طباعة

    التسامح.. أصل إسلامي وضرورة اجتماعية

14:59 23 يناير 2016 الكاتب :   أ.د. عجيل النشمي

نقول ابتداء: ليس المقصود من التسامح التساهل في الثوابت والعقائد، فهذه يجب أن تكون مصونة، وإنما التسامح في ساحاته الواسعة في السلوك والتعامل قولاً وفعلاً مع الغير، وفي احترام رأي الآخر، والتقارب والتعاون فيما يقوي أواصر حسن التعايش وما يعود على وحدتنا الوطنية بالقوة والرفعة نقول هذا ابتداء ليكون ما بعده واضحاً.

ولنبدأ بالأفق الإسلامي الفسيح بمبادئه السامية الواضحة، ثم نلج منه إلى واقعنا الاجتماعي، ونطرق هذا الموضوع المهم بوضوح، فنحن في مقام النصح لأنفسنا، فلا يسعنا التهميش والخفاء والتستر بالعبارات.

والتسامح هو أن تترك للآخر حق الاعتقاد بما يراه من ديانة ومذهب، ثم لا تضيِّق عليه بترك أمر يعتقد وجوبه، أو فعل أمر يعتقد حرمته، ومن التسامح ألاَّ تضيِّق على المخالفين لك في الاعتقاد، بل تترك له حرية اعتقاده «لا إكراه في الدين»، والتسامح درجة أسمى من ضوابط القوانين والنظم التي تحاسب الإنسان على تصرفاته، فالتسامح أمر قلبي وإحساس داخلي يشعرك بالمحبة والمودة والعفو وحسن العشرة، وجميل المعاملة، وسَعَة المشاعر الإنسانية من الرحمة والإحسان والرضا في علاقتك بالغير.

التسامح من مبادئ الإسلام الثابتة، بل هو ركن في العلاقات الإنسانية بين المسلمين، ولم يترك الإسلام تحديد معالم التسامح لاجتهادات علماء المسلمين، بل حددها الله تبارك وتعالى في كتابه، كما حددها النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في قوله وفعله، فقال تعالى في تحديد العلاقة مع غير المسلمين (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {8}) (الممتحنة)، ونلحظ هنا تعبير القرآن عن قمة التسامح بلفظ البر «تبروهم» وهو مصطلح خاص بالأقربين مثل الوالدين والأقارب، كما أردف هذه الكلمة السامية بكلمة القسط وهو العدل، وختمت بأن الله يحب هؤلاء المقسطين، وأساس مبدأ التسامح في الإسلام هو كرامة الإنسان، وهل هناك أعظم من تحقيق هذا المعنى من تسامح النبي عليه السلام، ولقد كان لنا في رسول الله أسوةٌ حسنة في ترسيخ معنى التسامح مع الغير ولو أساء القول والفعل، فقد لقي من أذى الناس الكثير؛ فصبر ثم عفا وغفر وصفح مصداق قوله تعالى: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ {85}) (الحجر)، ولسنا بحاجة إلى ذكر مواقفه - صلى الله عليه وسلم - المعلومة المشهودة مع قومه وغيرهم، ويكفينا تذكر أنه حين مرت جنازة فقام لها، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفساً؟».

وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم وعموم المسلمين بالرفق في دعوتهم للناس، فقال تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125)، لقد كانت سماحة الإسلام من أعظم أسباب سرعة انتشاره، في بقاع الأرض؛ الأمر الذي أذهل المؤرخين والراصدين لحركة التاريخ الإنساني.

ولعل الملاحظ اليوم – للأسف - أن البعض من الدعاة، والبعض من الفقهاء من الأطراف المختلفة بل وحتى البعض من المتدينين من عوامِّ المسلمين؛ أخذوا يتجاوزون هذا المنهج القويم، بإثارة نزعات الحقد والكراهية، والفرقة بين المسلمين، بترويج سلع كاسدة كالطائفية والمذهبية؛ حيث يجدون لبضاعتهم سوقاً بائرة في بعض أوساط المجتمعات الإسلامية، من خلال نفخهم في كثير من العصبيات المذهبية، عن طريق إثارتهم المستمرة لنقاط الاختلاف المذهبية الإسلامية، ولا سيما عندما يتعاطون مع التاريخ بأطروحات متطرفة، تركز على مسائل خلاف لا موجب لها في خطابهم الموجَّه للجماهير، والذي ينتمي للماضي حدثاً ورؤية؛ الأمر الذي يقود بالمحصلة إلى شحن الرأي العام بين أبناء البلد الواحد، ومن ثَمَّ فهم بذلك المسلك الناكب يستنزفون بدعواهم تلك قوى الخير في وجدان الناس، ويذرونهم غلاةً متطرفين، بلا رصيد عاطفي؛ فيحرمونهم من فرصة الانجذاب نحو مودة أخيهم الآخر، حيث يفترض بأبناء المجتمع المسلم الواحد أن يتقبَّل بعضهم بعضاً، بغض النظر عن المذهب، أو النِّحلة، أو الطائفة؛ والملاحظ أن الكثير من القنوات الفضائية، ومواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت - للأسف الشديد - تتبنى تلك التوجهات المتطرفة في تغريدات عوالمها الافتراضية؛ لإثارة الفتنة المذهبية، وتصعيد الكراهية للآخر عن عمد، أو عن غير عمد، وتأجيج الصراع بين أبناء المجتمع الواحد.

ومع أن التعصب المذهبي حقيقة قائمة في واقعنا الإسلامي، وهو ليس وليد الساعة، فما نراه، ربنا أعلم به منا، ولا يحدث في كون الله إلا ما يريد، ومطلوب منا في عالمنا الإسلامي الواسع وفي بلدنا الحبيب هذا التقارب والتسامح وإطفاء شرار الفرقة، فكلنا وراء ربان واحد نلتف حوله ونحمل المسؤولية معه، وكما أننا لا نختلف عليه فيجب ألا نختلف فيما بيننا، فكلنا في مركب واحد قد تعصف به الفتن والأحقاد، فالتسامح والحال هذه ليس مطلباً فحسب، بل ضرورة وطنية وحياتية ومصلحية جماعية واجتماعية للتعايش.

 

المصدر: جريدة "الراي" الكويتية.

عدد المشاهدات 1025