الذكاء الأخلاقي

16:42 06 مارس 2016 الكاتب :   رحمة الغامدي

يُعتبر الذكاء الأخلاقيُّ من أحدث أنواع الذكاءات التي ضمن نظرية جاردنر للذكاءات المتعدِّدة؛ حيث قال جاردنر في محاضرة له عام 2005م: إن الذكاء الأخلاقيَّ هو الضابط للذكاءات المتعدِّدة الأخرى.

فعلاً؛ كيف يتميَّزُ الإنسان في الذكاء الاجتماعيِّ، أو الذكاء الماليِّ، أو حتى الذكاء العاطفيِّ، وهو ضعيفٌ في الذكاء الأخلاقيِّ؟

وحتى تتضح الصورةُ أكثَرَ حول الذكاء الأخلاقي؛ لنا أن نتخيَّلَ المجتمع بدون "عدالة - تعاطُف - رقابة ذاتية - تسامُح – احترام"، كيف سيكون؟

أتوقعُ أنه سيكون أشبَهَ بغابةٍ مليئة بالحيوانات المفترسة التي لا يَحْكُمُها نظامٌ، وكأنَّ لسان حالهم يقول: إن لم تكن ذئباً أكلَتْك الذئابُ، أو: أنا ومِن ورائي الطوفانُ!

كيف سيكون المجتمع لو أن ضمائر أفراده تعيش في سُبَاتٍ عميق لا تُميِّز بين الحق والباطل؟ ولا تستطيع أن تحكُمَ على السلوك بأنه صواب أو حتى خطأ؟

فما الذكاء الأخلاقيُّ؟

الذكاء الأخلاقي هو قدرة الفرد على الالتزام بالسلوكياتِ الأخلاقية مع ذاته ومجتمعه؛ مثل: التسامُح، والعدل، والتعاطُف مع الآخَرين، بالإضافة إلى الاحترام، والضمير الحيِّ، ومراقبة الذات.

ما أبعادُه؟

حتى أستطيع أن أحكُمَ على الفرد بأنه ذو ذكاءٍ أخلاقي؛ فإني لا بدَّ أن أنظُرَ إلى مستوى وجود هذه الأبعاد لديه، وهي: الضمير، والتعاطف، والعدل، والاحترام، والعطف، والرقابة الذاتية، والتسامح.

ولا يختلفُ اثنانِ على أهمية هذه الأبعاد للمجتمع؛ لأنها تسمو بالنفس، وتُخلِّصُها من الاضطرابات النفسية، وكذلك تَحمي المجتمعَ من الانحراف والعُدْوان والفساد وغيرِها من المشكلات الأخلاقية، وهذا ما أشارتْ إليه الدراساتُ النفسية والاجتماعية.

ما وسائل وطرق تنمية الذكاء الأخلاقيِّ في الأفراد والمجتمعات؟

حتى نتمكَّنَ من تنمية أي سمة إيجابية، أو التخلُّص من سمة سلبية، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات؛ فنحن بحاجةٍ إلى فهم هذه السمة أولًا: ما هي؟ وما مكوناتُها؟ ولذلك أُوصِي المربِّين والمربياتِ عامةً بالقراءة والفهم أكثَرَ حول موضوع الذكاء الأخلاقي، وباختصار: إن تنمية الذكاء الأخلاقي هي تنميةٌ لأبعاده؛ ولذلك علينا أن نركِّز على كلِّ بُعدٍ من أبعاده، ونحاول تنميتَه وغرسه في المجتمع، ومن وسائل التنمية التالي:

1- بدايةً لنُنقِّب عن مدى إيماننا نحن كمربِّين بأهمية "الضمير الحي - الاحترام - التعاطف - التسامح - العدل - الرقابة الذاتية"؛ إذ مهما قدَّمْنا نحن كمربِّين من جهد دون إيماننا بأهميتها - حيث يرى البعض أنها تُولِّد الضَّعفَ والهزيمة - فحتماً ستكون النتيجةُ مخرَجاتٍ هزيلةً، وكما يقول المَثَلُ: "النائحةُ الثَّكْلَى ليست كالمستأجَرة".

2- المربِّي الناجح هو الذي يَقرأُ أكثَرَ عن كل بُعدٍ من أبعاد الذكاء الأخلاقي، وكيف يمكن تنميتُه من خلال "المنهج - المواقف في المنزل – اللعِب" وغيرها.

3- الاهتمام بمرحلة الطفولة؛ فالغِراسُ فيها له جذور قوية لا تقتلعُها رياحُ العولمة، وعواصفُ الهزيمة النفسية، التي يمكن أن يعيشها الفردُ مستقبلاً.

4- التعزيز بجميع أنواعه وأساليبِه، لكل مَن يتحلَّى بالذكاء الأخلاقي، سواء على مستوى الأسرة أو المؤسسات.

5- ترتيب قوانينَ داخل محيط الأسرة، مع الحزم في تطبيقها والتشجيع عليها.

6- التربية على تحمُّل المسؤولية من خلال مجموعة من الفنيَّات؛ منها تحديد مهامَّ للخدم والسائقين، وتكليف الأبناء بأعمالٍ في المنزل، بالإضافة إلى تشجيعهم على الأعمال التطوُّعية.

7- تنمية التفكير الناقد؛ مما يساعد على تمييز الفرد للصواب والخطأ بنفسه، وهذا من أهم ما يُساعد على إيقاظ الضمير.

8- التربية على المراقبة الذاتية، ومحاسبة النفس، والتأكيد على أن الرقيب هو الله عز وجل، فنحن لن نكون دوماً معهم.

9- التربية على مبدأ "أَحِبَّ لأخيك ما تُحِبُّ لنفسك"، وأن ما يُؤذينا يُؤذي الآخَرين أيضاً؛ فهذا من أهم ما يوقظ الإحساسَ بالآخرين، والتعاطف معهم.

10- التربية على ثقافة الاحترام؛ من خلال عدم السخرية من الآخَرين أو مقاطعتهم عند الحديث، وتوضيح الآثار السلبية التي تعودُ على الفرد نفسه، والآخرين.

11- التعرُّف على الأفكار السلبية التي قد تعوقُ التحلِّيَ بهذه الأبعاد، ومحاولةُ تخليص الفرد منها، ومن هذه الأفكار: أن من يتحلى بالتسامح أو الاحترام هو ضعيف الشخصية، وغيرها.

12- التربية على التسامح مع الآخر رغم الاختلاف، وذلك من خلال التعرُّف على إيجابياتِه، واحترام وجهةِ نظرِه.

13- التربية على العدل وتنفيذ القوانين ولو على نفسه، وثقافة: "انصُرْ أخاك ظالماً، أو مظلوماً"؛ تنصُرُه ظالماً بإبعاده عن ظُلمِ الآخَرين.

14- الدعاء، والتوكلُ على الله، وطلب العون منه لأداء رسالة التربية، مع إخلاص العمل لوجه الله عز وجل أمرٌ لا غنى لنا عنه، فمَن نحن بدون عون الله وتوفيقه لنا؟!

وختاماً: المربي الذي ينجح في إكساب الأفراد الذكاء الأخلاقي هو مربٍّ يتصفُ بالصبر، ويُجيد فنَّ الحوار والتواصل، هو قدوة في التعاطف والاحترام، هو من يجيد فن التسامح، ومراقبة الذات.

والمجتمع بحاجة إلى برامجَ وخُططٍ ومشاريعَ؛ فلا خير في مجتمع لا يقدِّر كبيراً، ولا يرحمُ صغيراً، ولا يعطف على فقيرٍ، أو يساعد مكروباً.

 

المصدر: "الألوكة".

عدد المشاهدات 1891

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top