أخطاء الأبناء.. غير قابلة للنشر

16:52 04 سبتمبر 2016 الكاتب :   مفكرة الإسلام

عزيزي المربي، إذا بلغ ولدك أشده، وألهمه الله تعالى رشده، وقرّت به عينك، وسَعِدَ به قلبك، وحمدت الله تعالى على هذه النعمة العظيمة.. وجلست تتذكر سنوات التربية الطويلة؛ حتماً سيمر بخاطرك الكثير من المواقف الحرجة والتصرفات الخاطئة التي صدرت من أبنائك، فهل تتذكر كيف كنت تتعامل معها؟

 تتباين تصرفات الآباء والأمهات تجاه أخطاء الأبناء أثناء مسيرة تربيتهم وتعلمهم واكتسابهم الخبرات المختلفة من حيث كتمانها مع التصحيح، أو حكايتها على السبيل التندر، والأشد سوءاً التشهير بأخطاء الأبناء ضجراً وغيظاً منهم..! فما هو المسلك التربوي الصحيح في كل ذلك؟

-       "الستر والتصحيح" منهج الإسلام في التعامل مع أخطاء الكبار والصغار

لا شك أن الستر مطلب شرعي في حق المسلم  عموماً، وخصوصاً في حق ذوى الهيئات ومن يظهر منهم الصلاح والاستقامة، أو المذنب الذي يستخفي بمعصيته ولا يجاهر بها أمام الناس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة"  (رواه البخاري).

وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة في هذا الأسلوب التربوي القويم إذ قال: "إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم"  (رواه أبو داود). لأن الناس قريبون من التوبة والإصلاح ما داموا يشعرون أن أخطاءهم مازالت مستورة وأنهم مازالوا محتفظين بالسيرة الطيبة بين الناس .

كما أن الأمر بالستر على العاصي يوجّه المؤمن الذي رآه حال معصيته إلى التصرف السليم والمتّزن تجاهه، وهو الستر التام مع الشعور بالشفقة والاحتواء والأخذ بيده نحو التوبة وتصحيح الخطأ، مما يقطع على الشيطان طريقه إليه، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: "لو لم أجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلا ثوبي لأحببت أن أستر به عليه".

وإذا كان الستر واجبا شرعيا تجاه المسلمين عموماً، فإن الستر أوجب وآكد على الصغار الذين ما زالوا يتعلمون ويكتسبون خبراتهم من خلال الأخطاء نفسها، حيث أن كثرة الخطأ وتكراره وارد حدوثه منهم لقلة خبرتهم وعدم اكتمال إدراكهم للأمور.

وقد تتساءل –عزيزي القارئ- لماذا يقع الآباء في هذا الخطأ التربوي؟

قد يصدر ذلك عن كثير من الآباء والأمهات، لا عن عمد ولكن تساهلاً أو جهلاً أو تندراً..

 - تساهلاً في تقدير المردود التربوي لسلوك الآباء والأمهات تجاه أخطاء أبنائهم، فهم لا يتصورون أن تحدّث الأب أو الأم بأخطاء ولده وإعادة سرد ما صدر منه أمام الآخرين، من شأنه أن يحطم نفسيته ويفقده الثقة ويترك في نفسه أثراً بالغ السوء.

- أو جهلاً منهم بحرمة الطفل المسلم التي لا ينبغي أن تنتهك، حتى وإن كان هذا الطفل ولداً لهم، مما يعني أن الحديث عن أخطاء الطفل لا يحل بغير وجه مقبول شرعاً.

 - أو تندراً بمعنى اتخاذ أخطاء الطفل كنوادر وحكايات يُتندر بها في المجالس، من اجل الإضحاك والتفكه.

- الضجر والتشكي من عدم طاعة الأبناء أو عدم سيطرة الوالدين عليهما، وهذا يعكس إفلاساً تربوياً ملحوظاً.

الهدي النبوي تصحيح الخطأ مع ستر المخطئ

وقد كان من هدى النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا رأى شيئاً من أصحابه أو بلغه عنهم شيء، وأراد أن يدلهم على الحق فيه أنه لا يصرح بأسمائهم، ولكنه يلمح فيستر عليهم ويحصل مقصوده من النصح فيقول:"ما بال أقوام قالوا كذا و كذا"، كما في قصة الثلاثة الذين أتوْا بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألوا عن عبادته فكأنهم تقالّوها، فقال أحدهم:أما أنا فأصلى الليل أبداً.وقال الآخر: وأنا أصوم فلا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً.

فقال:"ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا".ثم قال:"ولكنى أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس منّي" (رواه البخاري ومسلم).

 وهذا المنهج النبوي لم يكن مع الكبار فقط، ولكن مع الصغار أيضاً، فإن للصغير حقا كالكبير تماماً في الستر على أخطائه وهنّاته، وعدم التشهير به وفضحه بين إخوته وأقرانه والمحيطين به، ومن أقوى وأشهر ما يستدل به على ذلك، هديه مع الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، فقد التحق بالنبي صلى الله عليه وسلم خادماً له وهو طفل صغير دون العاشرة ومكث في خدمته  عشر سنوات لا شك أنها كانت زاخرة بالأخطاء المتكررة من طفل في مثل هذا العمر، ومع ذلك لم يصلنا حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم يحكى فيه أخطاء أنس رضي الله عنه لأي سبب!! وإنما جاءت الأحاديث كلها برواية أنس نفسه، مبيناً إعجاز التربية النبوية التي جمعت بين الرحمة والحكمة والتوجيه، فتأتي الروايات هكذا:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي "أف"، ولا:"لم صنعت؟"ولا "ألا صنعت" - رواه البخاري، كتاب الأدب - ، وفي رواية:"فما أمرني بأمر فتوانيت عنه أو ضيعته فلامني، فإن لامني أحد من أهل بيته قال: "دعوه فلو قدّر أو قضي أن يكون كان".

كيف أثر التشهير على هذا الرجل؟!

 في هذه القصة التي أخرجها البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه قال:"كنت مع عمر في حجٍ أو عمرة فإذا نحن براكب، فقال: أرى هذا يطلبنا، فجاء الرجل فبكى، قال: ما شأنك؟ إن كنت غارماً أعنّاك، وإن كنت خائفاً أمّناك، إلا أن تكون قتلت نفساً فتقتل بها، وإن كنت كرهت جوار قوم حولناك عنهم. فقال الرجل:"إني شربت الخمر، وأنا أحد بني تميم، وإن أبا موسى جلدني وسوّد وجهي، وطاف بي في الناس، وقال:لا تجالسوه، ولا تؤاكلوه، فحدثت نفسي بأحد ثلاث:إما أن أتخذ سيفاً فأضرب به أبا موسى، وإما أن آتيك فتحولني إلى الشام، فإنهم لا يعرفوني، وإما أن ألحق بالعدو فآكل معهم واشرب! فبكى عمر، وقال :"ما يسرني أنك فعلت وأن لعُمَر كذا وكذا، وإني كنت لأشرب الناس لها في الجاهلية، وإنها ليست كالزنا.وكتب إلى أبي موسى:"سلام عليك،أما بعد، فإن ابن فلان أخبرني بكذا وكذا، وأيمُ الله، إني إن عدتَ لأسوّدنّ وجهك ولأطوفنّ بك في الناس، فإن أردت أن تعلم حق ما أقول فعد فأمر الناس أن يجالسوه ويواكلوه، فإن تاب فاقبلوا شهادته، وحمّله وأعطاه مائة درهم".

لا تذكر خطأ المرة الواحدة:

يضع لنا الإمام الغزالي قاعدة تربوية في هذه المسألة، يقول: "فإن خالف في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره لا سيما إذا ستره الابن، واجتهد في إخفائه، فإن إظهار ذلك عليه - أي فَضْحه والتشهير به - ربما يفيده جسارة حتى لا يبالى بالمكاشفة، فعند ذلك إذا خالف ثانياً فينبغي أن يعاقب سراً ويعظم الأمر فيه" (إحياء علوم الدين)

فلتحذر- عزيزي المربي- من التشهير بالابن إذا كان انحرافه عن سنن الأخلاق الكريمة يقع منه لأول مرة، فمثلاً: إذا كذب مرة فلا تناديه بالكذّاب، وإذا لطم أخاه الصغير مرة فلا تناديه بالعدواني أو الشرير، وإذا أخذ قلم أخيه بدون علمه فلا تناديه بالسارق، وإذا طلبت منه كأساً من الماء فأبى، فلا تناديه بالكسول، وهكذا.. لا تُشَهّر به أمام إخوته وأهله من الزلة الأولى، فهذا الأسلوب يجعل الابن ينظر إلى نفسه على أنه حقير مهين، ويقطع عليه طريق العودة إلى السلوك المنضبط بعد أن افتضح وشُهِر بزلته بين أقرانه والمحيطين به.

عواقب التشهير بالأبناء والتساهل في غيبتهم:

- نفور الناس من أبنائك، فالناس عادة تتعاطف مع الأب أو الأم بغض النظر هل كلامهما صحيح أم لا وبغض النظر هل هما على حق أم لا؟ والنفوس تتأثر بكلام غيرها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يُبلِّغُني أحدٌ عن أحدٍ مِن أصحابي شيئًا فإنِّي أحبُّ أن أخرجَ إليكُم وأنا سليمُ الصدر"ِ، والناس إذ تسمع من الأب أو الأم شكواهم تسمع من طرف واحد وتتعاطف معه تلقائياً.

- استباحة الغير أن يتحدث عن أبنائك بالسوء (بالأخص المقربين كإخوتهم وإخوانهم والأهل والجيران) كونهم يرون والديه يستبيحان التحدث عنه، مما يتسبب في ملء القلوب بالضغائن والعداوة وقطع الود والمحبة بينهم وبين أبنائك، وتكوين فكرة سيئة لدى المحيطين عن الأبناء.

- إدخال الحزن على قلوب الأبناء مما يؤدي لبعدهم عن الوالدين، بسبب تحدثهما عن أخطائهم أمام الناس، أو دوام تذكيرهم .

وأخيرا عزيزي المربي..

إنّ علينا أن نتعامل مع أخطاء الأبناء على نظام "طيّ الملفات"، فهي ملفات غير قابلة للنشر، فإذا وقع الابن في خطأ كبير أو صغير في مرحلة من مراحل حياته، ثم أقلع عنه صار لزاماً علينا أن ننسى ذلك الخطأ، وأن نساعده على نسيانه، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له،وبذلك نؤدي إليه حقه في التعامل الكريم مع أخطائه وفي صناعة ذكره الجميل وسط أقرانه والمحيطين به.

عدد المشاهدات 980

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top