آذيت ابنك بتدليله

14:01 20 أكتوبر 2016 الكاتب :   المستشار التربوي يحيى البوليني

ذات يوم وقف أحدهم في المرآة ليصلح من هيئته، فوجد كثيراً من الأخطاء التي يجب أن تصحح، لكنها بدلاً من أن يوجه يده ناحية جسده لتصحيح الخطأ، بدا يتجه إلى المرآة ليصلح فيها، فلم يصل إلى شيء، وانفق وقتاً وجهداً وربما مالًا وعمراً، وجرحت يده وما استطاع لهيئته تصويباً ولا تعديلاً!

هذا هو حالنا عند تقييم أبنائنا، فسلوك وتصرفات أبنائنا – بعد إرادة الله – من صنع أيدينا، وكل خطأ سلوكي ظهر فيهم مر علينا وهو لا يزال نبتة صغيرة، ولكننا لم ننتبه أو لم نكن متفرغين لأبنائنا مشغولين عنهم أو رأيناه وأهملناه أو استخففنا به فتكرر وتكرر، ثم تقرر واستفحل حتى صار مشكلة كبرى وصعب الآن علاجها، لأن الله وهبنا أبناءنا لا يعرفون من هذه الدنيا شيئاً؛ (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {78}) (النحل)، ولهذا فعند كل خطأ تربوي يقع فيه الأبناء لابد للأبوين أن يوجها أصابعهما تجاه نفسيهما ثم يتوكلان على الله ويطلبان المعونة منه ويتجها بداية إلى أنفسهما لإصلاح أبنائهما.

وعادة ما يقع الناس كثيراً مع طرفي نقيض في المشكلات السلوكية مع أبنائهم، وهي مشكلة عدم التوسط، فبين الإفراط والتفريط تكمن معظم المشكلات السلوكية للأبناء صغاراً وكباراً.

وتتكرر شكوى غالبية الأسر من وجود طفل أو أكثر فيهم سلوكيات مختلفة؛ مثل العناد أو الأنانية أو قسوة الطباع والتسلط وقلة الصبر والملل وعدم الاحترام للغير حتى للأبوين، ولا يدرون أن السبب في كل هذه المشكلات الجانبية هو خطأ تربوي ناتج عن انتهاج سلوك تربوي خاطئ من الأبوين، ويحتاج الأبوان فيه إلى تعديل أفكار ومناهج قبل أن يحتاج أبناؤهما إلى تعديل سلوك، وهذا الأسلوب التربوي الخاطئ يسمى أسلوب "التدليل الزائد أو الإفراط في التدليل".

وتبدأ المشكلة في المبالغة في الحب، فربما يشعر أحدنا بالتقصير تجاه آبائه في عصر ازداد فيه انشغال الآباء بالعمل والشواغل الأخرى، فلم يكن هناك وقت كبير يمنحه الأب لأبنائه، فيضطر إلى أن يخفي شعوره بالذنب في تقصيره بتدليل أبنائه في الفترة التي يتواجد فيها معهم فلا يرفض لهم طلباً، ويلبي لهم كل ما يحتاجونه ويطلبونه، ولا يمكن أن يسمعوا منه كلمة "لا".

ويمكن أن يكون السبب أيضاً ما شهده العالم كله من تغيرات اقتصادية جعلت من الظروف الاقتصادية العامة لمعظم الدول العربية في فترات سابقة أقل بكثير مما هي عليه الآن، فهناك أجيال كثيرة ربيت على قلة ذات اليد، وكانت لها أمنيات طفولة لم تتحقق، فربما عانى الأب أو الأم من حرمان ما، وتجرعا آلامه؛ فقررا أن يجنبا أبناءهما مثل هذا الحرمان، فكان رد فعلهما عكسياً، وبدءاً بتلبية كل احتياجاتهم ظناً منهما أنهما ينفعانهم بذاك، وهنا أفسدا من حيث يريدان الإصلاح، وكم من مريد للإصلاح لا يبلغه!

الطفل المدلل بإفراط

- الطفل المدلل أناني: ينشأ هذا الطفل أنانياً لا يعرف سوى رغباته وأهوائه فقط، لا ينظر لأحد، لا يهتم بحق أحد، اعتاد على أن ما يطلبه سيأتيه بغض النظر عن الظروف والحقوق والأوقات والإمكانات، لا يعرف كل هذا، وكل ما يعرفه هو أن تلبى طلباته فقط.

- الطفل المدلل متسلط: لا يتحمل أن يؤخر له طلب ويمارس تسلطه على من قام بتدليله أولاً، فهو أو من سيدفع ثمن تدليله، سيمارس التسلط على الخدم إن وجد، على الإخوة والأخوات، على الأصغر ثم الأكبر ثم تزداد دائرته، وإن لم يُقوّم سيمارس تسلطه على معلميه إن كان يشعر أنه – بمركز أبيه أو بماله - في مركز قوة على مدرسته، ثم ينشأ متسلطاً دكتاتوراً في أي عمل يعمله وعلى جميع من حوله، ولن يتحمله أحد، وهو أيضاً لن يصبر على أحد.

- الطفل المدلل سريع الغضب: وربما يمارس غضبه بداية بصورة مأمونة متحملة في صغره، لكنها إن لم تُقوّم سيمارس غضبه بصورة أشد عنفاً وأبعد أثراً وخطراً، وربما تتسبب في ارتكابه جرائم قد تؤثر على مستقبل حياته.

- الطفل المدلل سريع الملل: الحاجات والرغبات البشرية كثيرة وليس لها حد، والإنسان بطبعه سريع الملل، فلو كان طفلاً مدللاً بإفراط ونشأ واستمر على ذلك، لن يستمر في مكان ولا في عمل ولا في علاقة زواج بعد كبره ولن يكون على استعداد للتضحية بشيء من أجل أحد ولا من أجل أي قيمة ولن يهتم أو يلتفت إلا لرغباته فقط.

- الطفل المدلل متمرد لا يخضع للقوانين: من اعتاد على تلبية كل الطلبات - أو بمعنى أدق وفق منظوره - الأوامر التي يصدرها لا يتحمل أبداً أن يكون في موضع خاضع لقانون، فدائماً يحاول التمرد على القوانين الاجتماعية أو الرسمية العامة، وبالتالي يعاني في حياته من مشكلات عدة بسبب عدم انضباطه.

أهمية وضرورة وجود كلمة "لا"

من الأهمية بمكان في التربية كنصيحة عامة وحتمية أن يكون في مفردات سماع الابن ومفردات نطق المربين والآباء والأمهات ضرورة وجود كلمة "لا" عند التربية، فحتى لو كان الأمر غير مكلف أو كان يسير الحصول عليه أو في متناول الإنسان في أي وقت دون عناء؛ من الضروري أن يسمع الطفل من أهله ومربيه كلمة "لا" أو على الأقل كلمة "ليس الآن".

ولكن يجب الانتباه إلى أنها لا بد وأن تكون حاسمة، فلا يتم تغييرها بعدها بـ"نعم"، فلا تكون لمجرد التهديد فقط، وفي المقابل لا بد وأن تكون في موضعها الصحيح، فكثرة استخدامها تفسدها ولا تحقق لها قيمتها التربوية.

إنها الكلمة السحرية التي لا غنى عنها في التربية، وبدونها لا توجد تربية، فهي التي تكبح جماح الطفل، وتخبره بأن هناك في الكون ممنوعات، وأنك لست سيد هذا الكون، فلا الكون يأتمر بأمرك ولا ينتهي بنهيك، فكل مطلوب وقت مناسب وظروف متاحة ولا يتوافر في كل وقت بمجرد رغبتك، ولنتذكر جميعاً تلك الجملة المهمة التي أضحت قانوناً تربوياً إسلامياً مهماً جداً: "أوكلما اشتهيت اشتريت؟!".

إن كلمة "لا" توجد لدى ذاكرة الطفل ونفسيته أرضية فكرية، وتلقي في عقله وقلبه بذرة نفسية لتقبل فكرة المنع، بداية بوجود أعراف اجتماعية تحكم تصرفاتنا تبدأ بـ"لا ينبغي ولا يصح"، وهناك تطورات ونضج للشخصية يجب أن يوضع في الحسبان تبدأ بـ"لقد كبرت لا يصح منك الآن"، وهناك كمرحلة ثالثة تصرفات نخضع فيها لأحكام رب العالمين بعد البلوغ تبدأ بـ"لا يجوز شرعاً".

فمن لم يسمع أبداً في حياته كلمة "لا" في أي رغبة، كيف يمكننا إقناعه أو إلزامه أن يتوقف عن شيء أو ينتهي عنه إذا قيلت له كلمة: "لا يجوز لك هذا أو هذا محرم"؟!

عدد المشاهدات 622

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top