القرار لمن؟.. حوار مع شاب (4)

13:39 13 يونيو 2016 الكاتب :   د. إيمان الشوبكي

انفردت به متعمدة في طريقه إلى المدرسة وسألته عن أحواله وأخيه الأصغر وأمه المريضة.

فقال: الحمد لله، قالها وهو مطأطئ الرأس.

فقلت: همك بادٍ على وجهك، لا يتجاهله مبصر ولا عاقل.

قال: والدي.

قلت: ألهذه الدرجة همّ الآباء دائماً مصدر حزن الأبناء والشباب؟!

قال: لماذا تلك الفجوة بينكم كجيلين؟

وأردف: المشكلة عندما تتلخص في القرار لمن؟

قلت: يعني..؟

قال: أنا أريد التخطيط لمستقبلي من خلال رؤيتي لنفسي وقدراتي، وأبي وأمي بل العائلة كلها أحياناً تتدخل في قراراتنا المصيرية التي هي من حقي.

قلت: وهل قراراتك المصيرية حقك وحدك؟

قال: حتى اللبس، يعلقون عليه يتدخلون في أسعاره وموديلاته.

قلت: من أي سن تعتقد أن يترك الأبناء لأنفسهم؟

قال وقد بدت الحيرة على وجهه: لا أدري، أعتقد أنها على حسب النضج والمسؤولية، ليست مرتبطة بشكل قطعي على السن.

قلت: وكيف تستطيع أن تقيِّم مستوى النضج هذا والمسؤولية؟

قال: أسئلتك صعبة!

قلت: الأصعب هو طلبات الأبناء أحياناً وما يطالبون بتنفيذه.

قال: لكن هي الحرية الشخصية في القرار.

قلت: أم الشعور بالاستقلالية؟

قال: هذا أو ذاك إحساس الشاب أن لديه مساحة كافية للاختيار، ولا يفرض عليه كأنه طفل لا يدرك مصلحته.

قلت: نعم، الاستقلالية مع المسؤولية.

قال: ماذا تعني؟

قلت: الطفل الصغير قد أعطيته بعض القرارات، لكن بدون تحمل للنتائج كاملة له، أما الشاب المسؤولية كاملة عليه، وجزء من النتيجة عائد على الأهل.

قال: مثل؟

قلت: لو أخذت قراراً مثلاً بالزواج من فتاة اخترتها أنت طبعاً لمواصفات ورغباتك دون النظر لأي اعتبارات أخرى.

قال: وهل في مثل هذا القرار اعتبارات غير تلك؟

قلت: سأجيبك بعد أن أوضح لك كم يكون الفرع متصلاً بالجذور مهما نضج وعلا وارتفع، فمازال يسقى من الجذور، ويطلق عليها اسم الجذور ذاتها، فأنت تحمل اسمهم وترث مستواهم الاجتماعي حتى تحركه أنت فيما بعد، والثقافي كذلك.

قال: الرجل بذاته.

قلت: نعم بذاته فيما يخص، وبالآخرين فيما يعم.

قال: وكيف يرث الشاب ذنب أو سمعة عائلته؟

قلت: هكذا الدنيا، أنت رجل بذاتك في صفاتك وأخلاقك وسلوكياتك وبعائلتك اسماً ونسباً.

قال: أليس هذا ظلماً؟

سألت: هل تستطيع أن تتزوج فتاة مجهولة النسب؟

قال مندفعاً: لا.

قلت: لماذا؟

قال متلعثماً: لا أعرف من أبيها وأمها ومن هي وكيف وضعهم.

قلت: هذا ما أقوله؛ الفرع من الأصل، لا تستطع فصله مهما حاولت، وارجع إلى سؤالك فما هو؟

قال: هل في قرار الزواج اعتبارات غير ما يحدده الشاب ويورده؟

قلت: بعد ما ذكرت اتصال الفرع بالأصل وارتباطه به، فهناك توافقات لا بد من مراعاتها حتى تضمن نجاحاً سعيداً وسريعاً.

قال: وما هذه التوافقات؟

أجبت: التوافق الاجتماعي والديني والثقافي والذكائي والمادي..

قال: كل هذا؟ ولماذا؟

قلت: لأنها ستضمن لك أو تمهد وتعبد لك الطريق نحو توافق وانسجام.

قال: وما دخل الآباء في هذا القرار طالما اخترت بناء على هذه التوافقات مثلاً؟

قلت: لا دخل لهم بعد ذلك فيما تختاره لأنه لك وحدك.

قال: إذاً هل يمكن تقسيم القرارات لمن فيها الحق أو لمن القرار في أمور كثيرة عند الشباب فهم ليسوا حكراً لأحد؟

قلت: بالطبع نحن حينما نقل ذلك لا يعني أننا نتحكم فيهم أبداً، إلا أننا سنتحمل معهم النتائج جميعاً حتى الإخوة.

قال: هل يعني الاستقلال بحياة وحدي أنني مستقل والقرار يكون لي وحدي؟

قلت: لا أظن لأنك..

قاطعني: هل سيظل الإنسان رهينة.

قلت: لم تدعني أكمل.

قال: تفضلي.

قلت: ستكون أنت الأصل وأولادك الفرع، فحتماً ستأخذ في الاعتبار وجود أناس يعيشون معك.

قال: ألم يكن الأصل له حرية أكثر في القرار المنفرد والأوحد أحياناً؟

قلت: نعم، لكن هب أنك أخذت قراراً بالخروج لمصيف مثلاً، وحينما أخبرت به أسرتك وجدت أن لديهم امتحانات، هل ستأخذ القرار أيضاً؟

قال: لا، حينما يكون القرار متعلقاً بالآخرين حتماً سيكون في عين الاعتبار ظروفهم، لكن لو قرار يخصني وحدي يخصني أنا وحدي فقط، أليس في هذا العالم شيء اسمه استقلال؟

قلت: بالتأكيد هناك، لكن لو قرار يخص عملك أكيد ستدرس الظروف التي تعيشها، لم يكن للغير قرار أو مشاركة واضحة مباشرة، لكن وجودهم في دائرة القرار مؤثر في حد ذاته على القرار.

قال: هكذا الدنيا، لا انطلاقة كما كنا نتوقعها.

قلت: هناك انطلاقة في حدود تقسيم من مؤثر في اتخاذ القرار، ومن سيتأثر، وكلما انعدم المؤثر والمتأثر كان القرار انفرادياً.

قال: نعم، لقد ارتحت الآن يا دكتورة بهذا المفهوم الذي تجاهله يجلب علينا الويلات مع آبائنا، ونظل في شجار دائم معهم بسبب تدخلهم في قراراتنا واختياراتنا؛ ظناً منا بدكتاتورية الآباء، وظناً منهم بالحرص على المسؤولية.

قلت: نعم، لكن هذا لا يعني أن هناك آباء يتدخلون بشكل كبير ومستفز بالفعل في حياة الأبناء، حتى إنهم يسلبونهم إرادتهم، أو يتركون أمرهم بالكلية جهلاً منهم بمعنى الاستقلالية مع المسؤولية ومتى تكون، وكيف تكون.

قال: إذاً القرار لمن؟ ليس له إجابة محددة للجميع.

قلت: نعم، هي ضوابط لمواقف مختلفة لأعمار وعقول متنوعة تحسب لكل منهم على حدة.

قال: أشكرك على هذا الحسم في أمور كانت شائكة مع والدي وضعت لها حلولاً ونقاطاً على الحروف حتى نقرأها مضبوطة.. شكراً لك.

عدد المشاهدات 506

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top