك، وقد كان يشرف بنفسه على العملية التي جرت في الليل بعيداً عن أنظار العدو ومراقبته.

كان هذا العمل عظيمًا بالنسبة للعصر الذي حدث فيه بل معجزة من المعجزات، تجلى فيه سرعة التفكير وسرعة التنفيذ، مما يدل على عقلية العثمانيين الممتازة، ومهارتهم الفائقة وهمتهم العظيمة. لقد دهش الروم دهشة كبرى عندما علموا بها، فما كان أحد ليستطيع تصديق ما تم. لكن الواقع المشاهد جعلهم يذعنون لهذه الخطة الباهرة.

ولقد كان منظر هذه السفن بأشرعتها المرفوعة تسير وسط الحقول كما لو كانت تمخر عباب البحر من أعجب المناظر وأكثرها إثارة ودهشة. ويرجع الفضل في ذلك إلى الله سبحانه وتعالى ثم همة السلطان وذكائه المفرط، وعقليته الجبارة، وإلى مقدرة المهندسين العثمانيين، وتوافر الأيدي العاملة التي قامت بتنفيذ ذلك المشروع الضخم بحماس ونشاط.

ظهر اليأس في أهل القسطنطينية وكثرت الإشاعات والتنبؤات بينهم، وانتشرت شائعة تقول: ستسقط القسطنطينية عندما ترى سفناً تمخر اليابسة، وكان لوجود السفن الإسلامية في القرن الذهبي دور كبير في إضعاف الروح المعنوية لدى المدافعين عن المدينة الذين اضطروا لسحب قوات كبيرة من المدافعين عن الأسوار الأخرى لكي يتولوا الدفاع عن الأسوار الواقعة على القرن الذهبي إذ إنها كانت أضعف الأسوار، ولكنها في السابق تحميها المياه، مما أوقع الخلل في الدفاع عن الأسوار الأخرى.

4- فتح من الله ونصر قريب:

عند الساعة الواحدة صباحًا من يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857هـ الموافق 29 مايو 1435م بدأ الهجوم العام على المدينة بعد أن أصدرت الأوامر للمجاهدين الذين علت أصواتهم بالتكبير وانطلقوا نحو الأسوار، وخاف البيزنطيون خوفًا عظيمًا، وشرعوا في دق نواقيس الكنائس والتجأ إليها كثير من النصارى وكان الهجوم النهائي متزامنًا بريًا وبحريًا في وقت، وكان الهجوم موزعًا على كثير من المناطق، ومع استبسال البيزنطيين وشجاعة العثمانيين كان الضحايا من الطرفين يسقطون بأعداد كبيرة.

بعد دخول قلب المدينة، توجه محمد الفاتح إلى كنيسة آيا صوفيا وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، وعندما اقترب من أبوابها خاف النصارى داخلها خوفًا عظيمًا، وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة إلى بيوتهم بأمان، فاطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم، وقد أمر الفاتح بعد ذلك بتحويل الكنيسة إلى مسجد، وأن يعد لهذا الأمر حتى تقام بها أول جمعة قادمة، وقد أعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية واختيار رؤسائهم الدينين الذين لهم حق الحكم في القضايا المدنية، كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى ولكنه في الوقت نفسه فرض الجزية على الجميع.

5- أثر فتح القسطنطينية على العالم الأوروبي والإسلامي:

يعتبر فتح القسطنطينية من أهم أحداث التاريخ العالمي، وخصوصًا تاريخ أوروبا وعلاقتها بالإسلام حتى عده المؤرخون الأوروبيون ومن تابعهم نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة.

وقد تأثر الغرب النصراني بنبأ هذا الفتح، وانتاب النصارى شعور بالفزع والألم والخزي، وتجسم لهم خطر جيوش الإسلام القادمة من إسطنبول، وبذل الشعراء والأدباء ما في وسعهم لتأجيج نار الحقد وبراكين الغضب في نفوس النصارى ضد المسلمين، وعقد الأمراء والملوك اجتماعات طويلة، وتنادى النصارى إلى نبذ الخلافات بينهم. وكان البابا نيقولا الخامس أشد الناس تأثرًا بنبأ سقوط القسطنطينية، وعمل جهده وصرف وقته في توحيد الدول الإيطالية وتشجيعها على قتال المسلمين، وترأس مؤتمرًا عقد في روما أعلنت فيه الدول المشتركة عن عزمها على التعاون فيما بينها وتوجيه جميع جهودها وقوتها ضد العدو المشترك. ولكن اضطر النصارى الذين كانوا يجاورون السلطان محمد أو يتاخمون حدوده ففي أماسيا، وبلاد المورة، طرابزون وغيرهم أن يكتموا شعورهم الحقيقي، فتظاهروا بالفرح وبعثوا وفودهم إلى السلطان في أدرنه لتهنئته على انتصاره العظيم.

وأما آثار هذا الفتح المبين في المشرق الإسلامي، فنقول: لقد عم الفرح والابتهاج المسلمين في ربوع آسيا وأفريقيا فقد كان هذا الفتح حلم الأجداد وأمل الأجيال، ولقد تطلعت له طويلاً وها قد تحقق وأرسل السلطان محمد الفاتح رسائل إلى حكام الديار الإسلامية في مصر والحجاز وبلاد فارس والهند وغيرها؛ يخبرهم بهذا النصر الإسلامي العظيم. وأذيعت أنباء الانتصار من فوق المنابر، وأقيمت صلوات الشكر، وزينت المنازل والحوانيت وعلقت على الجدران والأعلام والأقمشة المزركشة بألوانها المختلفة.

كما بعث بمثل هذه الرسائل إلى الأمراء المسيحيين المجاورين له في المورة والأفلاج والمجر والبوسنة وصربيا وألبانيا وإلى جميع أطراف مملكته. فكان فتح القسطنطينية نصرًا وفتحًا مبينًا رفع مكانة الدولة العثمانية، ومهد الطريق لنشر رسالة الإسلام في أنحاء أوروبا، وتوسعت الانتصارات التي أطالت من حكم الدولة العثمانية قرونًا.

المراجع:

  1. أكرم ضياء العمري، المجتمع المدني، ص115.
  2. سالم الرشيدي، محمد الفاتح، ص89.
  3. سعيد عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ص29.
  4. عبد العزيز العمري، الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص358.
  5. علي الصلابي، الدولة العثمانية، دار التوزيع، بور سعيد، 2001، ص. ص87 – 125.
  6. فتح القسطنطينية، محمد صفوت، ص69.
  7. محمد حرب، العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص253.
  8. محمد فؤاد كوبريلي، قيام الدولة العثمانية، ص43.
  9. محمد مصطفى، فتح القسطنطينية وسيرة السلطان محمد الفاتح، ص36-46.
  10. يلماز أوزنتونا، تاريخ الدولة العثمانية، ص135.
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top