"بوكيمون جو".. إدمان سلوكي جديد بانتظارنا‏!

16:43 13 يوليو 2016 الكاتب :   نور عودة

لا شك أن الانسان بطبعه كائن اجتماعي له تركيبةً خاصةً فريدة، يبحث دائماً عن تأصيل وجوده البشري مع من حوله وذلك عن طريق التواصل بكافة أشكاله، سواءً أكان تواصلاً مباشراً أم إلكترونياً فالمهم لديه أن يسقي جذوره ذاته وينميها، وبناءً عليه فإن الشركات الإلكترونية قد درست تلك الفلسفة الإنسانية العميقة وعززت نفوذها مع الأفراد سواءً أكانوا شباباً أم أطفالاً وذلك طبعاً لهدف مادي بحت، وعليه فقد صرح المدير التنفيذي لإتحاد البرمجيات الترفيهية بأن صناعة الألعاب الإلكترونية تعد واحدة من أهم القطاعات الاقتصادية، فهي تدر على أمريكا وحدها أكثر من 25 مليار دولار سنوياً.

ومن هنا فإن ضجيج الأسواق الإلكترونية مؤخراً بلعبة "البوكيمون جو" وتصدرها كأكثر الألعاب تحميلاً خلال يوم واحد من تفعيلها أمر ليس بالعجيب، فنحن مهيؤون نفسياً لاستيعاب مثل ذلك الضخ في سوقنا المستورد كوننا الحلقة النفسية الأضعف، وكوننا نبحث عن التواصل المشروخ مع ذاتنا ومع من حولنا.

فكرة اللعبة وفلسفتها

تعتمد هذه اللعبة "البلهاء" على تقنية الواقع المعزز الذي تعيش فيه مع هاتفك النقال طبعاً، إذ تحتاج منك تفاعلاً حقيقياً مع الواقع، ففكرة اللعبة هي البحث عن البوكيمونات واصطيادها ومن ثم المتاجرة بها أو التنافس مع أصدقائك لاستكمال بقية مساراتها، و يعتمد اصطياد البوكيمونات على تواجدك في أماكن حقيقية حول العالم ، حيث تظهر عليها شخصية اللاعب الذي ستنافسه والبوكيمونات التي ستصطادها، و يجب عليك المشي في مدينتك للبحث عن البوكيمونات، و بعد فتح اللعبة لأول مرة تختار شخصية اللاعب واللقب و من ثم تظهر لك خريطة الأماكن المحيطة بك بالاعتماد على تفعيل خاصية الموقع الجغرافي" جي بي أس" في هاتفك. و إن متابعي ذلك الفيلم الكرتوني يتذكرون أن هنالك شخصيات مائية و أخرى جبلية..إلخ، و كل منها طبعاً يتواجد حسب طبيعته و تركيبه.!

لماذا يلتفت العالم إلى مثل تلك الألعاب؟

1) تدني مستوى الكفاءة الذاتية: أشارت دراسة نرويجية إلى أن زيادة استخدام الألعاب الإلكترونية، مؤشر يدل على عدم رضا الفرد عن ذاته وعن حياته، وهو نوع من الهروب إلى العالم الافتراضي الذي يشكله الفرد بنفسه دون قيد أو فرض وهذا طبعاً بالنسبة للبالغ، أما بالنسبة للطفل فإنه يهرع إلى مثل تلك الألعاب ويجربها حتى يثبت لذاته أنه قادر على التفوق واستحداث فروقات جمة، على عكس ما يتلقاه من ذووه.

2) الفوضى الداخلية: إن تشتت الأفكار في داخلنا وقلة تنظيم ذواتنا أمر عظيم من شأنه أن يحولنا إلى مدمنين على تلك الألعاب وليس فقط مجرد هواة، فقد أثبتت الدراسات أن شخصا من بين عشرة أشخاص من اللاعبين يعد من المدمنين الإلكترونيين، وذلك بناء على تقدير المتخصصين في الصحة العقلية للألعاب الإلكترونية، وهذا ما أشارت إليه النتائج الإحصائية.

3) اندثار الوسيط التفاعلي الداعم: يعاني الأفراد اليوم من قلة الدعم الذي يحتاجونه، وذلك لانشغال الأسرة بأكملها بالتكنولوجيا، سواءً أكانت تلك الانشغالات بمواقع التواصل الاجتماعي، أو بالألعاب الإلكترونية وغيرها. وعليه فإن وجود ذلك الوسيط الإلكتروني الذي يعزز من تفاعل الفرد مع غيره يغذي روحه ويخدرها حتى يشعر الفرد أن ذاته قد تجذرت في مثل تلك الألعاب وحسب.

إننا للأسف لا نحسن استثمار ذلك التفاعل إلا في الترفيه والتسلية، ونتجاهل استثار ذلك في التعليم؛ حيث أثبتت الدراسات أن التكنولوجيا تستخدم في المؤسسات التعليمية بنسبة 3% فقط، بينما تستخدم بمعدل 16% في دول العالم الأخرى.

الآثار النفسية والاجتماعية لتلك الألعاب

1) طمس الهوية الحقيقية: إن غلو البشرية في تلك الألعاب الإلكترونية أمر يدعو للقلق؛ لأن الفرد بسببها يعيش بشخصيتين حتى يتكيف مع ذاته بها، وبذلك فهو لا ينفك ينفصل عن الأخرى حتى يقبع في سجنها طوال حياته، فيعاني من الاكتئاب ومستقبلاً الفصام.

2) تجريد الذات من المسؤولية الفردية أو المجتمعية: إن تكوين علاقات حقيقية كما في لعبة "بوكيمون جو" عبر الوسيط الإلكتروني الترفيهي يسحب بساط المسؤولية من ذواتنا؛ لأننا بذلك نكون قد شكلنا عالماً خاصا لنا نبني فيه واقعنا الوردي الذي نريد خاصة الأطفال والشباب، وما دام الفرد يقضي 1500 ساعة سنوياً وهو يلعب بالألعاب الإلكترونية حسب ما أكدته الدراسات الإحصائية، فهي كفيلة بسحب بساط كل شيء دون أن يشعر أو يبالي!

3) صعوبة انضباط الأفراد فكرياً وسلوكياً: لقد تم إنشاء مستشفيات في أميركا لعلاج هذا النوع من الحالات السلوكية غير المتوازنة بسبب الألعاب الإلكترونية، لأنه من خلال تلك الممارسات السلوكية الوضيعة ينظر مدمن الألعاب الإلكترونية للإنسان على أنه آلة صماء يعمل وقتما يريد وينطفئ كذلك.

4) السلام الداخلي في حضرة البرمجيات: يشعر مدمن الألعاب الإلكترونية بسعادة عارمة وقت تفاعله مع الألعاب أو اكتشافه لبرمجية جديدة، وهذا كفيل بتحويل ذلك الشخص إلى إنسان مصاب بمرض التوحد الذي يحدث نتيجة قلة التواصل الكلامي مع الأفراد الحقيقيين كالأم والأب والأصدقاء.

لقد توسع مفهوم الإدمان في العقدين الأخيرين ليصبح –للأسف- أكثر شمولية، حتى ظهر لدينا مفهوم"الإدمان السلوكي" وهو إدمان مقبول في مجتمعاتنا وبيئاتنا، ولكنه خطير جداً؛ لأنه من السهل أن يأخذ شكلاً اعتيادياً ومقبولاً في نفوسنا كما ستكون تلك اللعبة، إنه إدمان لا يقاوم بالرغم من تشابه خصائصه مع خصائص الإدمان الحقيقي.

إننا اليوم أحوج ما نكون إلى قضم ذلك الإدمان ورميه في مستنقع الرفض القاطع؛ لأنه سيفتح علينا باباً لا نملك قوةً عظيمةً لسده.

----

* المصدر: بصائر تربوية.

عدد المشاهدات 1028

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top