“كورونا”.. وتحديات التعايش النفسية والصحية

17:54 19 يوليو 2020 الكاتب :   نجلاء محفوظ (*)

  

ـ الرياضة ضرورية ليس للياقة البدنية فقط ولكن لدورها المهم في تحسين الحالة النفسية وتجديد النشاط

ـ لا تنكر قلقك لكن لا تصف نفسك بالضعف أو قلة الإيمان ولا تستسلم له ولا تتجاهله

ـ احرص على تخصيص وقت يومياً للقراءة ليرتاح العقل وتهدأ النفس

ـ قد تتزايد المشكلات بسبب البقاء الإجباري في البيوت فلننتبه ونمنع استفحالها وعلينا التحلي بالصبر

 

 

لا مفر من التعايش مع فيروس «كورونا» الذي اجتاح العالم ويواصل الانتشار، ويؤكد العلماء أنه سيظل لوقت لا يجزم به أحد حتى الآن، واقع جديد يفرض علينا تحديات لم نعشها من قبل، ولم نفكر بها يوماً، ويقال: «إن الإنسان المفاجَأ نصف مهزوم»؛ فلنسارع باستعادة ثباتنا النفسي وهدوء العقل لنتمكن من الفوز بمشيئة الله سبحانه في اختبار «كورونا»، واجتياز تحدياته النفسية والصحية بنجاح.

ومعنى التعايش لغوياً هو العيش مع الآخرين بألفة ومودة، وهو هدف غير واقعي مع «كورونا»؛ ولكن تقبُّل وجوده برضا قلبي ويقين عقلي بأن الخالق عز وجل سيكتبنا من الناجين منه، ومن المؤمنين الذين يسلمون بصدق وسكينة؛ إذ توجد حكمة إلهية لا نعرفها، ونحسن الظن بالخالق عز وجل، ونلح بالدعاء بسرعة انتهاء الوباء والنجاة للعالم كله.

خطر جديد

نبدأ بالتحديات الصحية، ومنها الخوف من الاعتياد على «كورونا» والتراخي –تدريجياً- بالالتزام باحتياطات الوقاية وما يتبعه –لا قدر الله- من زيادة فرص الإصابة به، أو المبالغة باستخدام المطهرات، وفرط الخوف والقلق وهما يتسببان بخطر تراجع المناعة الصحية؛ فلا شيء ينهكها كالفزع وسوء الحالة النفسية.

ونوصي بالاهتمام بمتابعة الحالة الصحية؛ فقد لاحظنا امتناع بعض مرضى الأمراض المزمنة من الذهاب للأطباء للمتابعة الدورية خوفاً من انتقال العدوى عند الذهاب للعيادات والمستشفيات، وهذا خطر جديد لا داعي لتكبده، والأفضل ارتداء الكمامات والتزام الحذر ومتابعة الذهاب للأطباء وعدم إهمال أي بوادر لأي مرض ومنعها من التفاقم للحفاظ على الصحة ولمنع أي تراجع بالمناعة الصحية.

وننبه إلى تناول الخضراوات والفواكه والبروتين يومياً، وتقليل النشويات والحلوى حتى لا نصاب بالبدانة، وتناول الفيتامينات، خاصة فيتامين «سي» والزنك، وشرب المياه بكثرة، والنوم لساعات كافية، والاسترخاء وإغماض العينين لبضع دقائق يومياً؛ لتهدئة العقل والجسم، وهو ما نحتاجه دوماً وفي أوقات الأزمات أكثر، ولنجعل ذلك عادة.

تجنب الكسل وانخفاض النشاط؛ لما لهما من آثار ضارة نفسياً وصحياً، بل ويضر بصحة العقل، واحرص على الحركة، ويمكنك الاستفادة من مكالماتك الهاتفية بالحركة والمشي أثناءها.

يجب ممارسة الرياضة ما استطعنا؛ فهي ضرورة لهذا الوقت، ليس لمنع الترهل أو ضياع اللياقة البدنية فقط، ولكن لدورها المهم جداً في تحسين الحالة النفسية وتجديد النشاط وحيوية العقل وزيادة التركيز.

احرص على غسل اليدين بالماء والصابون؛ فهو العامل الأول للوقاية من فيروس «كورونا» مقارنة بالحماية التي يوفرها ارتداء القفازات، ولكن الأخيرة ضرورية أثناء تنظيف المنزل وتعقيمه، ورعاية المرضى، وأثناء التسوق أو استخدام الصراف الآلي

راقب نفسك

لا تنكر قلقك، ولا تصف نفسك بالضعف أو قلة الإيمان، ولا تستسلم له، ولا تتجاهله؛ وقل لنفسك: سأجعل القلق خادمي ولن يكون سيدي أبداً؛ سأسخره لاتخاذ المزيد من الاحتياطات، ولن أسمح له بإيذائي وبسرقة صحتي النفسية والجسدية، وتنبه متى يزداد قلقك؛ هل بعد الحديث مع بعض من يصدّرون الطاقات السلبية، أم بعد مشاهدة بعض الفضائيات، أم بعد قراءة بعض المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي؟

وراقب نفسك؛ هل زاد قلقك، وأصبحت سريع الانفعال وعانيت من الأرق؟ إذا اكتشفت ذلك فلا تنكره ولا تعتبره أمراً عادياً بسبب «كورونا»، وسارع بطمأنة نفسك وتناول المشروبات الطبيعية والمهدئة كاليانسون والليمون، وابتعد عن كل ما يضاعف قلقك وخوفك، وذكّر نفسك بأن البعض يبالغ في الإعلام والفضائيات بحثاً عن جذب أعداد أكبر من المتابعين، وهناك أمراض أكثر خطورة من «كورونا»؛ فخطر الفيروس يكمن في سرعة العدوى منه، وأن الوقاية ممكنة بمشيئة الله، ونسبة التعافي تزداد، وازرع في قلبك وعقك حسن الظن بالله والتوكل التام عليه سبحانه وتعالى، بعد الأخذ بالأسباب بجدية.

نتوقف عند الخوف المشروع والطبيعي جداً من الموت، ولا نطالب بإنكاره؛ حتى لا يتضخم بعيداً عن سيطرتنا، ولنتذكر أن الكثيرين يموتون يومياً بلا أمراض، وأنَّ لكل أجل كتاباً، وأن الموت لا مفر منه؛ وهذا لا يعني انتظاره وتلوين الحياة بالكآبة، ولكن تحسين استثمار الحياة، وشكر الله سبحانه على كل النعم التي لدينا والاستمتاع بها، والسعي ليكون كل يوم أفضل مما سبقه دينياً ودنيوياً، وكل أزمة خير ونور؛ وقليلون جداً من يختارون الانتباه لهما، ويعيدون ترتيب الحياة والأولويات والعلاقات أيضاً وما يستحق الانشغال به، وما يستحق الغضب أو الحزن، ولنضع القول الرائع نصب أعيننا دائماً: لا تفرح ولا تحزن إلا على ما ينير لك قبرك؛ فنحسن تقدير نعمة الحياة وندعو لأنفسنا وللجميع بطول العمر وحسن العمل وحسن الخاتمة.

امنع الأذى

نود طرد فكرة الإجبار ببقائنا في البيوت؛ لأنها مجهدة نفسياً، ولنعمل على اتساع أهدافنا بالحياة، وعلى رأسها إرضاء الله عز وجل، مع تخصيص وقت يومياً للترفيه المباح، ونتوقف عن اللهاث وراء أخبار «كورونا» وانتظار نهايته، ولا نوقف الحياة، ولنحرص على البقاء منشغلين؛ فالانشغال الذكي بما يفيدنا يحسن صحتنا النفسية ومن ثم العقلية والجسدية، بينما الفراغ يجذبنا للتفكير بما يؤذينا.

وعلينا أن نحرص على قراءة القرآن الكريم يومياً؛ لنتزود بالسكينة ولنرضى عن أنفسنا، ولا نفكر باحتمالات المرض، ونركز على الوقاية وحسن الظن بالله وحده، فالتفكير بالمرض يستدعيه من خلال الجزع وإضعاف النفس.

ولنخصص وقتاً يومياً للقراءة؛ ليرتاح العقل وتهدأ النفس وتتسع الحياة ونشعر بالرضا؛ لأننا نستفيد من أوقاتنا ونفيد الآخرين بخبرات جديدة، وإذا لم تكن تحب القراءة فبإمكانك قراءة ملخصات للكتب وستجدها على الإنترنت وربما شجعتك على حب القراءة.

وننادي بالاهتمام بالصحة العقلية والنفسية كما نهتم بصحة الجسد؛ فالتوتر الزائد يؤذي العقل ويضعف الذاكرة ويتسبب بأمراض جسدية، ولنفكر كيف نجعل فترة «كورونا» مفيدة لنا في الحاضر والمستقبل.

وعلينا تذكر الآية الكريمة: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51)، ولنحرص على تحديد مواعيد النوم والأكل؛ فالفوضى تضعف الصحة النفسية وتتسبب بالاضطراب، مع التغيير؛ فتشابه الأيام يتسبب بالملل وضيق الصدر والاكتئاب، ونحرص على إجراء مكالمات يومية مع نهتم بأمرهم.

ونتذكر أن وقوع البلاء أهون من انتظاره، وتوقع الأسوأ يسلب الطاقات ويضيع العمر، وإذا حدث –لا قدر الله- ما نخاف منه نكون قد أنهكنا أنفسنا وأضعفنا قوتنا الجسدية والنفسية.

جوائز ومكاسب

تعامل بلطف مع أفراد أسرتك، وشجعهم على المُثل، وقم بدور الإطفائي بإنهاء أي خلافات تنشأ أولاً بأول؛ فقد تتزايد المشكلات بسبب البقاء الإجباري في المنازل، فلننتبه ونمنع استفحالها، وتذكير الجميع أننا نتشارك الضغوط والضيق وليس مقبولاً زيادتها بتعمد المضايقات أو بعدم التراجع عنها.

ونحتاج جميعاً إلى الصبر؛ للتعامل مع كل ما لا نحب؛ «كورونا» وغيره، ونحتاج الصبر مع أنفسنا ومع الآخرين، كما نحتاج أكثر لشكر الله تعالى على كل ما لدينا من نعم حالياً؛ فالشكر هو الوقود الحقيقي للصبر الجميل؛ فكما رزقنا الله سبحانه النعم بلا حول ولا قوة منا، سيرزقنا أيضاً الصبر وجوائز الصابرين.

ويمكن أن يكون للالتزام بالبقاء بالمنازل مكاسب، خاصة للمتزوجين؛ بالحرص على تجنب الانتقادات والتعامل بلطف مع الطرف الآخر بلا شروط مسبقة، وتقبله كما هو، وزيادة الرصيد الجميل لديه لمحو الرصيد السلبي، وإزالة الحواجز النفسية المتراكمة -إن وجدت- بهدوء وبلا تعجل للنتائج، وتجديد الود والتراحم، ومضاعفة الاحترام والتقدير؛ وسيحصد الثمار الرائعة ولو بعد حين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) كاتبة ونائبة رئيس تحرير «الأهرام».

عدد المشاهدات 3215

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top